تمهيد
من أكثر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين التيار المدخلي وغيره من الاتجاهات الإسلامية مسألة المشاركة السياسية والانتخابات. وقد اشتهر الخطاب المدخلي في العقود الأخيرة بتشديده في هذه المسألة، بل جعلها أحيانًا معيارًا للحكم على الجماعات الإسلامية.
غير أن الرجوع إلى فتاوى كبار علماء المدرسة السلفية يكشف أن كثيرًا منهم أجازوا المشاركة السياسية بضوابط، ورأوا أن الانتخابات قد تكون وسيلة لدفع الشر وتقليل المفاسد، واختيار الأصلح أو الأقل ضررًا عند تعذر الوصول إلى الحكم الكامل بالشريعة.
وفيما يأتي عرض مختصر لأقوال أبرز هؤلاء العلماء.
أولاً: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني
يرى الشيخ الألباني التفريق بين الترشح والتصويت:
- لا ينصح المسلم بترشيح نفسه لدخول البرلمانات التي لا تحكم بالشريعة.
- لكنه إذا وُجد مرشحون إسلاميون، فإنه يرى وجوب اختيار أصلحهم حتى لا يترك المجال للشيوعيين والعلمانيين وغيرهم.
- كما أجاز خروج المرأة للتصويت مع الالتزام بالضوابط الشرعية، وعدّ ذلك من باب ارتكاب أخف الضررين ودفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى.
ثانياً: الشيخ عبد العزيز بن باز
أجاز الشيخ ابن باز دخول المجالس النيابية إذا كان المقصود:
- نصرة الحق.
- الدعوة إلى تحكيم الشريعة.
- مقاومة الباطل.
- منع خلو هذه المجالس من أهل الخير.
كما أجاز استخراج بطاقة الانتخابات والتصويت للدعاة والصالحين إذا كان المقصود تأييد الحق.
ثالثاً: الشيخ محمد بن صالح العثيمين
من أكثر العلماء تصريحًا بوجوب المشاركة عند تحقق المصلحة.
فقد قال:
"أنا أرى أن الانتخابات واجبة، يجب أن نعين من نرى أن فيه خيرًا."
وبيّن أن ترك الانتخابات يؤدي إلى وصول أهل الشر أو من لا يحملون مشروعًا إسلاميًا، وأن وجود عدد قليل من أهل الحق داخل البرلمان خير من خلوه منهم.
كما أجاز الدخول في البرلمانات مع نية الإصلاح، واعتبر تركها للسفهاء والعلمانيين تفريطًا.
رابعاً: الشيخ عبد الله بن جبرين
فرّق بين الأحوال:
- فلا يجوز انتخاب الكافر على المسلمين.
- ويجوز اشتراك المسلم في مؤسسات الحكم إذا كان ذلك يخفف الظلم عن المسلمين ويحقق بعض مصالحهم عند تعذر الوصول إلى الوضع الكامل.
واستند إلى قاعدة:
"ما لا يدرك كله لا يترك جله."
خامساً: الشيخ عبد الرحمن البراك
من أكثر العلماء توسعًا في تقرير هذا الأصل.
فقد:
- أفتى بالمشاركة في الانتخابات العراقية.
- وأجاز مشاركة المرأة مع الالتزام بالضوابط الشرعية.
-
وأكد أن المشاركة تحقق قاعدة:
- دفع أعظم المفسدتين.
- تحصيل خير الخيرين.
- كما دعا المسلمين في مصر بعد ثورة يناير إلى المشاركة في صياغة الدستور والانتخابات.
- ووجّه رسائل مشابهة إلى أهل تونس يحثهم فيها على انتخاب من يوالي الإسلام.
سادساً: الشيخ عبد المحسن العباد
قرر أن المشاركة تكون بحسب المصلحة:
- فإن كانت ترجح جانب الأصلح للمسلمين شاركوا.
- وإن لم تحقق أثرًا فلا معنى لها.
- وإذا دار الأمر بين مرشحين كلاهما غير مسلم، وكان أحدهما أقل ضررًا على المسلمين، جاز ترجيحه دفعًا للأشد بالأخف.
سابعاً: الشيخ صالح الفوزان
ذكر أن المشاركة في البرلمانات جائزة إذا ترتب عليها:
- مصلحة للمسلمين.
- تقليل الشر.
- تحقيق بعض المصالح.
- السعي لإصلاح الأنظمة.
مع اشتراط عدم الإقرار بالكفر أو التنازل عن ثوابت الدين.
ثامناً: اللجنة الدائمة للإفتاء
قررت اللجنة أنه:
- لا يجوز الترشح لمجرد الالتحاق بحكومة تحكم بغير الشريعة.
- لكن يجوز إذا كان المقصود العمل على تحويل الحكم إلى الشريعة، وكانت المشاركة وسيلة لتحقيق ذلك.
- كما أوجبت مساعدة الحزب الذي يسعى لتحكيم الشريعة، وحرمت إعانة من يدعو إلى الحكم بغيرها.
تاسعاً: الشيخ عبد الرحمن السعدي
قرر في تفسيره أن المسلمين إذا كانوا تحت حكم غير المسلمين، وتعذر الوصول إلى الدولة الإسلامية الكاملة، فإن السعي إلى نظام يحقق لهم قدرًا من الحرية الدينية ويحفظ مصالحهم أولى من الاستسلام لنظام يستأصل دينهم ودنياهم.
عاشراً: الشيخ أحمد محمد شاكر
دعا إلى العمل السلمي والدستوري لإقامة الشريعة، وصرح بأن الطريق إلى ذلك يكون عبر:
- الدعوة.
- إقناع الأمة.
- خوض الانتخابات.
- الفوز بالأغلبية البرلمانية.
- ثم سن القوانين المستمدة من القرآن والسنة.
وقال عبارته المشهورة:
"ولئن فشلنا مرة فسنفوز مرارًا."
خلاصة
تُظهر هذه النقول أن عددًا من كبار علماء المدرسة السلفية لم يروا المشاركة السياسية أو الانتخابات محرمة بإطلاق، بل أجازها كثير منهم بضوابط شرعية، أهمها:
- أن تكون بقصد نصرة الدين.
- وأن تحقق مصلحة راجحة أو تدفع مفسدة أعظم.
- وأن يُختار الأصلح أو الأقل ضررًا عند تعذر الوصول إلى الكمال.
- وألا يترتب عليها إقرار للباطل أو تنازل عن أصل من أصول الدين.
وفي المقابل، اختلف هؤلاء العلماء في بعض التفاصيل، مثل حكم الترشح ابتداءً أو مدى اتساع المشاركة، لكنهم اشتركوا في اعتبار المصلحة الشرعية وقاعدة ارتكاب أخف الضررين من أهم الضوابط في هذه المسألة.