الأحد، 19 يوليو 2026

من هم المداخلة؟ قراءة في المنهج والواقع

 من هم المداخلة؟ قراءة في المنهج والواقع


يُثير مصطلح "المداخلة" الكثير من التساؤلات في الساحة الإسلامية المعاصرة. وحقيقتهم أنهم حزب ضال يدعي أنه "الفرقة الناجية" على نهج السلف الصالح، بينما هم أبعد ما يكونون عنهم. لا هُم سلفيون حقيقةً ولا هُم مدرسة فكرية إسلامية أصلاً، بل عقيدتهم في مجملها قائمة على الإرجاء المعاصر؛ فهم "مخابرات بلِحي" أنشأتها بعض الحكومات والأجهزة الأمنية لتسليطهم على خصومهم من العلماء، والدعاة، والمصلحين.
ولفهم هذا التيار بدقة، يمكن تفكيك بنيته المنهجية والسلوكية إلى النقاط التحليلية التالية:
1. صناعة استخباراتية وتوظيف سياسي
قادة هذا التيار هم صنيعة أجهزة المخابرات، جرى توظيفهم لترسيخ الرضا المطلق بحكام البلاد وسياستهم، والدعوة إلى طاعتهم على كل حال مهما بلغ ظلمهم وطغيانهم، بل حتى وإن كان الحاكم علمانياً يحارب مبادئ الإسلام عياناً جهاراً نهاراً!
ومن مفارقاتهم المخزية أنهم يساندون كل علماني، أو ليبرالي، أو باطني، وكل من انغمس في الكفر معتقداً أو عملاً، وفي المقابل يحاربون كل من سعى لرفع راية إسلامية أو إصلاحية بحجة أنهم "مبتدعة".
لقد أثبتت الوقائع وقوعهم في تناقض صارخ؛ فبينما يرفعون شعار طاعة ولاة الأمر، يقعون في نقيض ذلك بفتواهم الضالة التي تسببت في فتح الذرائع للتدخلات الخارجية وتدمير بلدان كالعراق، وصولاً إلى التحريض وسفك الدماء وإشعال الحروب في ليبيا. ومؤخراً، بعد أن حوصروا بالحجج، بدأوا يقولون على استحياء: "المدخلي بشر يخطئ ويصيب"، لكنه قول باللسان فقط، إذ لا يجرؤ أحد منهم على إدانة تلك المجازر، مما يجعل حديثهم مجرد أسلوب من أساليب اللف والدوران.
2. التمسح بالعلماء وتطويع النصوص واصطياد الشباب
يستغل المداخلة سذاجة الشباب الحريص على الالتزام والسنة ممن لا حصانة علمية أو عقدية رصينة لديهم، فيغررون بهم ويكثرون بهم سوادهم لينشروا فكرهم "المَخْرَجِيْ". وينخدع بهم هؤلاء الشباب لأنهم يتحلون بالسمت الإسلامي الظاهر، وتنطبق عليهم الآية الكريمة: •{ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ }•.
وهم يتمسحون بكبار العلماء ويلصقون لهم تسجيلات قديمة، أو يقتطعون من أقوال أهل العلم وقواعدهم ما يوافق هواهم؛ فيقدسون تلك القواعد أياماً، ثم يأكلونها عند الجوع أياماً أخرى كـ "صنم العجوة" عند عبدة الأوثان، فضلاً عن تحويلهم الخلافات الفقهية السائغة إلى معارك عقدية لا يمكن نقاشها.
3. الغلو في الأشخاص وبدعة "التزكية الاستدلالية"
يقدس المداخلة شيوخهم تقديساً أعمى ويحتكرون الحق فيهم، ويوالون ويعادون في الشيخ (ربيع المدخلي) ويمتحنون الناس بالأشخاص. يتحدث مشايخ هذا التيار كثيراً عن حرمة الغلو في الأنبياء والصالحين، لكن واقعهم يفيض بالتعصب الأعمى لشيخهم، فتخطئته عندهم "خط أحمر" يوجب التبديع والإقصاء، حتى غدا لسان حالهم يظن عصمته.
ومن بدعهم المستحدثة أنهم يعتبرون "التزكية" دليلاً مستقلاً يقدم على الحقائق؛ فلا يؤخذ العلم عن أحد إلا من زكّاه شيوخهم، فإذا أثبتّ بالدليل العلمي أن ربيع المدخلي لديه إرجاء أو يفتقر لبعض العلوم، لم يناقشوك بالدليل، بل قالوا: "لقد زكّاه فلان!".
4. الغلو في التبديع وإسقاط أهل الفضل
فرّ المداخلة من الغلو في التكفير فوقعوا في الغلو في التبديع؛ فالأصل عندهم في العلماء والدعاة وطلبة العلم هو "البدعة" والضلال، إلا من بيّن شيوخهم أنه من أهل السنة! وما تركوا عالماً أو داعية أو عاملاً في الحقل الدعوي إلا واغتابوه وبدّعوه بحجة "الدفاع عن السنة"، وأسقطوا هيبته عند الناس فلا يذكرون عنه إلا السوء مهما كانت خدمته للإسلام والمسلمين.
وفي المقابل، تجدهم ينافحون عن كل محارب لشريعة الرحمن ويؤولون صريح كفره وفسقه بعجائب من الهذيان! ولما فرغوا من العلماء والدعاة ولم يجدوا أحداً يهاجمونه، ارتدت سهامهم إلى صدورهم، فبدعوا أنفسهم وانقسموا وتطاحنوا بين "صعفوق ومصعفق".
5. التشويه، الفظاظة، والتقرب بالدياثة الأمنية
يتصف المداخلة بالفظاظة والغلظة وسوء الأخلاق، ويسيؤون الظن بكل ملتزم إلا من والاهم واتبع طريقتهم. ولهم أصل خبيث؛ وهو أنهم إذا ألصقوا بمخالفهم قولاً هو بريء منه ويعلن براءته منه، أصروا على الاستمرار في رميه به. ومن ذلك هجومهم على سيد قطب واتهامه بتكفير المجتمعات، متجاهلين براءته الصريحة الموثقة في كتاب (لماذا أعدموني) حيث قال: "إننا لم نكفر الناس وهذا نقل مشوه".
والأخطر من ذلك، أنهم يتقربون إلى الله بالسب، والشتم، واللعن، ويرون أن "التخابر" والتعاون الأمني ضد مخالفيهم في الرأي هو قربة وطاعة، ووصل بهم الأمر مؤخراً إلى التحريض المباشر وطلب قتل معارضيهم، مدعين وصاية مطلقة على الدين، ومحتكرين لقب "الفرقة الناجية" لأنفسهم.
الخلاصة والأثر المدمر للتيار المدخلي
إن الفكر المدخلي وإن كان يدعي في ظاهره أنه ينافح ويدافع عن السنة، إلا أنه في واقع الأمر وحقيقته فرّق جماعة المسلمين، وزرع الشحناء والضغائن بين الأحِبّة، بل فرّق بين الأخ وأخيه، والزوج وزوجته.
لقد تسببوا بفظاظتهم وسوء أخلاقهم وجفافهم في تنفير كثير من الناس عن الاستقامة والدين، بل إن فكرهم الغليظ والمتناقض يعد اليوم أحد الأسباب المباشرة وغير المباشرة لإلحاد بعض الشباب؛ بسبب تشويههم لجمال الإسلام وسماحته، وإظهاره بمظهر مشوه لا يليق به مع الأسف.
نسأل الله العافية من هكذا فكر، وهكذا منهج وفهم وسلوك. اللهم أصلح حالنا، وتولّ أمرنا، واهدنا وسددنا، وألهمنا رشدنا. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق