قواعد في معرفة البدعة وضوابط التبديع
دراسة تأصيلية لتفكيك الانحراف المعاصر في مسائل الأحكام والهجر
شهد الفكر المنهجي المعاصر انحرافاً حاداً في باب التبديع وفهم البدعة، وتحديداً عند (السلفية المدخلية)؛ حيث انقلبت القواعد السلفية المستقرة رأساً على عقب. فبينما يشتد هؤلاء ويسارعون إلى التبديع والخصومة والهجر في المسائل الخفية والفروع الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف، تراهم يقعون في التمييع ومذهب (الموازنات) عند التعامل مع البدع الظاهرة والأصول المنكرة، معطلين أحكام السلف الزجرية بدعوى "انتظار إقامة الحجة" أو "البحث عن المعاذر والتأويلات" لأعيانٍ تلبسوا بضلالات مشتهرة.
إن تتبع أصول التبديع عند السلفية المدخلية يكشف عن خلل منهجي مركب وقواعد باطلة أحدثت فوضى عارمة في واقع الشباب اليوم؛ هذا الخلل ناتج عن قلب حقيقة فقه السلف في التعامل مع المخالف. فالتيار المدخلي يعاني من انفصام أدائي؛ حيث يمارس الغلو والتعالم البغيض بإخراج المخالفين لهم في مسائل فرعية خفية من السلفية، وفي المقابل يبتدعون شروطاً وموانع لم ينزل الله بها من سلطان لمنع التبديع في الأصول الكبرى والبدع الظاهرة. ولبيان وجه الحق ودحض هذا المسلك المحدث، نستعرض قواعد السلف المنضبطة في أربعة أركان:
أولاً: حد البدعة والفرز الحاسم بين المعاصي والابتداع
يقع التيار المدخلي المعاصر في تداخل خطير واضطراب بين مرتبة المعصية ومرتبة البدعة، بينما أصل التفرقة عند أئمة المتقدمين (كالشاطبي والسجزي) يقوم على الفصل الحاسم بين نوعين من الانحراف:
المعصية: وهي المخالفة الناشئة عن غلبة الهوى والشهوة، مع بقاء صاحبها مقراً بأصل الحكم والتشريع، ودون أن يضع لنفسه مسلكاً يضاهي به الشريعة.
البدعة: وهي إحداث طريقة في الدين تضاهي المشروعة، يُقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد، وضبط ذلك بضرب الحدود، وتعيين الكيفيات، والتزام الهيئات أو الأزمنة بصفة دائمة.
مكمن الخلل المعاصر: يكمن انحراف السلفية المدخلية هنا في مسارعتهم إلى تبديع وتجديع من وقع في معصية عمليّة، أو خالف شيخاً من شيوخهم في مسألة اجتهادية يسوغ فيها الخلاف، فيعاملونه معاملة المبتدع المحدث بالهجر والإسقاط. بينما المبتدع حقيقة في ميزان الشريعة هو من يقدم فهمه وعقله وقواعده المخترعة على النقل الصحيح والآثار السلفية؛ كمن يردّ أخبار الآحاد في العقائد بدعوى أنها لا تفيد العلم.
ثانياً: معيارية "الظهور والخفاء" وعلاقتها بإقامة الحجة
من القواعد الباطلة التي تستر بها التيار المدخلي لتمرير مواقفه الانتقائية: إطلاق القول بأن التبديع العيني لا يكون إلا بعد إقامة الحجة مطلقاً، والتوقف في تضليل من تلبس ببدعة ظاهرة بدعوى عدم معرفة حاله (هل هو معاند أم متأول؟). والصواب الذي استقر عليه عمل أئمة السلف هو التفريق الصارم بين مرتبتين:
1. البدع الظاهرة (الأصول الكبرى)
وهي المسائل الفاصلة التي اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة؛ كبدع الخوارج، والرافضة، والقدرية، والتعطيل، والقبورية، والتحزبات المعاصرة القائمة على ولاء وبراء محدث.
الضابط السلفي: إطلاق اسم المبتدع وصم العين بالمخالفة في أحكام الدنيا في هذه المرتبة لا يفتقر إلى شرط أو مانع، ولا يتوقف على علمنا بكون المخالف معانداً أم متأولاً؛ إذ الأحكام تجري على الظاهر البادي، والقول بالتعذير بالتأويل مطلقاً في هذه الأبواب تفريط في حماية بيضة الدين.
موقف السلف من الواقفة: يُستدل بمسلك الإمام أحمد في تبديع "يعقوب بن شيبة" وتغليظ القول في "الواقفة" في القرآن (الذين لم يقطعوا بخلق أو عدم خلق اللفظ تورعاً في الظاهر)، حيث اعتبرهم السلف شرّاً من الجهمية الواضحين، لأنهم يستترون بالوقف ويشبهون على العامة، فلم يمنع جهلهم أو تورعهم البدعي من تضليلهم وإطلاق الوصف عليهم.
2. البدع الخفية (المسائل الدقيقة)
وهي المسائل الدقيقة التي يخفى دليلها ويتطرق إليها الاجتهاد واستنباط الأحكام. وفي هذه المرتبة يُقبل التوقف، ويُصار إلى البيان وإيضاح المحجة وتلمس العذر للمنتسب إلى السنة إذا زلّت به القدم في فرع عقدي خفي (وهو تفصيل يعكس تناقض المداخلة الذين يبدعون في الخفيات والاجتهاديات، ويعذرون في الظاهريات).
ثالثاً: الانفصام المنهجي بين أحكام الدنيا وعقوبة الآخرة
حل الإشكال العويص الذي تضطرب فيه الأفهام المعاصرة يرجع إلى قاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية الذهبية التي هدمت مسلك التكفير والتبديع المبتدع:
«عقوبة الدنيا غير مستلزمة لعقوبة الآخرة، ولا بالعكس».
وبناءً عليه، يتم التفريق الحاسم بين الحكم الدنيوي الزجري والحكم الأخروي:
في الدنيا: يُعامل المتلبس بالبدعة الظاهرة بأحكام المبتدعة (تسميته مبتدعاً، هجره، زجره، والتنكيل به إن كان داعية) لدفع ضرره وفساده عن المسلمين، ولصيانة الشريعة من التبديل، دون اشتراط التفتيش عن باطنه وتأويله.
في الآخرة: يظل أمره إلى الله؛ فقد يكون المرء "مبتدعاً مخطئاً في أحكام الدنيا، ومغفوراً له في الآخرة" لقيام مانع من الموانع في حقيقته عند الله، كاجتهادٍ بذل فيه وسعه ولم تبلغه الحجة، أو لجهل يعذره الله به، أو لحسنات ماحية عظيمة.
وهذا يماثل إقامة الحدود في الدنيا على من تاب توبة نصوحاً؛ حيث يُقام عليه الحد زجراً وتطهيراً في الدنيا حماية للمجتمع، وهو معذور أو مغفور له في الآخرة.
رابعاً: إسقاط "منهج الموازنات" المحدث في تصنيف الأعيان
وقع التيار المدخلي في مذهب محدث يشابه "منهج الموازنات" الذي طالما ادعوا محاربته، وذلك عبر تبنيهم تقعيداً يزعم أن المخالف في أصل من أصول السنة لا يوصف بأنه مبتدع بإطلاق، بل يُقال: "سلفي فيما وافق، مبتدع فيما خالف".
ويرى محققو أهل السنة خطأ هذا التقعيد من جهتين:
مخالفة الإجماع العملي: أن هذا التقسيم والتفصيل والتوزيع لم يُعهد عن الصحابة ولا التابعين ولا أئمة السلف عند محاكمتهم لأرباب المقالات والنحل؛ بل كانوا يلحقون المخالف بفرقته مباشرة.
إبطال باب التبديع بالكلية: لو فُتح هذا الباب وسُلّم به، لما وجدنا مبتدعاً واحداً في تاريخ الإسلام؛ إذ ما من صاحب بدعة (حتى الأشاعرة والماتردية والكلابية، بل والشاطبي الأشعري الذي قعّد لعلم أصول البدع في الاعتصام دون أن يمنع ذلك من تصنيفه عَقَدياً في خانة المخالفين للسلف في الصفات والقدر) إلا ولديه موافقات جزئية لأهل السنة في بعض الأبواب، أو لديهم مصنفات تخدم الدين من وجوه أخرى.
لذا؛ فإن الاتفاق في أصل من أصول المخالفة المشهورة، أو قيام التميز والتحزب عليها، يوجب إلحاق العين بالفرقة وتسميته بها زجراً وصيانة؛ فيُقال قديماً: (جهمي، خارجي، قدري)، ويقال حديثاً بناءً على واقع التحزب المعاصر: (قطبي، إخواني، حزبي، تبليغي، عقلاني).
الخلاصة المنهجية:
إن الانحراف الحاصل في الفكر "المدخلي" المعاصر ناتج عن قلْب الحقائق الأصولية؛ فنراهم يعذرون بالتأويل والجهل في البدع الظاهرة والأصول الكبرى (مما يؤدي لتمييع المنهج السلفي)، بينما يشتدون ويسارعون إلى التبديع والهجر والإخراج من السنة في المسائل الخفية والاجتهادات الشخصية. والصواب المعقود عليه سلفاً هو أن «النوع يوجب تصنيف العين في أحكام الدنيا زجراً وصيانة» في البدع الظاهرة، مع تفويض سرائرهم وموانعهم الأخروية إلى الله تعالى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق