كتاب الإمام ابن الجوزي -رحمه الله- "أخبار الحمقى والمغفلين" ليس مجرد كتاب تراثي مضحك، بل هو مرآة نحتاج أن نجدد محتواها كل خمسين عاماً! فالقوالب تتغير، والحمقى يتجددون، لكن الكارثة الحقيقية هي في "نوعية الحمق" بين الماضي والحاضر.
أن حمقى الماضي كان حمقهم مقتصراً عليهم، أما حمقى اليوم فقد تحولوا إلى "مصنع لإنتاج الغفلة" باسم العلم والدين! إنهم لا يمارسون السذاجة بل يفرضونها كـ "منهج" ويصنعون قطيعاً يقتدي بهم.
إذا أردنا إسقاط هذا التوصيف على المشهد الديني المعاصر، فلن نجد نموذجاً يجسد "صناعة الحمق والغفلة باسم العلم" مثل التيار المدخلي (السلفية الجامية)، وذلك لعدة أسباب:
يركز هذا التيار بشكل هائل على الشكليات والمظاهر (شكل اللحية، طول الثوب، النبرة المشيخية). والمفارقة التاريخية هنا أن الإمام ابن الجوزي نفسه أفرد في كتابه باباً في علامات الحمق، ونقل فيه نصاً: «مَن طالت لِحيَتُهُ فوقَ قَبضةٍ، فذلِكَ دَليلٌ على نَقصِ عَقلِهِ»، ونقل عن الحكماء طريقتهم في ربط طول اللحية الزائد عن الحد برطوبة الدماغ التي تُنقص العقل!
واليوم نرى هذا الحمق متجسداً؛ حيث يُقدّم الشخص ويُعتبر "عالماً ربانياً" لمجرد طول لحيته وهندامه، بينما مخبره الفكري فارغ تماماً من أي وعي أو فقه حقيقي.
باسم "العلم الصافي"، يتم تجريف عقول الشباب واختزال الدين كله في قوالب جامدة وأقوال مشايخ محددين. لا يُعلَّم الشاب كيف يفكر، بل يُساق ليطيع طاعة عمياء، فيظن أنه يحمل التوحيد، وهو في الحقيقة يعيش في غفلة تامة عن مقاصد الشريعة.
هذا التيار يملك منصات، وقنوات، ولجان إلكترونية منظمة. وظيفتها الأساسية هي "إعادة إنتاج الغفلة". يُدفع الشباب للاقتداء بهؤلاء، والنتيجة؟ صناعة جيل مستعد لمعاداة مجتمعه، وتبديع وتفسيق كبار علماء الأمة، بناءً على "فتوى" من شيخ التيار.
باسم "طاعة ولي الأمر" المطلقة (حتى لو جلد ظهرك وأخذ مالك)، يمارس هذا التيار عملية "تخدير وتغفيل" ممنهجة للشعوب. هم يحولون المجتمع إلى كتلة فاقدة للأهلية والنقد، ويسوقون لحمق سياسي مفاده أن الحاكم معصوم من النقد، بينما الأمة كلها مستباحة ومبتدعة!
كتاب ابن الجوزي كان يُضحكنا على المغفلين في زمانه.. أما "مداخلة اليوم" فيبكوننا على مصير أمة يُختطف وعي شبابها باسم الدين، ليتحولوا إلى أدوات طيعة في يد منظومة تجهيل كبرى، ترتدي عباءة السلف.. والسلف الصالح منهم براء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق