تشهد الساحة الإسلامية المعاصرة تحولات فكرية وحركية أنتجت تيارات متعددة انحرفت عن الجادة العلمية التي كان عليها السلف الصالح. ومن أبرز هذه التيارات ما يُعرف بـ "الوهابية" و"الجامية" أو "المدخلية"، والذين يُطلق عليهم خصومهم أحياناً لقب "المزابلة"؛ ورغم ادعاء هذا التيار تمثيل المنهج السلفي النقّي، إلا أن ممارساته العملية وأصوله الحركية جعلته أشبه بفرقة منغلقة تمارس التبديع والإقصاء.
السلفية: هي المنهج الإسلامي العام القائم على فهم الدين (القرآن والسنة) وفقاً لما كان عليه "السلف الصالح" (الصحابة والقرون الأولى).
الوهابية: مصطلح يُطلق على الدعوة الإصلاحية التي قادها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد بالقرن الثامن عشر. ركزت على تنقية الإسلام من الشركيات والبدع والعودة إلى التوحيد الخالص. على الرغم من أصولها السلفية، إلا أن المصطلح أُسيء استخدامه في بعض الأحيان ليُطلق على جماعات مختلفة، وتعتبرها بعض المدارس الفقهية ذات طابع متشدد.
الجامية: هي حركة انشقاقية داخل التيار السلفي الواسع، نُسبت في البداية إلى محمد أمان الجامي، وتقوم على ترجمة السياسة إلى فتاوى دينية مع غلو مطلق في طاعة السلطة.
المدخلية: فرع متعصب من الجامية، يتبع الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، ويشترط الولاء الشخصي له ومعاداة كل خصومه كشرط لصحة دين المرء وسلفيته.
المزابلة: هو لقب تهكمي أطلقه خصوم المداخلة عليهم، ويقصدون به أولئك الأتباع الغلاة الذين انحصر همهم الدعوي في البحث في "مزابل التاريخ" وعثرات الدعاة وسقطات العلماء الماضية لإعادة تدويرها والتشهير بها وتجريحهم.
ينقسم فكر هذا التيار إلى شقين: أصول عامة يوافقون فيها المنهج النظري لأهل السنة إجمالاً، وأصول عمليّة انحرفوا بها عن السلفية الحقيقية، وهي:
ينقسم هذا التيار من الناحية التنظيمية والواقعية إلى طبقات هرمية صارمة تتحكم في حركة الأفراد:
أفراد يمتلكون أصولاً طيبة ويريدون طلب العلم بحسن نية، لكن يتم تحطيمهم وتطويق عقولهم عبر حصرهم في تكرار المتون الصغرى (كإعادة دراسة كتاب التوحيد لسنوات دون تجاوزه)، مما يعطل نضجهم العلمي ويقيد قدراتهم المعرفية خوفاً من تفوقهم على شيوخهم.
يتسع نطاق الخصومة لدى المداخلة ليشمل تقريباً كل التيارات الإسلامية والعلماء المستقلين بناءً على التوجهات السياسية؛ ومن أبرز من يضعهم المداخلة في قوائم العداء:
جماعة الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ.
التيار السروري (مثل سفر الحوالي وسلمان العودة).
المدرسة الألبانية ومدرسة علي الحلبي.
العلماء والدعاة المستقلون والمصلحون (مثل الحويني، المأربي، الطريفي، العريفي، وخالد الراشد)، وبإيجاز: كل من سُجن أو عارض التوجهات السياسية للدول التي يوالونها.
السلفية براء من مسلك المداخلة والجامية؛ فهذه الأخيرة تمثل حالة من الانحراف الحركي الذي يستغل الشعارات الدينية لتمرير مواقف سياسية معينة. وقد أدى اعتمادهم على "التجريح المطلق" واحتكار الحق وتتبع العورات (مما جعلهم يُنبزون بالمزابلة) إلى عزل أتباعهم عن الإنتاج العلمي الحقيقي، وتحويلهم إلى كيانات تتآكل داخلياً عبر التشظي والانقسام المستمر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق