هل كان النبيُّ ﷺ يأمر بمثل هذه "اللحية الحاخامية" المهملة، وهو المشرِّعُ الآمرُ بمخالفة أهل الكتاب؟!
تأمل معي هذه المفارقة المنهجية والعلمية العجيبة:
إن الذي روى حديث (أعفوا اللحى) هو الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وهو نفسه الذي كان يأخذ ما زاد في لحيته عن القبضة.
ولم يكن ابن عمر — وهو أشد الصحابة اتباعاً لرسول الله ﷺ وتتبعاً لآثاره — وحيداً في هذا الفهم؛ بل إن ثمانية من سادات الصحابة الكرام رضي الله عنهم ثبت عنهم الأخذ من لحيتهم وتهذيبها (منهم أبو هريرة، وابن عباس، وجابر، وغيرهم).
لقد فهم هؤلاء الأعلام أن "الهمزة" في (أعفوا) هي همزة الإزالة (كقولهم: أعفيتُ الديارَ أي محوتها ونسقتها)، والمقصود بها إزالة المشقة أو إزالة شكل الإهمال، لا تركها تسترسل بلا قيد.
بالمقابل، نجد أن المدرسة الظاهرية المعاصرة (كالشيخين ابن باز وابن عثيمين مثلاً) لا يريان فعل ابن عمر موافقاً للسنة!
يقول الشيخ ابن باز: «من احتج بفعل ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يأخذ من لحيته في الحج ما زاد على القبضة فهذا لا حجة فيه؛ لأنه اجتهاد من ابن عمر...».
ويقول الشيخ ابن عثيمين: «القص من اللحية خلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم... فمن أراد اتباع أمر الرسول وهديه فلا يأخذن منها شيئاً».
والعجب هنا: كيف يُتّهم هؤلاء الصحابة بالاجتهاد في موضع النص وتُلغى حجية فعلهم بجرّة قلم؟ بينما لو تجرأ باحث اليوم وقال: «كلام ابن باز لا حجة فيه»، لنُظر إليه شزراً ولأُقيمت عليه الدنيا! كيف يستسيغ البعض تخطئة الرعيل الأول، ولسان حالهم يدعي أنه أعلم بمراد الحديث وأشد اتباعاً من الصحابة أنفسهم؟!
لقد وصل الجهل والجمود ببعض من يردون فعل الصحابة، ويمنعون الأخذ من اللحية مطلقاً بحجة عدم مخالفة الحديث، إلى مناظر تُنافي الفطرة والذوق البشري؛ حيث طالت لحى بعضهم حتى جاوزت منتصف الساقين، بل ووصلت قريباً من القدمين! (إن لم يكن هذا هو الجهل المُركّب فماذا يكون؟!).
الحاصل أنك لو تركت فقه الصحابة رضي الله عنهم، واتبعت هذه الظاهرية المعاصرة في ترك اللحية مسترسلة بلا تهذيب، لآلَ شكلها إلى هيئة "اللحية الحاخامية".
العهد القديم (سفر اللاويين 19:27) يأمر اليهود صراحة: «لا تقصوا أطراف رؤوسكم ولا تفسد عوارض لحيتكم»؛ لذا تجد الحاخامات يرسلونها بشكل عشوائي وكثيف جداً.
فإذا كان النبي ﷺ قد أمرنا صراحة بـ (مخالفة اليهود)، فكيف تكون موافقتهم في الشكل والترك هي عين السنة؟!
إن التصرف في تهذيب اللحية وتشذيبها هو من عين "المخالفة" لهيئة أهل الكتاب المهملة، وهو ما يتوافق مع مقاصد الشريعة في النظافة والتحسين البصري وسنن الفطرة.. فكيف يغيب هذا الفقه المقاصدي وتُستبدل به ظاهرية تُفضي إلى موافقة الهيئة الحاخامية؟