أسرى التلال.. في فضاء الجبال الشامخة
يُحكى أن رجلاً لم يعرف من دواب الأرض سوى "الفأر"، ثم كُفَّ بصره. فكان كلما حدَّثه الناس عن عظمة الجمل، سألهم مستغرباً: "أولا يشبه الفأر؟"، وإذا تذاكروا رقة الغزال، قال: "أليس له ذيل كالفأر؟"، وإذا وصفوا له نظام النحل أو دقة النمل، قاسه بآذان الفأر وأنفه! لقد عجز عقله أن يتسع لكونٍ فسيح، فاختزل العالم كله في حدود "فأر".
هذا هو حال طائفة من المتفيهقين اليوم؛ لم يتسع نظرهم من تراث الأمة وعلمائها إلا لأسماء معدودة ومدرسة واحدة، فجعلوا منها الميزان الوحيد لكل علم وفهم.
فإذا فُتحت دواوين التفسير وذُكر الطبري، والقرطبي، وابن عاشور..
أو جرى الحديث في العقيدة عن الأشعري، والباقلاني، والنووي، والعز بن عبد السلام..
أو أُسندت مجالس الحديث للبخاري، ومسلم، والدارقطني، والعسقلاني..
أو جُمعت مجالس الفقه للأوزاعي، والثوري، وابن حزم، وابن بية..
أو عُقدت ألوية اللغة لسيبويه، والفراهيدي، والجرجاني..
وحتى إن عُدِّد جهابذة الفكر والمعاصرة الشيخ يوسف القرضاوي البوطي، والغزالي، والشنقيطي.. و محمد الحسن الددو الشنقيطي و الدكتور رمضان عبد الرازق و
خرجوا عليك بذات القياس القاصر، متسائلين بإنكار: "أين هؤلاء من مشايخنا؟! وأين كلامهم من كلام علمائنا؟!"
إن الأزمة الحقيقية ليست في هؤلاء العلماء الأجلاء الذين نحترمهم ونقدرهم، بل الأزمة في تلك العقول الضيقة التي أصابها عمى الألوان الفكري..
إنهم يقيسون الجبال الشامخة بالتلال التي ألفوها!
ويحسبون أن بستان الإسلام الفسيح، الممتد عبر القرون والآفاق، لا يجب أن ينبت إلا لوناً واحداً، ولا ينطق إلا بلسانٍ واحد.
إنهم يقيسون الجبال الشامخة بالتلال التي ألفوها، ويختزلون القرون الممتدة من التنوع والاجتهاد والعلوم في زاوية واحدة ضيقة. العيب ليس فيمن أحبوهم من العلماء، بل في عقولهم التي أصابها عمى الألوان، فما عادت تبصر في بستان الإسلام الفسيح إلا لوناً واحداً!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق