🛑 صناعة "العصمة" المزيّفة: مراجعة وتوثيق لتناقضات الفتاوى السياسية
من الأوهام التي كرّسها الضخ الإعلامي الممنهج في العقود الأخيرة، تصوير بعض المشايخ وكأنهم معصومون من الخطأ، أو أنهم الممثلون الحصريون والوحيدون لمنهج السلف الصالح، بحيث يُرفع كلامهم فوق النقد ويُطالب الناس بالرجوع إليهم في كل شاردة وواردة.
لكنّ القراءة المتأنية للوثائق التاريخية تكشف وجهاً آخر؛ حيث تحولت الفتاوى في محطات مفصلية لتتماشى مع التوجهات السياسية والمصالح السلطوية، مفرّغة الأحكام الشرعية من ثوابتها. في هذا المنشور، نستعرض أبرز المؤاخذات والتناقضات الموثقة في مسيرة الشيخ ابن باز، والتي تبين كيف تغلبت السياسة على النص الشرعي:
1️⃣ الاستعانة بالقوات الأمريكية في حرب الخليج (1991)
الانقلاب من التحريم الجازم إلى الوجوب السياسي:
قبل الحرب (التحريم المطلق): أفتى ابن باز سابقاً بمنع الاستعانة بالكفار في الجهاد مستدلاً بحديث عائشة في صحيح مسلم: *"فارْجِع فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ". وقال حينها في كتابه (نقد القومية العربية):
"فلو كان في اتخاذ الكفار أولياء والاستعانة بهم مصلحة راجحة، لأذن الله فيه وأباحه لعباده، ولكن لما علم الله ما في ذلك من المفسدة الكبرى، والعواقب الوخيمة، نهى عنه".
أثناء الحرب (التشريع والمدح): بمجرد أن قررت السلطة استقدام الجيوش الأمريكية، تغيرت الفتوى 180 درجة، واعتبر ابن باز أن الاستعانة بغير المسلمين (يهوداً، نصارى، أو وثنيين) جائزة بل وواجبة للضرورة! بل وصل الأمر إلى مدح القوات الأمريكية ووصفها بأنها: "جاءت لصد العدوان وإزالة الظلم ولا تتعمد قتل المدنيين".
2️⃣ التطبيع والصلح مع الكيان الصهيوني
كيف تحول "الجهاد" إلى "تبادل سفراء وفتح أسواق"؟
الموقف الأول: كان يرى أن حل القضية الفلسطينية ينحصر في أمر واحد: "جهاد اليهود جهاداً إسلامياً حتى تعود الأرض إلى أهلها" وأنها قضية إسلامية لا مساومة فيها.
الموقف الثاني (بعد مؤتمر مدريد للسلام 1991): تبدّل الموقف لشرعنة الصلح والتطبيع، حيث سُئل في جريدة (المسلمون) عما يسمى "معاهدات التطبيع" وتمكين اليهود اقتصادياً وفتح الأسواق لهم، فأجاب:
"كل دولة تنظر في مصلحتها، فإذا رأت أن من المصلحة للمسلمين في بلادها الصلح مع اليهود في تبادل السفراء والبيع والشراء.. فلا بأس في ذلك".
الخلط الفقهي: حاول شرعنة ذلك بالقياس على هدن الرسول ﷺ، متغافلاً عن أن هدن النبي لم يكن فيها إقرار للمحتل بأرض المسلمين أو تنازل عن حقوقهم وإذلال لهم.
3️⃣ التناقض في الموقف من "الشيوعية" تبعاً للبوصلة السياسية
في أفغانستان: عندما كان الموقف الأمريكي والسعودي يدعم محاربة الاتحاد السوفيتي، أفتى ابن باز بأن الشيوعيين كفار، وأن جهادهم فرض عين، والعيش بينهم محرم ويوجب الهجرة.
في اليمن (حرب الانفصال): عندما اصطفت السياسة السعودية لدعم الطرف الاشتراكي/الشيوعي في جنوب اليمن ضد الشمال، أصدر ابن باز بيانًا يدعو فيه المقاتلين (بمن فيهم الشيوعيين) إلى حقن الدماء، ووصفهم بعبارة صادمة تناقض أدبيات العقيدة:
"كيف يكون ذلك بين من قبلتهم واحدة وكتابهم واحد ونبيهم واحد؟!"، معتبراً الشيوعيين هناك مسلمين تجب حقن دمائهم، مما دفع 25 عالماً آنذاك لإصدار فتوى معارضة تكشف هذا التناقض.
4️⃣ الحكم بغير ما أنزل الله (تبديل الفتاوى القديمة)
قديماً: كان يفتي بكفر من استبدل الشريعة بالقوانين الوضعية كفراً أكبراً مخرجاً من الملة، حيث قال: "لا إيمان لمن اعتقد أن أحكام الناس وآراءهم خير من حكم الله.. أو تركها وأحل محلها الأحكام الوضعية والأنظمة البشرية".
حديثاً (لتبرير القوانين الوضعية): تراجع ليتفق مع أطروحات ناصر الدين الألباني، واشترط "الاستحلال القلبي" لتكفير الحاكم الذي يحكم بالقانون الوضعي، معتبراً إياه عاصياً كفره "كفر دون كفر"، وعندما نوقش في إجماع ابن كثير على كفر من حكّم غير الشريعة، رد قائلاً: "وابن كثير ليس معصوماً"!
5️⃣ تزكية السلطة المطلقة وتعبيد الناس لها
لم يقتصر الأمر على شرعنة السياسات، بل امتد لتثبيت حكم السلطة عبر فتاوى الطاعة المطلقة:
اعتبر الدولة السعودية "دولة مباركة نصر الله بها الحق ولم يصدر منها ما يوجب الخروج عليها".
جعل الدعاء لولي الأمر من "أعظم القربات"، ووصف من يمتنع عن الدعاء للسلطة بأنه "جاهل وعديم البصيرة".
💡 الخلاصة:
إن تحريك الفتاوى الفقهية والعقدية بحسب بوصلة "المصالح والمفاسد" السياسية، جعل من هذا المنهج أداة لتبرير وتمرير المشاريع الغربية والسلطوية في المنطقة. إن تفكيك وهم "العصمة" عن هؤلاء الشيوخ هو الخطوة الأولى لاستعادة الوعي الديني الحقيقي بعيداً عن توجيه الإعلام والدعاية الممنهجة.
#مراجعات_فكرية #فتاوى_السياسة #الوعي_الشرعي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق