قال الله تعالى :{{ قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين }} [يوسف الآية: 108].
الأحد، 19 يوليو 2026
كيف تُسرق السلفية المدخلية الصور التاريخية وتُوظّفها في خدمة منهجهم الباطل ؟
🛑 حقيقة "راية الجرح والتعديل".. هل التزكية صك غفران؟
🛑 حقيقة "راية الجرح والتعديل".. هل التزكية صك غفران؟
كثيراً ما تجد نفسك في نقاش علمي أو منهجي، فتفاجأ بمن يترك كل الأدلة والقرائن، ويتمسك بكلمة واحدة: "لقد زكّاه فلان!" وكأن التزكية البشرية أصبحت وحياً معصوماً ينافس الكتاب والسنة!
هل تساءلت يوماً: لماذا لا نرى هذا الحشد والتقديس للتزكيات عند نقاش آراء كبار العلماء كابن باز، أو العثيمين، أو الفوزان؟ فلماذا تُستحضر التزكيات فقط عند الدفاع عن مواقف معينة وكأنها الحجة الفاصلة؟
💡 التزكية.. اجتهاد لا دليل
ببساطة، التزكية هي اجتهاد بشري فردي، يصيب ويخطئ، ويؤجر صاحبها على نيته. لكنها ليست دليلاً شرعياً يُرد به الحق.
والواقع يثبت ذلك؛ فكم من الأسماء نالت تزكيات مدوية ثم انقلبت الأمور وتغيرت المواقف والآراء بين عشية وضحاها. بل إن التاريخ القريب يثبت أن التمسك بالتزكيات بشكل أعمى يوقع أصحابه في التناقض حين تُرد تزكيات كبار العلماء لآخرين بحجج واهية.
🔍 مقولة الشيخ الألباني: "حامل راية الجرح والتعديل"
تُرفع هذه العبارة الشهيرة للشيخ الألباني -رحمه الله- في وجه كل منتقد، فما هي حقيقتها؟
علمٌ قد انقضى: إن "الجرح والتعديل" بمفهومه الاصطلاحي لحفظ رواية الحديث قد انتهى وتدوّن بانتهاء عصر الرواية. ولم يثبت في شرعنا أن هناك "راية" تُورث أو تُمنح لشخص بعينه.
ثناء لا تشريع: كلام الشيخ الألباني لا يتعدى كونه مدحاً وثناءً وتزكية علمية في سياق معين، والشيخ بشر يصيب ويخطئ، ولا يمكن حمل كلامه على أنه "تفويض مطلق" للطعن في مصائر العباد.
🤔 أسئلة عقلية تبحث عن إجابة!
لو سلمنا جدلاً بأن "الراية" حقيقة مطلقة، فلنطرح هذه الأسئلة الموضوعية:
أولاً: هل كان الشيخ الألباني نفسه هو من يحمل هذه الراية ثم سلّمها؟ ومن الذي منحه حق تفويضها؟
ثانياً: إذا كان الألباني يحملها، فلماذا لم نره يُسقط العلماء والدعاة وطلاب العلم ويهجرهم لمجرد الخلاف، كما يفعل البعض اليوم؟
ثالثاً: ما هي ضوابط هذه الراية وشروطها وكيف تُكتسب؟
لقد تتابع كبار علماء العصر (كالشيخ عبد المحسن العباد، والشيخ الفوزان، والشيخ صالح آل الشيخ، والشيخ الخضير، والشيخ الغديان، والشيخ بكر أبو زيد -رحم الله الأموات وحفظ الأحياء-) على التأكيد بأنه لا يوجد في هذا الزمان ما يسمى "راية الجرح والتعديل" المبيحة لتقطيع لحوم العلماء والدعاة.
⚖️ الميزان هو الديل
إن الأصل عند الاختلاف هو الوحي، لا أقوال الرجال وتزكياتهم الفردية المبنية على الظن؛ يقول الله تعالى:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾
فالدين مبني على البينات والبراهين، والتزكية مجرد رأي يؤخذ منه ويرد، ويبقى الحق أحق أن يُتبع.
#منهج #العلم_الشرعي #التزكيات #الجرح_والتعديل
هل مدح العلماء يعصم ربيع المدخلي من الخطأ؟ | بدعة التزكيات المعاصرة!
📌 صنم التزكية المبتدع: هل أصبح كلام العلماء معصوماً؟
طلب مني أحد الإخوة الإجابة على سؤال يراه فاصلاً، حيث قال مستحلفاً: "ماذا تقولون في مدح كبار مشايخ أهل السنة للشيخ ربيع المدخلي؟ كابن باز، والألباني، وابن عثيمين، والفوزان.. هل من المعقول أن يجتمع كل هؤلاء على خطأ؟"
ولأن هذا التساؤل يتكرر كثيراً على منصات التواصل، أضع بين أيديكم هذه الردود المنهجية الهادئة لتفكيك هذه الشبهة فقرةً بفقرة:
1️⃣ القاعدة المهجورة: "كلٌ يؤخذ من قوله ويُرَد"
نحن أمام قواعد يُجمع أتباع المنهج السلفي على حفظها وتكرارها، مثل: "كل ابن آدم خطاء"، و*"كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر ﷺ"*. لكن الواقع العملي يثبت أن قِلّة قليلة هي من تعمل بها! لقد تحولت "التزكية البشرية" عند البعض إلى صنم يُعبد، ويُرد لأجله الوحيين والقطعيات.
2️⃣ معضلة الانتقائية في التزكيات
هل كل من أثنى عليه العلماء صار معصوماً ومقبولاً مطلقاً؟
إن قلتم نعم: فقد وصف الشيخ ابن باز رحمه الله، الشيخ سلمان العودة بأنه "أخونا العلامة"، وأثنى عليه جمع من الكبار، فهل تقبلون سلمان العودة علامة بناءً على ذلك؟ (يمكنكم الاستعانة بالشيخ ربيع نفسه للإجابة!).
وإن قلتم لا: (وليس كل من أثنى عليه العلماء مقبولاً)، فقد بطل الاستدلال بالتزكية كدليل ديني معصوم، والحمد لله.
3️⃣ التاريخ الإسلامي وتجريح الأقران
وقوع الخلاف والقدح بين العلماء والراسخين في العلم أمرٌ معروف تاريخياً؛ فقد وقع كلام بين الإمام مالك وابن أبي ذئب، وتكلم ابن معين في الشافعي، والأعمش في أبي حنيفة. وكما قال ابن عبد البر: "وما مثل من تكلم في مالك والشافعي ونظرائهما من الأئمة إلا كناطح يوماً صخرة ليوهيها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل". فإذا كان هؤلاء الفطاحل قد أخطأوا في تجريح بعضهم، أو أثنى بعضهم على من انحرف لاحقاً (كالثناء على ابن عربي الصوفي)، فكيف تُجعل تزكيات المشايخ المعاصرين نصوصاً قطعية غير قابلة للنقد؟
4️⃣ التناقض في منهج التجريح (الكيل بمكيالين)
الشيخ ربيع نفسه انقلب على غالب أصحابه ومن زكاهم سابقاً:
وصف أبا الحسن المأربي بـ "العلامة المجاهد نابغة اليمن"، ثم عاد ووصفه بـ "الجاهل خريج الشوارع"!
أثنى على فالح الحربي ووصفه بـ "نوارة المدينة" وأن طاعنه مبتدع، ثم جعله لاحقاً من شرار أهل البدع!
وصف عدنان العرعور بأنه "أخطر من المسيح الدجال"! وهو غلو ظاهر يخالف صحيح السنة النبوية التي قررت أن الدجال هو أعظم فتنة منذ خلق آدم.
وهنا السؤال: حين كان الشيخ ربيع يزكيهم، هل كان إماماً للجرح والتعديل؟ إن قلتم نعم، فكيف خفي عليه حالهم وهي مبثوثة في كتبهم وأشرطتهم آنذاك؟ وإن قلتم تبدلوا، فما يدريكم أن من يزكيهم اليوم لن يخرجهم من السلفية غداً؟ إن مسلسل التبديع والتخريج لا يتوقف!
5️⃣ دور التزكيات الممتنع (المأزق العقلي)
الاعتماد المفرط على التزكيات يقود إلى مأزق منطقي؛ فإذا قلتَ: "أنا أتبع الشيخ ربيع لأن العلماء زكوه"، فمن زكى هؤلاء العلماء؟ ومن زكى من زكاهم؟ هذا "التسلسل الخطي" إما أن يوصلك إلى مأزق التعبد بعقول الآخرين دون إدراك، أو يلزمك بإيجاد سند تزكيات متصل إلى النبي ﷺ، وهو أمر غير موجود واقعاً. التزكية في الشرع ليست صك غفران، والنبي ﷺ قال: (إن كان أحدكم مادحاً أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلاناً والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً).
6️⃣ التناقض السياسي وإسقاط القواعد
يدّعي المداخلة تبديع وتضليل كل من خرج على الحاكم المسلم ويصفونه بـ "الخارجي كلب أهل النار".
اللازم الخطير: هذا التأصيل الفاسد يلزم منه وصف الحسين بن علي رضي الله عنهما، أو عبد الله بن الزبير بالخوارج (حاشاهم)! فكيف يكون الحسين سيد شباب أهل الجنة وكلب أهل النار في آن واحد؟!
التناقض العملي: يحرمون مجرد السؤال عن شرعية بعض الحكام (كالسيسي) بدعوى عدم جواز الخروج أو نقد ولاة الأمور، وفي المقابل يسبون حكاماً آخرين علانية (كأردوغان وتميم) رغم إقرارهم بإسلامهم! فأين طاعة ولي الأمر المدّعاة؟
7️⃣ العزلة العلمية والدعوية
من الغريب أنك لا تجد للمداخلة أي أثر يُذكر في ميادين مكافحة الإلحاد، أو الرد على المشركين، أو مواجهة الليبرالية والعلمانية. لقد حصروا دعوتهم في دائرة ضيقة (أشبه بلعبة الدودة في شاشات الهواتف) لا تتغذى إلا على إسقاط الدعاة وتفكيك صفوف أهل السنة، بحجة "هجر أهل البدع"، متناسين خطورة موالاة كل جبار عنيد.
💡 خاتمة:
حين عجز القوم عن الحِجَاج بالدليل والبرهان، لجأوا إلى بتر التزكيات وتلميع شيوخهم بها؛ فيأخذون مدح الشيخ العباد أو الفوزان للشيخ ربيع، ويخفون عتاب نفس الشيخين عليه وتبرؤهما من منهجه في التجريح والتفريق!
الأصل في ديننا هو الدليل، والتزكيات البشرية مبنية على الاجتهاد الذي يصيب ويخطئ. قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.. الرد يكون بالوحيين، لا بصكوك التزكية.
نسأل الله أن يرد إلينا عقولنا رداً جميلاً.
#المنهج_السلفي #التزكيات #الجرح_والتعديل #المداخلة #نقد_الفكر
هل التزكيات وحيٌ معصوم أم اجتهاد بشري؟
تزكيات العلماء للشيخ ربيع في ميزان النقد العلمي
تقول المداخلة مستنكرة، وبلهجة الاندهاش والوعيد: "إن ربيعاً المدخلي قد زكّاه كبار أهل العلم، كابن باز والألباني وابن عثيمين والفوزان واللحيدان، فمن أنتم حتى تنتقدوه؟ وهل من المعقول أن يجتمع كل هؤلاء الأكابر على خطأ؟!"
ثم يعقدون على هذه التزكيات لواء "الولاء والبراء"، ويرفعونها إلى مصافّ النصوص القطعية المعصومة! وهنا نضع أتباع هذا المسلك أمام وقفات وحقائق في ميزان النقد العلمي الهادئ:
1. هل التزكيات وحيٌ معصوم أم اجتهاد بشري؟
نحن أتباع الدليل، نؤمن بالقاعدة السلفية المجمع عليها: "كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرَد إلا صاحب ذلك القبر ﷺ"، وأن "كل ابن آدم خطاء". فإن كانت هذه التزكيات وحياً، فهاتوا برهانكم! وإن كانت اجتهاداً يناله الصواب والخطأ ـ وهو الحق ـ فاعلموا أن اجتهاد هؤلاء الأكابر في تعديله، يقابله اجتهاد علماء آخرين من طبقتهم جرحوا ربيعاً "جرحاً مفسَّراً".
وبناءً على قواعد علم الحديث (التي طالما صدعتم بها الرؤوس): "الجرح المُفسَّر مُقدَّم على التعديل" (كما قرره السيوطي في تدريب الراوي). لأن المُعدِّل يتكلم بناءً على ما ظهر له من العدالة الأصلية (وهذا علم عام)، أما الجارح فلديه زيادة علم واطّلاع على تفاصيل خفيت عن غيـره.
2. معجم المجرحين للشيخ ربيع (بناءً على قواعدكم!)
إذا أردنا تطبيق القواعد العلمية، فإليكم ما قاله كبار العلماء فيه من جرح مفسر:
الشيخ عبد القادر شيبة الحمد: وصفه بعبارات بالغة الشدة في انحرافه وكذبه.
الشيخ عبد الله بن جبرين: قال: "المدخلي ليس مقبول الكلام في الجرح والتعديل، فإن له أخطاء تدل على جهله أو تجاهله".
الشيخ عبد الله الغديان والشيخ الراجحي: وصفا أقوله في مسائل الإيمان بأنها "قول المرجئة"، وهي ذات الوصمة التي جعلت محققي الأمة يصنفون أتباعه كفرقة إرجائية معاصرة.
الشيخ بكر أبو زيد (في خطابه الشهير): وصف كتابته بأنها تفتقد لأصول البحث العلمي، وأن أسلوبه كأنه أسلوب طالب إعدادي.
فكيف لمن شَهِدَ له هؤلاء الأكابر بالجهل والخلل المنهجي أن يُجعل حاملاً لراية الجرح والتعديل؟!
3. إلزام عقلي ومبدأ "ثنائية الأجوبة"
دعونا نضع المتشبثين بالتزكيات أمام سؤالين منهجيين لا ثالث لهما:
السؤال الأول: هل كل من أثنى عليه هؤلاء العلماء وزكّوه صار مقبولاً مطلقاً عندكم؟
إن قلتم "نعم": نذكركم بأن الشيخ ابن باز زكّى الشيخ سلمان العودة ووصفه في رسائله بـ "أخونا الشيخ العلامة سلمان بن فهد العودة"، فهل تقبلون سلمان العودة علاماً؟! (لكم أن تستعينوا بشيخكم ربيع ليساعدكم في الجواب!).
إن قلتم "لا": فقد بطل الاحتجاج بالتزكيات المجردة لإلزامنا بقبول الشيخ ربيع!
السؤال الثاني: ماذا عن خلاف أئمة السلف والتابعين الأعلام؟ وقع خلاف شديد وقدح بين كبار الراسخين؛ ككلام الإمام مالك في ابن أبي ذئب وعكسه، وكلام ابن معين في الشافعي، والأعمش في أبي حنيفة. بل إن هناك من الأكابر من أثنوا على أئمة ضلال (كابن عربي الصوفي) بناءً على ما ظهر لهم!
فهل ثناء العلماء أو قدحهم في شخص ما يُعدّ قرآناً يُتلى وغير قابل للنقد؟ قطعاً لا.
4. تقلبات الشيخ ربيع في رجاله وتناقض التزكية
الشيخ ربيع نفسه نسف فكرة ديمومة التزكية؛ فقد أثنى سابقاً على أبي الحسن المأربي ورفعه إلى السحاب، وزكّى فالح الحربي ووصفه بـ "نوارة المدينة" وأن لا يطعن فيه إلا مبتدع.. ثم بعد فترة أنزلهم أسفل سافلين وجعلهم من أشرار أهل البدع!
والسؤال: حين كان يُثني عليهم، هل كان إماماً للجرح والتعديل؟
إن قلتم نعم: فكيف خفي على الإمام حالهم وأششرطتهم وكتبهم مبثوثة وموجودة وقت تزكيته لهم؟
إن قلتم لا، بل تبدّلوا لاحقاً: أثبتم بذات المنطق أن ربيعاً قد يتبدّل وينحرف لاحقاً، وأن تزكيات الأكابر القديمة له لا تعني "العصمة والديمومة"! فالعلماء زكّوه في أزمان وظروف معينة بناءً على ردوده القديمة، ولما تبينت للألباني شدته المفرطة لاحقاً قال: "إن في كل كتبه شدة".
بل إن الأكابر (كابن باز والعثيمين) زكّوا مخالفي ربيع كالحويني والمنجد والعرعور، فلماذا تأخذون بتزكيتهم لربيع وتطرحون تزكيتهم لغيره؟!
5. التدليس والاجتزاء في النقل
حين أفلست المداخلة من المبررات العلمية لحربهم على أهل السنة، لجأوا للتلاعب بكلام العلماء:
الشيخ عبد المحسن العباد: أخذوا كلامه في مدح ربيع، وبتروا وسرقوا بقية المقطع الذي عاب فيه على ربيع منهجه في التجريح والتفريق!
الشيخ صالح الفوزان: سُئل في مقطع ونفى أن يكون قد وصف ربيعاً بالمرجئ، فجعلوها تزكية! وتناسوا أن الفوزان نفسه في مقاطع أخرى أمر بترك مهاترات ربيع وجرحه وتبرأ صراحة من منهجهم.
6. حقيقة "أوهام الثقات" وتغيّر الأحوال
ليس في عقيدتنا معصوم؛ حتى الصحابة الكرام الذين نالوا أعلى درجات التزكية الإلهية: ﴿ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾، لم تكن التزكية مانعة لهم من وقوع الخطأ أو الإثم قدرًا. وعلماء الحديث يوثقون الراوي ثم يقولون: "اختلط بأَخَرَة"، فيسقط ضبطه المطلق. فما بال تزكيات الشيخ ربيع تُستثنى من هذه السنن؟ وكأنه معصوم لا يخطئ؟
7. قاموس الألفاظ المعيب والصدمة الكبرى
المشكلة الحقيقية لدى غلاة الطاعة وأتباع هذا المنهج (كمداخلة ليبيا وغيرهم)، أنهم يتعاملون مع الرجل وكأنه "نبي السلفية المعصوم"! لذا يعجزون عن استيعاب حجم انحرافه عن جادة السنة، ليصبحوا أشبه بفرقة إرجائية معاصرة، أفرزت ظاهرة "العلماني بلحية وإزار"، الذي تنحصر مهمته في تبرير مخازي ولاة أمورهم وتمرير التغريب والعلمانية عبر الشاشات (كالـ MBC والعربية والحدث) طالما أن الحاكم راضٍ!
تخيل لو عُرضت هذه الألفاظ التفصيلية لربيع على ابن باز أو ابن عثيمين عند التزكية:
"فلان أخبث أو أكذب من اليهود والنصارى"، "دجال، كذاب، فاجر، أفاك، مميع، ساقط، تافه..."
أو قوله في أبي الحسن المأربي وأتباعه:
"ألدُّ أعداء السلفية عبر التاريخ.. النصارى عندهم شرف ولو علم النصراني أنه كذب لانتحر بخلاف أبي الحسن وأتباعه.. أتباعه أضل من جنود فرعون، والله لو جاءهم الدجال أو من يدعي الربوبية لركضوا وراءه!"
لماذا يُخفى هذا الغلو وهذا القاموس الخشن عندما يذهب الأتباع لاستفتاء الأكابر؟ ولماذا لا نسمع منكم سؤالاً صريحاً للفوزان أو آل الشيخ: "ما تقولون فيمن يقول في فلان وفلان هذه العبارات؟"، في حين تُفتَّش مصنفات المشايخ الآخرين بالعدسة المكبرة لاستصدار فتاوى التبديع بحقهم؟!
خاتمة
هذه الردود ليست ترفاً فكرياً أو لغواً، بل هي من صميم الديانة لحماية تصورات العقيدة المنسوبة لمنهج السلف بعد أن انحرفت؛ فصاروا يوالون كل جبار عنيد بحجة أنه "ولي أمر"، ويعادون المؤمنين بحجة "هجر أهل البدع"!
نسأل الله أن يرد إلينا عقولنا رداً جميلاً.
اللهم علمنا وزدنا علماً، وانفع بنا وانفعنا. اللهم اهدنا وسددنا وألهمنا رشدنا وتقبل منا. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
#منهجية #الجرح_والتعديل #الإرجاء #الوعي #أصول_العلم #الردود
تزكيات علماء للشيخ ربيع المدخلي في ميزان الشريعة الاسلامية
تفكيك "صنم التزكية": قراءة منهجيّة في عقلية الغلو وفرقة الإرجاء المعاصرة
تقول المداخلة مستنكرة: "إن ربيعاً المدخلي قد زكّاه كبار أهل العلم، فمن أنتم حتى تنتقدوه؟"
ثم يعقدون على هذه التزكيات لواء "الولاء والبراء"، ويرفعونها إلى مصافّ النصوص القطعية التي لا يمسها باطل ولا يقاربها تبديل! وهنا نضع أتباع هذا المسلك أمام وقفات منهجية هادئة:
1. هل التزكيات وحيٌ معصوم أم اجتهاد بشري؟
إن كانت هذه التزكيات وحياً، فهاتوا برهانكم! وإن كانت اجتهاداً يناله الصواب والخطأ ـ وهو الحق ـ فاعلموا أن اجتهاد هؤلاء الأكابر في تعديله، يقابله اجتهاد علماء آخرين من طبقتهم جرحوا ربيعاً "جرحاً مفسَّراً".وبناءً على قواعد علم الحديث (التي طالما صدعتم بها الرؤوس): "الجرح المُفسَّر مُقدَّم على التعديل" (كما قرره السيوطي في تدريب الراوي وغيره).
السبب: لأن المُعدِّل يتكلم بناءً على ما ظهر له من العدالة الأصلية (وهذا علم عام)، أما الجارح فلديه زيادة علم واطّلاع على تفاصيل خفيت عن غيـره.
2. معجم المجرحين للشيخ ربيع (بناءً على قواعدكم!)
إذا أردنا تطبيق هذه القواعد العلمية، فإليكم ما قاله كبار العلماء فيه من جرح مفسر:
الشيخ عبد القادر شيبة الحمد: وصفه بعبارات بالغة الشدة في انحرافه وكذبه.
الشيخ عبد الله بن جبرين: قال: "المدخلي ليس مقبول الكلام في الجرح والتعديل، فإن له أخطاء تدل على جهله أو تجاهله".
الشيخ عبد الله الغديان والشيخ الراجحي: وصفا أقواله في بعض مسائل الإيمان بأنها "قول المرجئة"، وهي ذات الوصمة التي جعلت محققي الأمة يصنفون أتباعه كفرقة إرجائية خامسة معاصرة.
الشيخ بكر أبو زيد (في خطابه الشهير): وصف كتابته بأنها تفتقد لأصول البحث العلمي، وأن أسلوبه كأنه أسلوب طالب في المرحلة الإعدادية.
السؤال المنهجي: من شَهِدَ له هؤلاء الأكابر بالجهل والخلل المنهجي، كيف يُقدّم ويُجعل إماماً وحاملاً لراية الجرح والتعديل؟! نقد هؤلاء مفسر، وهو أولى بالتقديم بناءً على أصول الفن.
3. الصدمة الكبرى: وهم "رسول السلفية"!
المشكلة الحقيقية لدى غلاة الطاعة وأتباع هذا المنهج (كمداخلة ليبيا وغيرهم من أدعياء السلفية)، أنهم يتعاملون مع الرجل وكأنه "رسول السلفية" أو نبيّها المعصوم! لذا يعجز وعيهم عن استيعاب أنه بشرٌ يبتدع وينحرف عن منهج السلف كغيره من أصحاب البدع الذين رد عليهم أئمة السنة قديماً.
والأخطر من ذلك، أن هؤلاء الأتباع لا يدركون أنهم تمخضوا ليكونوا أشبه بفرقة ضالة انحرفت عن جادة الأمة، تدثرت بالسلفية مكراً وخداعاً، لتمارس أخطر أدوار الإرجاء:
أفرزت ظاهرة "العلماني بلحية وإزار".
انحصرت مهمتهم الوظيفية في تبرير مخازي وكفريات ولاة أمورهم.
باتوا حراساً لتمرير العلمانية ونشر التغريب عبر المنصات والقنوات الفضائية (كالـ MBC والعربية والحدث وغيرهم)، طالما أن الحاكم راضٍ!
لذلك، تجدهم كلما صُدموا بردٍّ علمي من كبار العلماء يكشف ضلالات شيخهم، يتخبطون ويتجارى الهوى في عروقهم كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه، فلا يجدون مفزعاً إلا اجترار التزكيات القديمة، متناسين القواعد التي صدعوا بها الرؤوس!
4. معضلة "التناقض" في قبول التزكيات
إن كبار العلماء (كالألباني، وابن باز، وابن عثيمين) الذين تستدلون بتزكيتهم لربيع، هم أنفسهم قد زكوا وأثنوا على مشايخ آخرين عادَهم ربيع لاحقاً وبدّعهم (كالحويني، والمنجد، والعرعور، وغيرهم).
إذا قلتم: إن هؤلاء المشايخ انحرفوا وتغيروا بعد وفاة الأكابر.
نقول لكم: لقد أوقعتم أنفسكم في ذات الفخ! فبذات المنطق: ربيعكم ليس معصوماً، وتزكيته القديمة لا تعني الديمومة، وقد انحرف وتبدّل حاله بعد وفاتهم!
فالتزكيات مرتبطة بزمان وظرف معين بناءً على ما ظهر في حينه. والألباني نفسه عندما تبينت له شدة ربيع المفرطة قال: "إن في كل كتبه شدة"، ومن كانت الشدة المفرطة ديدنه، أنى يُقبل كلامه في الرجال؟
5. حقيقة "أوهام الثقات" وتغيّر الأحوال
ليس في عقيدتنا معصوم إلا النبي ﷺ فيما يوحى إليه من ربه. حتى الصحابة الكرام الذين نالوا أعلى درجات التزكية الإلهية: ﴿ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾، لم تكن التزكية مانعة لهم من وقوع الخطأ أو الإثم لا شرعاً ولا قدراً.
وعلماء الحديث يوثقون الراوي ثم يقولون: "اختلط بأَخَرَة"، فيسقط ضبطه المطلق. فما بال تزكيات الشيخ ربيع تُستثنى من هذه السنن الكونية والقواعد العلمية وكأنه معصوم لا يخطئ؟
6. قاموس الألفاظ.. هل يرتضيه الأكابر؟
هل تتضمن تزكيات العلماء لربيع علمَهم بألفاظه وقاموس جرحه؟ الحقيقة أن تزكياتهم كانت عامة، ولو عُرضت عليهم ألفاظه التفصيلية لما ارتضوها أبداً، وحاشاهم ذلك.
تخيل لو عُرضت هذه الألفاظ على ابن باز أو ابن عثيمين:
"فلان أخبث أو أكذب من اليهود والنصارى"، "أضل أهل البدع"، "أتى بما لم يَدُر في خلد الشيطان منذ تاريخ البشرية"، "دجال، كذاب، فاجر، أفاك، مميع، ساقط، تافه..."
بل وصل الغلو به في جرح من اختلف معه (كالشيخ أبي الحسن المأربي) إلى أن يقول فيه وفي أتباعه:
"ألدُّ أعداء السلفية عبر التاريخ.. أخبث وأكذب من هو على وجه الأرض.. النصارى عندهم شرف ولو علم النصراني أنه كذب لانتحر بخلاف أبي الحسن وأتباعه.. أتباعه أضل من جنود فرعون، والله لو جاءهم الدجال أو من يدعي الربوبية لركضوا وراءه!"
خاتمة وتساؤل مستحق:
لماذا يُخفى هذا الغلو وهذا القاموس الخشن من الألفاظ عندما يذهب الأتباع لاستفتاء الأكابر من العلماء؟ ولماذا لا نسمع منكم سؤالاً صريحاً: "ما تقولون فيمن يقول في فلان وفلان كذا وكذا من العبارات؟"، في حين تُفتَّش مصنفات المشايخ الآخرين بالعدسة المكبرة لاستصدار فتاوى التبديع بحقهم؟!
اللهم علمنا وزدنا علماً، وانفع بنا وانفعنا. اللهم اهدنا وسددنا وألهمنا رشدنا وتقبل منا. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
#منهجية #الجرح_والتعديل #الإرجاء #الوعي #أصول_العلم
قضايا الإيمان والعمل.. وسطية السلف بين الغلو والجفاء
قضايا الإيمان والعمل.. وسطية السلف بين الغلو والجفاء
إن من أعمق القضايا التي شهدت الساحة العلمية معارك فكرية حولها في الآونة الأخيرة هي مسائل الإيمان، والعمل، وموجبات التكفير أو التبديع. وحين تغيب الحكمة ويقل فقه الراسخين، تتحول هذه الأصول العقدية الكبرى من حصن لحفظ عقيدة الأمة، إلى سلاح يُشهر لتمزيق الصف وتراشق التهم بالمرجئة تارة، وبالخوارج تارة أخرى.
📌 جوهر معتقد السلف: وسطية بلا شطط
لقد تميز معتقد أهل السنة والجماعة عبر التاريخ بـ الوسطية المحكمة بين طرفي الغلو والجفاء في كل أبواب الدين، ولا سيما في باب الإيمان والعمل:
فهم متوازن: الإيمان عند السلف الصالح قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والعمل جزء لا يتجزأ من حقيقة الإيمان.
حذر من المسالك الدخيلة: في مقابل هذا التأصيل، حذر الأكابر من مسلكين خطيرين: مسلك "الوعيدية" الذين يسارعون إلى تكفير وتخليد عصاة الموحدين، ومسلك "المرجئة" الذين يخرجون العمل بالكلية عن مسمى الإيمان.
🔍 آفة التشنج في إطلاق الألقاب
تتجلى الأزمة المعاصرة في هذا الباب حين يُسقط بعض المنتسبين للعلم القواعد الكلية على مسائل الخلاف الاجتهادية الدقيقة، أو حين يعجزون عن استيعاب العبارات والمصطلحات التي يطلقها بعض الباحثين في سياق تنزيل الأحكام.
فترى المتشنجين يسارعون إلى تبديع ورمي كل من خالفهم في تحقيق مناط مسألة فرعية (كجنس العمل أو تارك المباني الأربعة) بالمرجئة، والتشهير به في المجالس والكتب، متناسين أن هذه المسائل قد وقع فيها نزاع وتفصيل بين أهل العلم الأجلاء قديماً وحديثاً، ولم يخرج أحد منهم الآخر من دائرة السنة والجماعة لمجرد خلاف في صياغة عبارة أو تحرير مناط.
الحقيقة الغائبة: إن معالجة قضايا الإيمان والقدر تتطلب نفساً علمياً هادئاً، ورجوعاً راسخاً إلى المحكم من النقول عن الأكابر، والابتعاد الكامل عن أسلوب التهويل وبتر النصوص من سياقاتها لإثبات تهم معدة مسبقاً في غرف الخصومة.
💡 كلمة ختامية
إن العودة إلى وسطية السلف الصالح تقتضي منا أمرين: تعظيم النص الشرعي وفهم الأوائل له، والعدل والإنصاف مع المخالف في فهم هذه الدقائق. إن بث الطمأنينة العلمية ونبذ التشنج والتبديع السريع هو الكفيل بحماية عقول الشباب من الانحراف نحو التكفير الغالي أو الإرجاء الجافي، لتبقى الدعوة نقية صافية تبني وتجمع، ولا تهدم وتفرق.
مفهوم التزكية والتقديم بين المنهج العلمي والتهويل الحزبي
مفهوم التزكية والتقديم بين المنهج العلمي والتهويل الحزبي
تزخر المكتبة الإسلامية بظاهرة علمية صحية ومستقرة عبر العصور، وهي قيام الشيوخ والأكابر بالتقديم لكتب تلامذتهم ومؤلفات الباحثين؛ تشجيعاً لهم، وإشادةً بأصول بحثهم. غير أن هذه الممارسة الأكاديمية الطبيعية تحولت في فترات الخصومة المنهجية إلى مادة للنزاع والتهويل، واستُخدمت كأداة للتشكيك في أمانة المؤلفين العلمية ونواياهم.
📌 ما الذي تعنيه "المقدمة" في العرف العلمي؟
من المستقر عليه عند من شم رائحة العلم أن كتابة العالم لمقدمة كتاب أو ثنائه عليه لا تعني بالضرورة ما يلي:
إحاطته بكل لفظة، أو إقراره لكل فكرة فرعية وردت بين دفتيه.
أن العالم قد تفرغ لقرائته حرفاً بحرف من الجلد إلى الجلد.
إنما تعني المقدمة في الغالب أن الشيخ اطلع على أصول الكتاب، وعلم مقصده الإجمالي ورؤوس مسائله، ووجد فيه نفعاً للناس فحث على قراءته وطباعته. وهذا المسلك تقتضيه طبيعة المشاغل والمسؤوليات التي تقع على عاتق كبار العلماء.
🔍 بهتان التهويل وصناعة الإيهام
تتجلى معالم الخصومة الجائرة حين يعمد بعض النَقَدة إلى تتبع المؤلفين، واتهامهم بصناعة "الإيهام والتدليس" لمجرد أنهم وضعوا على غلاف مؤلفاتهم عبارة: "وقدم له الشيخ فلان"!
وينطلق هذا التهويل من مسلكين متناقضين:
التبرير للموافق: إذا وضع أحد المقربين منهم تزكية من عالم، التمسوا له الأعذار، وجعلوا التقديم صكاً غامراً بالقبول والتأييد، حتى وإن ثبت أن العالم لم يقرأ كل تفاصيل مسائله.
التهويل على المخالف: إذا صنع المخالف الممارسة ذاتها، أثاروا حوله النكير، واعتبروا صنيعه خروجاً عن الأمانة، وزعموا أنه يوهم القراء بما لم يحدث، كمن يعيب على مؤلف وضع اسم شيخه المحدث الكبير (كالشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله) على غلاف كتابه، رغم أن الشيخ اطلع على مادة الكتاب وكتب له مقدمة حافلة بالثناء والدعاء بالثبات والنصرة!
حقيقة واضحة: إن كتابة العالم لمقدمة كتاب تلميذه بناءً على معرفته بمنهجه وعلمه هي تواصل علمي مشروع، وإن محاولة تجريد المؤلف من حق الفخر بتقديم شيوخه له هي محض تزيد وتشنج أعمى أحدثته المنافسة الحزبية والخصومات الشخصية.
💡 كلمة ختامية
إن الواجب في المحاكمات العلمية هو النظر في ذات الأدلة والبراهين التي يسوقها المؤلف في كتابه، لا الانشغال بطريقة صياغة الغلاف أو التفتيش في النوايا والظنون. إن تبسيط المنهج العلمي وحمايته من التهويل والتهريج الحزبي هو السبيل الوحيد لإعادة الهيبة للكتاب الإسلامي ولحفظ التواصل الإيجابي بين العلماء وطلبة العلم.
أدب الإنصاف مع علماء الأمة.. الشيخ ابن جبرين نموذجاً
أدب الإنصاف مع علماء الأمة.. الشيخ ابن جبرين نموذجاً
إن من أخطر الظواهر التي تهدد البناء العلمي والدعوي في الأمة هي ظاهرة اجتراء بعض الفضلاء على إسقاط كبار العلماء بمجرد مخالفتهم لآراء تيار معين في مسائل الجرح والتعديل أو تقييم الجماعات. وحين تختل موازين الإنصاف، يُصبح تاريخ العالم الطويل في خدمة العقيدة ونشر السنة عرضة للتشكيك بسبب مواقف اجتهادية بناها على ما ظهر له من الحق.
📌 آفة إهدار المحاسن بمجرد المخالفة
يتجلى غياب الإنصاف بوضوح حين يُوصم علم من أعلام الأمة ومُحقق من محققيها بعبارات جائرة ومجحفة لا لشيء إلا لأنه لم يوافق طرفاً على مسلك الغلو في التبديع وإخراج الناس من السلفية بالجملة.
منهج الغلو: ينطلق هذا المسلك من جفاء واضح يرى صاحبه أن كل من أثنى على جهة أو دافع عن مخطئ في جزئية ما، فإنه يُلحق به ويُسقط كلياً، وتُحرق كتبه وتُهدر مكانته.
منهج الأكابر والإنصاف: إن كبار العلماء والمحققين -كالعلامة ابن باز والعلامة ابن عثيمين رحمهما الله- لم يُقروا يوماً هذا المسلك الغالي، بل كانوا يعرفون لكل عالم قدره وسابقته، ويبقون على حبل الود والنصيحة والتقدير قائماً بين أهل العلم والفضل.
🔍 الشيخ ابن جبرين.. عطاء علمي فوق جفاء الخصومة
إذا نظرنا إلى السيرة العلمية للشيخ الوالد عبدالله بن عبدالرحمن بن جبرين -حفظه الله ورعاه-، نجد رجلاً أمضى عمره في المحاريب والتدريس، وله جهود عظيمة مشهودة في نشر عقيدة السلف الصالح، والرد على الجهمية والمعتزلة وأهل الكلام من واقع مصنفاته ومقالاته وشروحاته.
حقيقة منهجية: إن الافتخار بتقديم الشيخ ابن جبرين وتقريظه لكتب طلبة العلم هو شرف لأي باحث منصف؛ فالشيخ يُمثل امتداداً للمدرسة العلمية الراسخة. ومحاولة اتهامه بنصرة المبتدعة أو التشكيك في نيته هي محض بهتان صادر عن ضيق أفق، وضيق الأفق هذا هو الذي يعجز عن استيعاب أن الخلاف في تقييم الرجال لا يعني الخروج من المنهج.
💡 كلمة ختامية
إن الشريعة المطهرة تدعونا إلى حفظ أقدار العلماء، وإن الخصومة إذا تملكت قلب المرء أعمته عن رؤية الواضحات، وجعلته يبغض ويسقط من خالفه في رأي شخصي أو حكم اجتهادي. الواجب اليوم على الشباب وطلاب العلم هو الانعتاق من أسر هذه التقييمات الضيقة، والالتفاف حول علماء الأمة الكبار، والاستفادة من معارفهم، وترك مسالك التجريح والتشويه التي لا تورث إلا النفرة والشتات.
مسلك تتبع العثرات وأثره في تمزيق الصف الدعوي عند ربيع المدخلي واتباعه
مسلك تتبع العثرات وأثره في تمزيق الصف الدعوي
لا توجد آفة أشد فتكاً بالكيانات الدعوية والتربوية من تحول النقد العلمي البناء إلى مسلك لرصد الزلات، وتتبع العثرات، ومحاكمة النيات. وحين يغيب فقه الائتلاف، ويحل محله تشنج الخصومة، يتحول المشهد من دعوة إلى الله على بصيرة، إلى ساحة تصفية وإسقاط للأعيان بمجرد الهوى والخصومة الشخصية.
📌 من النقد العلمي إلى "التبديع المتسلسل"
إن الناظر في واقع الساحة الدعوية المعاصرة يلحظ بوضوح كيف أضر هذا المسلك الغالي بالدعوة، ومزق شمل شبابها، وجعلهم شيعاً وأحزاباً يُبدع بعضهم بعضاً، ويَهجر بعضهم بعضاً.
ولم يقف الأمر عند حدود الخلاف في المسألة العلمية نفسها، بل تطور إلى ابتكار قواعد مخترعة لم يعرفها السلف الصالح -رضوان الله عليهم-، ومن أبرزها ظاهرة "التبديع والهجر المتسلسل"، والتي تتلخص في:
إلزام الجميع بموقف شخص معين في تجريح ذات أو جماعة.
تبديع من لا يُبدع المخالف الذي حددوه.
هجر من لم يهجر من هجروه.
هذه السلسلة اللامتناهية أوجدت حالة من الإرهاب الفكري داخل المحاضن العلمية، حيث يُطالب طالب العلم بموقف حدّي سريع، وإلا واجه مصير الإسقاط والتشويه.
🔍 تفكيك ظاهرة الغلو في الهجر
إن الهجر في الشريعة الإسلامية إنما شُرع كدواء للاستصلاح والزجر، لا كأداة للتشفي والإقصاء. أما تحويله إلى سلاح يُشهر في وجه كل من لم يوافق على إسقاط فلان أو علان، فهو مسلك دخيل أفرغ النصيحة من مضمونها.
حقيقة واقعية: إن هذا التسلسل البدعي الغريب في الهجر والتبديع لم يورث الأمة إلا ضعفاً، ولم يخدم إلا أعداء المنهج الحق، حيث انشغل الشباب بمعارك جانبية، وعطلوا ثغور العلم والدعوة والرد على الملاحدة وأهل البدع الحقيقيين.
💡 كلمة ختامية
إن علاج هذا التمزق يبدأ من العودة إلى ما كان عليه السلف الصالح من سعة الصدر في مسائل الخلاف الاجتهادية، والتفريق بين المخطئ الذي يثبت فضله وسابقته وبين صاحب البدعة المحضة. إن إسقاط الرجال بمجرد العثرة مسلك يهدم ولا يبني، والواجب اليوم هو لمّ الشمل وجمع الكلمة على الأصول المحكمة والعدل مع الجميع.
آفة الكيل بمكيالين في تقييم الرجال والمناهج عند ربيع المدخلي واتباعه
آفة الكيل بمكيالين في تقييم الرجال والمناهج
إن من أعظم الأزمات التي تُبتلى بها الحركات العلمية والدعوية هي غياب المعيار الواحد في الحكم على المواقف والرجال. وحين تختل موازين النقد، يتحول العمل الدعوي من ساحة للتنافس العلمي الشريف القائم على الدليل، إلى ساحة تصفية حسابات ومحاكمة للنيات والمقاصد.
📌 ازدواجية المعايير.. كيف تُصنع الخصومة؟
تتجلى هذه الآفة بوضوح عندما يُباح لتيار أو شخص ما ممارسة حق طبيعي في العرف العلمي، بينما يُجرَّم الشخص الآخر إذا مارس الحق نفسه!
في ميزان الإنصاف: من المستقر عليه علمياً أن تقديم عالم من الأكابر لكتابٍ ما، أو كتابته لتقرير حوله، لا يعني بالضرورة إقراره لكل حرف فيه أو تزكيته لكل فكرة فرعية وردت بين دفتيه.
في ميزان الخصومة: يُصبح هذا العمل الدبلوماسي العلمي نفسه "خداعاً وتدليساً وترويجاً بالباطل" إذا صدر من المخالف، بينما يُعد "مؤيداً لمنهج النقد ودفاعاً عن السنة" إذا صدر من الموافق!
🔍 شواهد من واقع الممارسات النقدية
إذا أردنا إسقاط هذا التأصيل على الواقع العلمي، نجد تناقضات عجيبة تكشفها الحقائق الموثقة:
الوقوف مع تقارير العلماء: حين يحيل إمام كالعلامة ابن باز -رحمه الله- كتاباً لأحد الدعاة إلى شيخ آخر لمراجعته، ثم يخرج الكتاب يحمل عنواناً عريضاً يوحي بالتأييد المطلق، يُمرر الأمر بلا نكير. لكن حين يقرأ مفتي الأمة كتاباً لآخر، ويكتب تقريراً رسمياً يفيد بأن الكتاب جيد ويستفاد منه بعد تعديل الملحوظات، يُثار النكير على المؤلف إذا أشار إلى مراجعة العلماء لكتابه!
صناعة الغلاف بين المشروع والممنوع: طُبعت كتب مشهورة في الساحة حملت على أغلفتها عبارات من قبيل: "قرأه وعلق عليه سماحة الشيخ صالح الفوزان"، رغم أن سماحة الشيخ الفوزان صرح علناً في دروسه بعد ذلك بأنه إنما علق على الكتاب قديماً بملحوظات، ولم يقر كل ما فيه، بل وخالف المؤلف في مسائل جوهرية كمسائل الخروج الفكري وتفاصيل التبديع.
السؤال العقلاني المقلق: إذا كان وضع اسم العالم على الغلاف في الحالة الأولى يُعد مشروعاً ودفاعاً عن الحق، فلماذا يُعد في حق الطرف الآخر ترويجاً بالباطل ودعاية منكرة؟! أليس هذا هو الكيل بمكيالين بعينه؟
💡 كلمة ختامية
إن الشريعة الإسلامية قامت على القسط: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا}. وإن إسقاط الأعيان ومحاكمة النيات بناءً على الهوى والخصومة لن يبني جيلاً واعياً، بل سيورث الساحة العلمية تمزقاً وتشتتاً. إن نقد الفكرة يجب أن ينطلق من أصل علمي ثابت، لا من هوية قائلها أو موقفه الشخصي منا.
ردٌّ علمي على الشيخ ربيع المدخلي - عن أهـل الاتبـــــاع
**تأليف** **أبي الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني**
**بسم الله الرحمن الرحيم**
**مقدمة**
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فهو المهتد، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
**أما بعد**
فإن الغلو في الدين داء دفين، ابتلي به أهل الهوى والشين، وهلك به من الطوائف ما الله به عليم، وقد عمل سيفه وأثره في الأمة في بعض الجوانب ما عجز عنه سيف أهل الكفر والمين، فإنا لله، وإنا إليه راجعون!!
إلا أن الذي يُسَلِّي أهل الإتباع ويُعَزِّيهم: أن الله سبحانه وتعالى أغير على دينه من كل أحد، وأنه سبحانه وتعالى قد تولى حفظه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وقد أخبر نبيه ﷺ ببقاء طائفة منصورة، تدافع وتنافح عن هذا الدين، فلا يضرها من خالفها من الخارج، ولا من خذلها من الداخل، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك.
وقد جعل الله جل وعلا حجتهم قاهرة، ومحجتهم ظاهرة، فعرفوا الحق، وبهم عُرف، وكانوا ميزاناً لغيرهم، فبهم يُعْرَف المحق من المبطل، والهادي من المضل، والثابت من المتنقل، فلله درهم، وعلى الله أجرهم، وحشرنا الله في زمرتهم، وشرفنا بصحة الانتساب إليهم، إن ربي رحيم ودود.
ولقد نبتت نابتة في هذا العصر، سلكت مسلكاً غريباً في الغلو: فتنادي ـ إيهامًا وتلبيسًا ـ بأنها عن منهج السلف تذود وتدافع، وبكبار علمائه تقتدي وتتابع، وأن مخالفهم بينه وبين السنة فرق واسع، وبون شاسع، وأنه ما خالفهم إلا لأنه يبغض السنة، وأنه لأهلها منابذ ومنازع، أو لأنه يحب البدعة، وعن أهلها ينافح ويقارع!!!
فلما رَفَعَتْ هذه النابتة هذا الشعار؛ اغتر بها كثير من ذوي الغيرة ـ بلا إدراك لحقيقة هذه الفرقة ـ وهرول وراءها كثير من الجهلة الأغمار، ومَثَلُهُمْ كمثل العطشان الذي يلهث وراء السراب، ومع أن هذه النابتة بعيدة ـ في ذلك ـ عن منهج السلف، ولم يسلم منها معظم كبار العلماء من الخلف؛ إلا أنها لازالت تدندن بما سبق، ولازال هناك من يهرول وراءهم، ومن يجاريهم اتقاءً لشرهم!!
ولم أَسْلَمْ من شر هذه الطائفة، بل نالني من شرهم، وكيدهم، وتشنيعهم ما لم يفعلوه مع يهودي، ولا نصراني، ولا وثني ـ فضلاً عن مسلم ـ واستخدموا في سبيل وصولهم إلى مقصدهم وسائل عجيبة، وأموراً مريبة؛ إلا أن الله سبحانه وتعالى رد كيدهم في نحورهم، وانقلب السحر على الساحر!!
وقد وفقني الله جل وعلا بالرد على كل ما طعنوا فيَّ به، وسلكت ـ في ذلك ـ المسلك العلمي القائم على الدليل المحقَّق، أو النقل الموثَّق، ولم أبال بسبهم المقذع، وتشنيعهم، وتجديعهم، ولزمت معهم العدل ـ والفضل في ذلك كله لله وحده ـ ومع هذا فلم أجاملهم، أو أبالغ في مدحهم، ولم أُنْزِلْهم فوق منْزلتهم، وإن عَدَّ ذلك بعض ذوي العواطف أمراً آخر!!!
وبعد أن نفع الله ـ كثيراً ـ بالردود العلمية، وانكشفت حقيقة قواعد الغلاة الخلفية، ونفر جمهور طلاب العلم عن أساليبهم البدعية أو السوقية; آثرت أن أبين لكبيرهم الذي علمهم هذا الضلال، وفتح أمامهم باب الفتن والجدال ـ وهو الشيخ ربيع المدخلي، هداه الله ـ حقيقة منهجه الذي يسلكه مخالفاً به أهل العلم والحلم والعدل؛ فكتبت في ذلك عدداً من الرسائل، فكانت ـ ولله الحمد ـ أكثر نفعاً، وأعظم أثراً، والفضل في الأولى والآخرة لله ذي الفضل العظيم.
هذا، وليس ردي على الشيخ ربيع وحزبه بمسوغ لي أن أتجاوز الحد معهم، فليس لي ولا لغيري أن أظلمهم، أو أهضمهم حقهم، أو أبخسهم أشياءهم، أو أقول فيهم ما ليس فيهم، وإن كانوا قد سلكوا في ذلك معي ومع غيري مسالك شتى!!!
ولقد رأيت أن أجمع بعض هذه الرسائل في كتاب واحد؛ عسى أن ينفع الله به في هذا الزمان وغيره، فيلزم من وقف عليه طريق العدل والوسط، ويحذر من مناهج أهل الشذوذ والشطط، ويزداد ثقة بالحق وأهله، ويزداد قدرة على رد شبهات الغلاة، فإن الشبهات خطافة، والقلوب ضعيفة، لاسيما وهذه الطائفة الشاذة لم تحظ بردود علمية، مفصَّلة، صريحة بالقدر المطلوب من أهل العلم ـ جزاهم الله خيراً ـ، وذلك لاشتغالهم بما يرونه أهم من ذلك، أو لأن لهم في ذلك نظرة أخرى.
وقد سميت هذا المجموع "الدفاع عن أهل الإتباع" وراعيت فيه الترتيب الزمني لهذه الرسائل، وإن كنت عند المراجعة لبعض المواضع المتقدمة، قد أذكر بعض الأحداث الجديدة للحاجة والمناسبة.
ومع وجود علماء وطلاب علم كانوا أولى مني بالتصدي لتفنيد شبهات هذه الفئة النابتة على وجه التفصيل والتصريح؛ إلا أنني رأيت اكتفاء أكثرهم بمجرد التحذير المجمل من هذا المسلك، ورأيت أن ذلك لم يثخن في تلك القواعد الجائرة، ولم يكشف حقيقة تلك البضاعة البائرة الخاسرة؛ فاستعنت بالله في بيان حقيقة هذه الفكرة الدخيلة، المزاحمة للدعوة السلفية الأصيلة، وما كان لله يبقى.
وإن من المناسب هنا أن أذكر ما ذكره الشيخ محمد المختار بن أحمد الجكني الشنقيطي ـ رحمه الله تعالى وأصلح ذريته ـ في مقدمة كتابه: "شرح سنن النسائي" (ص6ـ8) فما أراه ـ رحمه الله ـ إلا وقد ناله من شر هذه النابتة شيء كثير، وأرى أنه يعبر عما أعانيه، وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد قال ـ رحمه الله تعالى ـ: "لكن الثقة بعون الله تعالى إذا حسنت النية؛ حملتني على الإقحام، وجرأتني على رفض التواني والإحجام، فَشَمَّرْتُ عن ساق الجد، واستعنت بالله، فإنه خير معين وممد.
وَقَلَّ مَنْ جَدَّ في أمر يحاوله فاستعمل الصبر إلا فاز بالظَّفَرِ
وإن لم أكن أرى نفسي أهلاً لما هنالك، ولا من فرسان ميادين تلك المسالك، فلا يمنعني ذلك من أن أجود بقلي وموجودي، وبعد ذلك لا ألام، فإن خير الصدقة جهد المقل، كما قال عليه الصلاة والسلام، ورحم الله القائل:
أسير وراء الركب ذا عــرج مؤمِّلاً جَبْـرَ ما لا قيت من عـرج
فإن لحقت بهم من بعد ما سبقوا فكم لرب الورى في الناس من فرج
وإن ضللت بقفر الأرض منقطعا فما على أعرج في ذاك من حـرج
وأعوذ بالله من طعن الحاسدين، وأهل الأهواء المغرضين، الذين استمرؤوا الوقيعة في أعراض المسلمين، وخاصة أهل العلم والدين، وكأنهم لمحاسن أهل الفضل أعداء وعنها من المتصاممين، ولم يسمعوا ما قال بعض من عُني بنصيحتهم ونصيحة أمثالهم ممن هم للعورات متتبعون:
فالناس لم يصنفوا في العلم لكي يصيروا هدفاً للذم
ما صنفوا إلا رجاء الأجر والدعوات وجميل الذكر
فهذا زمان غلب فيه الجهل وعم، وطغى على أهله بحر الفتن والفساد وطم، وكثر فيه النكير على أهل الخير ممن تورط في ظلمات الزيغ وارتطم، فالفضيلة بين أهله مغموطة مستورة، والعثرة ـ ولو بسوء الظن ـ علانية مشهورة، وقد سبق فيهم قول القائل:
إن يعلموا الخير أخفوه وإن علموا شرًّا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا
وقول الآخر:
إن يسمعوا سُبة طاروا بها فرحًا عني وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيراً ذُكِرْتُ بـه وإن ذُكِرْتُ بسوء عندهم أذنوا
ومع هذا؛ فالدعاوي الباطلة فيهم فاشية، وأقوال أهل الحق والمعرفة عندهم لاغية، فلذلك تقدمت فيهم الأنذال، وتأخر أهل الفضل والكمال، فهم كما قال من يصف مثل ما نحن فيه في الحال:
أرى زمنًا نوكاه أسعد أهلـه ولكنما يشقى به كل عاقـل
مشى فوقه رجلاه والرأس تحته فكبَّ الأعالي بارتفاع الأسافل
وقد اتضح فيه مصداق قول الرسول ﷺ: «شحاً مطاعًا، وهوًى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه».
ومع ذلك؛ فأهل الحق لا تؤثِّرُ عليهم عوارض الأحوال، ولا يصدهم عن اتباعه كثرة الزعازع والأهوال، وواجب النصح عليهم فرض باق لا يزال، والنشء يحتاجون إلى الخير على أيدي الكبار، وإلا فمن أين يعرفون السبيل المستقيم، والطريق القويم، ولقد أحسن القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي إذ يقول:
متى تصل العطاش إلى ارتواء إذا استقت البحار من الركايا
ومن يُثْنِي الأصاغر عن مراد إذا جلس الأكابر في الزوايـا
وإنَّ تَرَفُّعَ الوضــعاء يوماً على الرفعاء من إحدى الرزايا
إذا استوت الأسافل والأعالي فقد طابت منادمـة المنــايا
والتوجع من هذه الأحوال في الناس قديم، والأمر فيه على مر الأيام مستديم ..." أهـ كلامه ـ رحمه الله ـ.
وفي نهاية هذه المقدمة؛ أحب أن أجيب عن شبهتين:
**الأولى:** هناك من يقول: إن أبا الحسن كان موافقًا للشيخ ربيع في طريقته، فلما تكلم فيه الشيخ ربيع؛ قام بهذا الرد عليه، ولولا طعن الشيخ ربيع فيه؛ لكان موافقًا له على منهجه!!
والجواب من وجوه:
1 ـ قائل ذلك معذور ـ في الجملة ـ لجهله بحقيقة موقفي من الشيخ ربيع منذ سنوات، فعندما يراني غير مقاطع للشيخ ربيع، ويسمع تحذيري من الغلاة في التكفير؛ يظن أنني أوافق الشيخ ربيعًا على كل ما يقول، والأمر ليس كذلك!!
2 ـ قائل ذلك متهجم على أمر غيبي ـ إلى حد ما ـ وما له بذلك من علم، فما كان له ذلك!!
3 ـ لقد أنكرْتُ طريقة الشيخ ربيع منذ عدة سنوات في كتابي "السراج الوهاج" الذي كتبته في 1418هـ، وقد طُبِعَ الكتاب ثلاث طبعات قبل ظهور اختلافي مع الشيخ ربيع، ولقد صرح الشيخ ربيع ـ نفسه ـ في رده عليّ في كتابه: "انتقاد عقدي ومنهجي على السراج الوهاج" وغيره، فقال: "إنني عندما راجعت الكتاب ـ يعني السراج الوهاج ـ علمت أنه يقصدني بذلك" ـ يعني تحذيري من عدة صور من الغلو الواقع فيه ـ.
وقال أيضًا: "وقد كنت مستيقنًا بلاءه منذ 1416هـ". أهـ.
وذلك لما يجد مني من كثرة المناقشة والإنكار عليه فيما خالف فيه المنهج السلفي.
فالشيخ ربيع ـ نفسه ـ يصرح بإختلافي معه منذ سنوات، لكن صاحب هذه الشبهة لا يدري بشيء من ذلك، أو يدري لكنه واقع في غلو آخر، وفي طرف مقابل لربيع وحزبه!! ومن هنا فلا يرضى إلا عمن وافقه حذو القذة بالقذة!! ومعاذ الله أن أهدم غلواً، وأشيد مثله أو أشد!!
نعم، لم يظهر إنكاري على الشيخ ربيع من أول الأمر؛ لأنني كنت أسعى إلى الإصلاح والتقويم مع جمع الكلمة ما أمكن، فلما رأيت القوم لا يرضون إلا بالتورط معهم في غلوهم, وأشاعوا باطلهم وافتراءهم، وأظهروا ما في ضمائرهم؛ كان لزامًا علي أن أعلن نقض باطلهم بالأدلة الشرعية، والآثار السلفية، وقد كان ـ فلله الحمد والمنة ـ.
وأيضًا: فليس كل ما عليه الشيخ ربيع أُنْكِرُه، إنما أنكر عليه ما خالف فيه منهج السلف وكبار الأئمة، وإلا فالحق الذي معه ضالتنا جميعًا ـ وإن تخلى عنه الشيخ ربيع، أو حمله غلوه إلى جفاء من صنف جديد ـ فليس لنا أن نتخلى عنه، ونسأل الله الثبات على الهدى، فليس لصاحب هذه الشبهة حق فيما يقول، ولو سلمنا بصحة ما قال، وتغافل بعض الناس عن إقرار الشيخ ربيع بمخالفتي إياه، أو تجاهل كتبي المنشورة في الرد على ربيع وحزبه؛ فبقي الوجه الأخير، وهو:
4 ـ العبرة بما ذكرتُ من أدلة، ونية الكاتب بينه وبين ربه، فطالب الحق ينظر للأدلة، لا أنه يشق عن الصدور، ويتهجم على الغيب بالظن والتخمين، والموعد الله جل وعلا، والأجر عليه لا على أحد غيره.
**الشبهة الثانية:** هناك من يقول: إن الكلام في الشيخ ربيع ـ وإن كنت محقًّا ـ يسقط مكانته، وهو رجل له آثار عظيمة في نصرة السنة، ثم إن المخالفين يشمتون في الدعوة بذلك.
والجواب من وجوه:
1 ـ الشيخ ربيع وإن كانت له بعض الجهود النافعة في بعض الجوانب؛ إلا أن شره قد زاد وطار في العالم ـ منذ وقت ـ، فأصبح له أتباع على قواعده المنحرفة، وأسلوبه الشنيع، وفهمه الضَّار، وتفرقت الدعوة بسبب هذا وغيره من الأمور التي عرف به هو وأتباعه، فمن كان كذلك؛ لا يُسكت عنه، بل لابد من نصحه، وطلب التحاكم معه إلى لجنة علمية في النِّزاع، أو المناظرة في مسائل الخلاف، وقد سعيت في هذا كله، وتوسط بعض العلماء الأفاضل في ذلك؛ فلم يُجْدِ ذلك شيئًا، فكان لابد من الرد العلمي، وقد كان ـ ولله الحمد والمنة ـ فإن سقط الشيخ ربيع؛ فبذنوبه، وانحرافه، وظلمه، وبغيه، وليس مقصودي إلا بيان الحق، والنصح للخلق، ووضْع الرجل في منزلته فقط، لكن حاله السابق؛ هو الذي أورثه المهالك، والظلم ظلمات ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ ﴿وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ وصدق من قال:
قضى الله أن البغي يصرع أهله وأن على الباغي تدور الدوائر
2 ـ السكوت عن قواعد وأسلوب وسلوك هذا الحزب؛ لا يخفف الشر، بل يزدادون بالسكوت شموخًا، وفي الدعوة تمزيقًا، مفتخرين بأن الحق معهم، مُدَّعين أنهم لو كانوا على باطل؛ لرد عليهم مخالفوهم، حتى كان بعض أذناب الشيخ ربيع يقول في بداية ظهور خلافي مع الشيخ ربيع: "الشيخ ربيع ما رد على أحد إلا أحرقه وأسقطه، فلا تبالوا بردود أبي الحسن، فخصم الشيخ ربيع مهزوم قطعًا، ثم مَثَّلَ بعدد من الناس، من بينهم من هو من كبار العلماء!!
فهل السكوت يعطل أو يقلل شر هؤلاء، أم يزدادون به تلبيسًا على أتباعهم المفتونين بهم؟! فلما يسر الله جل وعلا بردود طلاب العلم عليهم؛ نظر بعض الغلاة إلى بعض، وأعينهم تدور كالذي يُغشى عليه من الموت، وشَرِقُوا بريقهم، وكفانا الله كثيرًا من مؤنتهم، فلله الحمد والمنة.
3 ـ لقد لبَّس هؤلاء على طلبة الحق في كل مكان، والقلوب ضعيفة، والشبهات خطافة، كما قال الحافظ الذهبي ـ رحمه الله ـ "فلابد من السعي فيما يُثَبِّت الله به القلوب، ويُذهب به الكرب عن طلبة العلم، وأنصار الهدى، وهذا إذا كان في حدود الضوابط الشرعية؛ فهو جهاد في سبيل الله تعالى.
4 ـ إنَّ سَدَّ الباب أمام شماتة الأعداء، وذلك بترك مرجل الغلاة يفور بتضليل الشباب، وتمزيق الأمة؛ مقصد غير شرعي، وماذا ينفعنا أن يحسن الناس بنا الظن، ورياح الفرقة والضلال تهب على صفوفنا، ونحن قادرون على إنقاذ ما أمكن، فنترك الأمر على ما هو عليه؛ لنفرّ من شماتة الأعداء؟!!
إن هذه العاطفة القائمة على اللفلفة: لا تُربي أحدًا؛ لأنها مخالفة لمنهج السلف: فهل غاب عنا موقف علي رضي الله عنه ممن خالفه، وشذ عنه من الصف؟ وكذا موقف الأئمة ممن أحدث في الدين؟! وموقف شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ من متعصبة المذاهب؟! والمخالفون اليوم ـ وإن كانوا من أهل السنة بأعيانهم، لا بطريقتهم!! ـ إلا أنهم سلكوا مسلك أهل البدع في تمزيق الصفوف بسبب مسائل اجتهادية، مع أن الحق ـ في أكثر الأحوال ـ معنا، وليس معهم، كما أنهم امتحنوا الناس بمقالات خفية محدثة، وبقادتهم، وبأشخاص مغمورين، فمن وافقهم على مدحهم أو ذمهم؛ رفعوه، ومن خالفهم؛ رموه بالمروق من السنة، وسعوا في هجره، والافتراء عليه بما لم يَدُرْ بِخَلَدِهِ، كما سيأتي ـ إن شاء الله ـ مفصلاً!!
ولقد حذر السلف من مقالة حماد بن أبي سليمان وذر بن عبد الله المرهبي ـ على علمهما ـ عندما تكلما بالإرجاء، وحذروا من مقالة يعقوب بن شيبة وداود بن علي ـ على علمهما ـ عندما تكلما بالوقف في القرآن، ولم يقل أحد: إن هذا يؤدي إلى شماتة الأعداء، مع أنه لم يبلغنا أن هؤلاء فعلوا ما فعله الشيخ ربيع وحزبه من إثارة الفتن في الصف السلفي، وهجر مخالفهم، وهجر من لم يهجره، وهجر من لم يهجر من لم يهجره، وتبديع من لم يبدّع مخالفهم، وتبديع من لم يبدع من لم يبدع من بدعوه، بل التبديع بمجرد من توقف في تبديعه ...إلخ ما سيأتي في هذا الكتاب ـ إن شاء الله تعالى ـ.
إن الرد على المخالف ـ مع مراعاة الضوابط العلمية، والحال والمآل ـ من منهج أهل السنة والجماعة، ولما سلكت هذا المسلك؛ كسر الله ـ من فضله وجوده ـ شوكة هذا الفكر، وأسأل الله أن يزيل ما بقي منه.
فإذا سلكنا هذا المسلك؛ فلا يهمنا رضي أو سخط الأعداء، فإنهم لا يزالون ساخطين، والله جل وعلا يقول: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾ وصدق من قال:
الله يعلم أنا لا نحبكم ولا نلومكم إن لم تحبونا
5 ـ ومما يؤسف له: أن بعض هؤلاء العاطفيين، إذا طعن فيهم أحد؛ كالوا له الصاع صاعين، ولم يقفوا عند الضوابط التي وفقني الله جل وعلا إلى مراعاتها!! فحمدًا لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
**(تنبيه)** في ردي على الشيخ ربيع سلكت ـ في الغالب ـ طريقة نقل كلامه بلفظه من كتاب، أو شريط، حتى وإن كان فيه لحن، وباللغة العامية، دون تقويم لذلك ـ في الجملة ـ مع أنه كان يقرأ كلامي، ويفهم منه ما أراد، ثم يُقَوِّلُني ما لم أقل، ثم يتخذ له خصماً غير موجود، وينسب إليه عقائد ومقالات لم تَدُرْ بِخَلَدِهِ، ولا يحتملها كلامه، ثم ينبري للرد على ذلك دون نقل لكلامي!!! وقد خالف بذلك طريقة العقلاء ـ فضلاً عن العلماء ـ وقد بينت ذلك كله في مواضعه، ولله الحمد والمنة.
أسأل الله سبحانه أن يجعل هذا العمل كله خالصًا، ولمنهج السلف ناصرًا، ويغفر لي زلتي، وخطئي، وعمدي، وكل ذلك عندي، وأن يجعل هذا العلم حجابًا لي من سخط الدنيا، ووحشة القبر، وعذاب الآخرة، وأن يثبت به قلبي، ويرفع به ذكري، ويشرح به صدري، وييسر به أمري، ويحفظ به ديني ودنياي، ومعاشي ومعادي، ويغفر به لي، ولوالدي، وأهلي، وذريتي، وأحبتي، إنه أكرم مسؤول، وأعظم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيدًا إلى يوم الدين.
كتبه الفقير إلى عفو ربه، الغني بعونه ومدده
أبو الحسن مصطفى ابن إسماعيل السليماني
وكان ذلك في مدينة الرياض
ـ حرسها الله وجميع المسلمين ـ
في 19 رمضان 1424هـ
---
**الرسالـة الأولـى**
**قطع اللجاج بالــرد علــى مــــن طـعـــن فــي الســراج الوهــاج**
الحمد لله الذي بيده قلوب العباد يُصَرِّفها كيف يشاء، فمنها المستورُ المُعَافَى ومنها المُمْتَحَنُ بالابتلاء، يَخْفض ويَرْفع ويُعِز ويُذِل ويدفعُ عن أوليائه أسباب الخزي والشقـاء، وينصـر من نصره وإن اجتمع عليه مَنْ في أقطارها وأجلبوا عليه بكلِّ كيدٍ ودهاء.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، قيوم الأرض والسماء، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى المحجة البيضاء، تَرَكَنا على سبيل الرشد، فلا يزيغ عنه إلا من حُرِم الثبات وكان ممن أفئدتهم هواء، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبيًا عَن قومه، ورسولاً عن أمته، جزاء ما حَذَّر وأنذر، حتى أفاء إلى الحق من أفاء، واشرح صدورنا للاتباع الصادق، وإن تكالبت علينا الخصوم والأعداء، وادفع عنا كيد الكائدين، يا مَنْ لا يَذِل وليُّه، ولا يَعِزُّ عدوه، يا من يُجير ولا يُجار عليه ويجيب المُلِحين عليه في الدعاء، أما بعـد:
فإنَّ الابتلاء سُنَّــةٌ فـي هـذا الدين، لا يكاد يَسْلَم منه مَنْ أَقبل على الله بصدق، كما قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3]، ونعوذ بالله أن نكون من الكاذبين، ونسأله بمنه وكرمه وجوده أن ينـزلنا منازل الصديقين.
والفتنُ التي يتعرَّض لها المسلم كثيرة، وكثيرة جدًا في يومه: نهاره وليله، لكن أشد ذلك على صاحب الحق، أن تكون الفتنة من أقوام كان الظنُّ فيهم أنهم هم الأنصار على الحق، والأعوان على عناء الطريق، لكن الله عز وجل هو الذي بيده الخيرُ؛ فيرفع ويخفض، ويُعز ويُذل، ويُعين ويخْذل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وصدق من قال في مثل هذا الموضع:
ظننتُ بهم ظنـًا جميـلاً فخيَّبوا رجائي وما كل الظنونِ تصيـب
وكَذَبَ أيضاً من قال (أو صَدَقَ من قال):
وإخوان حسبتهمو دروعًا فكانوها ولكن للأعادي
وخِلْتُهُمُمُ سهامًا صائبـــاتٍٍ فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفـت منـا قلوب فقد صدقـوا ولكـن من ودادي
ولقد شاع وذاع في هذه الأيام نَبَأُ تلك الحملةِ الشرسة والهجمةِ العاتية، التي يقودها الشيخ ربيع بن هادي المدخلي -هداه الله- يقودها ضدي بلا هوادة، وشعار هذه الحملة: التهويل، وتحميل الكلام ما لا يحتمل، والأحكام العجيبة التي لا تمتُّ للعلم والورع بصلة، والجرأة على إطلاق أشد عبارات التجريح بدون سبب، وتهييج الأحداث وذوي الأغراض الغامضة والساقطة على المخالف، وزرع حنظل الفرقة والتهارج بين أهل هذه الدعوة، وامتحان الأشخاص بأمور مُحْدَثَةٍ ابتدعوها من عند أنفسهم، فصرفوا الدعوة عن منهجها العتيق، وفتحوا باب الوقوع في الأعراض، بل والوقوع ـ أحيانًا ـ في حمأة التكفير، كل هذا وغيره بدعوى الغيرة على السنة، والدفاع عن منهج السلف، والانتصار لعقيدة الفرقة الناجية!!!
ولو نظر عاقل في حال كثير ممن ولجوا في خضم هذه الفتن، وكانوا من حطام وصَرْعَى هذه المحن، وتأمل شيئًا يسيرًا من حالهم وقالهم؛ لرأى الفارق الواسع، والبون الشاسع، بين دعوة السلف وأتباعهم اليوم، وبين هؤلاء الذين يصدق على كثير منهم قول القائل:
وكلُّ يدَّعي وَصْلاً بِلَيْلَى وليلى لا تُقِرُّ لَهُمْ بِذَاكَا
ولولا أن البينة على المدّعي، ولولا أن الساحة السلفية قد وفَّق الله الكثير من أبنائها إلى معرفة العلم وأصوله، وضوابط الحوار، ومعالم الأبحاث العلمية، ولولا أن هناك بقايا خير تنصر الدليل، وتدفع به في نحر المخالف الذليل، وترد الخطأ، وإن كان قائله عظيمًا مبجلا، وتقبل الحق، وإن كان قائله تافهًا سبهللا، لولا أن الله عز وجل قد أبقى بقايا الخير هذه؛ لَسَرَتْ هذه الحملة العاطلة في الصفوف كالنار في الهشيم، ولَسَلَبَتْ هذه العباراتُ الفجة، والأحكام المعوجَّة، عقولَ الكثير من الباحثين عن الحق، ولكن الله سلَّم، فله الحمد، وله الثناء الحسن، على نصره وتأييده لي ولإخواني بالحق وبالمؤمنين، كما قال سبحانه لنبيه ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 62].
وعلى كل حال: فليس من ديننا أن نُلْزِم أنفسنا أو غيرنا، بقول أحد لا نخرج عن قوله كائنًا من كان، إلا رسول الله ﷺ، وإجماع مجتهدي الأمة، وقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم أن يقولوا الحق، ولا يخشوا في الله لومة لائم، وأن يثبتوا على الحق، وإن خذلهم الناس، وهذا ابن الوزير ـ رحمه الله ـ يقول في «العواصم والقواصم» (1/223): «ولو أن العلماء تركوا الذبَّ عن الحق، خوفًا من كلام الخلق؛ لكانوا قد أضاعوا كثيرًا، وخافوا حقيرًا» اهـ.
ولقد سكتُّ كثيرًا - مع ما سمعت من البهتان، والتقوّل عليّ بما لم أقل، بل بما لم يدر بخَلَدي يومًا من الأيام - وكنت إذا قرأتُ شيئًا مما كتبه الشيخ ربيع ـ هداه الله ـ وهو يغوص في ضميري، ويستقرئ سريرتي، ويدعي أنني ما قلت كذا إلا وأقصد من وراء هذا القول كذا وكذا !! فلما وقفت على بعض كلامه هذا، رأيت كأنه يتكلم عن أبي حسن آخر؛ لأنه يخلص في النهاية عني بعقيدةٍ أو قصدٍ أو طريقة لم يَدُرْ منها بخَلَدي شيء!!
وما كنت لأردّ على مثل هذه الأمور، إلا أن الشيخ ربيعًا ـ أصلحه الله ـ أراد أن يظهر للناس أن سبب الخلاف معه ما أسماه بـ: «مسائل عقدية ومنهجية»، يدّعي أنني خالفت بها منهج السلف، وأنني بها أصبحت من أهل الأهواء ـ عنده!!- بل ادّعى أنني أشر أهل البدع على وجه الأرض !!! وهذه دعوى متوقعة من الشيخ ـ هداه الله ـ ولستُ أول من رماه بذلك، وأرجو أن أكون آخر من يُرمَى بهذه الفرى، وصدق الله القائل: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء:113]، والله المستعان.
والحـق: أن الشيخ - أصلحه الله - يعلم أن هذه المسائل التي ذهب يبحث ويفِّتشُ عنها في خبايا كتبي وأشرطتي – أو أَمَر غيرَهُ بذلك - عسى أن يظفر بما يشنع به عليّ؛ ليست هي سبب هذه الفتنة: إنما سبب هذه الفتنة أنني أريد أن أعبد الله عز وجل بما شَرع، وبمقتضى منهج سلف الأمة، وما أدركنا عليه علماءنا القائمين بهذا المنهج المبارك في هذا العصر، إلا أن الشيخ - هداه الله- لا يهدأ له بال، ولا يَقِرُّ له قرار؛ إذا وجد طالب علم يخالفه ولو بالدليل، أو يفتي بمقتضى الحق الذي يعلمه -وإن خالف الشيخ ربيعًا أو وافقه- فلم يتعبدنا الله عز وجل بقول الشيخ ربيع ولا غيره، بل لابد مِنْ عَرْض هذا كله منه ومن غيره على الميزان الشرعي الأصيل؛ فَيُقْبل الحق ويُرَد الباطل الدخيل.
كل هذا أثار حفيظة الشيخ ربيع - هداه الله - وبيَّت النية لهذه الحملة، التي كانت سبب خير - ولله الحمد- فقد عرف الكثير من طلبة العلم أن أكثر ما كتبه الشيخ - أصلحه الله- من رسائل وأدلة، أنها بعيدة عن موضع النـزاع، وأن منها ما هو حجة لي لا عليَّ؛ ولذلك فقد توالت الردود على الشيخ – ومن جرى مجراه - من طلبة العلم في كل مكان، حتى رَدَّ من ردّ عليه مِمَّنْ لا أعرف اسمه ولا بلده، والحق أحق أن يتبع، ولقد كنت أحب الاكتفاء بذلك، لولا إلحاح بعض المحبين للسنة -ولا أزكيهم على الله تعالى- بأن أرد أنا بنفسي، فصاحب البيت أدرى بما فيه.
واعلم أن تقليد الرجال والتعصب لهم - ولاسيما في مثل هذه المواضع - من علامة الخذلان، ولا يُوفَّق للبحث عن الحق بدليله، والاستئناس بالحجج والبراهين؛ إلا أهل النفوس الزكية، والهمم العلية، أما من قنع بالتعصب لفلان أو لفلان، والانتصار له كيفما كان؛ فهذا نقول فيه كما قال ابن الوزير في «العواصم والقواصم» (1/224): «فإن العلاج لترقيق طبعه الجامد، هو الضرب في الحديد البارد، ولذلك أمر الله بالإعراض عن الجاهلين، ومدح به عباده الصالحين» . اهـ.
وقد قال شيخ الإسلام - كما في «مجموع الفتاوى»(20/164) - :«وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها، غير كلام الله ورسوله، وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع، الذين ينصبون لهم شخصًا أو كلامًا يفرِّقون به بين الأمة، يُوالون به - على ذلك الكلام، أو تلك النسبة - ويعادون » اهـ.
وإني لأبرأ إلى الله عز وجل من صنيع من وقع في مثل ذلك، تعصبًا لي، وانتصارًا لقولٍ خالفت فيه سبيل الهدى، بل عليه أن يرمي بخطئي عَرْض الحائط، ويتبع الحق على أي حال كان.
أرجع فأقول: لقد نفعني الله عز وجل بانتقادات الشيخ ربيع وغيره؛ لأنني -ولله الحمد- قد وطَّنْتُ نفسي على قبول الحق، من أي رجل كان، فما كان من كلام المنتقدين من حق؛ قبلته، وحمدت الله عليه، وشكرتُهم، وما كان من باطل; رددته، وأقمت الحجة في الرد عليه، ولا أتجاوز الحد معهم.
ولذلك: فلو كان أحد يُشكر على سوء فعله؛ لشكرت من بذلوا جهدهم للتشهير بي؛ فإن الله عز وجل قد نفعني بما أجلبـوا بـه ضـدي، وصدق الله القائل: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19] ، والقائل سبحانه وتعالى: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: 11].
ولذلك: فقد عزمتُ على الرد العلمي - إن شاء الله تعالى - على ما كتبه الشيخ ربيع - هداه الله- من مسائل علمية؛ نصحًا له، ودرءًا للشبهات الخطافة عن القلوب الضعيفة، ومن قصد الله في ذلك؛ فهذا من الجهاد في سبيل الله، وإن تخلل ذلك ما يكدر صفوه –فإن النفس أمارة بالسوء، وما أبرئ نفسي- فأسأل الله العفو والعافية.
وأحب أن أنقل – في هذا الموضع - كلام ابن الوزير -رحمه الله- وقد عزم على الرد على بعض الرسائل من المخالفين؛ فإن فيه اعتذارًا لي عما يقع في كلامي من الخطأ، فقد قال –رحمه الله - في «العواصم »(1/ 223 ـ 224):
«وقد قصدت وجه الله تعالى في الذب عن السنة النبوية، والقواعد الدينية، وليس يضرني وقوف أهل المعرفة على ما لي من التقصير، ومعرفتهم أن باعي في هذا الميدان قصير؛ لاعترافي أني لست من نقاد هذا الشان، وإقراري أني لست من فرسان هذا الميدان، لكني لم أجد من الأصحاب من يتصدى لجواب هذه الرسالة، لما يجرّ إليه ذلك من القالة، فتصديْتُ لذلك من غير إحسان ولا إعجاب، ومن عُدِم الماء تيمم التراب، عالمًا بأني لو كنت باري قوسها ونبالها، وعنترة فوارسها ونزالها؛ فلا يخلو كلامي من الخطأ عند الانتقاد، ولا يصفو جوابي من الغلط عند النقاد، والكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: هو كلام الله في كتابه العزيز الكريم، وكلام من شهد بعصمته الذكر الحكيم، وكل كلام بعد ذلك فله خطأ وصواب، وقشر ولباب، ولو أن العلماء -رضي الله عنهم- تركوا الذب عن الحق، خوفًا من كلام الخلق؛ لكانوا قد أضاعوا كثيرًا، وخافوا حقيرًا، ومن قصد وجه الله تعالى في عمل من أعمال البر والتقى؛ لم يحْسُن منه أن يتركه لما يجوز عليه في ذلك من الْخَطَا، وأقصى ما يُخاف أن يكلَّ حسامه في معترك المناظرة وينْبو، ويعثر جواده في مجال المجادلة ويكبو، فالأمر في ذلك قريب: إن أخطأ فمن ذا الذي عُصم؟! وإن خُطِّئَ؛ فمن الذي ما وُصِم؟! والقاصد لوجه الله لا يخاف أن يُنتقد عليه خلل في كلامه، ولا يهاب أن يُدَلَّ على بطلان قوله، بل يحب الحق من حيث أتاه، ويقبل الهدى ممن أهداه، بل المخاشنة بالحق والنصيحة، أحب إليه من المداهنة على الأقوال القبيحة، وصديقك من أصْدقك، لا من صدّقك، وفي نوابغ الكلم، وبدائع الحكم: عليك بمن يُنذر الإبسال والإبلاس، وإياك بمن يقول: لا باس، ولا تاس، فإن وقف على كلامي ذكي لا يستقويه، أو جافٍ يسخر منه ويستزريه؛ فالأولى بالذكي أن يخفض لي جناح الذل من الرحمة، ويشكر الله على أن فضله عليّ بالحكمة، وأما الآخر الزاري، وزند الجهالة الواري، فإن العلاج لترقيق طبعه الجامد؛ هو الضرب في الحديد البارد، ولذلك أمر الله بالإعراض عن الجاهلين، ومدح به عباده الصالحين ». اهـ
فإذا كان هذا كلام ابن الوزير، وهو الفارس المغوار، وحامي الذِّمار؛ فما ظنك بمن بضاعته مزجاة، وقد ضعفتْ عن حمل الحق قواه؟!!
وقبل الشروع في المقصود - إن شاء الله تعالى - أذكر عدة تنبيهات:
**الأول:** أنني إذ أَرُدُّ على الشيخ ربيع - أصلحه الله- فليس معنى ذلك أنني أنسى جهوده السابقة في نصرة الحق - قلَّت أو كثرتْ -، إنما أرد عليه – فقط - فيما أعتقد أنه أخطأ فيه، لا فيما أصاب فيه، فإن ما أصاب فيه جزء من دعوتنا، ننافح عنه -وإن تخلَّى عنه الشيخ ربيع يومًا من الأيام -، لأننا ننصر -بالقصد الأول- الحق، لا الشيخ ربيعًا، وليس المقصود من ردِّي الانتصار لنفسي، مع أني لو فعلت - دون تجاوز - لما كنت ظالمًا؛ لأن الشيخ قد ظلمني بما قد ملأ نَبَؤُهُ السهل والجبل، إلا أن الله عز وجل خيّر المظلوم، وأرشده إلى التي هي أحسن، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ... وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 39-43]؛ فاخترت -ولله الحمد- العفو والصفح.
ولولا أن الشيخ -أصلحه الله- أَوْهَمَ بعضَ الناس أن الدافع والحامل لهجومه علىَّ مسائلُ علمية؛ لما اشتغلت بذلك، ولكن من باب قوله ﷺ: «إنها صفية»، شرعت في هذا الجواب وغيره -إن شاء الله تعالى-.
فلا يشمَتَنَّ حاسد بهذا الرد، قائلاًً: دَعْهُمْ يأكل بعضُهُمْ بعضًا!! فإن ذلك يدل على سفه في عقله; فإن الواجب عليه أن يتأمل في كلام الطرفين، ويشهد للحسنة بأنها حسنة، وعلى السيئة بأنها سيئة، وينصر صاحب الحق، ويردع المبطل -إن استطاع- فإن لم يفعل، فقد نادى على نفسه بمخالفة التي هي أقوم.
وكذلك: فلا يجازف متهور، فَيَرْمِيَنيِ بما يُسَوِّد وجهه في الدارين؛ فإني لا أبالي بذلك -ولله الحمد- كما لا يطمع متربص في دعوتنا؛ فنحن قوم نحب الدليل، وإن خالف من خالف، ونسأل الله الثبات والصدق في ذلك.
وإن من سوء الظن بطلاب العلم، أن يظن أحد أن الاختلاف مع الشيخ ربيع -هداني الله وإياه- معناه: أننا نتركه ونذهب إلى دعوة فلان، أو الجماعة الفلانية الجماعة الفلانية المعادية له، سواء كانت على الحق، أو على الباطل!!!
ألا فليُعلم أننا خالفناه بالدليل، لا بالهوى؛ وذلك لما رأينا انحرافًا منه عن منهج السلف في عدة مواضع، ولما رأينا غلوًا وإسرافًا في كثير من الأحكام على السُّنِّي قبل المبتدع!! وعندما رأينا ظاهرة التبديع والتضليل تسير في صفوفنا كالنار في الهشيم، فمزقت صفوفنا، وأوهت أركاننا، وأشمتت فينا خصومنا.
عند ذلك: أنكر كثير من عُقلاء طلاب العلم في كل مكان هذا المنكر، وصاحوا بالأخذ على يد من يمس هذا المنهج السلفي الصافي بما يكدر صفوه - وإن كان هناك من يزعم أن الدافع للشيخ غيرة وإخلاص – فهذا لا يكفي وحده، بل لابد من الاتباع الصحيح، مع الإخلاص والصدق.
أما الفِرَق المخالفة لنا ـ من قبل وحتى الآن ـ فموقفنا من الفرق المفارقة لمنهج أهل السنة والجماعة: النصح، فإن استجابَتْ؛ وإلا فالتحذير منها ـ على تفاصيل معروفة، ستظهر بأدلتها في هذا الكتاب وغيره إن شاء الله تعالى - وأما ما كان من الجماعات في دائرة السنة والجماعة: فموقفنا منها: النصح فيما خالفوا فيه الشرع، وإن احتاج الأمر إلى التحذير من أعمالهم أو أعيانهم، وكانت المصلحة الشرعية في ذلك أعظم؛ فعلْنا، وأما مسألة التعاون مع المخالفين جميعًا على البر والتقوى؛ فنحن نمدّ أيدينا لذلك، ولكن هذا كله حسب الضوابط المعروفة عند أهل العلم.
فلا يطمع أحد في نصرتنا الباطل، كما لا ييأس أحد ـ إن شاء الله تعالى ـ من تعاملنا معه بعدل وإنصاف ـ كما أمرنا الله عز وجل ـ ومن قبولنا الحق منه؛ وإن احمرت أنوف الغلاة، كما لا ييأس أحد من تعاوننا معه على البر والتقوى حسب الشروط المعروفة عند أهل العلم، وإن سمى ذلك أهل الغلو تمييعًا ومروقًا من السنة، فالحق أحق ما يقال، وأحق أن يتبع.
فعلى جميع العقلاء المنصفين، المحبين للحجة والبراهين، والمُؤْثِرين للسنة على مجرد الأقاويل: أن يتقوا الله في هذه الدعوة، وأن يقدموا الحق على مجرد الولاءات الحزبية الضيقة، وأن يلزموا الجادة التي تركنا عليها رسول الله ﷺ، وأن يوحدوا جهودهم على نهج السلف، وأن يلزموا غرز أهل العلم في الحق، وأن ينظروا في المسائل الخلافية نظرة صدق وتجرد، فما أحوج الأمة لذلك!
ونحن - والله - لا نَدَّعي لأنفسنا ولا لعلمائنا العصمة، بل نعتقد أن ما نحن عليه هو الحق، ومن أظهر لنا دليلًا على خلاف شيء من كلامنا؛ فخبنا وخسرنا إن لم نرجع إليه، كما أننا نوقن بأن من المخالفين من هو أكثر علمًا وصدقًا من كثير منا، لكن نرى خطأه في هذه الأمور التي ننكرها، وأن ما عنده من العلم والصدق؛ لا يسوغ اتباعه على خطئه - على تفاصيل في ذلك –
ألا فلنرجع جميعًا - بصدقٍ لا بمكرٍ ودهاء - إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10]، لا إلى معايير حزبية، وموازين خلفية، والله المستعان.
**الثاني:** لقد قرأت رسالة من الشيخ عُبيد الجابري -أصلحه الله - نُشِرَتْ في شبكة «الإنترنت»، وذكر فيها أنه موافق للشيخ ربيع في كل شيء من انتقاداته عليّ، ومنها انتقاداته على كتابي «السَّرَاج الوهَّاج» !!
وقد كان بودّي أن يتأنى الشيخ عُبيد -أصلحه الله- حتى يطلع على الأمر من جميع جوانبه، ويسمع مني جوابي على هذه الانتقادات، ولاسيما وقد صارت بيني وبينه - مع جماعة آخرين- مجالس وأمور!!
ولقد كان للشيخ عبيد سعة من أمره، لكن كل شيء بيد الله عز وجل، فلم يسمع الشيخ جوابًا مني، وكذلك لم يقابل كتابي «السراج الوهاج» على تلك الانتقادات -فيما يظهر- ولو فعل، لظهر له أن المطبوع سالم من هذه التهاويل - هذا لو سُلِّم بأنها انتقادات جوهرية - فماذا أقول بعد ذلك للشيخ عبيد الجابري في هذا الأمر؟! فغفر الله لنا وله!!
وعلى كل حال: فما دام الشيخُ عُبيدٌ قد أظهر موافقته؛ فهذه الأجوبة العلمية، أرجو أن تَنُوخَ ركابها بساحته، وهي جواب عليه وعلى كل من وافق الشيخ ربيعًا في ذلك، فإن كان عندهم جواب على ذلك؛ فَحَيَّهَلاً بالحق ممن كان، وإلا فأذكِّرهم بقول الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].
**الثالث:** أنصح نفسي وإخواني طلبة العلم: أن يردوا ردودًا علمية على من خالف، وألَّا يتأثروا بأسلوب الشباب الغلاة الذين سلكوا مسلك السوقة أو السَّفِلة، فكل إناء بما فيه ينضح، ولا يتأثروا بأسلوب الشيخ ربيع الذي يطعن في النيات بلا دليل ولا روية!! والفتن تنتهي مهما طالت، فإياكم وكل ما يُعْتَذر منه، ولا تأمروا الناس بالبر وتَنْسَوْا أنفسكم، واستصحبوا الرفق الذي يدفع الله به عنكم حظوظ النفس، ويعينكم على إصابة الحق، ويقطع حجة الخصم، وأدوا للناس من أنفسكم ما تحبون أن يُعطى إليكم من حقوق، واثبتوا على الحق بعلم وحلم، وإياكم أن يطمع فيكم المبطلون، وصدق من قال:
ولا أَلِينُ لغيـرِ الحَـقِّ أَقْبَلُــهُ حتَّى يَلِينَ لِضِـرْسِ الماضغِ الحَجَـرُ
**الرابع:** سيجد القارئ الكريم في هذا الجواب -إن شاء الله تعالى- نقلي لكلام الشيخ - هداه الله- برُمَّته في الغالب-، ثم تعليقي عليه، وذلك بخلاف صنيع الشيخ -سلمه الله- معي، فإنه يقرأ كلامي، ويفهم منه شيئًا ما، ثم يُعَنْوِن له من عند نفسه، دون أن ينقل نص كلامي، لينظر فيه القارئ، ثم يُنْظر بعد ذلك، هَل سيوافَقُ الشيخُ على فهمه من العلماء وطلاب العلم، أم لا؟ وصنيع الشيخ هذا، قد ظهر فيما أسماه بـ «جناية أبي الحسن على الأصول السلفية»!! وغيره من رسائله، ولما عوفي من ذلك في بعض المواضع من بعض رسائله، انكشف غلطه لكثير من الناس؛ فأسأل الله لي وله الهداية والعافية من كل سوء ومكروه.
**الخامس:** سميت هذا الجواب بـ: «قطع اللَّجَاج، بالرد على من طعن في السراج الوهاج»؛ فأسأل الله أن ينفعني به حيًا وميتًا، وأن يجزي إخواني المساعدين لي في ذلك خيرًا كثيرًا، وأن يزيد به صاحب الحق بصيرة وعزيمة، وأن يهدي به الباحثين عن الهدى، المعرضين عن سبل الردى، وأن يدفع به كيد الكائدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وهذا أوان الشروع في الرد على كتاب الشيخ ربيع الذي أسماه: بـ«انتقاد عقدي ومنهجي، لكتاب السراج الوهاج»، وبالله تعالى أتأيَّد، ومنه أستمد الهدى والسداد:
**الانتقادُ الأوَّل:**
قول الشيخ - هداه الله - في (ص2) من «الانتقاد» - وقد نقل بعض كلامي من أشرطتي «القول الأمين، في صد العدوان المبين» بأن كتابي «السراج الوهاج» قد أقره كبار أهل العلم - ثم قال: «ومن جملة المآخذ عليه: كثرة الإشادة بكتابه: «السراج الوهاج» والادعاء المنكر أن العلماء قد أقروه، ودعا السلفيين - يعني الشيخ ربيع بذلك: نفسه ومن على شاكلته - إلى تأليف مثله، أو إلى تأليف كتاب يبرزون فيه عقائدهم، أو كما قال، ودعاهم إلى انتقاده، وكأنه يشعر بأنهم لا يستطيعون ذلك؛ لجلالة هذا الكتاب، وخلوِّه من الأخطاء». اهـ.
والجواب على هذا الانتقاد من وجوه:
1 ـ أن إقرار العلماء لكتابي، بعد الاستفادة من ملاحظاتهم -ولله الحمد- ليس ادعاءً منكرًا، كما سيظهر ذلك بجلاء -إن شاء الله تعالى- للقارئ الكريم، بعد وقوفه على ملاحظات أهل العلم، من خلال رسائلهم الموجهة إليّ من فضيلتهم.
2 ـ أنني عندما أذكر إقرار كبار أهل العلم القائمين بالسنة في هذا العصر لكتابي؛ ليس ذلك من باب كثرة الإشادة، والفخر بالباطل، إنما هو رد على الغلاة المسرفين في الجرح، والذين يصرحون باتهامي بالزندقة والخروج من السنة - متأثرين في ذلك بأسلوب وأحكام الشيخ ربيع - فإن أجبْتُ ودافعتُ عن نفسي، بأن كتابي الذي أقره أهل العلم، يدل على بطلان افتراءات هؤلاء الغلاة؛ انتقد كلامي هذا الشيخ - هداه الله- وسماه: كثرة إشادة وادعاءً منكرًا، وإن سكتُّ؛ قالوا: لماذا لا ترد لو كنتَ صاحب حق ؟! فأين العدل؟! وأين الحكم بالقسط من هؤلاء القوم؟!
3 ـ أنني لم أشعر بأن السلفيين - أو غيرهم - لا يستطيعون أن يجدوا خللًا في كتابي - فضلًا عن ادعائي ذلك- فما من كتاب إلا وهو مُعَرَّض للانتقاد، إلا كتاب ربنا عز وجل، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولقد سبق قبل قليل نقلي لكلام العلامة ابن الوزير في ذلك؛ بل لو أعدتُ النظر في كتابي، لتمنيت أني زدت فيه كذا، أو عدّلت فيه كذا، وهذا شأن البشر المجردين من العصمة، فمن أين للشيخ ربيع الدليل على دعواه الجريئة هذه ؟!
ثم ألم يذكر الشيخ نفسه في حاشية هذه الصفحة برقم (3) أنني دعوت المخالفين للاطلاع على كتابي، وبيان أخطائي في كتابي: فإن وافقوني، فلماذا يعترضون عليّ، ويرمونني بالقبائح ظلمًا وزورًا؟! وإن خالفوني -وكان قولهم باطلاً- رُدَّ ذلك عليهم، وإن كان انتقادهم حقًّا؛ نُظر فيه: هل أخرج بهذا الخطأ من أهل السنة، أم أنه خطأ يسير؟ !
وهذا نص قولي حسب ما نقله الشيخ؛ لتعرف مدى تحامل هذا الرجل، فقد نقل عني أنني قلت: «... وإن خالفوا؛ فلينشروا، لنعرف من معهم من العلماء على قولهم، وإن خالفوا شيئًا دون شيء؛ فيُنظر: أصابوا، أم أخطؤوا: فإن أخطؤوا، فلا وزن لهذا الكلام، وإن أصابوا؛ ننظر مرة أخرى: ما حدود الخطأ الذي أنا أخطأت فيه: هل هذا الخطأ يوجب الإخراج من السنة، أم لا؟». اهـ.
قلت: فأعْرِضْ هذا الكلام على أهل الإنصاف والتجرد لله عز وجل: هل يُفهم من هذا أنني أشعر بأن المخالفين لا يستطيعون انتقاد كتابي، لجلالة هذا الكتاب، وخلوِّه من الأخطاء، أم أنه التهويل والحرص على رمي المخالف بدون دليل؟!
4 ـ الشيخ نفسه - هداني الله وإياه - رد على كثير من مخالفيه بمثل هذا الكلام الذي ينكره عليّ الآن!! فقال في رده على الشيخ عدنان عرعور: « إن كتبي مُحَكَّمة، قد اطلاع عليها العلماء، وأقروها». وانظر ما قاله الشيخ -أصلحه الله- في «انقضاض الشهب السلفية» (ص146) توزيع مكتبة دار الحديث برأس الخيمة، بل صرح بما هو أشنع من ذلك في بعض أشرطته، فذكر أن الحل بينه وبين الشيخ عدنان: أن يُوَقِّع الشيخ عدنان راضيًا بما في كتبه، وتنتهي المشكلة!!
وكثيرًا ما يردد الشيخ ربيع كلمة محدث العصر شيخنا الألباني -رحمة الله عليه- بأنه اطلع على كتاباته، ولم يخالفه في الناحية العلمية، وإن خالفه في أسلوبه، وكذلك ينقل هذا عن غير شيخنا الألباني - رحمه الله- مع ما في كتب الشيخ - هداه الله - من مخالفات كثيرة لم يطلع عليها شيخنا الألباني ولا غيره ممن مدح الشيخ ربيعًا، إلا أن تفصيل ذلك له مقام آخر- إن شاء الله تعالى - ولا يلزم من هذا الكلام عن المشايخ؛ أنهم اطلعوا على كل كتبه، حتى يدعى إطلاق الموافقة.
ومع ذلك: فالشيخ ما زال ينشر - بين جلسائه، وفي أشرطته وكتبه - تزكية العلماء له!! فهل يجوز له ذلك، ويحرمُ على غيره؟! وهل إذا فعل الشيخ هذا؛ كان ذلك من باب الدفاع عن الحق، والانتصار لمنهج السلف، ودحض حجة خصومه، فإذا فعله غيره - وهو في ذلك محق - فهو من الإشادة بالباطل، والادعاء المنكر، والتلبيس والإيهام على الخلق؟! هل نسيت أيها الرجل قول الله عز وجل: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 1-6]؟! والشيخ نفسه قد استدل بهذه الآيات وبقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: 182] في رده على البرقاوي كما في «منهج الأنبياء» (ص13) ط/مكتبة الفرقان سنة 1420هـ، فسبحان من بيده قلوب العباد، يصرفها كيف يشاء!!
**الانتقادُ الثانـــي:**
قول الشيخ - هداه الله- في (ص 2 ): «وعلى غلاف هذا الكتاب ما يأتي: راجعه وقدم له جماعة من هيئة كبار العلماء وغيرهم، وكل هذا أو ذاك دعاية وترويج لكتاب قد يضر بالقراء، لأن كتابًا هذا حاله، قد يجعلهم يتصورون أنه قد جاوز القنطرة، فلا يُعلى عليه، «والناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة»؛ كما قال رسول الله ﷺ، وبحكم أني قرأت الكتاب، وعرفت حقيقة حاله، وعرفت حقيقة موقف العلماء منه، تعيّن عليّ بيان حال هذا الكتاب، وحقيقة موقف العلماء منه، وهل قدموا لكتابه؟ وحقيقة هذا التقديم». اهـ.
قلتُ: والجواب على الشيخ - هداه الله - من وجوه - إن شاء الله تعالى -:
1 ـ هل يُسلِّم الشيخ ربيع -وفقه الله- بأن المشايخ المذكورين -جزاهم الله خيرًا- لو اطلعوا على الكتاب، وفحصوه، وعملتُ بملاحظاتهم، أن الكتاب يكون بعد ذلك غير ضار لمن نظر فيه، أم أنه لا يُسلم بذلك؛ بحجة أنهم لا يعرفون في المنهج؟!:
فإن كان لا يُسلم بذلك: فهو معترض أيضًا على هؤلاء العلماء، متهم لهم -ولو من طرف خفي، أو بلازم قوله- بأنهم لا يفهمون عقيدة أهل السنة أو منهجهم الدعوي، وأنهم لا يفرقون بين دعوة أهل السنة ودعوة مخالفيهم، وأنهم ليسوا أهلًا لانتقاد أو مدح كتاب في هذا الباب!!
وأنا لا أحب أن يُظَن بي أنني أعامل الشيخ - أصلحه الله- بأسلوبه، فأتدخل في سريرته، وأقول: إنه يرى شيئًا من ذلك!! فأترك هذا لمن يعرف كلامه في المجالس الخاصة، عندما يُسأل عن بعض هؤلاء العلماء، وغيرهم من كبار العلماء!!
وإن كان الشيخ يُسَلَّم بأن هؤلاء العلماء يدركون الميزان العلمي الذي يُمَيَّزُ به بين طريقة أهل السنة وغيرهم: فسأضع بين يدي القارئ كلام هؤلاء العلماء -إن شاء الله تعالى- لينظر هل انتقدوني في شيء يخل بعقيدةٍ، أو بفهم لمنهج أهل السنة في الدعوة إلى الله تعالى، أم انتقدوني في مسائل شكلية؟!
ولو سلمنا بأني لم آخذ بنصائحهم، وأبقيت كتابي على ما هو عليه؛ فهل تدل هذه الملاحظات على فساد معتقدي، أم لا؟
فكيف وقد أخذت بها، وتركت قولي لقولهم، ولم أطبع الكتاب إلا وقد زُيِّن بنصائحهم، ومن جملتهم الشيخ ربيع نفسه؟! وسيظهر -إن شاء الله تعالى- للقارئ المنصف هذا كله جليًّا، وستظهر له المواضع التي لم آخذ فيها بقول الشيخ ربيع - هداه الله- هل كان يتعين عليّ أخذ كلامه، أم لا؟ وصدق من قال:
والدعاوى إن لم تُقيمُوا عليها بـيناتٍ أبنـاؤها أدعـياءُ
2 ـ من أين للشيخ - أصلحه الله- أنه عرف حقيقة موقف العلماء من كتابي؟! هل أرسلوا له نسخة من ملاحظاتهم؟! هل اتصل بهم، فأعلنوا براءتهم مما في الكتاب؟! هل سَلَّمْتُ له أنا نسخة من ذلك Squire؟! أرجو من الشيخ -عافاه الله- أن يذكر سنده الحسّي أو العلمي لهذه المعرفة؛ حتى أستفيد أنا وغيري منه في هذا الأمر.
فإن لم يكن معه شيء من ذلك؛ فليعلم القراء حقيقة هذا التشنيع، ومآل الظن السَّيِّئ الفظيع !! وحسب الشيخ أن يقول:«وبحكم أني قرأت الكتاب، وعرفت حقيقة حاله» فقط، لكن لا يردف ذلك بقوله:«وعرفت حقيقة موقف العلماء منه»، ثم أناقشه بعد ذلك في موقفه جملة جملة، فلعله يُوَفَّق للجواب، أو التوبة والرجوع إلى الصواب، أما وهو يدعي ذلك في موقف الغير أيضًا، وذلك بدون سند علمي -كما سيظهر للقارئ إن شاء الله تعالى- فلا يخلو هذا الموقف من مجازفة غير مقبولة في ميزان العلم وأهله، ومثل هذا عند الشيخ كثير، والشيء إذا جاء من معدنه لا يُسْتَغْرَب!!
3 ـ والشيخ نفسه - أصلحه الله- سألني مرة - في إحدى زياراتي إياه- فقال: لماذا لم تُدْخل مقدمتي لكتاب «السراج الوهاج» عندما طبعته، كما ذكرتت بعض المقدمات؟ فأخبرته بأنه لم يكتب مقدمة، إنما ذكر عدة ملاحظات فقط، فألحّ علي بنـزع وإبعاد مقدمة فضيلة الشيخ الوالد عبدالله الجبرين - سلمه الله، وختم لنا وله بخير- فلم يظهر لي من كلامه ما يجعلني أقبله، فرفضت طلبه، فكان ذلك أيضًا من أسباب استعار أتون هذه الفتنة!!
فلو كان الشيخ - أصلحه الله- يرى كتابي ضارًا بعقيدة المسلمين، ويرى ذكري لمقدمة العلماء دعاية وترويجًا لكتابي؛ فلماذا يسألني عن سبب عدم إدراج مقدمته؟! مما يدلك على أن الشيخ - سلمه الله- تَبَنَّى هذا الموقف المفجع مؤخرًا، لسبب أو لأسباب نفسية لا تخفى على اللبيب!! هذا مع أن القارئ الكريم سيقف - إن شاء الله تعالى - على ما في كتابي بجميع طبعاته، وسيجد -بإذن الله- قبولي للنصيحة بالحق، من الشيخ ربيع وغيره، وهذا من فضل الله علي، فله الحمد، وله الثناء الحسن.
**الانتقادُ الثالث:**
شرع الشيخ - أصلحه الله- فيما قَصَدَهُ من انتقاد كتابي، وزعزعة الثقة بمراجعة من راجع الكتاب، وبمقدمة من قدّم له، فقال في (ص 2-3):
«لقد أرسل أبو الحسن كتابه: «السراج الوهاج» إلى سماحة العلامة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز -رحمه الله- فأحاله إلى معالي نائبه -آنذاك- ومفتي المملكة الحالي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ -حفظه الله- نظرًا لضيق وقته، كما نص على ذلك في خطابه لأبي الحسن، فقام معالي الشيخ عبدالعزيز -آنذاك- بقراءة الكتاب، ثم وجه خطابًا إلى الشيخ ابن باز، تضمّن بيان ما حواه الكتاب من العقائد، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر؛ خيره وشره، ثم قال:
1 ـ وإن كان يُدْخل في كتابه: «السراج الوهاج»... بعض المسائل الخلافية التي هي من الفروع.
2 ـ والكتاب في مجمله جيد، موافق لمذهب أهل السنة والجماعة في أغلب ما ذكره، إلا أنه يوجد عليه بعض الملاحظات البسيطة...إلخ
قال أبو الحسن: « ثم ذكرها -حفظه الله- وقد راعيت ذلك في صلب الكتاب، كل شيء في موضعه -على ما سيأتي إن شاء الله تعالى-»، ثم قال – أي: المفتي، حفظه الله: «هذا ما تبين لي بعد قراءة الكتاب، والكتابُ بعد تعديل الملحوظات السابقة؛ جيد، ويستفاد منه، لذلك: فإني أعيد لسماحتكم كامل المعاملة...».
قال الشيخ ربيع - معلقًا على ذلك، ومثيرًا للزعزعة في الثقة بهذه الكلمات-:
«والناظر في هذا الكتاب يدرك أن هذا ليس تقديمًا للكتاب، ويدرك أن فيه ملاحظات على الكتاب، منها: إدخاله لمسائل فرعية في كتاب عقيدة، قال الشيخ ربيع - أصلحه الله-: وفي الخطاب: «والكتاب في مجمله جيد، موافق لمذهب أهل السنة والجماعة في أغلب ما ذكره» ثم تلطف، فقال: إلا أنه يوجد عليه بعض الملاحظات البسيطة، وفيه وَصْفٌ للكتاب بأنه جيد، يستفاد منه بعد تعديل الملحوظات.
قال الشيخ ربيع - أصلحه الله-: ولا ندري ما هي هذه الملحوظات؟! ولا كيف تم تعديلها؟! وأخشى أن تكون لقيت ما لقيته ملاحظاتي، وعلى كل حال: فابن باز -رحمه الله- رئيس هيئة كبار العلماء؛ لم يقرأ الكتاب، وقد بين عذره الذي حال بينه وبين القراءة، والنائب لم يقدم للكتاب، وإنما وجّه خطابًا إلى سماحة الشيخ ابن باز، يخبره بنتائج قراءته، وليس هذا بتقديم، كما يدعي أبو الحسن». اهـ.
والجواب على هذا الكلام، وما فيه من مراوغات وتلبيسات؛ يكون – إن شاء الله تعالى - من عدة وجوه:
1 ـ أنا لم أدَّع أن سماحة الشيخ ابن باز -رحمة الله عليه- قد راجع الكتاب، أو قدم له، وإلا فليوقفني الشيخ أو غيره على كلامي الذي يدل على ذلك!! فإن عجز، فليخجل من هذه الحيل المكشوفة!! إنما ذَكَرْتُ خطاب سماحة الشيخ ابن باز الموجه إلي، وفيه: «ونرى أنها ملاحظات يجب الأخذ بها، وفيها الكفاية والسداد - إن شاء الله ». اهـ. فلو أخذْتُ بذلك – وقد فعلتُ ولله الحمد - ففيه الكفاية والسداد، أضف إلى ذلك: أن الرسالة من سماحته؛ لها مكانتها في النفوس، ومثل هذا يعدُّه العلماء -فضلاً عن طلاب العلم مثلي- شرفًا، كما لا يخفى، والشيخ ربيع -هداه الله- من المولعين بذلك، بل إنه يطلب نظر بعض طلاب العلم في كتبه، وهذا مما يُمدح به، ولا يُذم، هو أو غيره – على مذهب المنصفين - وسيأتي تفصيل ذلك - إن شاء الله تعالى- في نهاية الجواب على هذا الانتقاد.
فأثبتُّ خطاب سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- في أول كتابي، ومنه يُعرف موقف سماحته مني ومن دعوتي، وصلتي بسماحة الشيخ -رحمه الله- قديمة، كما لا يخفى على كثير من الناس، وأنه على معرفة بدعوتي في مأرب وغيرها; ولذلك فلا عجب عندما قال لي في خطاب سماحته:«... وإني إذ أشكركم على جهودكم الكريمة، وعنايتكم ببيان حقيقة التوحيد؛ أفيدكم بأنه نظرًا لضيق وقتي، فقد أحلت الكتاب المذكور...»، ثم دعا لي في نهاية الخطاب، وهذا من المكارم التي عُرف بها سماحته، فقال: «شكر الله سعيكم، وبارك في جهودكم، وجعلنا وإياكم من دعاة الهدى، وأنصار الحق؛ إنه خير مسؤول». اهـ.
فتأمل الفرق بين كلام سماحته، وبين كلام الشيخ ربيع، الذي يطلق لنفسه العنان في الغوص في أعماق السرائر، وخفايا الضمائر، ورمي الأبرياء بالأوابد والبوائر!!
وأي ترويج ودعاية مني - أيها الشيخ - في ذلك لكتاب يحمل بين دفتيه الباطل، كما يدعي الشيخ -غفر الله لنا وله-؟!
2 ـ قول الشيخ ربيع - أصلحه الله-: «والناظر في هذا الكتاب يدرك أن هذا ليس تقديمًا للكتاب»:
أسأل الشيخ: ما معنى التقديم من العلماء لطلاب العلم؟ وما هو المقصود منه؟ هل للتقديم من العلماء معنى غير أن من يقدِّمُ يطلع على الكتاب، ويبدي ملاحظاته، ثم يمدح المادة العلمية التي يتضمنها الكتاب، إذا روعيت تلك الملاحظات؟
هذا إذا قدم للكتاب، أما إذا مدح المؤلف دون كتابه؛ فهذا أمر آخر، فإن كان عند الشيخ معنى آخر- يوافقه عليه المتجردون - يغاير ما ذكرتُ؛ فليفدني بذلك.
وهل للتقديم فائدة غير أن طالب العلم يستفيد من ملاحظة العلماء أولًا -وقد فعلت ولله الحمد- ثم يخرج الكتاب وقد زكاه العلماء، فيطمئن المؤلف إلى ما ذهب إليه، ويطمئن من يثق بهؤلاء العلماء إلى الكتاب، فيستفيد من مادته؟
وهل أنا خرجت عن هذين الأمرين، بإدخال كلمة سماحة المفتي الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، حفظه الله؟!
3 ـ أريد منصفًا يحكم بعد وقوفه على هذه الأقوال من سماحة المفتي -حفظه الله-:
(أ) قال: «فقد تمت قراءة الكتاب المذكور، وتبين أن المؤلف أراد أن يبين للناس عقيدته ودعوته الموافقة لمذهب السلف الصالح، وقد رتبها على الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر؛ خيره وشره، ورقمها بأرقام مسلسلة على نمط منهج شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- في بيان ما يعتقده».
(ب) قال: «والكتاب في مجمله جيد، وموافق لمذهب أهل السنة والجماعة في أغلب ما ذكره، إلا أنه يوجد عليه بعض الملحوظات البسيطة...».
(ج) وبعد أن ذكر تسع ملاحظات - لا تضر عقيدتي أودعوتي؛ كما سأبينه، إن شاء الله تعالى- قال: «هذا ما تبين بعد قراءة الكتاب، والكتاب بعد تعديل الملحوظات السابقة؛ جيد، ويستفاد منه...». اهـ.
فهل يقرأ منصف هذا الكلام، ويقول: سماحة المفتي لم يقدم للكتاب، بمعنى: أنه لم يزك الكتاب، ولم يمدح المادة العلمية التي تضمنها؟! لا سيما وقد صرحت بمراعاة هذه الملاحظات في مواضعها؛ كما سيظهر إن شاء الله تعالى؟!
4 ـ هل بعد هذه النصوص الصريحة في مدح الكتاب من سماحة المفتي -أيده الله بالخير- يُقبل قول الشيخ ربيع - هداه الله-: «والنائب لم يقدم للكتاب، وإنما وجه خطابًا إلى سماحة الشيخ ابن باز، يخبره بنتائج قراءته، وليس هذا بتقديم، كما يدعي أبو الحسن»؟! وقوله: «وإنما وجه خطابًا ... يخبره بنتائج قراءته...»، فما هي هذه النتائج يا شيخ ربيع ؟ هل تتضمن ذم الكتاب أم مدحه؟ فإن كان الثاني، فما وجه موقفه هذا؟! وإن كان الأول -مع امتناع ذلك عند كل منصف- فلماذا قال سماحة الشيخ ابن باز-رحمه الله- في خطابه الموجه إليّ:« ... وفيها الكفاية والسداد». اهـ؟!.
لقد ذكرت تأييد سماحة المفتي ومدحه للكتاب، وهذا مما لا يختلف فيه منصفان، ولله الحمد – وليس هذا ادعاءً كاذبًا، ولا تشبعًا بما ليس فيّ، ولكن الغلو يُعمي ويُصم!!
5 ـ قول الشيخ ربيع -هداه الله-: «ويدرك – أي: الناظر في خطاب سماحة الشيخ ابن باز- أن فيه – أي: في خطاب المفتي حفظه الله- ملاحظات على الكتاب، منها: إدخاله لمسائل فرعية في كتاب عقيدة».
أقول: كتابي ليس خاصًا بمسائل العقيدة فقط، بل فيه كثير من المسائل الدعوية التي هي موضع خلاف بين السلفيين وخصومهم، أو بين السلفيين البين – وقد صرح بذلك المفتي بقوله: « . . . وتبين أن المؤلف أراد أن يُبين للناس عقيدته ودعوته ...»، وقصدي بإدخال هذه المسائل: بيان موقفي منها، وعرض ذلك على أهل العلم؛ فإن زكّوْا ذلك، حمدت الله، ودعوت الناس إليه، وإن ردوا ذلك بالدليل، حمدت الله، وتراجعت عنه، وحَذَّرتُ الناس منه.
وقد ذكرت في مقدمة «السراج الوهاج» (ص16) ط/ الأولى: السبب في كتابة السراج، فقلت: «...من أجل هذا وغيره؛ فقد عزمت على كتابة وبيان عقيدتي ودعوتي، التي أراها عقيدة ودعوة أهل السنة والجماعة...». اهـ. وانظره(ص 21) من ط/ الثانية، و (ص 19) من ط/الثالثة.
إِذنْ فلا عيب علي أن أدخل مسائل فرعية في كتاب جامع لرؤوس مسائل عقدية ودعوية، وليس خاصًا بالمسائل العقدية، هذا إذا كان مراد سماحة المفتي -حفظه الله- هذه المسائل.
مع أن الشيخ ربيعًا - سلمه الله -لم يذهب إلى هذه الملاحظة من قبل، عندما عُرِض عليه الكتاب، فلماذا يذكرها الآن؟! هل كان لا يرى ذلك عيبًا من قبل، فلما خالفتُه صار عيبًا ؟! أم هو الطعن في المخالف بأي وجه كان، والإكثار من وجوه الطعن والانتقاد للمخالف بحق أو بباطل؟!
وإن كان مراد سماحة المفتي: المسائل الفقهية التي أدخلتها- كالنكاح بلا ولي، والمسح على الخفين، ونحو ذلك- فلست أول من أدخل هذه المسائل في كتب العقيدة والسنة؛ فأنا متبع، ولست بمبتدع، وهاك طرفًا من ذلك:
(أ) فقد ذكر إسماعيل بن يحيى المزني (ت 329هـ) في رسالته «شرح السنة» برقم 19 (ص89) ط/ مكتبة الغرباء الأثرية، فقال: «وإقصار الصلاة في الأسفار، والاختيار فيه بين الصيام والإفطار في الأسفار؛ إن شاء صام، وإن شاء أفطر». اهـ. ثم قال في نهاية رسالته: «إن هذه مقالات وأفعال اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى...» إلخ ما قال.
(ب) وقال البربهاري (ت 329) في «شرح السنة» ط/ دار ابن القيم (ص30) برقم 29:«والرجم حق، والمسح على الخفين سنة، وتقصير الصلاة في السفر سنة، والصوم في السفر: من شاء صام، ومن شاء أفطر، ولا بأس بالصلاة في السراويل». اهـ.
(ج) وقال أيضًا (ص32) برقم 37 : «ولا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل، وصداق، قَلَّ أو كَثُر، ومن لم يكن لها ولي، فالسلطان ولي من لا ولي له، وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا، فقد حرمت عليه؛ لا تحل له، حتى تنكح زوجًا غيره ». اهـ.
(د) وقال أيضًا في (ص34) برقم 43: «والتكبير على الجنائز أربع، وهو قول مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، وأحمد بن حنبل، والفقهاء؛ وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ». اهـ. مع أن في هذه المسألة خلافًا لا يخفى.
(هـ) وقال الطحاوي في «عقيدته» (ص 71) برقم 76 بشرح وتعليق شيخنا الألباني -رحمه الله-: "ونرى المسح على الخفين، في السفر والحضر، كما جاء في الأثر». اهـ.
ولو شئت التوسع في ذلك؛ لطال بي المقام، فلا يلحقني عيب في أمر قد اتبعت فيه غيري ممن عُرفوا بالسنة، والانتصار لعقيدة الصحابة.
فما وجه تعيير الشيخ ربيع - سلمه الله- اليوم بهذا الأمر؟! ولماذا لم يُنكر هذه المسائل عندما عَرَضتُ عليه الكتاب من قبل؟! أم أن ما كان مقبولًا من صديق الأمس، لا يقبل منه اليوم إذا صيرناه عدوًا لدودًا؟! وكذلك فلم ينكر إدخال هذه المسائل بقيةُ العلماء الذين راجعوا الكتاب، ولله الحمد والمنة.
6 ـ هذه المسائل الخلافية أو الفرعية إذا لم يكن بها إخلال بمعتقد أو دعوة، فهل يُشنع بها على المخالفShortcut؟!
7 ـ قول الشيخ ربيع - هداه الله-: «فلا ندري، ما هذه الملحوظات؟!».
فأقول: هذه الملاحظات قد صَوَّرْتُها كما جاءتني، وأدرجْتُها في نهاية هذه الرسالة، بعد ذكرها مسألة مسألة، وبيان موقفي منها، وستعرف بعد قليل -إن شاء الله أيها الشيخ- نوع هذه الملاحظات، ومدى تأثيرها في عقيدة صاحب الكتاب أو دعوته!! لكن هل إذا ظهر لك أنها لا تضر بالكتاب ولا بمؤلفه، هل ستتراجع عن هذا الحال الذي زَرَعْتَ به أسباب الشقاق والفتنة؟! أم أنك ستبحث عن أمر آخر، تسوِّغ به لنفسك، ولمن يثق بك -وهو عاجز عن معرفة الحق بنفسه- الحكم الجائر بأنني أخبث أهل البدع على وجه الأرض، وأن من دافع عني، فهو من أضل الناس...إلى غير ذلك من ألفاظ قاموس الشيخ -عافاه الله- الذي لا يخفى على من له أدنى بصيرة؟!
(تنبيه): قارِن – أخي الكريم – بين قول الشيخ ربيع هنا : « فلا ندري ما هذه الملحوظات؟!» وبين قوله السابق : «وبِحُكْم أني قرأت الكتاب ... وعرفتُ حقيقة موقف العلماء منه ...»، فسترى التناقض !! إذ كيف يكون عارفًا حقيقة موقف العلماء منه، ثم هو لا يعرفُ ما هذه الملاحظات – وهي أكثرُ ما لوحظ على الكتاب -؟! ألا يدلك ذلك على بحر مجازفاته الذي لا ساحل له ؟!
8 ـ قول الشيخ - أصلحه الله-: «... ولا كيف تم تعديلها ؟!» .
فأقول: إن كنت تتهمني في أمانتي العلمية؛ فلماذا تقبل الكثير من كلامي، وتبني عليه أحكامًا؟! لماذا لم تطعن في كون المفتي -حفظه الله- راجع الكتاب أصلاً؟! ولماذا لم تطعن في كون فضيلة الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- تصفح الكتاب، وأعجبه؟! ولماذا تصدق أن فضيلة الشيخ ابن جبرين -حفظه الله- وفضيلة الشيخ مقبل -رحمه الله- قد اطلعا على الكتاب أو على بعض مواضع منه؟! إن كنتُ غير أمين في نقلي أو في خبري عن نفسي وعن غيري؛ فلماذا تقبل مني البعض، بل تقبل الكثير مني؟!.
وإن كنتَ تعرف عدالتي، وأمانتي العلمية - وإن احمرت أنوف الغلاة - فلماذا تشكك في تعديل هذه الملاحظات، وقد صرحتُ بأني راعيت هذه الملاحظات في مواضعها؛ كما ذكرت ذلك معلِّقا على بعض كلمة سماحة المفتي -أيده الله- في المقدمة؟!
وعلى كل حال: فهذه ملاحظات سماحة المفتي -أيده الله- فانظرها يا شيخ ربيع، وانظر كلامي عنها، وقبولي إياها، علمًا بأنه قد أقر الكتاب - بدون اعتراض على هذه المواضع- كلُّ من نظر في الكتاب من العلماء الذين ذكرتُ مدحهم للكتاب، ولم ينتقدْ أحدٌ منهم هذه المواضع، فإن كانت هذه الأخطاء تخل بعقيدة أو دعوة امرئ؛ فلينبئني الشيخ -عافاه الله- بأثارة من علم، وإلا فليبك على خطيئته، وليشتغل بعيبه، فإن في ذلك كفاية له عن هذا الحال المزْري، وحسبنا الله ونعم الوكيل !!
قال المفتي - أيده الله- ناقلاً قولي، ثم معلقًا عليه:
(أ) (ص6)، رقم (9): «وأعتقد أن الله مستو على عرشه، بائن منه، من غير مماسة، ولا حاجة للعرش، استواء يليق بجلاله».
قال سماحته: فالأولى حذف «من غير مماسة»؛ لأن ما قبلها وما بعدها، يغني عن ذلك، وتعديل عبارة: «بائن منه» إلى عبارة: «بائن من خلقه»؛ لأن العبارة الأولى فيها محذور، من حيث إنه يلزم منه عدم استواء الله على عرشه» . اهـ.
قلت:
أولاً: لقد أخذت بنصيحة سماحته، وعدَّلْت العبارة، كما في جميع الطبعات الثلاث، الفقرة رقم (9).
ثانيًا: مع أنني عدلت عبارتي في المماسة، إلا أنني أرى أن هذا كلام لبعض السلف -وإن كان في ذكره ومنعه اختلاف- ففي «اجتماع الجيوش الإسلامية» لابن القيم، ت بشير محمد عيون (ص 153)-: «وقال في موضع آخر -والظاهر من السياق أن القائل أحمد أو المروزي، والأول أقرب-:"وإن الله -عزوجل- على عرشه، فوق السماء السابعة، يعلم ما تحت الأرض السفلى، وأنه غير مماس لشيء من خلقه، وهو تبارك وتعالى بائن من خلقه، وخلقه بائنون منه». اهـ. فما الفرق بين هذا وبين عبارتي التي في الأصل قبل التعديل، أعني: من جهة ذكر عدم المماسة؟ !
وقال أبو عمرو الداني في «الرسالة الوافية» ط/ دار ابن الجوزي، ت/ القحطاني (ص53): «واستواؤه جل جلاله: علوه بغير كيفية، ولا تحديد، ولا مجاورة، ولا مماسة». اهـ.
وانظر ما قاله العلامة الشيخ محمد بن عبدالعزيز بن مانع، في شرحه «العقيدة السفارينية» ط/أضواء السلف، ت/ أشرف بن عبدالمقصود (ص 93-97)؛ فقد قال في شرحه: «استواءً منـزهًا عن المماسة والتمكن والحلول»، ثم انتصر لهذا القول في الحاشية، ونقل إنكار بعض أهل العلم لذكر هذا اللفظ نفيًا أو إثباتًا.
(تنبيه): لقد وقفت مؤخرًا على ما كتبه الشيخ ربيع، وما أسماه - تشبعًا وزورًا - بـ: «التنكيل... » حول هذه المسألة، وازددت يقينًا أن الرجل إما أنه لم يفهم موضع النـزاع، ولا علْم له بدلالة ما يَستدل به - وقد جربت هذا كثيرًا عليه في كثير من مسائل النـزاع - وإما أنه مراوغ وصاحب تلبيسات؛ فقد رد على كلامي هذا الذي نقلته عن جماعة من أهل العلم: بأن أحمد وإن قال هذا القول، إلا أنه أراد به الرد على أهل البدع، ولم يقصد ما قصده أبو الحسن!!
فأقول: وما أدراك بمقصد أبي الحسن، حتى تنطق بهذا الباطل؟! هل لأنك علمت أن هذه الكلمة قد استعملها بعض السلف، ووجدت نفسك قد تورطت في دعواك القائمة على غير اطلاع كافٍ؛ فوجدت في غوصك في المقاصد مهربًا وملاذاً؟!
وأيضًا: فسماحة المفتي لم يعد هذه الكلمة من العقائد الفاسدة، بل قال: «فالأولى حذف: «من غير مماسة؛ لأن ما قبلها وما بعدها يغني عن ذلك... »؛ فهاهو المفتي يؤكد أن كلامي السابق واللاحق في هذه الفقرة يدل على معتقد أهل السنة والجماعة بدون هذه اللفظة، أما الشيخ ربيع فيعد هذه اللفظة مني مروقًا من السنة، وانحيازًا إلى أهل البدع والأهواء، فما أشقى المجازفين؛ وما أتعس المتهورين!!
وأيضًا: فمما يدل على عدم فهمه لموضع النـزاع ولكلام المفتي - هنا - أن المفتي قال بعد الجملة السابقة: «وتعديل عبارة: «بائن منه» إلى عبارة: «بائن من خلقه»؛ لأن العبارة الأولى فيها محظور، من حيث إنه يلزم منه عدم استواء الله على عرشه ».
فواضح من كلام المفتي أن المراد بقوله: «لأن العبارة الأولى» هو قوله: «بائن منه»، لا قولي: «من غير مماسة»؛ لأن قولي: «من غير مماسة» قد سبق عن المفتي أنه يراه فقط تكرارًا لا حاجة له، وأما قولي: « بائن منه»، فالصواب: «بائن من خلقه»؛ دفعًا لما ذكَرَ من محظور، أما الشيخ ربيع فقد ذهب بعيدًا - وليس ذلك غريبًا عليه- ففهم أن مراد المفتي بقوله: «لأن العبارة الأولى... » هو قولي: «من غير مماسة »، ولو أخذنا بهذا الفهم، لترتب على ذلك أن تعليق المفتي على قولي: «بائن منه » لا وجود له، ويكون تعليقه على قولي: «من غير مماسة» ينقض بعضه بعضًا!! وها هي العبارة بين يدي القارئ، فليراجعها بتمامها، لينظر أي الفريقين أهدى سبيلاً، وأقوم قيلاً؟!
ولم يكتف الشيخ ربيع بهذه الطريقة الماكرة؛ حتى ذهب يطعن في أبي عمرو الداني وغيره بأنهم أصابهم غبار التمشعر، كل هذا ليسلم له قوله، ولو على حساب العلماء!! ولو سلمنا له بذلك، فهل صرح أحد قبله بأن قولهم: « من غير مماسة» من تأثرهم بالتمشعر، أم لشيء آخر؟ّ!
ومع أن بعض أهل العلم استعملوا هذه الكلمة؛ إلا أنني عَدَلْتُ عنها بالكلية؛ ليكون كتابي بعيدًا عن الانتقاد بجميع صوره – ما استطعت إلى ذلك سبيلًا - فلا شك أن العبارة المتفق عليها بين علماء السنة، خير من العبارة التي فيها أخذ ورد، ما دام جميع ذلك يدل على إثبات صفات الله عز وجل بطريقة أهل السنة والجماعة، والألفاظ المحدثة إذا استعملها الأئمة بمعنى معين، واستعملها أتباعهم في ذلك المعنى بعينه؛ فلا غبار على ذلك، إنما المحظور استعمال كلام أهل البدع الذي عُرِفوا به في معنى سيِّئٍ أو مبهم، والله أعلم.
(ب) قال المفتي في ملاحظاته (ص32) رقم (97) - ناقلاً قولي -: قوله عن الصدقات:«وإذا لم يطلبوها من الناس -أي الأئمة- فليتحر صاحبها وضعها فيما يُقَرِّبُه إلى الله عز وجل»، قال المفتي -بارك الله فيه- : «والظاهر أنه يتكلم عن زكاة المال الواجبة، وعلى ذلك؛ لا بد من تقييد العبارة بقوله: بأن يصرفها في مصارفها، التي ذكرها الله في كتابه». اهـ.
قلت: عبارتي المذكورة ليس فيها خطأ ظاهر، فإن قولي: «فليتحر صاحبها وضعها فيما يقربه إلى الله عز وجل» لا يدل على أنه لو وضعها في غير مصرفها الشرعي، فقد وضعها فيما يقربه إلى الله تعالى؛ فالذي يقربه إلى الله تعالى وضعها في مصارفها الشرعية، وإلا كان آثمًا -إن تعمد ذلك- ولذلك فلم يعترض على هذا أحد من العلماء الذين اطلعوا على الكتاب، ومع هذا كله: فقد قيدت هذه العبارة في الفقرة (107) من جميع طبعات الكتاب الثلاث، فقلت: «فليتحر صاحبها وضعها فيما يقربه إلى الله عز وجل، بوضعها في المصارف الشرعية التي ذكر الله عز وجل في كتابه». اهـ. فكان ماذا؟!
(ج) قال سماحة المفتي - حفظه الله، ناقلاً قولي - (ص56 ) رقم (169): قوله: «وأكْره أن أتبنى قولاً ليس لي فيه إمام ...»، إلى قوله: «ولا أخرج عن كلام أهل العلم في مسائل الخلاف....» قال المفتي: «وهذا فيه تعصب للمذاهب، والأوْلى أن يقيِّد ذلك بقوله: وما دل الدليل عليه من كتاب الله، أو سنة نبيه ﷺ؛ فإنني أذهب إليه وإن خالف بعض الأئمة؛ فالمقصود اتباع الحق بدليله، لا التعصب لمذهب معين، أو عالم معين» . اهـ.
قلت: كلامي في عدم الخروج عن الإجماع، فإذا أجمعوا على قول، فإنني لا أخرج عنه، فإن اختلف السلف على قولين، فلا أذهب أنا لثالث لم أُسْبَقْ إليه، وهذا صريح كلام كثير من أئمة السنة، وأسأل الله أن ييسر لي كتابة كتاب خاص بذلك -قد جُمعتْ مادته أو أكثرها- واسمه: «إلزام الخلف، بفهم السلف»، ومن هذه النصوص قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «الإخنائية» ط/ دار الخراز، ت/العنزي (ص 458): «الوجه الثامن: أن المجيب -يعني نفسه- ولله الحمد، لم يقل قط في مسألة إلا بقول قد سبقه إليه العلماء، فإن كان قد يخطر له، ويتوجه له، فلا يقوله وينصره، إلا إذا عرف أنه قد قاله بعض العلماء، كما قال الإمام أحمد: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام، فمن كان يسلك هذا المسلك، كيف يقول قولاً يخرق به إجماع المسلمين، وهو لا يقول إلا ما سبقه إليه علماء المسلمين؟!». اهـ.
والذي يظهر أن المفتي - سلمه الله- ظن من ذلك أنني آخذ بقول عالم بعينه، وأدع بقية الأقوال، بدون دليل يرجح قول أحد العلماء على قول الآخر، وليس هذا مرادي ولا حالي، ولله الحمد.
ويدل على أن المفتي - سلمه الله- فهم ذلك قوله: «... وإن خالف بعض الأئمة، فالمقصود اتباع الحق، أو سنة نبيه، لا التعصب لمذهب معين، أو عالم معين». اهـ. فلم يقل:«وإن خالف كل الأئمة»، وليس في كلامي -ولله الحمد- ما يدل على ما ذكره سماحته من التعصب لقول أحد بعينه، بل في غلاف كتابي «السراج الوهاج» الطبعة الثانية تحت عنوان: دعوتنا في كلمات، قولي: «للعلماء العاملين في دعوتنا منـزلة عظيمة، وهم عندنا بمنـزلة القلب من الجسد، ونستفيد منهم جميعًا، دون جمود على قول أحد بعينه، ولا نخرج عن أقوالهم...» . اهـ.
مع ذلك: فقد أشرت في طبعات الكتاب في الفقرة (215) لشيء من ذلك، فقلت: «ولا أخرج عن كلام أهل العلم -إذا أجمعوا- سواء في مسائل الإجماع، أو في مسائل الخلاف؛ فإن الحق لا يفوتهم، إنما أُرجح بين أقوالهم حسب الدليل الشرعي، وقد عدّ هذا بعض أهل العلم تقليدًا، وليس كذلك، كما لا يخفى، وبسط ذلك يطول، وأي معنى في انتسابنا لمنهج السلف، إذا كنا نأتي اليوم بأقوال مخترعة، لم يتكلم بها أحد من الأئمة السابقين؟! فالحق وسط بين الجفاء والتقليد، إلا أنه لا بد من الاستقراء التام، لأقوال أهل العلم وفهمهم للأدلة الشرعية». اهـ.
وأيضًا: فهذه الفقرة لم ينتقدها أحد من العلماء الآخرين الذين نظروا في الكتاب - ولله الحمد والمنة - ومع ذلك فقد ظهر لك الجواب والاستفادة من كلام سماحته، فأي عيب يلحقني بعد هذا؟!
(تنبيه): لقد اطلعت مؤخرًا على ما أسماه الشيخ ربيع - ظلمًا وزورًا - بـ: «التنكيل...»، وذكر فيه أنني أدعو إلى تقليد مذهب معين أو عالم معين!! وذكر أيضًا أنني أنظر إلى زلات العلماء، وأتشبث بها - اتباعًا للهوى؟! وهذا من التخمين بالباطل، والقول بغير علم، مع ما فيه من الاضطراب والتناقض؛ فإن الذي يدعو إلى اتباع مذهب معين؛ لا يخرج عنه، فكيف يتتبع زلات علماء المذاهب الأخرى؟! إلا أن هذا الرجل لا يخجل من التقول على خصمه - انتصارًا لنفسه، وفجورًا في الخصومة -!! وقد تغافل كل ما ذكرته من أدلة علمية وعملية تدل على اتباعي الحق حيثما كان، مما أسقط هيبته من أعين وقلوب كثير من طلاب العلم، والجزاء من جنس العمل: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43] !!
ولقد علق الشيخ ربيع على ما ذكرته من ترجيحي بين أقوال الأئمة إذا اختلفوا حسب القواعد الشرعية، فعلق على ذلك بأن أبا الحسن لا يعرف كيف يرجح بين المسائل المتعارضة!! ولست أدعي أنني عالم، ولكن حسبي أن أكون من أتباع أهل العلم في الحق، وأما ما ادعاه فإن الواقع يدفعه ويرده، ولينظر أهل العلم في كتابي: « تنوير العينين، بأحكام الأضاحي والعيدين» وكتابي:«منحة المعبود، في أحكام العقيقة والمولود»، وكتابي:« سلسلة الفتاوى الشرعية»، وكتابي : «الرياض الممتعة، في الأبحاث المتنوعة» وغير ذلك من كتبي وأشرطتي في المسائل الفقهية فقط، ثم ليحكموا بعد ذلك، هل سيوافقون هذا الشيخ على ما يقول، أم لا؟.
أما هذا الرجل فهو صاحب بهت، ومن نظر في مبالغته في مدحه إياي، وطلبه مني أن أقدم لبعض كتبه وأراجعها؛ علم شخصية هذا الرجل، والله المستعان.
ولم ينتقد هذا الرجل في كتابه «التنكيل...»!!- من أجوبتي على ما قاله سماحة المفتي - سوى هذا الموضع وما سبق من قولي:«من غير مماسة» وقد سبق جوابي على هذين الانتقادين، فما هو موقفه من بقية أجوبتي؟! لماذا لم يعلق عليها؟! هل لأنه مقتنع بأنها حق، ولكنه يستنكف أن يعترف بذلك، أم لشيء آخر؟!!
(د) قول سماحة المفتي (ص73) رقم (227) - ناقلاً قولي- : « قوله: «وأعتقد أنه لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»، لو قال: «وأرى أنه لانكاح...» إلخ، لأن مسألة اشتراط الولي في النكاح مسألة خلافية، والاعتقاد إنما يكون في أمور العقيدة والدين التي لا خلاف فيها». اهـ.
قلت: ومع أن في هذا التعليل تفصيلًا، إلا أنني عدّلت العبارة بقولي: «وأرى أنه لا نكاح إلا بولي...» كما في الفقرة (247) من جميع طبعات الكتاب.
وهذا الكلام من المفتي – وفقه الله – يؤيد ما سبق من فهمي للمسائل الخلافية عند المفتي، فالحمد لله أولاً وآخرًا.
(هـ) قال سماحته (ص74) رقم (232) ناقلاً قولي-: قوله: «ولا يجوز تأخير صلاة النهار إلى الليل، ولا صلاة الليل إلى النهار، لمسافر ولا لمريض؛ إلا لعذر»؛ قال سماحته: وإكمالًا لذلك، لا بد من إضافة: «ولا لغيرهما إلا لعذر؛ كنوم أو نسيان». اهـ.
ومع أن هذا ليس بلازم –كما لا يخفى -؛ فقد عدّلت ذلك، فقلت في الفقرة (251): «ولا يجوز تأخير صلاة النهار إلى الليل، ولا صلاة الليل إلى النهار، لمسافر ولا لغيره، إلا لعذر؛ كنوم أو نسيان»، وانظر جميع طبعات الكتاب في هذه الفقرة.
(و) قال سماحته (ص75) رقم (237) - ناقلاً قولي-: «وأرى أن مشايخ القبائل وعراف الناس، يرفع الله بهم فتنًا عظيمة»، قال: «والأسلم أن تقيد العبارة بعبارة: « بسعيهم للإصلاح بين الناس، والأخذ على يد الظالم، وأطره على الحق أطرا». اهـ.
قلت: عبارتي في الأصل تدل على هذا المعنى الذي ذكره سماحته -ولله الحمد- فقد قلت: «وأرى أن مشايخ القبائل وعراف الناس، يدفع الله بهم فتنًا عظيمة -لو صدقوا النية في ذلك مع الله، ثم مع الناس- وإصلاحهم بين الناس، وإطفاء الفتن، باب خير مفتوح لهم- لو احتسبوا ذلك، ورجوْا به ما عند الله عز وجل...» إلى أن قلت: «فأنصح كبار القبائل والعشائر بتقوى الله عز وجل؛ ليكونوا قدوة حسنة للناس في قبائلهم، فلا عزة إلا بالطاعة...» إلخ.
ومع ذلك فقد عدّلت في العبارة، فقلت: « وأرى أن مشايخ القبائل وعراف الناس، يدفع الله بهم فتنًا عظيمة، بسعيهم للإصلاح بين الناس -لو صدقوا النية في ذلك...» إلخ ما سبق، وانظر طبعات الكتاب في الفقرة (257).
(ز) قال سماحته (ص82) رقم (247) - ناقلاً قولي-: «ولا أرى ما يفعله بعض الناس من قتل نفسه بحجة مصلحة الدعوة، ولا يجوز ذلك إلا في باب ضيق جدًا»، فقال سماحته - حفظه الله-: «الأَوْلى أن يُحذف ذلك الرقم بكامله، لئلا يتخذ وسيلة فيمن يريد أن ينتحر، ويبرر أن عمله مشروع بناءً على ذلك القول» . اهـ.
قلت: ومع أن الحالة التي يرمي فيها المسلم بنفسه على الكفار - ليفتح الله على المسلمين بذلك - قد فعلها في العصر الأول غير واحد، ومع أن لذلك ضوابط وقيودًا، وهذا المراد بقولي: «إلا في باب ضيق جدا»؛ لأرد بذلك على من يفتي الشباب بجواز ذلك، دون مراعاة هذه الضوابط، فمع هذا كله؛ فقد حذفت هذه الفقرة بكاملها من كتابي -ولله الحمد والمنة- فهل أخذت بنصائح العلماء يا صاحب الفضيلة أم لا؟!
(ح) قال سماحته (ص 85) رقم (259) - ناقلاً قولي:-«أعتقد أن دعوى القومية والوطنية، ونحو ذلك: إن كان المقصود منها الحب في الله...»، إلى قوله:«...لكن للوطن حق، وللقريب حق، فلا بأس»، قال سماحته: «الأولى أن يُحذف ذلك الرقم بكامله؛ لما فيه من المحاذير السيئة المترتبة على سوء فهمه». اهـ.
فأنت ترى هذه الملاحظة والتي قبلها، ينظر سماحة المفتي فيهما إلى حال من لا يحسن فهم هاتين الفقرتين؛ وإذا كان هناك من يفهمهما فهمًا سيئًا، فالأولى إبعادهما، وقد فعلت في الأولى، وعدّلت الثانية بما يزيل اللبس تمامًا، فقلت - في الفقرة رقم (260)-: «أعتقد أن دعوى القومية والوطنية والجنسية، ونحو ذلك من الدعوات التي جعلت الولاء والبراء من أجل هذه الأمور، وعدم اعتبار الدين أساسًا للولاء والبراء، أنها دعوات باطلة جاهلية، والله المستعان»، وأعني بذلك: أنها دعوات فاجرة كافرة، إذا كانت تجعل الحب والبغض في غير الله عز وجل، وتجعل الدين وراءها ظهريًا، وتقدم القومية والعرقية والطائفية ونحو ذلك على الدين، وكلامي الأول تضمن هذا القسم، ثم ذكرت قسمًا آخر، وهو قول من يقول: «المقصود بهذه الدعاوى الحب في الله، والبغض في الله، لكن للوطن حق، وللقريب حق»، فهذا معنى صحيح، ولا بأس به، ثم قلت: «إلا أن الذي يظهر هو المعنى الأول، وكثير من المسلمين يجهل هذا، فحسبنا الله، ونعم الوكيل». اهـ.
فمع أن هذا المعنى صحيح، إلا أنني أخذت بلب نصيحة سماحة المفتي -حفظه الله- وألغيت القسم الذي يسبب اللبس، وأبقيت القسم الخالي من ذلك، حتى لا أُعَرِّي كتابي من بيان موقفي من هذا الأمر، الذي يتردد على الألسنة كثيرًا، والله أعلم.
(ط) قال سماحته (ص89) – ناقلاً قولي- : « قال في خاتمة كتابه: «خاب وخسر من لم يلزم غرز العلماء العاملين» قال سماحته: الأولى أن يكون التعبير: «اتباع ما دل عليه الكتاب والسنة المطهرة، وعمل الصحابة، دون الاقتصار على ذلك وحده». اهـ.
قلت: لا يخفى على أهل العلم أن عبارتي ليس فيها محذور، وليس فيها دعوة للتقليد، ولاسيما وقد ظهر موقفي بجلاء في مسألة الاتباع والتقليد، ومع ذلك، فقد قلت في نهاية الكتاب في (ص124) من الطبعة الأولى، و (ص125) من الطبعة الثانية، و (ص97) من الطبعة الثالثة:«وخاب وخسر من لم يلزم غرز العلماء العاملين فيما لا يخالف الكتاب والسنة...» إلخ.
هذه جميع ملاحظات سماحة المفتي -حفظه الله- يا شيخ ربيع، وهي ملحقة بآخر هذا الكتاب، وهذا موقفي منها واحدة تلو الأخرى، فهل وجدت فيها ما يدل على فساد في عقيدتي، أو تخليط في دعوتي، أو ما يشير إلى سوء طويتي، كما تلهج بذكر ذلك، وتصرخ به صراخًا؟! وهل وجدتني صاحب ترويج ودعاية، واستغلال لتزكية أهل العلم لي بالباطل؟! لو كنتُ من هذا الصنف، لرأيتني كل يوم أنشر ثناء العلماء عليّ -وهذا من فضل ربي علي، وأسأله أن يجعل ذلك بلاغًا لمرضاته- لكني رجل أعرف أن الله عز وجل هو الذي يرفع ويخفض، وأن من لم ترفعه السنة، فلن ينفعه اغترار الناس به؛ ولذا لا تجدني مولعًا بذلك مثلك!!! ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58] فإن جُمع للعبد صدق الاتباع، وثناء العلماء؛ فهذا من فضل ربي، والحمد لله رب العالمين.
واعلم بأن سماحة المفتي - بعد هذه الملاحظات - يصرح بقوله: «هذا ما تبين بعد قراءة الكتاب، والكتاب بعد تعديل الملحوظات السابقة؛ جيد، ويستفاد منه...»، ومع ذلك فالشيخ ربيع - هداه الله - لتحامله الشديد عليّ، لا يرى هذا وغيره مدحًا للكتاب، وثناءً على عقيدة ودعوة مؤلِّفه، والله عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام:152]، ويقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]، اللهم إنا نسألك القصد والعدل في الغضب والرضى.
9 ـ ثم تأمل أسلوب الشيخ ربيع - هداه الله - في بخس خصمه حقه؛ فقد نقل شيئا من ثناء سماحة المفتي على الكتاب، وعندما أشار المفتي إلى أن هناك ملاحظات يسيرة على الكتاب، لا تضر بموضوع الكتاب ومادته العلمية؛ فكأن الشيخ - أصلحه الله - ما أعجبه كلام سماحة المفتي، حيث لم يصرح بالطعن في معتقد المؤلف، ولم يَدَّعِ أن المؤلف جاهل بمنهج السلف، وأنه ساقط تافه، كما أصبح لسان الشيخ ربيع يلهج بذلك ليلاً ونهارًا!! فلما لم يعجبه تعبير سماحة المفتي، « أنها ملحوظات بسيطة» أي يسيرة وقليلة لا تضر بموضوع الكتاب، ولا يترتب عليها فساد معتقد؛ قال الشيخ ربيع - هداني الله وإياه -: «ثم تلطف –أي: سماحة المفتي- فقال: «إلا أنه يوجد عليه بعض الملاحظات البسيطة» !! فيا سبحان الله، هكذا يعبر الشيخ بقوله: «ثم تلطف» إشارة إلى أنها ملحوظات قاصمة لظهر المؤلف، إلا أن سماحة المفتي، كان لطيف العبارة في التجريح، فهل هذا من الإنصاف؟! أم أنه من باب قول أبي سفيان - رضي الله عنه - قبل إسلامه:« ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها »؟!
وأنت أيها القارئ المنصف، حَكمٌ بيني وبين الشيخ، ولاسيما وقد سبق أن أوقفتك على ملاحظات سماحة المفتي، وموقفي منها من قبل ومن بعد، فهل الشيخ ربيع ممن يبخس خصمه حقه، أم أنه ممن ينصف خصمه من نفسه؟!
قال شيخ الإسلام ابن تيميــة -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى» (35/366): «فالشرع هو العدل، والعدل هو الشرع، ومن حكم بالعدل، فقد حكم بالشرع، ولكن كثيرًا من الناس ينسبون ما يقولونه إلى الشرع، وليس من الشرع، بل يقولون ذلك: إما جهلاً، وإما غلطًا، وإما عمدًا، أو افتراءً». اهـ .
وقال أيضًا -رحمه الله- في «منهاج السنة النبوية» (5/127)، عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8]، قال رحمه الله:«وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار، وهو بُغض مأمور به، فإن كان البغض الذي أمر الله به، قد نهى صاحبه أن يظلم من بغضه، فكيف في بغض مسلم بتأويل أو شبهة، أو بهوى نفس؟ فهو أحق أن لا يظلم، بل يعدل عليه». اهـ.
وقال ابن القيم -رحمة الله عليه- في «إعلام الموقعين» (3/126-127): والله تعالى يحب الإنصاف، بل هو أفضل حلية تحلى بها الرجل، خصوصًا من نصَّب نفسه حكمًا بين الأقوال والمذاهب، وقد قال الله تعالى لرسوله ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: 15] فورثة الرسول منصبهم العدل بين الطوائف، وألا يميل أحدهم مع قريبه، وذوي مذهبه، وطائفته، ومتبوعه، بل يكون الحق مطلوبه، يسير بسيره، وينـزل بنـزوله، ويدين بدين العدل والإنصاف...». اهـ.
فالإنصاف عزيز، ومادته دين قوي، وورع متين، وعلم واسع؛ وإذا كان مالك ابن أنس يقول - كما في «جامع بيان العلم وفضله» (1/131) - : «ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف». اهـ. فماذا نقول نحن في هذا الزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله؟!
وصدق ابن عبدالبر حيث قال -رحمه الله-: «من بركة العلم الإنصاف فيه، ومن لم ينصف، لم يفهم، ولم يتفهم». اهـ. من «جامع بيان العلم وفضله» (1/131)، وانظر «فقة الائتلاف».
10- قول الشيخ - هداه الله-: وأخشى أن تكون -أي ملاحظات سماحة المفتي- لقيت ما لقيته ملاحظاتي. اهـ.
فَأُطَمْئِن الشيخ - أصلحه الله- بأن الملاحظات قد أعطيتها حقها من النظر العلمي، وقد سبق بيان ذلك، ولست من الغلاة ولا الجفاة – والفضل في ذلك لله وحده - فلا حاجة للتباكي على ملاحظات سماحة المفتي - سلمه الله- !!
وأما ملاحظات الشيخ ربيع، فقد استفدت منها، وستراها أيها القاريء -إن شاء الله تعالى- في مواضعها من هذا الكتاب- وإن لم تكن فيها مسألة جوهرية، يترتب على إهمالي الأخذ بها فساد معتقد أو ضلال في الدين - وقد صرح الشيخ نفسه بأنني أخذت بعدة مواضع من ملاحظاته، والبعض الآخر سكت عنه، ولم يصرح باستفادتي إياه.
فمما صرح فيه الشيخ ربيع بأنني استفدته من ملاحظاته، ما جاء في رسالته «الانتقاد...» (ص 6 الحاشية 7)، وفي (ص 10 حاشية 15)، وفي (ص 16 حاشية 33)، وعلى كل حال: هل يظن الشيخ ربيع أنه إذا أبدى انتقادًا على مسألة، فلا بد أن أسلِّم له بقوله؟! أم أنني سأنظر في قوله، فإن كان حقًّا، أخذت به، وإلا فلا؟! فكان ينبغي للشيخ أولًا أن يسأل: لماذا لم آخذ بقوله الفلاني؟ فإن كان الحق معه، رجعتُ إلى قوله، وإلا فلا، هذا هو المنهج العلمي الذي يربي عليه السلفيون طلابهم، أما الشيخ فلسان حاله شيء آخر، وأعوذ بالله أن أعينه أو غيره على الإثم والعدوان بتقليده في انحراف أو ضلالة !!
11- إذا كان الشيخ - هداه الله- يشكك في مدح سماحة المفتي لكتابي «السراج الوهاج» ألا يسأله هو أو غيره – وهو قريب منه - ما دام سماحته موجودًا، ليعرف موقفه بجلاء، دون سلوك هذه السبل المظلمة؟!
ولقد اجتمعت بسماحته في مكتبه بالرياض سنة 1421هـ، وانطلق لسانه بالثناء على الكتاب أمام الجالسين، وأطنب في الثناء عليه، والدعاء لي، بما أسأل الله عز وجل أن يجعله عونًا لي على طاعته.
12- الشيخ ربيع - هداه الله- يُنكر عليّ ما كتبته على غِلاَف الكتاب: «راجعه وقدم له جماعة من هيئة كبار العلماء وغيرهم»، ويعد ذلك دعاية وترويجًا بالباطل، وقد سبق الرد على ما يتعلق بتقديم سماحة المفتي - سلمه الله- وسيأتي الكلام على كلامه من البقية -إن شاء الله تعالى-.
هذا؛ مع أن الشيخ - هداه الله- من المولعين بذلك، فهل يُجوِّز لنفسه ما يحرمه على غيره؟! بل إن الشيخ فعل ما لم أفعله !! فقد ذكر في مقدمة كتابه «النصر العزيز» (ص2-3) تحت عنوان: مؤيدات لمنهج النقد، سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن عبدالله بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية.
ونقل تحت ذلك العنوان الموهم نص رسالة صاحب الفضيلة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله الراجحي - حفظه الله- إلى سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز -رحمه الله- وقال فيها: «فقد وصلني خطابكم رقم 488/خ في 12/ 3/ 1412هـ مشفوعًا بمؤلف للشيخ ربيع بن هادي المدخلي المدرس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، بعنوان: «منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال والكتب والطوائف» لغرض مراجعته والإفادة، وعليه تجدون سماحتكم برفقته الإفادة عنه، والله يحفظكم ويرعاكم...»، ثم ذكر الشيخ ربيع - هداه الله- أن بعد قراءة سماحة الشيخ ابن باز إفادة فضيلة الشيخ عبدالعزيز الراجحي، وجَّهَ إلى الشيخ ربيع خطابه الآتي، ليبشره بأنه قد سره جواب الشيخ الراجحي، وداعيًا له، ثم نقل نص خطاب سماحة الشيخ - رحمه الله- بتاريخ 8/9/1412هـ، وأن المرفقات سبع أوراق، وفيه: «أما بعد: فأشفَعُ لكم رسالة جوابية من صاحب الفضيلة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله الراجحي حول كتابكم: «منهج أهل السنة...»؛ لأني قد أحلته إليه؛ لعدم تمكني من مراجعته، فأجاب بما رآه حوله، وقد سرني جوابه، والحمد لله، وأحببت إطلاعكم عليه... ثم دعا له...». اهـ ملخصًا.
وعلى هذا الصنيع وقفات:
أ - سماحة الشيخ -رحمه الله- لم يراجع كتاب الشيخ ربيع – أصلحه الله- إنما أحاله إلى غيره، كما هو ظاهر.
وقوله: «وققد سرني جوابه، والحمد لله»، هل هو صريح أو ظاهر في أن الشيخ الراجحي قد أقرَّ كلَّ ما كتب الشيخ ربيع في أصل كتابه؟! ليس هذا بلازم، ولو كانت رسالة الشيخ الراجحي -حفظه الله- مليئة بالمدح والثناء على الكتاب ومؤلفه؛ لَمَا تأخر الشيخ ربيع - هداه الله- في إظهارها – والله أعلم -، لكنها - فيما يظهر- كانت تحمل مع المدح بعض الملاحظات، مما جعل الشيخ ربيعًا -وفَّقه الله- لم ير مصلحة في نشرها كلها، وإنما يستفيد منها ما يراه حَقًّا، وهذا صنيع أصحاب العلم مع العلماء، فإن لم يروا صحة قول المراجع، أثبتوا ما يدل على عدم رضا فلان عن الموضع الفلاني، وهذا لا عيب فيه على الشيخ ربيع – إن كان فعل ذلك - لكن الإشكال: في كون الشيخ ربيع لا يرى لي ما يراه لنفسه!!
ب - فإذا كان سماحة الشيخ لم يراجع الكتاب، وملاحظات فضيلة الشيخ الراجحي - فيما يظهر- تتضمن انتقادًا -ولو يسيرًا- وإن سلَّمنا بأنها ليس فيها انتقاد أصلاً - وهذا ممكن - فلماذا يعنون الشيخ ربيع بعنوان: «مؤيدات لمنهج النقد» ويذكر ما سبق من رسائل؟! إلا أن يقول الحق!







.jpg)