الاثنين، 6 يوليو 2026

منهج التحرير والإنصاف في دراسة المذاهب العقدية: الأشاعرة ومخالفوهم نموذجاً

 

منهج التحرير والإنصاف في دراسة المذاهب العقدية: الأشاعرة ومخالفوهم نموذجاً

يعاني الخطاب الدعوي والبحثي المعاصر في كثير من أطروحاته من أزمة منهحية حادة عند تناول المذاهب الإسلامية وتاريخها العلمي. ويتجلى هذا الخلل وضوحاً في التعاطي مع مذهب "الأشاعرة"، الذي يمثل السواد الأعظم من علماء الأمة عبر القرون في الفقه والتفسير والحديث وسائر العلوم. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة لإرساء معالم "منهج الإنصاف والتحري" في نقد هذه المذاهب وتفكيك الاتهامات التي تُوجّه إليها بعيداً عن الغلو أو السطحية.

أولاً: الضوابط المنهجية المفقودة في نقد الأشاعرة

إن أولى ركائز البحث العلمي الاستقصائي هي التوثيق من المصادر المعتمدة. ومن المآخذ البارزة على الخطاب المناوئ للأشاعرة قيام بعض الباحثين بنسبة أقوال وتهم عريضة إليهم دون الاستناد إلى نصوص صريحة من أمهات كتبهم، والاعتماد بدلاً من ذلك على ما يُنقل في كتب خصومهم، وهو مسلك يجافي الأمانة العلمية.

ويرافق هذا العجز المنهجي تجاهلٌ تام للأدلة الشرعية؛ حيث يُصوّر الأشاعرة في تلك الأطروحات كمن يتبنى عقيدته بناءً على مجرد أبيات شعرية أو آراء مجردة (كالاتكاء على بيت الأخطل في مسألة الكلام النفسي)، مع إغفال تام للترسانة الضخمة من الأدلة القرآنية والحديثية والآثار السلفية التي يستدل بها علماء المذهب.

أضف إلى ذلك غياب تحرير المصطلحات؛ كقصر مفهوم "أهل السنة والجماعة" في معناه الأخص على اختيارات الشيخين ابن تيمية وابن القيم ومن وافقهما فقط، وإخراج من سواهم. وفي هذا السياق، يُستذكر ما نصح به الشيخ ابن تيمية نفسه أحد العلماء حين قرر: أن إفراد إنسان لطائفة منتسبة لمتبوع وتسميتها "أهل الحق" وإشعار من خالفها بأنه من أهل الباطل هو من شأن أهل الأهواء والبدع، إذ الحق لا يدور مع شخص بعينه إلا رسول الله ﷺ.

ثانياً: تفكيك الفِرى والشائعات

يقع كثير من المنتقدين في فخ الأحكام المرسلة التي تدحضها الحقائق والكتب؛ ومن ذلك رمي الأشاعرة بـالغلو في الإرجاء، وهي دعوى باطلة، إذ إن حقيقة معتقد المرجئة هو القول بأن "لا يضر مع الإيمان ذنب"، وهو قول لا تنطق به كتب الأشاعرة ولا يتدين به أحد منهم قط.

وكذلك دعوى تكفيرهم لعلماء السلف أو من قال بالعلو، وهو محض اختلاق. ويمتد هذا الاعتساف إلى محاولة ربط التراث الأشعري بالمستشرقين، والزعم بأن الغرب يروج لهذا الفكر؛ وهي حجة داحضة لأن حركة الاستشراق قامت بنشر التراث الإسلامي على اختلاف فنونه ومذاهبه، فنشروا كتب التفسير والحديث، بل ونشروا كتباً ناصرة لعقيدة السلف ككتاب "الرد على الجهمية" للإمام الدارمي.

ثالثاً: الموقف المنصف من ابن تيمية ونقده علمياً

عند دراسة التاريخ العلمي، نجد أن جمهور الأشاعرة وقضاة المذاهب الأربعة في عصر الشيخ ابن تيمية لم يحكموا بتكفيره أو زندقته، بل اعترفوا بمكانته وسعته العلمية ولقبوه بـ"شيخ الإسلام"، وإنما جرى الزجر والسجن بناءً على مسائل اجتهادية أنكروها عليه في الأصول والفروع (كالحلف بالطلاق ومنع شد الرحال). كما يجب تنزيه ابن تيمية عن المفتريات التي أُلصقت به في بعض كتب الفقهاء اللاحقين (كادعاء التقي الحصني أنه يشبّه الله بخلقه أو يكفر الأئمة الأربعة)، فكتب الشيخ طافحة بتنزيه الله وتوقير الأئمة، وتلك الأخبار منقطعة الإسناد ومكذوبة عليه.

ومع هذا الإنصاف للشيخ، فإن المنهج العلمي يقتضي بيان مواضع الخلل التي دخلت في بعض اختياراته نتيجة الاعتماد على روايات ضعيفة أو آثار إسرائيلية المصدر، ومنها:

  1. مسألة حوادث لا أول لها: إنكاره لعبارة "ولا شيء معه" في الحديث الشريف وترجيحه لرواية "ولم يكن شيء قبله"، مما أفضى به وبأتباعه إلى القول بـ"القدم النوعي للعرش"، وهو من البدع الاعتقادية.

  2. حديث الأوعال: إثبات الجهة المكانية بناءً على هذا الحديث، رغم ضعف سنده وانفراد سماك بن حرب به ونكارته.

  3. أثر عكرمة: اعتماده عليه في إثبات لفظ "البعض" في ذات الله تعالى، وهو خلط بين صفات الذات وصفات الفعل.

  4. مرسل الزهري: استشهاده به في مسألة سماع موسى لكلام الله، في حين أن إسناده يعود في الحقيقة إلى "كعب الأحبار" من مرويات أهل الكتاب الموهمة للصوت المادي الحسي.

رابعاً: الأشاعرة والمذاهب الفقهية الأربعة

إن محاولة فصل الأشاعرة عن أئمة الفقه والسلوك مسلك يعوزه التحقيق التاريخي؛ فجمهور وفقهاء المالكية والشافعية هم أشاعرة، وجمهور الحنفية ماتريدية (وهم والأشاعرة شيء واحد في الأصول). والأقوال المنقولة في ذم الأشعرية إما شاذة لا تمثل المذهب (كابن خويزمنداد في المالكية)، أو منقطعة الأسانيد ومقحمة تاريخياً (كالعقيدة المنسوبة لابن سريج التي ذكرت "الأشعرية" كطائفة قبل ظهورهم التاريخي كمذهب متبوع).

وحين نطالع نصوص كبار الأئمة، كالإمام أبي إسحاق الشيرازي الشافعي، نجد نصوصه صريحة في إثبات أشعريته وموافقته لمقررات المذهب في نفي الجسمية والملاصقة والاستقرار والرد على المشبهة. كما أن العقيدة الطحاوية (التي تمثل الحنفية) تتطابق مع الأشاعرة في تنزيه الله عن الحدود والغايات والأعضاء والجهات، وفي إثبات الكسب في أفعال العباد. وهو المنهج ذاته الذي سار عليه أئمة السلوك والتصوف الحقيقي (كالرسالة القشيرية والشيخ أحمد الرفاعي) في نفي الجهة والمكان والحروفية.

خامساً: وحدة معيار النقد في الجرح والتعديل

ختاماً، يجب ألا يُبنى تقييم المذاهب على عثرات أفرادها أو الروايات المنفردة؛ فالطعون الموجهة لأئمة الكلام كالفخر الرازي أو الآمدي مردود عليها؛ إذ إن كتاب "السر المكتوم" مختلق على الرازي، وحيرته المزعومة تراجع عنها في وصيته الشهيرة مقبلاً على تدبر القرآن وعظمة الله، والآمدي ما رُوي عنه من ترك الصلاة كان لعلة أو مرض يبطل الظنون الجائرة.

إن وحدة المعيار تقتضي أن ندرك بأن وجود جرح لبعض علماء الأشاعرة لا يقدح في مذهبهم إجمالاً، تماماً كما أن وجود تراجم لعلماء من الحنابلة دخلهم وهمٌ أو اتهام بالوضع أو التشبيه (مثل ابن بطة العكبري وزياداته المنكرة) لا يصح أن يكون مسوغاً للطعن في المذهب الحنبلي بأكمله. فالمعيار الأسمى والميزان العادل الذي يجب أن يتسلح به الباحث هو رد المقالات كلها -بلا تحيز- إلى محكم الكتاب والسنة وفهم الصدر الأول من الأمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق