كثيراً ما نسمع دعوات تطالب بـ "استئصال الطائفية"، ولكن هل هذا الهدف واقعي وممكن؟ أم أن المعركة الحقيقية يجب أن توجّه نحو شيء آخر تماماً؟
لو تدبرنا القرآن الكريم، لوجدنا إجابة حاسمة تفرّق بين ظاهرة التنوع الطبيعي، وبين مرض التعصب المدمر.
يبين الله تعالى أن البشر، رغم وحدة أصلهم، انقسموا إلى طوائف ومذاهب نتيجة لاختلاف مواقفهم وآرائهم. هذا الاختلاف جعلته الإرادة الإلهية أمراً واقعاً وغير قابل للإلغاء في الحياة الدنيا:
{وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 19].
وحتى الأنبياء والكتب السماوية لم تأتِ لإجبار الناس على التخلي عن طبيعة الاختلاف المذهبي، بل جاءت لتحكم بينهم بالحق وترشدهم لكيفية إدارة هذا التنوع:
{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة: 213].
المطلوب استئصاله ليس "وجود الطائفة" أو "المذهب"، بل التعصب والأنانية والظلم البيني. فالقرآن يوضح في مواضع عدة (كحديثه عن أهل الكتاب وبني إسرائيل) أن الانحراف يبدأ عندما يتحول العلم والاختلاف إلى أداة للبغي والحسد:
{وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَعْنَهُمْ} [البقرة: 213].
حتى في عهد التنزيل، تعامل القرآن مع المجموعات والفرق كظاهرة اجتماعية قائمة؛ فذكر مواقف طوائف من أهل الكتاب، وطوائف من المؤمنين (كالمهاجرين والأنصار ومن تبعهم)، مبيناً أن بعضهم كان يضعف، أو يتردد، أو يتعصب لعادات الجاهلية. المشكلة لم تكن في انتمائهم، بل في تقديم الهوى على الحق والامتناع عن تحكيم كتاب الله.
عندما تفاخر بعض المؤمنين وأهل الكتاب في عهد النبي ﷺ بالانتماء والأفضلية، حسم القرآن الموقف بقاعدة ذهبية تنسف النرجسية الطائفية:
{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123].
الله سبحانه وتعالى فوق خصوصية الدم، والعِرق، والطبقة، والمذهب. إنه يبشر كل إنسان (من أي ملة أو خلفية كانت) بالأجر والأمان طالما حقق شرطين: الإيمان الصادق والعمل الصالح المستمر، كما ورد في سورتي البقرة (62) والمائدة (69).
بما أن الطائفية والاختلاف الفكري لا يمكن استئصالهما من الواقع الإنساني، فإن الحل القرآني يتلخص في خطوتين:
أولاً: التعارف والإدارة السلمية: أن يتعرف أبناء الطوائف المختلفة على بعضهم، ويتركوا البغي والحسد والكراهية.
ثانياً: تفويض الحكم النهائي لله: القضايا الخلافية الكبرى التي لا يمكن الاتفاق عليها في الدنيا، أرجأ الله الفصل فيها لنفسه يوم القيامة، حيث تكرر في القرآن أكثر من 8 مرات قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.
بدلاً من خوض معارك عبثية ومستحيلة لـ "إنهاء المذاهب والطوائف"، دعونا نوجه جهودنا نحو "استئصال الكراهية والتعصب البغيض"، ليعيش الجميع تحت مظلة العدل، والتعايش، والعمل الصالح.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق