🔎 هل أسانيد تحريم "المعازف والغناء" صحيحة؟ | تحقيق حديثي رصين (الجزء الثاني)
تذكير بالجزء الأول: تفككنا سابقاً طُرُق "حديث المعازف الشهير" وبيّنا علله المتمثلة في الانقطاع والجهالة والضعف (كعطية بن قيس، ومالك بن أبي مريم، واختلاط هشام بن عمار). اليوم نستكمل بقية الأسانيد الواردة في المروعات، والموقوفات، ومسار "الغناء المجرّد".
🛑 تابع المسار الأول والثاني: بقية أحاديث "المعازف والملاهي"
نستعرض هنا تفكيك الطرق المتبقية للروايات المرفوعة والموقوفة التي نصت على المعازف أو الآلات بعينها:
1️⃣ حديث أنس بن مالك (في حرمان مدمن الخمر والعازف من سلام جبريل):
العلة: ساقط بمرّة؛ مداره على عباد بن عبدالصمد أبي معمر، وهو (منكر الحديث جداً) ولا يُحتج به. (رواه العقيلي في الضعفاء).
2️⃣ حديث صفوان بن أمية (قصة عمرو بن قرة وعزف الدف):
العلة: مسلسل بالكذابين والمجاهيل؛ مداره على يحيى بن العلاء (متروك الحديث)، عن بشر بن نمير القشيري (كذاب)، عن يزيد بن عبدالله المكي (مجهول العين والحال). (رواه ابن ماجة والطبراني).
3️⃣ حديث ابن مسعود المرفوع (إياكم واستماع المعازف فإنهما ينبتان النفاق):
العلة: فيه متهم بالكذب؛ مدار السند على يعقوب بن أحمد (مجهول)، عن إبراهيم بن حيان الأنصاري الذي قال فيه الذهبي: "متهم بالكذب"، وقال العقيلي: "يحدث عن الثقات بالبواطيل". (رواه ابن عساكر).
4️⃣ حديث ابن مسعود المرفوع (اشتراط إجابة الدعوة بعدم ظهور المعازف):
العلة: فيه وضاع ومجاهيل؛ مداره على اليمان بن سعيد (ضعيف)، عن الوليد بن عبدالواحد (مجهول الحال)، عن ميسرة بن عبد ربه وهو (وضاع مشهور). (رواه الطبراني وأبو نعيم).
5️⃣ حديث ابن عباس المرفوع (أشراط الساعة واتخاذ جلود النمور والقينات):
العلة: ظلمات بعضها فوق بعض؛ السند مليء بالمجاهيل (محمد بن الحسن، وأبو سعيد بن ميسرة، والخواتيمي)، وفوق ذلك يروونه عن سليم بن مسلم الخشاب وهو (كذاب). (رواه المعافى بن زكريا).
6️⃣ حديث ابن مسعود المرفوع (أعلام الساعة ظهور المعازف والكبر):
العلة: ضعيف جداً؛ مداره على سيف بن مسكين وهو (ضعيف جداً)، يرويه عن مبارك بن فضالة وهو (موصوف بقبح التدليس). (رواه الطبراني).
7️⃣ حديث حذيفة المرفوع (يتخذون القينات والمعازف فيملى لهم):
العلة: فيه مجاهيل ومناكير؛ السند يعتل بأحمد الجمال، وعبدالواحد البجلي (وكلاهما مجهول)، وعن محمد بن كثير القرشي وهو (منكر الحديث). (رواه الشجري).
8️⃣ حديث ضرار بن الأزور (أبيات: تركت القداح وعزف القيان...):
جاء هذا الخبر من 6 طرق مختلفة، وكلها واهية وتالفة:
الأول: محمد بن إسحاق (مدلس وقد عنعنه) عن داود بن الحصين (روايته عن عكرمة منكرة).
الثاني والثالث: مدارها على عاصم بن بهدلة (كثير الخطأ)، ويروي عنه كذابون ومتروكون كالأثرم الباهلي وغسان السلمي.
الرابع: مسلسل بأربعة مجاهيل ومتروكين في نسق واحد (الزهري، وماجد، وأبوه، وجده).
الخامس والسادس: من رواية محمد بن عثمان بن أبي شيبة وهو (وضاع).
9️⃣ الأثر المحكي مرفوعاً (استماع الملاهي معصية، والجلوس عليها فسق...):
النتيجة: لا أصل له؛ ليس له إسناد يُعرف في كتب الأثر مطلقاً.
🏛️ الآثار الموقوفة في هذا الباب:
أثر ابن عباس الموقوف (الدف حرام والمعازف حرام..): مداره على أبي هاشم الكوفي وهو (مجهول لا يُدرى من هو). (رواه البيهقي).
أثر ابن عباس في التفسير (لهو الحديث هي المعازف): إسناده (سلسلة واهية جداً تالفة) تُعرف بـ "تفسير العوفي"، وفيه ثلاثة رواة منكرون ومتروكون بعضهم عن بعض. (رواه ابن أبي حاتم).
أثر أنس بن مالك (أخبث الكسب كسب الزمارة): مداره على خالد بن محدوج الواسطي وهو (كذاب). (رواه ابن أبي الدنيا).
أثر علي بن أبي طالب (لا يغفر لصاحب عرطبة أو كوبة): جاء من 4 طرق، وكلها تدور بين مجاهيل، وضّاعين (كالمسيب بن واضح)، أو متهمين بالوضع والكذب (كنوف البكالي، وسدير بن حكيم).
🛑 القسم الثالث: الأحاديث التي ذكرت "الغناء" مجرداً (دون المعازف)
هذا المسار يناقش الأحاديث التي منعت مجرد إنشاد الصوت الملحن (الغناء والجواري) دون ذكر الآلات الموسيقية:
1️⃣ أحاديث تحريم بيع المغنيات وكسبهن:
حديث أبي أمامة (لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن): له 3 طرق؛ مدار الأول على عبيد الله بن زحر عن القاسم (وهذا السند ضعيف جداً ومتروك)، والكسائي العنسي ومسلمة بن علي (وكلاهما منكر الحديث جداً).
حديث عبدالله بن عمرو بن العاص: مداره على جعفر الكوفي (مجهول)، وناشب بن عمرو (منكر الحديث)، ومقاتل (ضعيف)، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (وهي نسخة ضعيفة).
حديث علي بن أبي طالب: في سنده الحارث بن نبهان (متروك)، والحارث الأعور (كذاب مشهور).
حديث عائشة (إن الله حرم القينة وبيعها): مداره على ليث بن أبي سليم (مجمع على سوء حفظه وضياع حديثه) وفيه مجاهيل.
حديث ابن عباس (ثلاثة لا حرمة لهم.. المغنية ممحوق مالها): في سنده إسماعيل بن زياد السكوني وهو (كذاب مجمع على تركه).
2️⃣ أحاديث وعيد من عنده جارية أو استمع إليها:
حديث عائشة (من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه): في سنده عمرو بن موسى الحمصي وهو (وضّاع)، ومكحول لم يدرك عائشة أصلاً (انقطاع كبير).
حديث علي (من مات وله قينة فلا تصلوا عليه): مداره على خارجة بن مصعب وهو (كذاب).
حديث أنس (صب الله في أذنيه الآنك -الرصاص المذاب-): في سنده سعيد الحلبي (مجهول الحال)، وأبو نعيم عبيد بن هشام (ضعيف).
حديث أبي هريرة (لعن النائحة والمغني والمغنى له): في سنده عمر بن يزيد المدائني (منكر الحديث)، والحسن البصري لم يدرك أبا هريرة (منقطع).
حديث عمر بن الخطاب (النظر إلى المغنية حرام..): مداره على يزيد بن عبدالملك النوفلي وهو (متروك الحديث).
3️⃣ أحاديث "الغناء ينبت النفاق في القلب":
حديث أنس (إذا استعملت أمتي خمساً.. اتخذوا القيان): له 3 طرق؛ طرقها تدور بين كذابين ومناكير (كعمرو بن الحصين، والفضل بن عميرة، وعباد بن كثير).
حديث ابن مسعود الشهير (الغناء ينبت النفاق...): له 5 طرق؛ المرتفع منها في سنده راوٍ (مبهم مجهول)، وبقية الطرق الأربعة موقوفة ومقطوعة لا تصح، وتدور على مجاهيل ومنقطعين لا عهد لهم بابن مسعود كليث بن أبي سليم وإبراهيم النخعي.
حديث جابر بن عبدالله: مداره على محمد بن صالح الأشج (متروك)، وعبدالعزيز بن أبي رواد (منكر الحديث).
حديث أبي هريرة: مداره على العمري الوالد وولده (وكلاهما متروك الحديث).
حديث أنس (الغناء واللهو ينبتان النفاق..): مداره على أحمد بن الجارود وهو (كذاب).
4️⃣ أحاديث متفرقة ومحاكمات تاريخية:
حديث ابن عباس (إذا ركب العبد الدابة ولم يذكر اسم الله ردفه الشيطان وقال له تغن): مداره على يحيى بن صالح الأيلي وهو (منكر الحديث).
أحاديث تبرؤ عثمان بن عفان (والله ما تغنيت ولا تمنيت منذ بايعت): وردت القصة من طرق عن أنس وزيد بن أرقم؛ وكل أسانيدها تالفة تدور بين كذابين وضّاعين (كأبي بهز صقر، وعبدالأعلى بن أبي المساور، والمنصور الهروي، وعمرو بن عبدالغفار).
حديث ابن عمر ومعاوية (النهي عن الغناء والنوح): أحاديث تعتل بالانقطاع (ميمون لم يدرك ابن عمر) أو بجهالة الرواة (كأبي حريز كيسان مولى معاوية).
حديث أبي أمامة (إن الله يبغض صوت الخلخال كالغناء): في سنده جعفر بن محمد (متهم بالكذب) وابن لهيعة (ضعيف).
بلاغ عبدالملك بن حبيب (المغني أذناه بيد شيطان): خبر (معضل ساقط) من أتباع التابعين، وفي سنده عبدالملك وهو مجهول الحال.
⚠️ مروية صوت الغناء المنسوب لمعاوية وعمرو بن العاص:
الحديث (اللهم أركسهما في الفتنة ركساً): جاء من 5 طرق؛ وكلها ضعيفة جداً أو مكذوبة؛ ففيها يزيد بن أبي زياد (ضعيف جداً)، وعيسى بن سوادة (كذاب)، وشعيب بن إبراهيم (مجهول منكر الحديث)، وعمرو بن عبدالغفار (وضّاع). والقصة منكرة متناً وسنداً.
(يتبع في الجزء الثالث والأخير: الخلاصة الفقهية لجهابذة الحديث، وكيف وجّه الفقهاء المتقدمون هذه المرويات الواهية في مصنفاتهم...)
#تحقيق_حديثي #علم_الحديث #تخريج #علل_الحديث #الجديع #نقد_الأسانيد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق