جناية التقليد المعاصر: تفكيك "المنهج المدخلي" وكشف تناقضه الصارخ
من الظواهر العجيبة في واقعنا الدعوي المعاصر أن تخرج فئة تدعي وصايتها المطلقة على مفهوم "السلفية"، بينما يقودها منطقها الداخلي وسلوكها العملي إلى مناقضة أصول هذا المفهوم من جذوره. وحين يُواجه هؤلاء بمرآة واقعهم، يسارعون إلى إنكار التسمية واعتبار وصفهم بـ"المداخلة" ضرباً من التنابذ بالألقاب وغير الشرعي، في حين أن سلوكهم الفعلي غارق في التسميات والتقسيمات، بل وإن منطق الحوار يُثبت علمياً وواقعياً صحة هذه التسمية عليهم بناءً على طريقتهم في التلقي.
في هذا المقال، نضع هذا التيار أمام حقيقة منهجه من خلال تفكيك منطق الحوار معهم، ثم نكشف تناقضهم الصارخ في مسألة الألقاب والتصنيف.
أولاً: حوار هادئ ومكثف يفكك الأزمة من جذورها
لو جلست يوماً مع أحد المنتمين لهذا التيار وحاورته بهدوء، لوجدت الحقيقة الكاملة تتكشف في ثنايا الكلمات. دعونا نستعرض تفاصيل حوارٍ يكشف أصل الإشكالية:
المحاوِر: إن كنتَ ترفض تسمية "المدخلية"، فما هو الاسم الذي تختارُه لنفسك؟
المنتمي للتيار: أنا سلفي.
المحاوِر: وما معنى "سلفي" عندك؟
المنتمي للتيار: السلفي هو مَن يرجع إلى الكتاب والسُنّة بفهم سلف الأمة (وهم الصحابة والقرون المفضلة).
المحاوِر: حسناً، هل الشيخ "ربيع المدخلي" واحد من هؤلاء السلف التاريخيين؟
المنتمي للتيار: لا طبعاً، ليس واحداً منهم، ولكنه يسير على منهجهم، فهو "سلفي معاصر".
هنا يبدأ تفكيك المعادلة:
المحاوِر: المفترض إذن أن يكون منهجك هو الرجوع المباشر للكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، والشيخ ربيع يفعل الشيء نفسه، لتكونا معاً في مرتبة واحدة؛ كلاهما "سلفي" ينهل من نفس المصدر التاريخي الأصيل.
المنتمي للتيار: ولكن الشيخ ربيع يفهم كلام السلف أفضل مني، ولذلك أنا أرجع إليه هو لأفهم كلامهم!
هنا تكمن الحقيقة الكاملة الصادمة:
النتيجة المنطقية: "إذن.. الشيخ ربيع سلفي لأنه يرجع إلى كلام السلف ليفهم الوحيين، أما أنت فـ (مدخلي) لأنك ترجع إلى ربيع ليفهمك كلام السلف!"
أنت في الحقيقة لا تتصل بالسلف الصالح اتصالاً مباشراً، بل تتصل حصراً بفهم الشيخ ربيع لهم؛ إن أخطأ في فهمهم أخطأتَ معه، وإن أصاب أصبتَ معه. ميزانك يدور مع شخص واحد معاصر، وهذا هو عين التمذهب الأعمى والتقليد؛ لذا، فالاسم الذي يصف واقعك بدقة وعلمية هو (المدخلي) وليس السلفي المعبر عن شمولية المنهج. وحين تُفلس الحجة، يكون الجواب الجاهز لديهم: "أنت تحب الجدال، والجدال يفسد القلوب!"
ثانياً: التناقض الصارخ.. يلومون الناس بما يفعلون!
إذا كان هذا هو واقعهم المنطقي والعملي، فلماذا يغضبون من تسمية "المدخلية" ويعتبرونها تسمية غير شرعية وتنابذاً بالألقاب؟ المفارقة العجيبة هنا أنهم وقعوا تماماً فيما نهوا عنه غيرهم، وعابوا على الأمة فعلاً هم غارقون فيه من أخمص أقدامهم إلى هاماتهم:
تصنيف الأمة على الهوى: يشتكون من لقب "المدخلي"، وفي ذات الوقت لا تكف ألسنتهم ولا أقلامهم لحظة واحدة عن تصنيف المسلمين وتقسيمهم وإخراجهم من السنة بعبارات معلبة وجاهزة؛ فهذا عندهم (صوفي)، وهذا (خارجي)، وهذا (قطبي تكفيري)، وهذا (سروري)، أو (إخوان المفلسين).
رمتني بدائها وانسلّت: يصنفون عباد الله ويبدعون العلماء المعاصرين بناءً على مواقف شخصية واجتهادية، ثم إذا سُموا باسمٍ يعزل تقليدهم لشخص معاصر عن عموم منهج السلف الصالح، صرخوا تظلماً وادعوا المظلومية!
ثالثاً: التبروء من هذا الاسم والاتصال بالمنهج الأصيل
إننا من هذا المنبر نؤكد تبرؤنا التام من الانتماء لأي اسم أو حزب أو جماعة أو شخص معاصر. لا نرتضي لأنفسنا اسماً سوى ما سمانا الله به في كتابه: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ}، ومذهبنا وطريقتنا هي ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الكرام، دون وساطة تُلزمنا بفهم شخص معاصر وتجعله معياراً للحق والباطل والولاء والبراء.
إضاءة ختامية
دعونا نغض الطرف عن الأشخاص، ونطرح السؤال الجوهري والمنطقي على هذا التيار بأكمله:
إذا كان "السلفي" هو من يرجع لنصوص السلف ليفهم الدين.. فماذا نسمي من يرجع حصراً وتعبداً بكلام "ربيع المدخلي" ليفهم كلام السلف؟! أليس "مدخلياً" بالضرورة والمنطق؟
إن حصر الدين في فهم رجل واحد معاصر هو انحراف فكري وجناية على سعة الشريعة وسماحتها. فاللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وتوفنا مسلمين حنفاء متبعين غير مبتدعين ولا مقلدين.