📝 ملحوظة منهجية في مسائل الخلاف
لا يقلقني أبداً اختلاف طلبة العلم في المسائل الاجتهادية، وإنما يقلقني حينما يقتحم هذه المسائل من لا يعرف أصول الخلاف، ولا أسبابه، ولا ما ينبني عليه من قواعد.
دعونا نضرب هنا نموذجاً واحداً يوضح الفكرة: من المعلوم أن مسائل العبادات هي مسائل (توقيفية).. ولكن، ما المعنى الدقيق لـ (العبادات)؟ وما معنى كونها (توقيفية)؟
🔹 مفهوم العبادة واسع جداً: العبادة من حيث الأصل هي: كل عمل يتقرب به المسلم إلى الله ويستحق عليه الثواب، فرضاً كان أو نافلة، بل إن ترك الحرام والمكروه هو عبادة أيضاً.
💡 لكن.. (العبادات التوقيفية) التي لا يجوز تغييرها لها معنى أخص؛ فالتعليم، والدعوة، والجهاد، كلها عبادات بلا شك، لكنها ليست توقيفية في وسائلها!
فكر معي في هذا المثال: 👇 المجتهد الذي لا يرى اليوم الوقوف عند حرفية النص في قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل)، بل يوجب إعداد الدبّابات والمدرعات مكان الخيول.. هل اجتهاده هذا مقبول شرعاً؟ أم هو مخالف للنص؟
بالتأكيد هو اجتهاد مقبول بإجماع الأمة، مع أنه يغير "الوسيلة" المذكورة في ظاهر النص! والسبب أن الجهاد -وهو ذروة سنام الإسلام- مسألة "معقولة المعنى والغاية".
وفي المقابل: لو اجتهد أحدهم في تحويل شهر الصيام (رمضان) إلى شهر آخر، لرفضنا كلامه جملة وتفصيلاً مهما كانت مبرراته!
🔬 ما هو السر إذاً؟
الأمور التعبدية المحضة: (مثل اختيار شهر رمضان، عدد ركعات الصلاة، أشواط الطواف) هي أمور غير معقولة الغاية التفصيلية لنا، وليست جزءاً من متطلبات الحياة المعتادة، لذا يجب التوقف فيها عند حدود النص تماماً.
الأمور معقولة المعنى: (مثل إعداد القوة) عُقلت غايتها، فلما لم تعد الخيول تؤدي الغاية اليوم، استساغ العلماء الاجتهاد في الوسائل العصرية البديلة.
🌱 الزكاة وزكاة الفطر.. بين التعبد والمصلحة:
هناك مسائل عبادية تأتي (بين بين)، تجمع بين التعبد والتعليل؛ كالزكاة مثلاً، فهي عبادة تشبه الصلاة، لكن فيها جانباً آخر معقول المعنى وهو: (التكافل وتحقيق مصلحة الفقير). ولذلك تجد عامة الفقهاء يتوقفون في جانبها التعبدي، ويجتهدون في جانبها المقاصدي؛ كاجتهاد الصحابة في ترغيب الناس بتقويم زكاة الإبل والبقر والغنم بالقماش ونحوه لسهولة نقله، رغم أن النص ورد بإخراج الماشية نفسها.
أما (صدقة الفطر) فالظاهر أنها تجمع بين الجانبين:
جانب تعبدي: مرتبط بوقت مخصوص وهو ختام رمضان.
جانب معقول المعنى: يتجلى في سد حاجة الفقراء وإظهار التراحم في يوم العيد.
لذلك اجتهد بعض الصحابة والفقهاء في تحقيق هذا المقصد:
سيدنا معاوية رضي الله عنه: لما رأى رغبة الناس في الحنطة (القمح) وكانت غالية، اجتهد في تخيير الناس بين (صاع من الشعير) أو (نصف صاع من الحنطة) بناءً على توازي القيمة، وتقبل الناس رأيه في الشام، بينما تمسك أبو سعيد الخدري رضي الله عنه بالصاع كما ورد.
الإمام محمد بن الحسن (من الحنفية): ناقش جزئية تغيّر أقوات الناس، فقال إن (الأَقِط - وهو اللبن المجفف) لا يجزئ في بغداد لأن أهلها لا يعرفونه ولا يعدونه قوتاً، رغماً عن ورود النص به في الحجاز! وهذا يفتح الباب للسؤال: إذا لم يعد الشعير طعاماً معتاداً للناس اليوم، فهل يُبدل بالرز أو العدس؟ الظاهر وفق هذه القاعدة: نعم.
وهنا نلاحظ كيف أن الاجتهاد المقاصدي قد يقود إلى استبدال غير المنصوص بالمنصوص لمصلحة الفقير (تماماً كاستبدال الدبابات بالخيول).
💡 رأي المعاصرين: طرح الشيخ القرضاوي رحمه الله إشكالية واقعية فقال: ماذا يفعل فقراء مدينة كبرى كالقاهرة بالحنطة أو الشعير؟ أين يطحنونها وكيف يأكلونها؟ وهو هنا لا يريد تجويز القيمة فحسب، بل يرى إلزام الناس بها (أو بما يسهل أكله كالرز) تحقيقاً للمقصد. ويميل إلى هذا الرأي أيضاً الشيخ عبد الله المطلق (عضو هيئة كبار العلماء في السعودية) لاعتبارات مشابهة.
🔍 خلاصة القول.. أين يكمن منشأ الخلاف؟
الخلاف الحقيقي بين الفقهاء هو: هل زكاة الفطر (عبادة توقيفية جامدة) لا علاقة لها بتغير الأحوال والأذواق، فيُعطى الفقير صاعاً من شعير في أي عصر ومصر وليصنع به ما يشاء؟ أم أن المسلم (مكلف بتحري مقاصد الشرع) والتوفيق بين النص ومقصوده؟
هذا الخلاف -بلا شك- هو داخل في باب (الاجتهاد المشروع) وله ضوابطه وأصوله ومقاصده.
⚠️ لكن.. ما ليس مشروعاً، بل هو إثم مؤكد، يتلخص في ثلاثة أمور:
1️⃣ أن يخوض في هذه المسائل الفقهية الدقيقة من لا حظ له من العلم، وتدفعه مجرد العصبية لشيخ أو جماعة. 2️⃣ احتقار الرأي الآخر، والتشهير بمخالفه، وسوء الظن به، واستباحة غيبته. 3️⃣ التعدي على أعلام الأمة واتهامهم بالجهل أو تعمد مخالفة السنة؛ فالاجتهاد في تحقيق مقصد النص هو عين الإيمان بالنص وقدسيته، وليس خروجاً عنه.
✨ رسالة أخيرة: لا يهمني أن تأخذ بهذا الرأي أو ذاك، وإنما يهمني جداً أن تدرك "منهجية التعامل" مع هذه المسائل.
فلا تظلموا أنفسكم، ولا تظلموا إخوانكم، ولا تضيعوا أجور صيامكم وقيامكم بهذه المشاحنات؛ فإن في الأمر سعة كبرى. ولو أردنا الاستشهاد بعشرات المسائل التي اختلف فيها الصحابة والتابعون في أبواب العبادات لضاق بنا المقام، ويكفيكم تقليب صفحات كتاب (فقه سعيد بن المسيب) لشيخنا الفقيه المجتهد هاشم جميل -حفظه الله ورعاه-.
تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 🌸
#فقه_الخلاف #زكاة_الفطر #مقاصد_الشريعة #وعي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق