الأربعاء، 22 يوليو 2026

🌀 أدلة جواز الرقص والتمايل في الذكر والسماع.. دراسة تأصيلية فقهية مقارنة

 

🌀 الرقص والتمايل في الذكر والسماع.. دراسة تأصيلية فقهية مقارنة

📌 عنوان مقترح للنشر:

أدلة الحركة والتمايل في مجالس الذكر: نظرة متوازنة في فقه السلوك وأقوال الأئمة

مقدمة تأصيلية

يستشكل بعض الناس رؤية بعض المحبين أو الذاكرين يتهادون أو يتحركون أو يتمايلون أثناء ذكر الله تعالى في المجالس، مسارعين إلى الإنكار المطلق دون إحاطة بمدارك الفقه وأدلة السنة. وعند الرجوع إلى أصول الشريعة وأقوال المحققين من الأئمة، نجد أن المسألة لها جذور واستدلالات معتبرة، وليست بدعة محضة كما يظن البعض.

🛡️ أولاً: البعد الروحي والنفسي للحركة عند الذكر

خلق الله الأرواح وفطرها على التعلق بحضرته، وحين يقرأ العبد القرآن أو يذكر الله، تستمد الروح صفاءً وقوة تضطرب بها الجوارح شوقاً إلى عالمها العلوي. وقد أشار المحققون إلى أن ما يعتريه الإنسان من اهتزاز أو تأثر بالصوت الحسن أو ذكر المحبوب هو نتيجة لغلبة "الوجد والتواجد" الصادق، وهو شعور قلبي وذوقي يفيض أثره على البدن بحسب شدة الشوق والمحبة.

📜 ثانياً: الأدلة الشرعية للحركة في الذكر

  1. العموم القرآني في حالات الذكر: يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191]. وقد ذهب المفسرون إلى أن تنوع حالات الذاكرين يدخل في عموم إطلاق النصوص ما لم يرد مخصص يمنع الحركة المباحة الناتجة عن خشوع أو شوق.

  2. سنة الإقرار النبوي لرقص الحبشة في المسجد: ثبت في الصحيحين وغيرهما أن الحبشة كانوا يزفنون (يرقصون ويلعبون بحرابهم) في المسجد النبوي الشريف بحضرة النبي ﷺ، وكانوا يقولون: (محمد عبد صالح).

    • موقف النبي ﷺ: لم ينكر عليهم، بل أغراهم وشجعهم بقوله: (دونكم يا بني أرفدة)، وحين همّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بزجرهم، منعه النبي ﷺ وقال: (دعهم يا عمر).

    • وجه الاستدلال: يرى عدد من الأئمة (كالقاضي عياض والحافظ ابن حجر وغيرهم) أن هذا الحديث يمثل أصلًا في إباحة الحركة والنشاط البدني المعبر عن الفرح والسرور بالطاعة والمحبة في أطهر البقاع.

  3. فعل الصحابة الكرام (حجل جعفر وعلي رضي الله عنهما): ثبت في السيرة أن النبي ﷺ قال لجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: (أشبهت خلقي وخلقي)، ففرِح جعفر وظفر بهذه المزية فـ "حَجَل" (وهو رقص خفيف على رجل واحدة أو وثب فرحاً). ولم ينكر عليه النبي ﷺ، بل أقرّه، واتخذ الحافظ ابن حجر وغيره من هذا الحديث أصلاً في جواز التعبير عن لذة الخطاب والمواجيد بحركات ظاهرة.

🏛️ ثالثاً: أقوال الأئمة والمحققين عبر المذاهب

  • الإمام النووي رحمه الله:

    نص في (روضة الطالبين) وفي شرحه لمسلم على أن الرقص ليس بحرام مطلقاً، إلا إذا كان فيه تكسر واختيال كفعل المخنثين.

  • الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله:

    سُئل عن رقص الصوفية والتمايل في الذكر فأجاب بجوازه، مستدلاً بفعل جعفر بن أبي طالب بين يدي النبي ﷺ، وبفعل الحبشة في المسجد، مقرراً أن إقرار النبي ﷺ دليل على الجواز إذا خلا من المحذورات.

  • الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله:

    نقل في (الحاوي للفتاوى) اتفاق جمع من أئمة المذاهب (كسراج الدين البلقيني وغيرهم) على أنه لا إنكار على من يغلب عليه الحال (الوجد والتواجد والتمايل) في مجالس الذكر، طالما أنه ليس باختيار متكلف لقصد الفساد.

  • العلامة ابن عابدين الحنفي رحمه الله:

    فصّل في حاشيته الشهيرة بين "الدخلاء العوام" وبين الصادقين العارفين الذين تلهبهم بوارق الشوق والمحبة الصادقة لله تعالى، مبيناً أن الحركات التي تصدر عنهم عند سماع الذكر والقرآن ليست مذمومة ما دامت بعيدة عن التصنع المذموم.

💡 الخلاصة الوسطية والمنهجية

إن الحركة والتمايل (أو ما يعبر عنه بالتواجد والاهتزاز) أثناء الذكر، متى كانت عن صدق شوق وصفاء حال، وليست تمايلاً متكلفاً على صفة الميوعة أو التشبه بالمخنثين، فهي من الأمور التي وسعها الفقهاء ولم يقطعوا بتحريمها، مستندين إلى عمومات النصوص وإقرار النبي ﷺ لأفعال الحبشة وفعل بعض الصحابة.

والأصل في العبادات والوسائل المباحة هو السعة، مع التأكيد دائماً على أن الغاية الكبرى من مجالس الذكر هي استحضار عظمة الله، وخشوع القلب، ودوام طاعته، وحسن الاتباع لهدي نبيه المصطفى ﷺ.

شارك المقال لتعم الفائدة العلمية والإنصاف المنهجي في قضايا السلوك والعبادات!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق