الجمعة، 4 أبريل 2025

هل كان سيد قطب يؤمن بالكلام هذا حين موته ؟

 تقول الشبهة [ سيد قطب يسب الصحابة ، معاوية بن أبي سفيان ، و عثمان بن عفان و عمرو بن العاص ] رضوان الله عليهم


- وهذه التهمة يدلل عليها ببعض ما كتب في بكتابي : " العدالة الاجتماعية " و " كتب وشخصيات " .
-
وقد نقل هذه العبارات وغيرها الشيخ ربيع المدخلي في كتاب ( طعون سيد قطب في الصحابة ) ، والكتاب موجود في موقع الشيخ لمن أراد أن يقرأه .
- والحاصل أن هذه التهمة ليست كغيرها من التهم ، أي بلا دليل واضح ، فمعظم ما يتهم به الأستاذ سيد قطب رحمه الله ناتج عن سوء فهم لكلامه رحمه الله ، أو سوء نية في تتبع كلامه .
-
وهذا الكلام الذي قاله سيد قطب لا يشك مسلم أنه غاية في السوء ، وأنه ينطبق على من يؤمن به عبارات أكثر من أن تحصى تناقلتها الأمة بدأ برسولها محمد صلى الله عليه وسلم إلى كبار أهل العلم في وقتنا هذا .. فمن قائل أنه زنديق ، ومن قائل أنه منافق ، ومن قائل أنه إذا تنقصهم كلهم فإنه كافر لتشكيكه في عدالة الجيل الذي نقل إلينا الإسلام .
ولكن : هل كان سيد قطب يؤمن بالكلام هذا حين موته ؟ أم أنه رجع عنه ؟ وما هو الرد على من قال بأن سيد قطب :
1- لا يحترم الصحابة
2- يطعن فيهم
3- رافضي !
4- يشابه الروافض والخوارج في سبهم للصحابة رضي الله عنهم
وما هي الأدلة على ردودنا عليهم ؟!
أولا :
كتاب " العدالة الاجتماعية " و كتاب " كتب وشخصيات " من الكتب القديمة لسيد قطب ، التي كتبها في جاهليته وقبل أن يتعرف على الإسلام .. وكان دافعه لكتابة " العدالة " هو الرد على الاشتراكيين في وقته .. فمع أنه أراد الخير وأراد نصرة الإسلام إلا أنه أخطأ خطأ عظيما في حق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثانيا :
هذا الكتاب والكتاب الآخر " كتب وشخصيات " ، يجمع العارفون بسيد قطب رحمه الله أنه تخلى عن " الأفكار " و " التصورات " التي فيه .. مع اختلافهم في تخلي سيد قطب عن الكتب نفسها ..
وقد فصلت في هذا سابقا فلا حاجة للإعادة .. ولكن الذي يهمنا أن نقوله هو أن هذين الكتابين - وغيرهما من الكتب القديمة - لا تمثل فكر سيد قطب حين موته ، وأنه تخلى عنها بشهادة أخيه الشيخ محمد قطب ، والمستشار العقيل حفظهما الله .
فكيف نحاسب سيد قطب على كلام تخلى عنه وأوصى بعدم طبعه ولا نشره بين المسلمين ؟ خصوصا وأن التراجع كان عبارة عن رسالة من سيد رحمه الله إلى مجموعة من الإخوان في العالم .
ثالثا :
هناك الكثير من النماذج في ( الظلال ) والتي تبين احترام سيد قطب رحمه الله للصحابة ، وحبه لهم ، وترضيه عنهم ، ومدحه وثناءه عليهم .. ولكن :
عين الرضا عن كل عيب كليلة *** كما أن عين السخط تبدي المساويا
وسنقف مع بعض المواضع من الظلال ، والتي تبين رأي سيد قطب رحمه الله عن الثلاثة الذين طعن فيهم في كتبه القديمة ، ثم نبين رأيه رحمه الله في الصحابة بشكل عام .. وسنرى هل أصاب من يقول عنه رحمه الله أنه مثل الخوارج والروافض .. أم أنه مخطئ ؟
عثمان بن عفان رضي الله عنه في الظلال :
1-
ثم تابع اليهود كيدهم للإسلام وأهله منذ ذلك التاريخ . . كانوا عناصر أساسية في إثارة الفتنة الكبرى التي قتل فيها " الخليفة الراشد عثمان بن عفان " - رضي اللّه عنه - وانتثر بعدها شمل التجمع الإسلامي إلى حد كبير . . . وكانوا رأس الفتنة فيما وقع بعد ذلك بين علي - رضي اللّه عنه - ومعاوية . . وقادوا حملة الوضع في الحديث والسيرة وروايات التفسير . . وكانوا من الممهدين لحملة التتار على بغداد وتقويض الخلافة الإسلامية . .
(الظلال 1628)
2-
ثم إن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والإسراع . وحض أهل الغنى على النفقة وحمل المجاهدين الذين لا يجدون ما يركبون ؛ فحمل رجال من أهل الغنى محتسبين عند اللّه . وكان في مقدمة المنفقين المحتسبين ، عثمان بن عفان – رضي اللّه عنه – فأنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها . . قال ابن هشام:فحدثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار ، فقال رسول اللّه – صلى الله عليه وسلم -: اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض .
( الظلال 1723 )
معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في ( الظلال ) :
1-
وكثيرا ما تستجيش هذه الدعوة إلى السماحة والعفو ، وتعليق القلب بعفو الله ومغفرته . نفوسا لا يغنيها العوض المالي ؛ ولا يسليها القصاص ذاته عمن فقدت أو عما فقدت . . فماذا يعود على ولي المقتول من قتل القاتل ؟ أو ماذا يعوضه من مال عمن فقد ؟ . . إنه غاية ما يستطاع في الأرض لإقامة العدل ، وتأمين الجماعة . . ولكن تبقى في النفس بقية لا يمسح عليها إلا تعليق القلوب بالعوض الذي يجيء من عند الله . .
روى الإمام أحمد . قال:حدثنا وكيع ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي السفر ، قال " كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار . فاستعدى عليه معاوية . فقال معاوية : سنرضيه . . فألح الأنصاري . . فقال معاوية : شأنك بصاحبك ! – وأبو الدرداء جالس- فقال أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من مسلم يصاب في جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة , أو حط عنه به خطيئة " .. فقال الأنصاري : فإني قد عفوت ..
( الظلال 899 – 900 )
عمرو بن العاص رضي الله عنه في الظلال
1-
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا . بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني . . ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام ، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر . . فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص – فاتح مصر وحاكمها المسلم – ظهر ابن قبطي من أهل مصر – لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال – غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه – من ابن فاتح مصر وحاكمها – وسافر شهراً على ظهر ناقة ، ليشكو إلى عمر بن الخطاب – الخليفة المسلم – هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! – وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان – وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي .
( الظلال 1364 )
-
وبعد هذا العرض نقول :
أليس من العدل يا من تنتقدون الأستاذ الشهيد – إن شاء الله – أن ترجعوا لآخر ما كتبه في حياته حتى تتبينوا رأيه النهائي في الصحابة ؟!
هل من العدل أن نحاسب الناس على ما فعلوه في جاهلياتهم ؟!
ونكرر : من أراد أن يعرف رأي سيد قطب في الصحابة فليرجع لكتب سيد قطب وسيرى أن التهويل والتهويش سمة شبه سائدة في من ينتقد كتب سيد رحمه الله من الشباب هذه الأيام .
*المنشور للدكتور الأزهري الأصلي - منتدي الملتقي ( إخوان.نت )

تفنيد كلام ربيع المدخلى وزبانيته فيما أوردوه على الأستاذ سيد قطب رحمه الله :

 تفنيد كلام ربيع المدخلى وزبانيته فيما أوردوه على الأستاذ سيد قطب رحمه الله :


**************************************************************
وسنقوم بالرد على أدعاء ربيع المدخلى وزبانيته أن الأستاذ سيد قطب سب وطعن على نبى الله موسى عليه السلام ، وسب وطعن على الخليفة الراشد الثالث عثمان رضى الله عنه نقول : معتمدين على الله وحده :
الرد على هذا الكلام ببساطة من نواحى :
الأولى : = هل الاستاذ سيد قطب شيخ من الشيوخ الذين يُتلقى عنهم العلم الشرعى ؟
الأستاذ سيد رحمه الله لم يدع ذلك لنفسه .. ولم يدع ذلك له أحد من محبيه ومن يقرأون له
والاستاذ سيد فيما كتب يجوز عليه ما يجوز على جميع الكتاب .. أن يؤخذ ما فى كلامه من الحق ، وأن نرد عليه كما نرد على غيره ما يجانب الحق والسنة .. ولا أقول فى الرجل إلا ما نقول فى كل المسلمين : اللهم جازه على ما أحسن ، وأغفر له زلاته وخطأه .
= أما بشأن ما ذكره السباب عن كلام الاستاذ سيد قطب عن نبى الله موسى
نذكر بداية بما سبق أن ذكرته ، من أن هذا السَباب لم يقرأ كتابا للأستاذ سيد قطب ، وإنما هو ينقل عمن كتب فى هذا الشأن .. الشيخ ربيع المدخلى والذى كان يكفيه ما رد به عليه العلامة بكر ابو زيد علي حين عرض كتابه عليه فكتب له العلامة أن ما يكتبه عن الاستاذ سيد لا يرقى الى مستوى البحث العلمى فضلا عما يحكمه من التحامل على الرجل بغير ما يقول من عبارات أو ما يقصد من المعانى أو هو ينقل عن الشيخ هشام البيلى
ينقلون قول الاستاذ سيد قطب : "...وهكذا نجد هارون أهدأ أعصابا وأملك لانفعاله من موسى , فهو يلمس في مشاعره نقطةً حساسة ويجيء له من ناحية الرحمة وهي أشدّ حساسية ويعرض له وجهة نظره في صورةِ الطاعةِ لا حسب تقديره وأنّه خشي وأنَّهُ خَشِيَ إِنْ هُوَ عالَجَ الأمورَ بالعنفِ أنْ يتفَرَّقَ بنوُ إسرائيل شِيعًا بعضُهَا معَ العِجْلِ وبعضُها مع نصيحةِ هارون, وقَدْ أمرَهُ بأنْ يُحافِظَ على بني إسرائيل ولا يُحْدِث فيهم أمْرًا..."
وهذا عندهم طعن فى نبى الله موسى وتفضيل لهارون عليه
وأوجه النقد على سيّد ها هنا أجملها المنتقدين في ثلاثة هي :
الوجه الأول: أنّ موسى عليه السلام في قصته مع أخيه هارون والسامري هو في مقامٍ من مقامات النبوَّة، ولا يستقيم أن يُقال هذا الكلام -وهو أن هارون أملك لأعصابه من موسى- في هذا المقام.
الوجه الثاني: فحوى هذه المقارنة بين هارون وموسى يوغر الصدر على تصرف موسى عليه السلام في إحراقه للعجل ودعوته على السامري وإنكاره على ما أتى قومه من بعده، وأنّ تهدأةَ أخيه له كانت أحق من هذه
التصرفات.
الوجه الثالث: أنّ التفرق حصل في قوم موسى، وهو ما ذكره سيد رحمه الله في الغاية من تصرف هارون عليه السلام، فلا مزيّة في التفضيل هنا إذًا
إنّ جميع ما ذكروه من الانتقادات إنّما أخذ من مفهوم العبارة لا من منطوقها وفي كتب سيّد وعلى رأسها تفسيره في ظلال القرآن من العبارات والجمل الممجدة لأنبياء الله عموما ولموسى على وجه الخصوص الشيء الكثير فلما يِؤخذ بالمفهوم ومفهوم نصٍ واحد ويترك منطوق النصوص التي لا تعدّ ولا تحصى ...ومفهوم العبارة إن صحّ إنما هو من لازمها لا ما يؤخذ منها بالمطابقة ولازم المذهب ليس بمذهب , والمفهوم ينبغي أن يعرض على صاحبه فإن قبله فهو كما فُهِمَ وإلاّ ردّ ..
يضاف إلى ذلك كلـّه أنّ قوله "هارون أملك لأعصابه من موسى" لا يقدح في مقام نبوته من وجوه أهمّها :
الأول: أن موسى نفسه أقر لهارون بالأفضلية في الفصاحة واللسان في مقام النبوة والبلاغ ، كما في قوله تعالى (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فارسله معي ردءا يصدقني) .
الثاني: أن كون هارون أملك لأعصابه من موسى لا يعني التفضيل من كل الوجوه وأنه أفضل منه بإطلاق ، كما في الأية السابقة ، ألم يقل أهل العلم أنّ علي أفضل من أبي بكر رضي الله عنه من جهة كونه ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته ووالد أحفاده وحافظ ذرّيّته وهذا لا يقتضي تفضيله على أبي بكر من كلّ الوجوه فأبو بكر هو أفضل من مشى على الأرض بعد الأنبياء بنص الحديث ...
الثالث: أن هدوء أعصاب هارون نظرا لما يعلمه من قوم موسى إذا فعل ما فعل موسى بعد ذلك من تحريق العجل مما جعله يعلم أنهم سيفترقون بخلاف ما لو كان موسى موجود أصلا كما كان الحال ، فشدة موسى كانت مناسبة في مكانها ، وهدوء أعصاب هارون التي هي بدون شك يتفضل فيها عن موسى كانت في موقفها المناسب ،
وما ذكره المفسرون لا يبعد كثيرا عمّا قاله سيّد قطب رحمه الله فابن كثير رحمه الله استعمل ألفاظا مثل الخنق والجزع والغيظ ...في حقّ موسى عليه السلام واستعمل في حقّ هارون عليه السلام الرقّة الاعتذار الرهبة ...
وليرجع الطاعنون الى تفسير ابن كثير
= أما بشأن ما ذكره السباب مرددا كلام شيخه هشام البيلى عن رأى الاستاذ سيد قطب فى عدم أعترافه بخلافة عثمان بن عفان فإنى أنقل كلام الاستاذ سيد كاملا من كتابه ( العدالة الاجتماعية فى الاسلام ) ليرى القارئ كيف يجتزئ هؤلاء الناس الكلام وكيف يفهمون .. [https://www.facebook.com/notes/صب](https://www.facebook.com/notes/%D8%B5%D8%A8)...
ومثل هذا حدث مع شيخ الاسلام ابن تيمية حين أتهمه بعض من لم يحرروا كلامه أنه كان معاد للخليفة على بن أبى طالب حتى وصمه البعض بأنه كان ناصبيا ...[http://islamicweb.com/arabic/Shia/t](https://l.facebook.com/l.php...)...
= أما فيما يخص الدعوى المفتراه أن الاستاذ سيد لم يعترف بخلافة عثمان رضى الله عنه ، وأنه -- أى الاستاذ سيد -- أتهم عثمان ( بالانحراف في العدالة الاجتماعية ص187 وقال في نفس الكتاب ص186 ) .. نرد بأدب ووضوح فنقول :
الكلام الذى تعلق به المخالف السباب وأثار به النقيع والغبار
ذكره الشهيد فى كتاب العدالة الاجتماعية فى الاسلام ، وهو كتاب كتبه الأستاذ سيد فى مرحلة تلمذته للأستاذ عباس العقاد وقبل ألتزامه ، وقد كان رحمه الله
يستعرض سياسة الحكم و السياسة المالية فى عهد الخلفاء الراشدين -- أى أن كان للكلام أسباب داخل السياق -- ، وذكرالاستاذ أن منهج ابو بكر وعمر فى السياسة المالية كان أحكم وأكثر سدادا
فلم يتوسع الشيخان فى انفاق المال وإعطاء الهبات وكذلك فى تولية الولايات
فما كانوا يستأثرون احدا من اقاربهم بمال ولم يقلدوهم شئ من الإمارة
ولكن عهد سيدنا عثمان اختلف عن عهدهما فى سياسة المال والولاية
فتقلد بعض أقارب سيدنا عثمان الولايات ، واخذ بعضهم المال ، وقال الاستاذ
إن تصور الحكم اختلف شيئا ما فى عهد عثمان رضى الله عنه ولكنه بقى
فى سياج الاسلام ، ونقل الاستاذ من كتب التاريخ نماذج للسياسة فى المال
والولايات فى عهد سيدنا عثمان ، ثم دافع الاستاذ سيد قطب عن سيدنا عثمان
وقال انه من الصعب ان نتهم روح الاسلام فى عثمان وارجع الاستاذ خطأ سيدنا عثمان فى تولية مروان الوزارة ، وقد ثبت بالفعل أن افعال مروان هى التى
تسببت فى مقتل سيدنا عثمان مظلوما شهيدا ،
واعتذر الاستاذ عن سيدنا عثمان : بأن الخلافة جاءت اليه متأخرة وهو يدلف
الى الثمانين من عمره ، وأن العصبة الامويه استغلت ضعفه ومكنت لنفسها
وأن هذا كان سبب الفتنة التى وقعت وراح ضحيتها سيدنا عثمان شهيدا مظلوما
ثم قال إن عهد على رضى الله عنه قارب عهد الشيخين فى سياسة الحكم
والمال ، وكان عهد سيدنا عثمان بمثابة الفجوة فى هذه السياسة وهذا ما جعل مهمة
الامام على صعبة فى عملية الاصلاح
ورغم كل ماحدث فى عهد عثمان رضى الله عنه إلا ان الاستاذ سيد قطب يقول فى وضوح
إن ورع سيدنا عثمان وايمانه ورقته كانت تقف حاجزا فى وجه أمية ، وأن موت
سيدنا عثمان فتح الطريق للإنحراف
ايها الاخوة : هذا ما ذكره سيد قطب رحمه الله فى كتابه مختصرا ، ولم يخرج الاستاذ سيد رحمه الله عن هذا ، ودونكم كتاب العدالة الاجتماعية فتأملوه جيدا ،
وقبل أن أمضى أحب التذكير جيدا ، أن القول ان سيدنا عثمان أخطأ فى كذا ليس
معناه القدح فى سيدنا عثمان ولا فى خلافته ، فعقيدة اهل السنة تثبت أن العصمة
لرسول الله فقط ، يقول شيخ الاسلام ابن تيمية ردا على من يقول ان سيدنا عمر
أخطأ فى مسئلة:
وإن كان مقصوده أن عمر أخطأ في مسألة فهم لا ينزهون عن الإقرار على الخطأ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم
ويقول فيمن تكلم عن سيدنا معاوية :
وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح فيما عليه أهل السنة فإنهم لا ينزهون معاوية ولا من هو أفضل منه من الذنوب، فضلا عن تنزيههم عن الخطأ في الاجتهاد. بل يقولون إن الذنوب لها أسباب تدفع عقوبتها من التوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفرة وغير ذلك وهذا أمر يعم الصحابة وغيرهم.والمخالف لم يقرأ الاستاذ سيد ولا عرف كتبه ، إنما ينقل عمن طعن فى الاستاذ سيد من المداخلة والرسلانية .. فهو ينقل عن المداخلة هذه العبارة على لسان الاستاذ سيد :
( ونحن نميل إلى اعتبار خلافة علي امتداداً طبيعياً لخلافة الشيخين قبله، وأن عهد عثمان كان فجوة بينهما ) والعبارة فى كتاب العدالة الاجتماعية ليست كذلك ، إنما هى على النحو التالى ( ونحن نميل إلى اعتبار خلافة علي امتداداً طبيعياً لخلافة الشيخين قبله، وأن عهد عثمان الذى تحكم فيه مروان كان فجوة بينهما ).... ، فحذف من نقل عنه السباب المخالف عبارة ( الذى تحكم فيه مروان ) ليفهم من يقرأ أن حملة الاستاذ سيد قطب كانت على عثمان شخصيا ، مع ان الاستاذ صرح أن خطأ سيدنا عثمان كان فى ثقته بمروان وأمية ، وأن اخطاء عهد سيدنا عثمان لم تكن من عثمان نفسه ، لكن من تلاعب مروان وبنوا امية ، وهم الذين احدثو الفجوة فى السياسة التى جعلت عهد عثمان ينزل قليلا عما سبقه وعما لحقه فى سياسة المال ،بهذا نرى أنهم يقتطعون من السياق ليصلوا به الى أتهام الاستاذ سيد أنه كان يطعن على عثمان .. وكامل السياق دون ما قاموا ببتره يكذبهم
ماذا نقول حين يردد من يكتب مطاعن لم يقرأ صاحبها إنما ينقل بغير تثبت ولا علم .. نقول : اللهم أهدهم فإنهم لا يعلمون
..........................................................
وسأنقل من كتاب منهاج السنة لابن تيمية فى تحليله لفترة حكم الشيخين ثم من جاء بعدهما ما هو قريب مما ذكره الأستاذ سيد وتعرض به لهذه الحملة والسباب :
= وسنرى ان شيخ الاسلام يستعرض فى ايجاز فترة حكم ابوبكر وعمر
ويتكلم بكلمات قليلة نافعة عن عدل الشيخين وزهدهما ثم يستعرض ماحدث فى عهد سيدنا عثمان بإيجاز شديد وسنرى أن هناك تطابق بين الفكرة التى يطرحها الاستاذ سيد قطب والتقرير الحاسم الموجز الذى يقدمه شيخ الاسلام
يقول شيخ الاسلام ابن تيمية فى منهاج السنة :
ثم انه في مدة ولايته -- يقصد ابى بكر -- قاتل بهم المرتدين و المشركين لم يقاتل
مسلمين بل أعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل الردة و اخذ يزيد الإسلام فتوحا و شرع في قتال فارس و الروم و مات و المسلمون محاصرو دمشق و خرج منها ازهد مما دخل فيها لم يستأثر عنهم بشيء و لا أمر له قرابة ، ثم ولي عليهم عمر بن الخطاب ففتح الأمصار و قهر الكفار و اعز أهل الإيمان و أذل أهل النفاق و العدوان و نشر الإسلام و الدين و بسط العدل في العالمين و وضع ديوان الخراج و العطاء لأهل الدين و مصر الأمصار للمسلمين و خرج منها ازهد مما دخل فيها لم يتلوث لهم بمال و لا ولى أحدا من أقاربه ولاية فهذا أمر يعرفه كل أحد ، وأما عثمان فانه بنى على أمر قد استقر قبله بسكينة و حلم و هدى و رحمة و كرم و لم يكن فيه قوة عمر و لا سياسته و لا فيه كمال عدله و زهده فطمع فيه بعض الطمع و توسعوا في الدنيا و ادخل من أقاربه في الولاية و المال و دخلت بسبب أقاربه في الولايات و الأموال أمور أنكرت عليه فتولد من رغبة بعض الناس في الدنيا و ضعف
خوفهم من الله و منه و من ضعفه هو و ما حصل من أقاربه في الولاية و المال ما أوجب الفتنة حتى قتل مظلوما شهيدا
منهاج السنة النبوية الجزء السابع أنتهى النقلفهل قال الاستاذ سيد كلاما غير ذلك ؟!!
.........................................................................
وأسجل هنا أن الغلاة فى حب مشايخهم الكارهون للأستاذ سيد ، بعيدون عن الإنصاف ، إذا لو تتبعوا إنحرافات مشايخهم في نفس ما أنكروه على الأستاذ سيد رحمه الله لوجدوا خللا لا مبرر له -- إن أحسنا الظن بهم -- وعمالة لأعداء الأمة من اليهود حيث تصب أفتراءاتهم فى مصلحتهم .. أثبت هذا للتاريخ :
مطاعن ربيع المدخلي في الصحابة - رضي الله عنهم -
قال الإمام أبو زرعة رحمه الله: إذا رأيت الرجل يتنقص أحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ، فاعلم أنه زنديق
ألفَّ ربيعٌ المدخلي كتابا سمّاه مطاعن سيد قطب في صحابة الرسول الله صلى الله عليه وسلم ، انتقد فيها تجاوزات لسيد قطب في حق الصحابة وقع فيها ابن قطب في مراحل حياته الفكرية المضطربة الأولى التي تقلب فيها بين القومية والإلحاد قبل أن يهديه لله للإسلام فقلّد - بجهل - استاذه العقّاد في بعض الروايات التاريخية فأخذ ربيعٌ هذه الكتابات القديمة لسيد قطب وشنّع بها عليه وظنَّ أنه قد وقع في صيد ثمين وقد انتقد هذا الأسلوب على المدخلي العلامة الألباني فلما بلغه تصنيف ربيع لهذا الكتاب قال عن ربيع " الله يهديه شو بيفيد هذا الكتاب شو فيه من فائدة !!" وهو مسجل بالصوت.
ومع ذلك فبيان الأخطاء مادامت بعلم وإنصاف فهو واجب لكن لا بظلم وتعدٍ وإجحافٍ كما يفعل ربيع المدخلي ثم نقول له : لئن عذرنا سيد قطب بجهله وهو الأديب الشاعر الجاهل بعلوم الشرع فكيف لنا أن نعذرك أنت في طعوناتك الكثيرة في صحابة رسول الله وأنت دعيُّ العلم الذي جعلك أنصارك إماما وعلامة وشيخ الإسلام إلخ عبارات عشّاقك !!
وهنا وقفات مع هذا الإمام العلامة الطاعن في أصحاب رسول الله لنرى بعدها مواقف أتباعه منه هل سيطعنون فيه كما فعلوا مع سيد قطب أم هم عُميانٌ عن ضلالات شيخهم !!
*قال ربيع المدخلي في شريط ( الشباب ومشكلاته ) في محاولة منه لتأصيل علمانية سلفية على طريقة تدعو لفصل السلفية عن السياسية : (( والله كان صحابة فقهاء، لكن في أمور السياسة ما ينجحون، ما يستطيعون في الإذاعة، والإشاعة، يقعون في فتنة، قضية الإفك طاح فيها كثير من الصحابة، فتنة، ليش ؟!!! ما هم مثل أبي بكر، مثل عمر، مثل علي هؤلاء وقعوا !!!)).اهـ كلام المدخلي
قلتُ:
في هذا الكلام من هذا الجاهل طعونات خبيثة في صحابة رسول الله تتمثل في التالي:
1/ قوله ربيع " أن الصحابة لا ينجحون في السياسة .."
الرد:
ومن ينجح في السياسية - أيها الطعان - إن لم ينجح فيها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين قادوا الفتوحات وبنوا الدولة الإسلامية التي ملكت مشارق الأرض ومغاربها .من ينجح في السياسية إن لم ينجح فيها الصحابة ؟ أترى لا ينجح الصحابة ي السياسية وينجح فيها ولاة أمرك الذي أفسدوا شباب الأمة بقنوات العهر والعلمانية التي يقومون بتمويلها كالأم بي سي - روتانا - والعربية - !!
2/ قول ربيع عن الصحابة الكرام " ..يقعون في فتنة...قضية الإفك طاح فيها كثير من الصحابة فتنة ..." أنتهى كلامه الخبيث .
الرد:
أولا تعبيره بكلمة " طاح فيها الصحابة " فيه سوء أدب مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثانيا: كذبه في قوله " وقع فيها كثير من الصحابة " وهذا القول ليس بصحيح، فمن خاض فيها هم عدد قليل جدا من الصحابة رضي الله عنهم وهم على عدد الأصابع، إذاً لا يجوز التعبير بكثرة وقوع الصحابة في قصة الإفك..
* قال ربيع المدخلي في شريط ( العلم والدفاع عن الشيخ جميل الرحمن ) قال :
(( كان عبد الله، وأُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وغيرهم، وغيرهم من فقهاء الصحابة وعلمائهم ما يصلحون للسياسة!!!، معاوية ما هو عالم ، ويصلح أن يحكم الدنيا كلها، )) .اهـ كلام المدخلي
واشتمل كلام هذا الطّعان في صحابة رسول الله على عدة أمور:
1/ قوله عن الصحابة المذكورين بأنهم " لا يصلحون السياسية !"
ومن يصلح لها إن لم يصلح لها الصحابة، وهل تظن الصحابة متكالبين على كراسيهم كحال حكامك الذي تتعاون مع مخابراتها كما شهد عليك بذلك يحيى الحجوري في أنك حاولت أن تربطه بالمخابرات السعودية وكما تفعل اليوم مع أتباعك في البلدان العربية من تعيين أمراء عليهم!
2/ طعن ربيع المدخلي في الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان على طريقة الروافض:
قال ربيع عنه " معاوية ما هو عالم !!!"
قلتُ:
ويُكذّب كلام هذا الجاهل شهادة ترجمان القرآن ابن عبّاس رضي الله عنه في معاوية بأنه ( فقيه ) .
فقد قيل لابن عباس هل لك في أمير المؤمنين فإنه ما أوتر إلا بواحدة؟ قال : ( إنه فقيه ).
انظر فتح الباري لابن حجر (7/103) فهذا ابن عباس(رضي الله عنه) يصرح بأن معاوية(رضي الله عنه) فقيه.
* ربيع المدخلي يصف المهاجرين والأنصار بالعنصرية وبأن لهم أغراضا دنيئة!!:
قال المُتعصب الجاهل ربيع المدخلي في كتاب "التعصب الذميم وآثاره" ص(31) ط/دار السلف، وهو عبارة عن شريط مفرّغ فهو فاشل لا يصلح للتأليف وجل كتاباته أشرطة مفرغة أو مقالات على الانترنت تجمع وتطبع ليتكثّر بها أمام أتباعه ، قال المدخلي وهو يصف ما جرى بين الغلام المهاجري, والغلام الأنصاري -رضي الله عنهما- وقد استنجد كل منهما بقومه، فقال أحدهما: يا للمهاجرين، وقال الآخر: يا للأنصار، فقال المدخلي: (( (يا للمهاجرين، يا للأنصار) ولكن ما هو الحافز الدافع إليها؟ التعصب والعنصرية، فالرسول سماها جاهلية، ووصفها بأنها منتنة، ودعا إلى الألفة والمحبة والتناصر على الحق))
( فاللفظ الشريف النبيل إذا استُغل لغرض دنيء يكون ذماً لقائله..).اﻫ كلام المدخلي.
* وقال ربيع المدخلي – وهو يذكر أن فرقة عليّ (رضي الله عنه) أقرب الطائفتين إلى الحق، وأن طائفة معاوية فيها مجتهدون مخطئون، ثم قال: (( انطلقت ألسنة الفريقين باللعن والتكفير، وقد تخلل الطائفتين أهل أغراض وأهواء، مما زادت الفتنة والمواقف إذكاءً )).اهـ.
فنريد منك أولاً إثبات لعن وتكفير الصحابة الكرام، وثقات التابعين بَعْضم بعضاً !!!
أيها كاذب هات صحابيا واحدا كفّر الفريق الآخر، ألم تسمع قول علي رضي الله عنه عن مجموعة معاوية رضي الله عنه ( إخواننا بغوا علينا ) !
* ربيع المدخلي يرمي كعب بن مالك وصاحبيه بتهمة النفاق!
:قال ربيع المدخلي عن كعب بن مالك وصاحبيه(رضي الله عنهم) : (( أن النبي (صلى الله عليه وسلم) ما أحسنَ الظنّ بهم لأنهم متهمون في هذه الحالة ، وقد يكونون متهمين بالنفاق ))اهـ كلام المدخلي
الرد:
لم يكتفِ المدخلي باتهامهم بالنفاق حتى افترى المدخلي على النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه لم يحسن الظنّ بهم.
والجواب على هذا الجاهل أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أحسن الظنّ بهم بقوله عن كعب بن مالك (رضي الله عنه) كما أخرج البخاري في صحيحه: ( أما هذا فقد صدق).
ونختم المقالة بما قاله الإمام السلفي القحطاني - رحمه الله في النونية :
قل خير قول في صحابة أحمد = وامدح جميع الآل والنسوان
والعن زنادقة الروافض إنهم =أعناقهم غلت إلى الأذقان
جحدوا الشرائع والنبوة واقتدوا =بفساد ملة صاحب الإيوان
لا تركنن إلى الروافض إنهم =شتموا الصحابة دون ما برهان
لعنوا كما بغضوا صحابة أحمد =وودادهم فرض على الإنسان
حب الصحابة والقرابة سنة =ألقى بها ربي إذا أحياني
......................................................................................
وفى دراسة عن ( منهج سيد قطب فى العقيدة ) يخلص استاذ متخصص ( هو الأستاذ دكتور : يحى صواب أستاذ الدراسات القرآنية كلية الآداب جامعة صنعاء ) الى هذه النتيجة :
1- فيما يتعلق بمنهجه في تقرير العقيدة:
أ- كان سيد قطب موافقًا لما عليه أهل السنة في الاعتماد على مصادر تلقي تقرير العقيدة، والمتمثلة في الكتاب والسنة والفطرة والعقل، ومخالفته لمنهج الفلاسفة وعلماء الكلام في تقرير العقيدة، حيث بيَّن مخالفتهم لمنهج القرآن في هذا الباب ونقد ما عندهم من أخطاء في هذا الباب، مع وقوعه في خطأ فيما يتعلق بالأخذ بحديث الآحاد في العقيدة.
ب- فيما يتعلق بموقفه من العقل وفطرية المعرفة يُقرِّر ما عليه أهل السنة وينتقد المخالفين، وكذا فيما يتعلق بقضية تطور العقيدة ومقارنة الأديان، حيث يرى سيد بطلان نظرية تطور العقيدة وبطلان منهج علماء مقارنة الأديان الغربيين ومن تأثر بهم في هذا الباب ومخالفتهم لنمهج القرآن الكريم.
2- اهتم سيد قطب رحمه الله كثيرًا ببيان أهمية العقيدة الإسلامية وخصائصها ومميزاتها، وتقرير منهج القرآن في عرضها والدعوة إليها، كما حذَّر كثيرًا من وسائل الأعداء في محاربتها وصرف الناس عنها.
3- فيما يتعلق بموقف سيد قطب رحمه الله من المخالفين عقديًا نجد أنه:
أ- يُقرِّر ما جاء في القرآن والسنة حول الموقف من أهل الكتاب والمشركين والوثنيين والملاحدة عمومًا والمتمثل في اعتقاد كفرهم ووجوب بغضهم والتميّز عنهم، كما عمل على فضح أهدافهم ومخططاتهم ضد الإسلام، وحذَّر من المذاهب والنظريات الإلحادية والمادية كالشيوعية والوجودية والداروينية والعلمانية والقومية وغيرها، وبيَّن فسادها وضلالها.
ب- المخالِفون لمنهج السلف من المتكلمين والفلاسفة والصوفية وأهل الأهواء "العصرانيين" وغيرهم، بيَّن سيد قطب المأخذ عليهم، ونقد ما عندهم من أخطاء في باب العقيدة.
4- فيما يتعلق بمنهجه في باب مسائل الإيمان:
أ- يُقرِّر سيد قطب ما عليه أهل السنة والجماعة من تعريف الإيمان لغةً واصطلاحًا، وعلاقته بالعمل، وكذا العلاقة بين الإيمان والإسلام، وزيادة الإيمان ونقصانه، وكذا حكم مرتكب الكبيرة.
ب- فيما يتعلق بقضية التكفير وما ثار حولها من جدل تبيَّن لنا من خلال جمع النصوص المتعلقة بهذه القضية أن سيد قطب يُفرِّق بين الحكم على الأنظمة والأوضاع وبيَّن الحكم على الأفراد، وأن الذين اعتمدوا على بعض النصوص دون بعضها الآخر، أو على فقرات مجتزأة من سياقها، أو اغفلوا الضوابط التي ذكرت في سياق بعض النصوص فهِموا كلامه على غير ما أراد.
5- فيما يتعلق بمنهجه في باب التوحيد:
أ- يوافق سيد قطب ما عليه أهل السنة والجماعة في حقيقة التوحيد وشموله للألوهية والربوبية والأسماء والصفات، وإن كان له رأي في بيان معنى الألوهية والربوبية غير ما عليه السلف لكنه خلاف لفظي.
ب- في باب توحيد الربوبية يُقرِّر سيد منهج القرآن في الاستدلال على الربوبية وينتقد المناهج المخالفة في تقرير وجود الله ووحدانيته. كما انتقد نظرية قِدم العالم، وكذا وحدة الوجود والحلول والإتحاد، فيما يتعلق بالقدر يُقرِّر ما عليه أهل السنة في مسائل القدر عمومًا ويخالف ما عند المتكلمين والفلاسفة.
ج- في باب توحيد الأسماء والصفات: يثبت الأسماء الحسنى بمعانيها التي دلت عليها. ويثبت الصفات الإلهية إجمالًا ويرد على النفاة والمؤولين وإن وقع في بعض الأحيان في التأويل باعترافه نفسه وتراجعه عن التأويل. أما موقفه من الصفات تفصيلًا فقد كان في الغالب موافقًا لما عليه أهل السنة والجماعة إلا في قضايا قليلة محدده كما سبق.
د- في باب توحيد الألوهية اهتم سيد قطب كثيرًا ببيان منهج القرآن الكريم في تقرير توحيد الألوهية حيث بيَّن أن للألوهية ثلاثة مجالات:
أ- مجال الاعتقاد وهو: معنى لا إله إلا الله.
ب- مجال العبادة والشعائر.
ج- مجال الحاكمية والتشريع.
6- في باب نواقض التوحيد والإيمان ذكر سيد رحمه الله النواقض المتمثلة بالشرك وأنواعه، والكفر وأنواعه، والنفاق وهو في ذلك يُقرِّر ما جاء في القرآن الكريم والسنة الشريفة، مع اهتمامه كثيرًا ببيان شرك الحاكمية وما تفرَّع عنه باعتباره أبرز أنواع الكفر في هذا العصر، وعنه ينتج ما سواه.
7- فيما يتعلق بمنهجه في باب الملائكة والجن والشياطين يُقرِّر ما عليه السلف من وجودهم وصفاتهم وأعمالهم ويرد على المخالفين في هذا الباب.
8- فيما يتعلق بالأنبياء والرسل يُقرِّر أيضًا ما عليه السلف في هذا الباب من حقيقة النبوة وصفات الأنبياء ووظائفهم وعصمتهم وغير ذلك، ويرد على المخالفين في هذا الباب، وما يتعلق بكلام سيد حول موسى عليه السلام في بعض كتبه السابقة نجد أن له كلامًا مختلفًا في كتبه الإسلامية الأخيرة فيه تعظيم لموسى عليه السلام مما يدل على أن كلامه في التصوير الفني كان في مرحلة لها حكمها.
9- فيما يتعلق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم يُقرِّر سيد أهمية بعثته عليه السلام وحاجة العالم إليها وأثرها على البشرية، وكذا دلائل نبوته وصفاته وخصائصه ومعجزاته وبيناته، حيث يرى أن معجزة النبي صلى الله عليه وسلم هي القرآن الكريم وما سواه من الخوارق فإنما كان إكرامًا أو تثبيتًا له، ولم يكن خارقة على سبيل التحدي بها.
10- فيما يتعلق بالصحابة رضوان الله عليهم تحدَّث سيد قطب عن عظمة جيل الصحابة، وبيَّن مميزات هذا الجيل الفريد وخصائصه والواجب نحوهم، أما كلامه حول بعض الصحابة فقد تبَّين لنا أنه كان قبل التزامه أو في بداية تحوُّله نحو الإسلام، وأنه عدَّل ما جاء في كتابه (العدالة الاجتماعية) في الطبعة المنقَّحة قبل موته بسنتين، بالإضافة إلى أن في كتبه الأخيرة ما ينقضه.
11- فيما يتعلق بالخلافة يُقرِّر سيد قطب أهمية الخلافة الصالحة، ويستعرِض خصائص نظام الحكم في الإسلام، وكذا مكانة الحاكم المسلم وحقوقه وواجباته، ونظام الشورى وما يتعلق به، ونظرته للأنظمة المعاصرة ووسائل التغيير، حيث يُقرِّر أهمية بناء القاعدة الإسلامية في المجتمع كأساس للتغيير.
12- فيما يتعلق بالمعاد واليوم الآخر يبين سيد قطب رحمه الله أهمية اليوم الآخر وأثره في الحياة، كما تناول مقدِّمات اليوم الآخر من التوبة والموت وحياة البرزخ، وأشراط الساعة.. وكذا أحداث القيامة وما فيها حتى الاستقرار في الجنةأو النار، وله بعض الآراء التي خالف فيها القول الراجح عند أهل السنة والجماعة في هذا الباب مثل: رأيه في خروج يأجوج ومأجوج، والميزان.
والخلاصة:
نستطيع القول بأن سيد قطب رحمه الله كان إجمالًا في باب العقيدة موافقًا لما عند أهل السنة والجماعة مخالفًا للفرق المخالفة لهم، وأن الأخطاء التي وقع فيها سيد قطب في باب العقيدة تتمثل في الآتي:
أ- إما قضايا علمية خلافية كالموقف من حديث الآحاد، وقضية سحر النبي صلى الله عليه وسلم.
ب- أخطاء في كتبه الأدبية السابقة لالتزامه، أو في الكتب التي ألفها في بداية تحوُّله نحو الفكر الإسلامي وقبل تعمُّقه في الدراسات الإسلامية، في الطبعات المنقَّحة منها وكذا كتبه المتأخرة ما يخالِفها أو ينقضها.ج- إما كلام موهم أدبي حول بعض القضايا استنتج بعضهم منه أن سيد قطب يُقرِّر خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، ولكن يوجد له كلام آخرأكثر وضوحًا حول تلك القضايا، من أمثلة ذلك: القول بخلق القرآن، ووحدة الوجود، وتأويل الصفات ونحوها.
الأستاذ الدكتور/ صالح يحيى صواب أستاذ الدراسات القرآنية كلية الآداب - جامعة صنعاءالبريد الإلكتروني: drsawab@hotmail.com

أخطاء الحويني وفتاواه المثيرة للجدل.. السياق والأسباب

 أخطاء الحويني وفتاواه المثيرة للجدل.. السياق والأسباب




تحدثنا في مقال سابق عن المرحوم الشيخ أبي إسحاق الحويني، وعن جهوده في علم الحديث، حيث كان عالما مبرزا في دراسة أسانيد الحديث، ولكن بمجرد إعلان وفاة الحويني، وقد انهالت الدعوات بالرحمة والمغفرة، حتى خرجت أصوات تذكر الناس بآراء وفتاوى كانت مثيرة للجدل، حين صدرت من الحويني، واختلفت وجهات النظر فيها بعد وفاته، ما بين مبرر لها، لأنها صدرت من عالم بالحديث النبوي، وبين مخطئ لها، ولو كان من غير أهل الاختصاص العلمي، لموقف مسبق من الرجل.

ولست بحاجة للتذكير بتلك الفتاوى وعناوينها، فهي معروفة ومشهورة، ولكن الأهم هنا هو نقاش لماذا صدرت مثل هذه الفتاوى من الحويني؟ التي كانت لا تعبّر عن عقلية فقهية، بل تعبّر عن عقلية محدث، معني بعلم الحديث، ولذا لا ينفرد الحويني بها، بل هي سمات مشتركة بين كثيرين ممن يقتصر اهتمامهم العلمي على الحديث، ثم يتطرق للفتوى دون ارتكاز على أداوت المفتي والفقيه.
وبداية، فلم يكن من الذوق واللائق، أن يكون الحديث فور وفاته، عن سياق آخر، غير سياق الترحم، أو ذكر المآثر، ومن كان لديه حديث آخر، فله مجاله ووقته المناسب، وليس من المناسب وقت فجيعة المحبين له بوفاته، وبخاصة أن الدافع وراء الكلام لم يكن دافعا علميا، بل كان دافعه التعصب ضد الرجل، وهو ما كان من المنصفين معه، حيث إنهم أجلوا أي خلاف فكري معه، ولم يصدر عنهم سوى الترحم والحديث عن فضل الرجل العلمي.

الحويني رجل اهتم طوال حياته بعلم الحديث، وبخاصة دراسة الأسانيد، وهذا مجال أبدع فيه وأتقنه، وهو مجال لا يخلو من اختلاف بين مدارس دراسة الأسانيد، ولذا رأينا الخلاف بين علماء الحديث المعاصرين حول تصحيح أحاديث أو تضعيفها، فما يصححه الشيخ الألباني يضعفه الشيخ شعيب الأرناؤوط، وما صححه الشيخ أحمد شاكر يضعفه الألباني، وهكذا، ولو رحنا نحصي الخلاف القديم والمعاصر بين علماء الحديث في هذه المسائل ما استوعبتها مجلدات كبيرة، فهو اختلاف مدراس، بين من يتساهل في التصحيح، ومن يتشدد فيه.

أخطاء مدرسة لا شخص:

الأمر الآخر المهم هنا، أن أخطاء الحويني العلمية التي تتعلق بالفتوى والفقه، هو عامل مشترك بين كثيرين من أهل الحديث الذين اقتصر اهتمامهم على علم الحديث، ثم دخلوا عالم الفتوى، لمجرد عثورهم على حديث صحيح في مسألة، فراحوا يأخذون به، دون الرجوع لقواعد الفتوى وعلم الفقه، الذي لا يقف في التعامل مع الحديث عند صحته وضعفه، فلو كان الأمر يبدأ وينتهي عند وجود حديث نبوي، يحكم علماء الأسانيد بصحته، لما وجدت المدارس الفقهية والعلمية على مدار تاريخ الإسلام، وقد اختلفت مع وجود النصوص القرآنية والنبوية، لأن الأمر ليس بهذه السهولة.

فهي أخطاء مدرسة وتوجه، وندر من سلم منها، فالشيخ أحمد شاكر، وهو من القليلين في المعاصرين من جمع بين علم الحديث والفقه، حيث عمل قاضيا، ولكنه في بعض الأحيان يغلب عليه جانب المحدث، وهو ما يتضح في كتابه: (كلمة الفصل في قتل مدمني الخمر)، فهو يرى في كتابه أن شارب الخمر يقتل في المرة الرابعة، مستندا لحديث، ورد ضعيفا من طريق، ومن طرق أخرى، وصل إلى تصحيحه، بناء على منهج شاكر المتساهل في التصحيح، فخرج بذلك بحكم فقهي في مسألة هي بالأساس موضع خلاف بين الفقهاء، هل شرب الخمر عقوبتها حدية أم تعزيرية، لأنه لم ترد للخمر عقوبة دنيوية في القرآن الكريم، ومن عوقبوا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ووردت بشأنهم النصوص النبوية، لم تستقر على عقوبة معينة، فاختلف الفقهاء في عقوبة شارب الخمر، فإذا كان العقاب بالأساس موضع خلاف في الجلد، فكيف يخرج عالم معاصر بأن العقوبة تصل للقتل؟!

أزهريون أخطأوا أخطاء الحويني:

ولو رجعنا للحويني نفسه، سنجد المزالق نفسها، سنجدها عند أزهريين أيضا من علماء الحديث، فمسألة رضاع الكبير، لم يقل بها الحويني وحده، بل قال بها عالم أزهري كان رئيسا لقسم الحديث، وأذكر وقتها كنت أسأل شيخنا القرضاوي عن تعليقه على الموضوع، فقال لي: مال أهل الحديث والفتوى؟! مستنكرا ذلك، لأنه كتب أكثر من مرة عن ضرورة وصل الفقه بالحديث، وهو ما أسهب في بيانه الشيخ الغزالي أكثر من مرة معلنا: بأنه لا سنة من غير فقه.

والأمر نفسه ينطبق على التخصصات الأخرى، فقد وجدنا علماء أزهر كبار في تخصصهم، ولكنهم عندما دخلوا مجال الفتوى، وقعوا في أخطاء أثارت جدلا كبيرا حول ما صرحوا به، مثل الشيخ سيد طنطاوي فالرجل كان عالما بالتفسير من الكبار المتمكنين من تخصصهم، لكنه دخل مجال الفتوى في سياق خطر، وكان له علاقة بالسلطة، كفوائد البنوك وغيرها.

اشترك في
الأخبار العاجلة
تلقّ تنبيهات الأخبار العاجلة من الجزيرة فورا. ابق مطلعا على أهم العناوين من أنحاء العالم
البريد الالكتروني
اشترك الآن
عند قيامكم بالتسجيل، فهذا يعني موافقتكم على سياسة الخصوصية للشبكة
محمي بخدمة reCAPTCHA
والشيخ الشعراوي كان متمكنا في اللغة والتفسير، ولكنه دخل في مجال الفتوى في قضايا ذات إشكالية، مثل: زراعة الأعضاء، والموت الرحيم، والمشكل أنها لم تكن فتاوى صدرت منه عن بحث عميق، وطول تأمل، بل كانت في مقابلات تلفزيونية عاجلة، دون إعداد منه، وليس معنى ذلك رفض ما يصدر عن هؤلاء المشايخ في مجال الفتوى لعدم التخصص، إذ إن أي أزهري بحكم دراسته، فقد درس مذهبا فقهيا معينا، وغالب أسئلة الناس تأتي في عموميات متكررة، لكنها عندما تتعلق بمسائل شائكة، هنا ينبغي أن يقف المتناول لهذه القضايا عند تخصصه، أو يتريث كثيرا في القول فيها.

لكن بلا شك أن أخطاء المدرسة السلفية المعاصرة في عالم الفتوى كانت أفدح وأخطر من أخطاء أزهريين دخلوا الفتوى، ولم تكن تخصصهم الدقيق، وتعلقت فتاوى السلفيين بفتاوى حياتية وكبيرة وخطرة في الوقت ذاته، وزاد الأمر خطورة، أن بدأ شيوخ السلفية الحكم على ققهاء وعلماء ومدى قيمتهم الفقهية، بناء على تصوراتهم، وهي تصورات مبنية على علم الحديث فقط، وكان من هؤلاء الشيخ الحويني -رحمه الله-، فقد وصل به الحال أن قال منذ سنوات طويلة: القرضاوي لا يؤخذ منه فتوى، وكان كلما استند أحد لكتاب فقه السنة، تجد سلفيا يقول لك: لا تأتني بفقه السنة، إلا ومعه كتاب (تمام المنة) للشيخ الألباني، وهو كلام لا يتسم بالعلمية، وهو دليل اضطراب المنهج العلمي والفقهي لدى الإخوة السلفيين المعنيين بعلم الحديث وحده.

فالموضوع ليس محصورا أو مقصورا على الحويني، بل هي أخطاء علمية، تتعلق بمنهجية معينة في التعامل مع النصوص، وتغليب تخصص على تخصصات أخرى، لا يتزن المنهج العلمي دون تكامل هذه العلوم معا، فلا يمكن لفقيه أن يستقل بالفقه عن النصوص النبوية، ولا يمكن لمحدث أن يتعامل مع الحديث النبوي، مستقلا به عن أصول الفقه والتراث الفقهي الذي تعامل مع هذه النصوص، وصدقت في ذلك كلمة الشيخ الغزالي: المحدثون صيادلة، والفقهاء أطباء، وهو تشخيص وتلخيص للمهام العلمية بشكل موجز معبر عن خبرة حياة وعلم طويل.

لم نبتعد عن نقاش الحويني في كلامنا، لكننا فضلنا أن نناقش المنهجية التي لا تتعلق بشخص معين، بل تتعلق بشريحة متكررة، ليكون ذلك أجدى وأنفع علميا، وحتى تكون بعيدة عن الأشخاص تقديسا أو انتقاصا، وبما لا يغمط جهد من أخطأوا، ودون غض للطرف عن أخطائهم وعلاجها.

ورطة الشّيخ ربيع المدخلي مع سيّد قطب

 ورطة الشّيخ ربيع المدخلي مع سيّد قطب

يمثل الشيخ ربيع بن هادي المدخلي الذي تنسب تسمية المدخليّة أو المداخلة إليه، نموذج عداء الجاميّة المدخليّة لسيّد قطب الذي يمكننا دون مبالغة أن نصفه بأنه “عدوّ الجاميّة الأوّل”، ولكن هذا العداء الشرس أوقع الشيخ ربيع في ورطات تكشف عن الكثير ممّا يتلبس به هذا التيّار كلّه في التعامل مع الآخرين إرضاءً وتقديسًا لوليّ الأمر.

الورطة في الأمانة العلميّة

ألّف الشيخ ربيع كتابًا أسماه “أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره”؛ وقبل أن ينشره أرسله إلى الشّيخ بكر أبو زيد عضو هيئة كبار العلماء والمدرّس في المسجد النبويّ وتودّد إليه طامعًا في أن يكتب مقدّمةً وتقريظًا للكتاب الذي يترقّبه الأتباع على أحرّ من الجمر.

بعدَ فترةٍ يسيرةٍ ردّ الشّيخ بكر أبو زيد على طلب الشّيخ ربيع في رسالةٍ طويلةٍ جاء فيها:

“نظرت في أول صفحة من فهرس الموضوعات فوجدتها عناوين قد جمعت في سيد قطب رحمه الله، أصولَ الكفر والإلحاد والزندقة، القولَ بوحدة الوجود، القولَ بخلق القرآن، يجوزُ لغير الله أن يشرع، غلوّه في تعظيم صفات الله تعالى، لا يقبل الأحاديث المتواترة، يشكّك في أمور العقيدة التي يجب الجزم بها، يكفر المجتمعات؛ إلى آخر تلك العناوين التي تقشعر منها جلود المؤمنين.

وأسفتُ على أحوالِ علماء المسلمين في الأقطار الذين لم ينبّهوا على هذه الموبقات!!

وكيف الجمع بين هذا وبين انتشار كتبه في الآفاق انتشار الشّمس، وعامّتهم يستفيدون منها، حتى أنتَ في بعض ما كتبت!!

عند هذا أخذت بالمطابقة بين العنوان والموضوع، فوجدت الخبر يكذّبه الخبر، ونهايتها بالجملةِ عناوين استفزازيّة تجذب القارئ العادي، إلى الوقيعة في سيّد رحمه الله، وإنّي أكره لي ولكم ولكلّ مسلم مواطن الإثم والجناح، وإنّ من الغبن الفاحش إهداء الإنسان حسناته إلى من يعتقد بغضه وعداوته.

ويتابع قائلًا: “نظرتُ فوجدت هذا الكتاب يفتقد: أصـول البحث العلمي، الحيدة العلمية، منهج النّقد، أمانة النقل والعلم، عـدم هضم الحق؛ أما أدب الحوار وسمو الأسلوب ورصانة العرض فلا تمتّ إلى الكتاب بهاجس”.

كما يقول في إحدى الفقرات: “لقد اقشعرّ جلدي حينما قرأت في فهرس هذا الكتاب قولكم “سيد قطب يجيز لغير الله أن يشرع”، فهرعت إليها قبل كل شيء فرأيت الكلام بمجموعه نقلاً واحدًا لسطور عديدة من كتابه “العدالة الاجتماعية” وكلامه لا يفيد هذا العنوان الاستفزازي، ولنفرض أنّ فيه عبارة موهمة أو مطلقة، فكيف نحوّلها إلى مؤاخذة مكفّرة، تنسف ما بنى عليه سيّد حياته ووظّف له قلمه من الدّعوة إلى توحيد الله تعالى في الحكم والتشريع ورفض سنّ القوانين الوضعية والوقوف في وجوه الفعلة لذلك”.
وقع الرّدّ المفاجئُ لربيع المدخلي على نفسه كالصّاعقة ومع ذلك ألقاه وراء ظهره وطبع الكتاب ونشره، ثمّ سلّط قلمه واستنفر أتباعه في الردّ على الشّيخ بكر أبو زيد والوقيعة به ونعته بأبشع الأوصاف وهو الذي كان يتودّد له ويستجديه قبل أيّامٍ ليزيّن صدر كتابه بمقدّمةٍ منه.

الورطة في الهياج النفسي والتهييج الفاقد للتوازن

لقد كشف تعامل الشّيخ ربيع المدخلي مع سيّد قطب بشكل جليّ عن تحكيم الأحقاد الضيّقة وفقدان التوازن تحت وطأة الهياج غير العقلاني والتهييج الذي يتمّ إلباسه ثوب الذّود عن الشريعة وعقيدة التوحيد.

من الكتب التي ألّفها الشّيخ ربيع “مطاعن سيّد قطب في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم”، ويقول فيه مبينًا دوافعه لتأليف الكتاب:

“إصرار المشرفين على تراثه، وعلى رأسهم محمّد قطب، على طبع كتبه والإلحاح على ذلك، بحيث يطبع كلّ كتاب من كتبه المرّات العديدة، فهذا “الظلال” الذي جمع فأوعى من ألوان البدع الشّيء الكثير، وقد طبع سبع عشرة مرة، وهذا كتاب “معالم في الطريق” قد طبع خمس عشرة مرّة، وهذا كتاب “العدالة الاجتماعيّة” قد طبع اثنتي عشرة طبعة، وهناك طبعات أخرى غير شرعيّة لهذا الكتاب.

وهكذا سائر كتبه مع ما حوته من باطل وبدع عظيمة حظيت بما لم تحظَ به مؤلّفات أئمّة الإسلام الكبار كالإمام أحمد والبخاري ومسلم وابن حبان والدّارقطني وابن تيمية وابن القيّم والذّهبي وابن عبد الوهاب وغيرهم من أئمة الإسلام، وما ذلك إلّا نتيجة التّدليس على الأمّة، والدّعايات الضّخمة لترويج هذه الكتب وأمثالها وترويج ما فيها من عقائد وأفكار”.

واليسير من النظر في كلام الشيخ ربيع يجد ما يشبه التصريح بأنَّ القضيّة عنده ليست في الرّدّ على ما أسماها مطاعن سيّد قطب في الصّحابة الكرام، بل إن المراد هو نقض كلّ ما كتبه سيّد قطب بل تهديم وتحطيم سيّد قطب نفسه، لدرجة أنّ الشيخ ربيع لم يستطع كتم غضبه وحنقه من انتشار كتب وأفكار الأستاذ الشّهيد.

وقد أسهب الشيخ ربيع في تسطير الكتب عن سيّد قطب في محاولات نقضه؛ فمن مؤلّفاته أيضًا كتاب “نظرة سيد قطب إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم”، وكتاب “نظرات في كتاب التصوير الفني في القرآن الكريم لسيد قطب”، وكتاب “العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم”، وكتاب “الحدّ الفاصل بين الحقّ والباطل”، وكتاب “ينبوع الفتن والأحداث الذي ينبغي للأمة معرفته ثمّ ردمه”.

وقد كان الهياج وفقدان التوازن النفسي ظاهرًا في عموم ما كتبه في سيّد قطب، حتّى إنّ الشيخ بكر أبو زيد في رسالته له حول “أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره” يقول: “إن الكتاب من أوله إلى آخره يجري على وتيرة واحدة وهي أنه بنفس متوترة وتهييج مستمر، ووثبة تضغط على النّص حتى يتولّد منه الأخطاء الكبار، وتجعل محل الاحتمال ومشتبه الكلام محل قطع لا يقبل الجدال؛ وهذا نكث لمنهج النقد؛ الحيدة العلمية”.

ويقول: “لقد طغى أسلوب التهييج والفزع على المنهج العلمي النقدي، ولهذا افتقد الرد أدب الحوار، في الكتاب من أوله إلى آخره تهجم وضيق عطن وتشنج في العبارات فلماذا هذا؟”.

إنّ ورطة الشيخ ربيع المدخلي مع سيد قطب تكشف عن ورطة المدخليّة الجاميّة مع خصومها ومخالفيها، وفقدانها المنهج العلمي والتوازن النفسي والارتكاز على الهياج والتهييج، ويأتي كلّ هذا إنفاذًا للعصبيّات الضيّقة وإرضاءً لوليّ الأمر.

أين الله تعالى ممّا يجري للمظلومين والمضطهدين؟ لماذا لا يتدخّل؟

 أين الله تعالى ممّا يجري للمظلومين والمضطهدين؟

لماذا لا يتدخّل؟
إذا اشتدّت الأزمات، وطغى الظّلم، واستعلى الجور، وتناثرت الأشلاء تحت ركام البيوت المقصوفة، وعلت السّياط بأيدي الجلّادين، ونهشت لحم المعتقلين، وتأرجح الرّجال على أعواد المشانق، وارتفعت الاستغاثات من الحرائر في أقبية التّحقيق؛ تفجّر في عقول الكثيرين وعلى ألسنتهم سؤال: أين الله تعالى؟ لماذا يتركنا للظالمين؟ ويترك المجرمين والمستبدّين ينكّلون بنا؟ لماذا لا يتدخّل لأجل عباده المظلومين المضطهدين؟

من الطّبيعيّ أن يستنزل المظلومون النّصر، ويستبطئون حدوثه، فتتمّ المعالجة بتعزيز اليقين بالله تعالى وبأنّ النّصر قادمٌ ولو طال الأمد، وهذا حدث في خير القرون عصر النبيّ صلى الله عليه وسلّم عندما ذاق أصحابه أصناف العذاب فجاءه خبّاب رضي الله عنه يسأله عن تأخّر النصر.

ففي صحيح البخاري عن خباب رضي الله عنه قال: “شَكَوْنا إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الكَعْبَةِ فَقُلْنا: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا ألا تَدْعُو لَنا؟ فقالَ: قدْ كانَ مَن قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ له في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فيها، فيُجاءُ بالمِنْشارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، ويُمْشَطُ بأَمْشاطِ الحَدِيدِ، ما دُونَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ، فَما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، واللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هذا الأمْرُ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخافُ إلَّا اللَّهَ، والذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ”.

وكذلك بيّن الله تعالى في كتابه في سورة البقرة أنّ المؤمنين حين تمسّهم البأساء والضرّاء يستبطؤون النصر فيأتيهم تعزيز اليقين بقربه: “أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ”

وهذا السّؤال عن النّصر يبقى في دائرة الطبيعيّ الذي يحتاج إلى تعزيز اليقين بالنّصر وفهم سنن الله تعالى في الأفراد والأمم وحركة التّاريخ.

وهذا في الحقيقة يختلف عن السّؤال الذي يتصاعد اليوم متسائلًا عن تدخّل الله تعالى، وعدم رؤية أفعاله في إغاثة المظلومين، وهو يستبطن بشكلٍ أو آخر معنىً من معاني عدم الرّضى عن الله تعالى، وتفكيكُ هذا السّؤال والإجابة عنه يكون في النّقاط الآتية:

ماذا قال لنا الله تعالى عن حياتنا الدّنيا وشكلها؟
قد يكون السؤال “أين الله تعالى ممّا يجري للمظلومين والمضطهدين؟ لماذا لا يتدخّل؟” صائبًا وفي محلّه لو أنّ الله تعالى عندما خلقنا بيّن لنا أنّنا سنعيشُ حياةً مِلأَها المسرّات والرّاحة والبعد عن المشاقّ، وأنّها حياةٌ مفروشةٌ بالأزاهير لا اختبارات فيها ولا ابتلاءات ولا عقبات.

لو أنّ الله تعالى أخبرنا أنّ حياتنا ستكون على هذه الحال لكان من الطّبيعيّ أن نسأل قائلين: يا الله لقد وجدنا حياتنا على غير ما أخبرتَنا وأبلَغتنا فلماذا لم تتدخّل لأجلنا؟ وأين أنتَ ممّا نعانيه ويجري لنا من المصاعب والشّدائد؟

لكنّ الواقع والحقيقة هي أنّ الله تعالى عندما خلقَنا بيّن لنا أنّ حياتنا ستكون مفروشةً بالمشاق، وكلّها تعبٌ وشدائد، ألم يقل الله تعالى في سورة البلد: “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ”؟

وكذلك بيّن الله تعالى أنّ هذه الحياة ميدان اختبارٍ وكشف الحقائق والادّعاءات، فهي ميدان “الفتنة” والفتنة في أصل اللّغة عرض الذّهب والفضّة على النّار لاختبار أصالتهما وتنقيتهما من الزّيف، وأصبح معنى الفتنة بعد ذلك يطلق على الابتلاء والاختبار، فيقول ابن فارس في “معجم مقاييس اللّغة”: “الفاء والتّاء والنّون أصلٌ صحيحٌ يدلّ على الابتلاء والاختبار”
وقد بيّن الله تعالى في سورة العنكبوت أنّ الابتلاء والاختبار هو نصيب كلّ من أعلن إيمانه لاختبار صدقه وتمييز الصّادقين من الكاذبين؛ فقال عزّوجلّ: “أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ”.

فبدون الاختبارات والشّدائد يمكن لكلّ أحدٍ أن يدّعي الإيمان والثّبات والصّلاح ورسوخ اليقين ويطالب باستحقاق النّجاح والفلاح في الآخرة.

وكذلك بيّن الله تعالى في سورة الفرقان أنّه خلق الخلق لاختبارهم بعضهم ببعضٍ، فقال: “وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا” فأهل الحقّ وأهل الباطل اختبارٌ بعضهم ببعض، والظالمون والمظلومون اختبارٌ بعضهم ببعض، والفقراء والأغنياء اختبارٌ بعضهم ببعض، والأقوياء والضّعفاء اختبار بعضهم ببعض، والحكّام والمحكومون اختبارٌ بعضهم ببعض وهلّم جرًّا.

كما بيّن الله تعالى في سورة البقرة أنّ هذه الحياة موطن اختبار وابتلاء في خسارة الأموال وإزهاق الأنفس وتدمير الأرزاق وفقدان الأمن؛ فقال تعالى في سورة البقرة: “وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ”.

إنّ إخبار الله تعالى عباده بحقيقة هذه الدّنيا يهدفُ إلى توطين أنفسهم على فهم طبيعة الحياة الدّنيا وأنها موضع مشقّة وتعب وشدائد وميدان اختبار وابتلاء، وأنّ عليهم استقبال الشّدائد بمنطق أنّها اختبارات عليهم أن ينجحوا فيها، فإن حلّ بهم ابتلاء ازدادوا يقينًا بالله تعالى لأنّه أخبرهم من قبل أنّ هذه الشّدائد هي ما سيلاقيهم.

وقد ضرب الله تعالى لنا في كتابه الكريم نموذجًا على هذا المعنى بأصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلّم عندما رأوا الأحزاب الذين تجمّعوا من كلّ مكان لقتالهم؛ فإنّ هذا زادهم إيمانًا لأنّهم كانوا قد وطّنوا أنفسهم على ما أخبرهم الله تعالى به من حقيقة هذه الدّنيا وأنّها موطن مواجهة بين الحقّ والباطل وصراع بين الطّغيان والعدل، فقال تعالى في سورة الأحزاب: “وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا”

السّؤال المقلوب
دعني أضرب لك مثالًا ثمّ ننعتق من تفاصيله إلى المشهد الأعم: ولله تعالى المثل الأعلى، لو أنّك كنت مدرّسًا في غرفة صفيّة، فقلت لطلّابك: سأجري لكم اختبارًا على الشّكل الآتي: زيدٌ قويّ وحاكمٌ وهو كذلك متجبّر ولا يعرف قلبه الرّحمة، وعمرو شاب طيّب ولطيف ولا يملك القوّة، والاختبار هو أن نرى ماذا سيفعل زيد بقوّته تجاه عمرو وماذا ستكون ردّة فعل عمرو وماذا سيكون موقف بقيّة الطلّاب، وأنا سأراقبكم في هذا الاختبار لأعطيكم النّتائج في نهاية الاختبار.

فبدأ زيد يعاقب عمرو ويعذّبه ويتطاول عليه ويقهره ويؤذيه، وبقيّة الطلّاب لم يفعلوا شيئًا سوى أنّهم بدؤوا يقولون لك وأنت المدرّس الذي أعطاهم الاختبار: أين أنت يا أستاذنا؟ لماذا لا تتدخّل لإنقاذ عمرو المظلوم وقصم ظهر زيد الظّالم؟ وبدأ عمرو يقول لك: أين أنت يا أستاذ ممّا أعانيه؟

لا بدّ أنّك ستجيبهم: سؤالكم هذا مقلوب، فأنتم في موضع الاختبار ولست أنا، وأنا من أسألكم أين أنتم؟ وماذا فعلتم وكيف تصرّفتم في هذا الاختبار؟

أجل؛ إنّ السؤال “أين الله تعالى ممّا يجري للمظلومين والمضطهدين؟ لماذا لا يتدخّل؟” هو سؤال مقلوب لأنّه يجعل الله تعالى في موضع الاختبار ونحن من نسأله، والحقيقة أنّ ما يجري من مظالم وشدائد إنّما هو اختبارٌ حقيقيّ لكلّ أركان المشهد على السّواء؛ من قام بالفعل الظالم، ومن وقع عليه الظّلم ومن شاهدوا الظّلم الواقع على غيرهم وعاينوه.

نحن جميعًا في هذه الدّنيا في قاعة اختبار، وقد أخبرنا الله تعالى أنّه يرى ولا يغفل عن أفعالنا ونحن في قاعة الاختبار، كما أخبرنا تعالى أنّ الاختبار مستمرّ وينتهي بالموت، وأنّ النّتائج وتوزيع الشّهادات سيكون في يوم القيامة الذي يمثّل الإيمان به نقطةً من أهمّ نقاط تفكيك السّؤال المطروح.

العلاقة بين هذا السّؤال والإيمان باليوم الآخر
سيكون السّؤال “أين الله تعالى ممّا يجري للمظلومين والمضطهدين؟ لماذا لا يتدخّل؟” محقًّا لو أنّ الله تعالى أخبرنا أنّ تدخّله لمعاقبة الظالمين والانتقام من الطغاة والمجرمين سيكون في هذه الحياة الدّنيا، لكنّ الأمر على خلاف ذلك تمامًا.

فقد جعل الله تعالى الإيمان باليوم الآخر من أركان الإيمان التي لا يصحّ الإيمان إلّا بها، وأخبرنا بكلّ وضوح أنّ حساب الظالمين سيكون في ذلك اليوم، ونبّهنا ألّا نظنّ أنّه تعالى غافلٌ عنهم إن لم نرَ حسابهم في الحياة الدّنيا؛ فقال تعالى في سورة إبراهيم: “وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ”

كما نبّه ربّنا تباركم وتعالى إلى أنّ العقاب لن يكون معجّلًا في الدّنيا بل مؤخّرًا إلى يوم القيامة، وذلك حتّى لا يستعجل المستعجلون فيسألون كلّما رأوا طاغيةً يستعلي ويفتك بالخلق؛ لماذا لا يعجّل الله انتقامه منه في الدّنيا؟ فقال تعالى في سورة فاطر: “وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا” وقال جلّ وعلا في سورة النّحل: “وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ”.

إنّ إيماننا باليوم الآخر وأنّ حياتنا الدّنيا لا تساوي إلّا شيئًا يسيرًا لا يذكَر أمام حياتنا الباقية في الآخرة التي ندخلها عبر الموت الذي ما هو إلّا بوابة ننتقل من خلالها من قاعة الاختبار المؤقّت إلى قاعة توزيع الشهادات وإعلان النّتائج والحياة الخالدة؛ يجعل نفوسنا تطمئنّ، ونزداد طمأنينةً لأنّ هذا الاختبار يجريه ملك الملوك المطّلع على كل دقائق وتفاصيل ما يجري لنا، وأنّنا إن تعامَلنا كما أمرنا تعالى في الشّدائد والاختبارات بدفع الظّلم ومجابهته، والصبر على الابتلاء، والرضا عن الله تعالى والرضا بقضائه ستكون النّتائج مبهرةً من حيثُ فوزنا وخسارة المجرمين.

وهناك صنفان عند إعلان النّتائج يوم القيامة؛ ناجحون وراسبون، وأمّا الرّاسبون فمنهم من تجبّروا على الخلق وظلموهم بسبب سلطانهم وأموالهم وجاههم فلم يغنِ عنهم ذلك من الله شيئًا؛ كما بيّن الله تعالى في سورة الحاقّة: “يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ *وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ”.

إنّ الإنسان إذا ركّز نظره في اللّحظة القاتمة التي يعيشها والظّلم الواقع عليه سيعيشُ حالةً من الإحباط والشّعور بالتّخلّي لأنّه سيرى أنّها نهاية المطاف، لكنّه لو نظرَ إلى ما وراء الواقعة وإلى ما بعد مشهد الظّلم وما سيكون بعد هذه الحياة الدّنيا ستطمئنّ نفسُه؛ فالإيمان باليوم الآخر يجعل نفوس المظلومين والمقهورين توقن أنّ الانتقام لهم قادمٌ ممن ظلمهم، وأنّ المنتقم هو القهّار، وتستشعرُ نعمة خلق جهنّم التي أعدّها الله للظّالمين كما في سورة الكهف: “إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا” كما تترقّب قلوبهم وأرواحهم التلذّذ بنعيم ذلك اليوم الذي لا ظلم فيه أبدًا كما قال الله تعالى في سورة غافر: “الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ”، “وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا”.