مسلك تتبع العثرات وأثره في تمزيق الصف الدعوي
لا توجد آفة أشد فتكاً بالكيانات الدعوية والتربوية من تحول النقد العلمي البناء إلى مسلك لرصد الزلات، وتتبع العثرات، ومحاكمة النيات. وحين يغيب فقه الائتلاف، ويحل محله تشنج الخصومة، يتحول المشهد من دعوة إلى الله على بصيرة، إلى ساحة تصفية وإسقاط للأعيان بمجرد الهوى والخصومة الشخصية.
📌 من النقد العلمي إلى "التبديع المتسلسل"
إن الناظر في واقع الساحة الدعوية المعاصرة يلحظ بوضوح كيف أضر هذا المسلك الغالي بالدعوة، ومزق شمل شبابها، وجعلهم شيعاً وأحزاباً يُبدع بعضهم بعضاً، ويَهجر بعضهم بعضاً.
ولم يقف الأمر عند حدود الخلاف في المسألة العلمية نفسها، بل تطور إلى ابتكار قواعد مخترعة لم يعرفها السلف الصالح -رضوان الله عليهم-، ومن أبرزها ظاهرة "التبديع والهجر المتسلسل"، والتي تتلخص في:
إلزام الجميع بموقف شخص معين في تجريح ذات أو جماعة.
تبديع من لا يُبدع المخالف الذي حددوه.
هجر من لم يهجر من هجروه.
هذه السلسلة اللامتناهية أوجدت حالة من الإرهاب الفكري داخل المحاضن العلمية، حيث يُطالب طالب العلم بموقف حدّي سريع، وإلا واجه مصير الإسقاط والتشويه.
🔍 تفكيك ظاهرة الغلو في الهجر
إن الهجر في الشريعة الإسلامية إنما شُرع كدواء للاستصلاح والزجر، لا كأداة للتشفي والإقصاء. أما تحويله إلى سلاح يُشهر في وجه كل من لم يوافق على إسقاط فلان أو علان، فهو مسلك دخيل أفرغ النصيحة من مضمونها.
حقيقة واقعية: إن هذا التسلسل البدعي الغريب في الهجر والتبديع لم يورث الأمة إلا ضعفاً، ولم يخدم إلا أعداء المنهج الحق، حيث انشغل الشباب بمعارك جانبية، وعطلوا ثغور العلم والدعوة والرد على الملاحدة وأهل البدع الحقيقيين.
💡 كلمة ختامية
إن علاج هذا التمزق يبدأ من العودة إلى ما كان عليه السلف الصالح من سعة الصدر في مسائل الخلاف الاجتهادية، والتفريق بين المخطئ الذي يثبت فضله وسابقته وبين صاحب البدعة المحضة. إن إسقاط الرجال بمجرد العثرة مسلك يهدم ولا يبني، والواجب اليوم هو لمّ الشمل وجمع الكلمة على الأصول المحكمة والعدل مع الجميع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق