آفة الكيل بمكيالين في تقييم الرجال والمناهج
إن من أعظم الأزمات التي تُبتلى بها الحركات العلمية والدعوية هي غياب المعيار الواحد في الحكم على المواقف والرجال. وحين تختل موازين النقد، يتحول العمل الدعوي من ساحة للتنافس العلمي الشريف القائم على الدليل، إلى ساحة تصفية حسابات ومحاكمة للنيات والمقاصد.
📌 ازدواجية المعايير.. كيف تُصنع الخصومة؟
تتجلى هذه الآفة بوضوح عندما يُباح لتيار أو شخص ما ممارسة حق طبيعي في العرف العلمي، بينما يُجرَّم الشخص الآخر إذا مارس الحق نفسه!
في ميزان الإنصاف: من المستقر عليه علمياً أن تقديم عالم من الأكابر لكتابٍ ما، أو كتابته لتقرير حوله، لا يعني بالضرورة إقراره لكل حرف فيه أو تزكيته لكل فكرة فرعية وردت بين دفتيه.
في ميزان الخصومة: يُصبح هذا العمل الدبلوماسي العلمي نفسه "خداعاً وتدليساً وترويجاً بالباطل" إذا صدر من المخالف، بينما يُعد "مؤيداً لمنهج النقد ودفاعاً عن السنة" إذا صدر من الموافق!
🔍 شواهد من واقع الممارسات النقدية
إذا أردنا إسقاط هذا التأصيل على الواقع العلمي، نجد تناقضات عجيبة تكشفها الحقائق الموثقة:
الوقوف مع تقارير العلماء: حين يحيل إمام كالعلامة ابن باز -رحمه الله- كتاباً لأحد الدعاة إلى شيخ آخر لمراجعته، ثم يخرج الكتاب يحمل عنواناً عريضاً يوحي بالتأييد المطلق، يُمرر الأمر بلا نكير. لكن حين يقرأ مفتي الأمة كتاباً لآخر، ويكتب تقريراً رسمياً يفيد بأن الكتاب جيد ويستفاد منه بعد تعديل الملحوظات، يُثار النكير على المؤلف إذا أشار إلى مراجعة العلماء لكتابه!
صناعة الغلاف بين المشروع والممنوع: طُبعت كتب مشهورة في الساحة حملت على أغلفتها عبارات من قبيل: "قرأه وعلق عليه سماحة الشيخ صالح الفوزان"، رغم أن سماحة الشيخ الفوزان صرح علناً في دروسه بعد ذلك بأنه إنما علق على الكتاب قديماً بملحوظات، ولم يقر كل ما فيه، بل وخالف المؤلف في مسائل جوهرية كمسائل الخروج الفكري وتفاصيل التبديع.
السؤال العقلاني المقلق: إذا كان وضع اسم العالم على الغلاف في الحالة الأولى يُعد مشروعاً ودفاعاً عن الحق، فلماذا يُعد في حق الطرف الآخر ترويجاً بالباطل ودعاية منكرة؟! أليس هذا هو الكيل بمكيالين بعينه؟
💡 كلمة ختامية
إن الشريعة الإسلامية قامت على القسط: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا}. وإن إسقاط الأعيان ومحاكمة النيات بناءً على الهوى والخصومة لن يبني جيلاً واعياً، بل سيورث الساحة العلمية تمزقاً وتشتتاً. إن نقد الفكرة يجب أن ينطلق من أصل علمي ثابت، لا من هوية قائلها أو موقفه الشخصي منا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق