الأحد، 4 ديسمبر 2022

ليس كل ما أحدث بعد رسول الله أو في حياته مما لم ينصّ عليه بدعة ضلالة كما يفهمه البعض .. والدليل إقرأ..





 اليكم بعض أفعال وأقوال الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم والذين فهموا معنى البدعة المُشار إليها في الحديث لاسيما أنها بعد وفاته صلي الله عليه وسلم ولم يفعلها في حياتهِ, وهي في العبادات فهل تُوصف افعالهم بالبدعة و الضلالة أم ماذا ؟؟! فإليكم بعض أفعالهم رضي الله عنهم.

 أولاً :- جمع القرآن :-

فلقد جاء في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنهُ أنهُ قال: (( قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن القرآن جُمع في شيء)). فنقول عمر بن الخطاب رضي الله عنهُ هو الذي أشار على أبي بكر رضي الله عنهُ بجمع القرآن في مصحف عندما كثر القتل بين الصحابة في واقعة اليمامة، فتوقف أبو بكر وقال : كيف نفعل شيئاً لم يفعلهُ رسول الله r؟ قال عمر: هو والله خير ونقول للمعارض أنظر إلى قول عمر لسيدنا الصديق ( هو والله خير)، فلم يزل عمر يراجع أبا بكر حتى شرح الله صدر أبا بكر لهُ، وبعث أبابكر إلى زيد بن ثابت فكلفهُ بتتبع القرآن وجمعهِ، قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل عليّ مما كلفني بهِ أبابكر من جمع القرآن ثم قال زيد بن ثابت: كيف تفعلون شيئا لم يفعلهُ رسول الله r؟ قال الصديق ( هو خير ) فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري. وليراجع المعارضون والقراء هذه القصة فهي مبسوطة في صحيح البخاري .

 

ثانيا :- فصل مقام إبراهيم عن البيت

 فلقد أخرج البيهقي بسند قوي عن عائشة قالت: إن المقام كان في زمن النبي r وفي زمن أبي بكر ملتصقا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنهُ .

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح: ولم ينكر الصحابة فعلُ عمر، ولا من جاء بعدهم فصار إجماعاً، وكذلك هو أي سيدنا عمر أول من عمل عليهِ المقصورة التي تشابه المقصورة الموجودة الآن .

 

ثالثاً :- زيادة ابن مسعود

 ما زآده عبد الله أبن مسعود رضي الله عنه في التشهد الأخير بعد ( ورحمة الله وبركاته ) كان يقول ( السلام علينا من ربنا) وقد روى ذلك الطبراني في معجمه الكبير ورجاله رجال الصحيح كما في معجم الزوائد. فكيف بالله عليك, يأمر أبن مسعود رضي الله عنه بالإتباع وينهى عن الابتداع ثم يبتدع قولاً لم ينزل به الوحي ولم يرد على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ولو تمعن هؤلاء القوم ! وأمعنوا النظر فيما سبق إيراده من أقوال أهل العلم من المحدثين, لعلموا أن المراد من قوال أبن مسعود (أتبعوا) أي اتبعوا ما جاء به الشارع أو كل ما له أصل في الشرع. ( ولا تبدعوا) أي كل شيء يخالف الشرع أو ليس له أصل في الشرع .

 

رابعاً:- صلاة سيدنا علي كرم الله وجهه

 

الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي أنشأها سيدنا علي كرم الله وجهه. وقد كان رضي الله عنه يُعلمها للناس. أوردها أبن جرير وسعيد بن منصور في تهذيب الآثار, وأبن ابي عاصم ويعقوب أبن شيبه في أخبار علي كرم الله وجهه والهيثمي في مجمع الزوائد والطبراني في الأوسط وهي ( اللهم يا داحي المدحوات ....) وله رضي الله عنه دعاء آخر أورده الحافظ في الفتح في كتاب التفسير وقال رواه الطبراني من طريق فاطمة بنت علي عليهم السلام. قالت كان أبي يقول : ( يا كهيعص أغفر لي ), ومن علي أبن طلحه عن أبن عباس قال ( كهيعص قسم أقسم الله به وهو من أسمائه) فلعله أخذ ذلك عن علي رضي الله عنه, وغيرهم عن سلامة الكندي .

 

خامساً :- زيادة الأذان الأول يوم الجمعة

 : ففي صحيح البخاري عن السائب بن زيد قال : ( كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر .... على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهم, فلما كان عثمان زاد النداء الثالث), باعتبار إضافته الى الأذان الأول والإقامة, ويقال له أول لاعتبار سبقه في الزمان على أذان الجمعة. وروى ذلك أبن ابي شيبه عن ابن عمر قال : الأذان الأول بدعه, قال الحافظ ابن حجر في الفتح: [ فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الانكار, ويحتمل ان يريد : أنه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم, وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعه, لكن منها ما يكون حسناً ومنها ما يكون بخلاف ذلك ] .

 

سادساً:- إفراد النساء بإمام

 وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن عروه ان عمر جمع الناس على أُبي بن كعب مكان يصلي بالرجال, وكان تميم الداري يصلي بالنساء. وإفراد النساء بإمام لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم بل كن يصلين مع الرجال في عهده صلى الله عليه وسلم, فهل هذا العمل من عمر الا اجتهاد منه في إطار المشروع . فالنساء مطالبات بقيام رمضان كالرجال وكثرة المصلين قد تمنع سماع النساء لقرآه الإمام فأفردهن بإمام جارً على قواعد الشريعة, أو انه رضي الله عنه استند الى عمل أُبي في صلاته بأهله في قيام رمضان كما رواه أبن حيان. وهو من الخلفاء الراشدين والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) .

وكذلك روى عبد الرزاق في المصنف عن الثوري عن هشام بن عروه أن عمر ابن الخطاب أمر سليمان ابن جثمه أن يؤم النساء في المسجد في شهر رمضان .

ومعلوم وثابت ان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ان صلى بالناس في المسجد جماعة في قيام رمضان ثلاثاً أو اقل لم يخرج إليهم حين غُص المسجد بأهله وخرج إليهم الفجر وقال (أنه لم يحق عليه مقامكم ولكني خشيت ان تفرض عليكم, فصلوا ايها الناس في بيوتكم) ومع ذلك فكان بعض الصحابة يصلون في المسجد كما وجدهم عمر اوزاعاً متفرقين يصلي الرجل لنفسه, ويصلي الرجل ومعه الرهط, فهل كان هؤلاء المصلون المبتدعين مخالفين لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بقوله (ألا صلوا في بيوتكم) , وهل كان عمر رضي الله عنه كذلك عند ما جمعهم على إمام وأحد؟!.

 

سابعاً:- زيادة عبدالله بن عمر البسملة

 زيادة إمام السنة والجماعة, عبدالله بن عمر البسملة في أول التشهد, وكذلك ما زاده في التلبية بقوله ( لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل ....) وهذا مبسوط في صحيح البخاري ومسلم , وروي عن ابن ابي شيبه بسند صحيح أن عمر رضي الله عنه كان يزيد في التلبية ( لبيك مرغوب إليك ذا النعماء والفضل الحسن) فلماذا زاد على التلبية الواردة؟

 

ثامناً :- استلام ابن عباس رضى الله عنهُ أركان الكعبة الأربعة

 

فقد أخرج البخاري والترمذي والطبراني في الكبير والهيثمي في مُجمع الزوائد أن أبي الطفيل قال قدم معاوية وابن عباس الكعبة فاستلم ابن عباس الأركان كُلها فقال لهُ معاوية إنما استلم رسول الله r الركنين اليمانيين ! قال ابن عباس :- ( ليس شيء من البيت مهجوراً ) . والذي ثبت عن سيدنا رسول الله فيما رواه عنهُ البخاري ومسلم وغيرهما أنه كان يستلم الركنيين اليمانيين من الكعبة المشرفة , ولم يستلم غيرهما .

 

تاسعاً :- قراءة سورة العصر قبل التفرق

أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي مدينة الدارمي وكانت لهُ صُحبة قال :- ( كان الرجلان من أصحاب النبي إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة { والعصر إن الإنسان لفي خسر ... } )

 

عاشراً :- تقبيل القبر الشريف

 فعن داود بن أبي صالح قال :- أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجههُ على القبر النبوي , فقال لهُ مروان أتدري ما تصنع ؟ فإذا هو أبو أيوب الأنصاري , فقال أبو أيوب : نعم جئتُ رسول الله صلى الله عليهِ وسلم ولم آتِ الحجر .

 

الحادي عشر :- أن يُصلي المسافر الرباعية أربعة ركعات 

فلقد أخرج البخاري في صحيحة برقم (1107 ) ومسلم (704 ) أن الني r كان يلازم في أسفاره كُلها القصر فيصلي الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين , ولم يثبت قط أنهُ صلى الرباعية أربعاً في السفر , ومع ذلك فقد صلى عثمان بن عفان رضي الله عنهُ في منى أربعاً وأنكر عليهِ ابن مسعود ثم صلاها( أي ابن مسعود ) معهُ أربعاً , فلما قيل لهُ , قال إني أكره الخلاف ........... الخ من زيادة الصحابة وعلماء وفضلاء الأمة .

 

فكل هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم أحدثوا أشياء رأوها حسنة لم تكن في عهد المصطفى r ولم يفعلها في حياتهِ وهي في العبادات، فما قول المعارضين فيهم رضوان الله عليهم؟ وهل هم من أهل الضلال والبدع المنكرة أم ماذا؟ وهل هم ممن يظنون النبي r لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل بهِ (( نبئونا بعلم إن كنتم صادقين)) .

 

وبعد هذا التبيان الجليّ من أقوال علماء الأمة وأفعالهم , لم يبقى للمخالفين سوى حجةٌ واحدة هي والله أوهى من خيوط العنكبوت وياليتهُم سكتوا ولم يتفوهوا بها , ألا وهي قولهُم [ لو كانت الأمور المُحدثة في الدين من الدين لبينها الرسول للأمة أو فَعلها في حياتهِ أو فعلها أصحابه رضي الله عنهم، ولا يقول قائل أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تركها تواضعاً منه فإن هذا طعن فيهِ عليه الصلاة والسلام ] .

 

فالجواب على ذلك هو :- 

أن ترك النبي عليهِ الصلاة والسلام لكثيرً من الأشياء لا يعني تحريمها .

فقد يكون تركهُ لها مخافة أن تفرض كصلاة التراويح .

وإما أن يكون تركهُ لعدم تفكيره فيهِ مثل اتخاذ منبراً له ُ

وإما أن يكون تركهُ لدخولهِ في عموميات أو أحاديث ، كتركهِ لكثير من المندوبات لأنها مشمولة في قولهِ تعالى : ) وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ( .

وإما أن يكون تركهُ خشية تغيير قلوب بعض الصحابة , كما قال لعائشة رضي الله عنها ( لولا ان قومكِ حديثو عهداً بجاهلية لأمرتُ بالبيت فهدم فأدخلتُ فيهِ ما أُخرج منهُ وألزمتهُ بالأرض وجعلتُ لهُ بابين باباً شرقياً وباباً غربياً فبلغتُ به أساس إبراهيم عليهِ السلام ) .

والترك وحدهُ إن لم يصحبهُ نصٌ على أن المتروك محظور لا يكون حُجةً في التحريم , بل غاية أمره أن يفيد أن ترك ذلك الفعل مشروع .

فإن كل ما لم يفعلهُ الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة من بعده لا يُعتبر تركهم لهُ تحريماً ، حسب ما تقتضيهِ القاعدة الأصولية والتي أولها أن يكون: كالنهي المُطلق نحو قولهُ تعالى  ولا تقربوا الزنا ( . وقولهِ) ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل( .

أو كلفظ التحريم نحو ) حُرمت عليكم الميتة ( .

أو كذم الفعل والتوعد عليهِ بالعقاب نحو ) من غشنا فليس منا (.

والترك هُنا ليس واحداً من هذه الثلاثة فلا يقتضي التحريم فافهم

 

ثانيها :-

إن الله تعالى قال ) وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنهُ فانتهوا( .

ولم يقل وما تركهُ فانتهوا عنهُ , فإذاً الترك لا يفيد التحريم

 

ثالثها :-

قال النبي صلى الله عليه وسلم [ ما أمرتكم بهِ فأتوا منهُ ما استطعتم وما نهيتكم عنهُ فاجتنبوه ]

ولم يقل ما تركتهُ فاجتنبوه , فكيف يدلُ الترك على التحريم ؟؟؟؟

 

رابعها :-

أن الأصوليين عرفوا السنة بأنها قول النبي r وفعلهُ وتقريرهُ ولم يقولوا قط وتركهُ , لأنهُ ليس بدليل .

خامسها :-

تقدم أن الترك يحتمل أنواعاً غير التحريم , والقاعدة الأصولية هي ( أن ما طرأ عليهِ الاحتمال سقط به الاستدلال )

 

سادسها :-

أن الترك أصل , ولأنهُ عدم فعل , والعدم هو الأصل والفعل طارئ , والأصل لا يدلُ على شيء لغةً ولا شرعاً , فلا يقتضي الترك التحريم , ولذلك عُلم أن النبي لم يفعل جميع المندوبات المباحات ’ لأنها كثيرة لا يستطيع بشراً أن يستوعبها , ولاشتغاله عليهِ الصلاة والسلام بمهام أعظم استغرق معظم وقتهُ من تبليغ الدعوة ومحاربة المشركين , ونقاش مع المخالفين مما هو مهم لتأسيس الدولة الإسلامية . بل أنهُ ترك بعض المندوبات عمداً مخافة أن تُفرض على أمتهُ أو يشق عليهم إذا هو فعلها , فلقد روى البخاري (1177) عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت ( إن الرسول rيترك العمل وفعلهُ أحبُ إليهِ خشية أن يستسن الناس بهِ فيُفرض عليهم , وكان يحب ما خفف عليهم )

 

ثم إن الرسول صلي الله عليه وسلم قال موضحاً لنا هذا الإشكال بقولهِ كما في مُجمع الزوائد وعند الحاكم و البزار والدار قطني ( ما أحل الله في كتابه فهو حلال , وما حرم الله فهو حرام , وما سكت عنهُ فهو عفو , فاقبلوا من الله عافيته , فإن الله لم يكن لينسى شيئاً ثم تلا ) وما كان ربك نسيا ( ) .

 

- والذي نعلمهُ أنه لم يأت في حديث واحد ولا أثر في التصريح بأن النبي إذا ترك شيئا كان ذلك الشيء المتروك حراماً أو مكروها .

وما أجمل ما قالهُ الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه لدحض هذا الفهم لدى المعارض، وحقيقة فهمهِ رحمه الله لقول النبي ( من سن في الإسلام سنة حسنة ) عندما قال ( أي الشافعي ) { كُل ما لهُ مستند من الشرع فليس ببدعة ولو لم يعمل به السلف, لأن تركهم للعمل به قد يكون لعذر قام لهم في الوقت, أو لما هو أفضل منه، أو لعلة لم يبلغ جميعهم علم بهِ} انتهى كلام الشافعيُ .

فإذاً ليس كل مالم يفعلهُ الرسول rخارجاً عن السنة طالما أنَ لهُ أصلٌ في الشرع ، بل إن الحوافز القولية الكثيرة لعمل الخيرات ، والترغيبات الكثيرة القولية بالفضائل العامة والخاصة هي أيضاً من السنن , كما أن التقريرات الصادرة عن رسول الله r فيما يحدث من الخير مما لا يخالف المشروع هي أيضاً من السنة , بل هي طريقة الرسول وسنتهُ التي حث على أتباعها والتمسك بها .

ونقول أن من زعم تحريم شي بدعوى أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يفعلهُ فقد ادعى ما ليس لهُ دليل، وكانت دعواهُ مردودة . فكيف وإن فعلها عليهِ الصلاة والسلام وإن اختلفت الصورة والكيفية ؟

 

أما شبهة من يتشدق بعدم فعل الصحابة ويقول هل فعل الصحابة كذا وكذا من بعده ؟ فإننا نترك الإمام الحافظ الذهبي يجيبه على ذلك كما جاء في معجم الشيوخ (1/73 و74 ) حيثُ قال :

 

(( فإن قيل : فهلا ّ فعل ذلك الصحابة قيل : لأنهم عاينوهُ حياً , وتملوا بهِ , وقبّلوا يده , وكادوا يقتتلون على وضوئهِ , واقتسموا شعرهُ المطهر يوم الحج الأكبر , وكان إذا تنخم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجههُ , ونحنُ فلما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر , ترامينا على قبرهِ بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل , ألا ترى كيف فعل ثابت ألبناني , كان يقبل يدّ أنس بن مالك ويضعها على وجههِ ويقول : يدٌ مست يدّ رسول الله r, وهذه الأمور لا يُحركها من المسلم إلا فرط حبّه للنبي , إذ هو مأمور بأن يحب الله ورسوله أ شد من حبهِ لنفسه , وولده , والناس أجمعين , ومن أموالهِ ومن الجنة وحورها , بل خلق من المؤمنين يحبون أبابكر وعمر أكثر من حب أنفسهم )) انتهى كلام الذهبي رحمه الله .

ومن هذا المنطلق فعل كثير من الصحابة باجتهاداتهم كما ذكرنا وبيّنا سابقاً أموراً كثيرة لم يفعلها النبي عليهِ الصلاة والسلام ولكن لها أصلٌ , فكانت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وطريقة قبول ما كان من العبادة والخير ويتفق مع المشروع ولا يخالفهُ , ورد ما كان مخالفاً لذلك , فهذهِ سنتهُ وطريقتهُ التى سار عليها خلفاؤهُ وصحابتهِ واقتبس منها العلماء رضوان الله عليهم قولهم :- [ إن ما يُحدث يجب أن يُعرض على قواعد الشريعة ونصوصها فما شهدت لهُ الشريعة بالحُسنِ فهو حسن مقبول , وما شهدت لهُ الشريعة بالمخالفة والقبح فهو مردود وهو البدعة المذمومة , وقد يسمون الأول بدعة حسنة من حيث اللغة باعتبارهِ مُحدثاً وإلا فهو في الواقع ليس ببدعة شرعية بل هو سنة مستنبطة ما دامت شواهد الشريعة تشهد لهُ بالقبول ] كما بينهُ سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمهُ الله في كتابه القواعد.

وعلى كل حال أنا أقول لأخواني المُبدعين هداهم الله وأرشدهم للحق، إن كنتم مُصرين على رأيكم ولم تُقيموا وزناً ولا اعتباراً لأقوال العُمد من الأئمة الأعلام فأقول لكم بناء على القاعدة التي أصلتموها بأنفسكم . و التي تقول

 

[ إن من أحدث امراً لم يفعلهُ رسول اللهصلي الله عليه وسلم أو صحابتهِِ فقد ابتدع في الدين ، و يُفهم منهُ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يُكمل الدين لهذهِ الأمة , وأن الرسولصلي الله عليه وسلم لم يبّلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل بهِ ].

 

فأقول لكم كما قال القائل :- (( من فمك نُدينك ))

فقد أحدثتم في العبادات وفروعها مسائل كثيرة لم يفعلها النبي صلي الله عليه وسلم ولا الصحابةِ ولا التابعون ولا حتى تابعي التابعين

 

فعلى سبيل المثال لا الحصر:

1- جمع الناس على إمام واحد لأداء صلاة التهجد بعد صلاة التراويح في الحرمين الشريفين وغيرهما من المساجد.

2- قراءة دعاء ختم القرآن في صلاة التراويح وكذلك في صلاة التهجد .

3- تخصيص ليلة (29) أو ليلة (27) من شهر رمضان لختم القرآن في الحرمين وغيرهما من المساجد .

4- قول المنادي بعد صلاة التراويح: (صلاة القيام أثابكم الله) .

5- إقامة أسبوع خاص بالمساجد في كل عام .

6- إقراركم لمن يقوم بتطويف الحاج والمعتمر حول الكعبة وبين الصفا والمروة .

7- القول: بأن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد ألإلوهية، وتوحيد ربوبية، وتوحيد أسماء وصفات. فهل هذا التقسيم جاء في حديث شريف، أم هو قول أحد من الصحابة أو التابعين أو تابع التابعين أو أحد الأئمة الأربعة؟!!

 

إلى غير ذلك مما لا يتسع المجال لذكرهِ من تخصيص هيئات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجامعات إسلامية، وجمعيات لتحفيظ القرآن، ومسابقات تحفيظ القرآن ,واختتام الدورة الفولانية في تحفيظ القرآن وتوزيع الجوائز ومكاتب دعوة وإرشاد، وأسابيع احتفال بالمشايخ . ومع ذلك فنحنُ لا نُنكر هذهِ الأشياء إلا أنها من البدع الحسنة التي يُنكر هؤلاء القوم على من يفعل أمثالها ثم يفعلونها .

 

ولله درُ القائل :-

وعين الرضا عن كلِ عيب كليلةٌ : وعين السُخطِ تبدي المساوئ

ففعلكم لهذه المُبتدعات التشريعية التي لم يفعلها الرسول rفيهِ تعارض واضح مع قاعدة من يقول: أن العبادات توقيفية وإن كل ما لم يفعلهُ الرسول r وأصحابه فهو بدعة (سيئة) فلربما يكون المخالف ممن أذن لنفسهِ بالتشريع من دون الناس !!

وهنا يجب أن أقف وقفةً بسيطة حول ما يُشيعهُ المخالفين بين طلبة العلمِ والعوام من الناس وهي قولهم : ( إن العبادات توقيفية وأن كُل من يُحدثُ أمراً لم يُفعلهُ النبي صلي الله عليه وسلم ويبتغي بهِ الأجر والثواب يُعتبر من العبادات التي يُتوقف فيها )

 

فأقول إن كانت العبادات على هذا المفهوم أي ( توقيفية على إطلاقها ) فلماذا أحدثتم تلك الأمور التي نقلتها عنكم قبل أسطر؟ وهل ابتداعكم لها عبثاً ؟؟ أم أنكم تبتغون بهِ الأجر والثواب ؟؟؟

 

فاعلم أخي المسلم بورك فيك إن لله شعائر يجب تعظيمها، قال تعالى ] ومن يُعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب[

فالشعائر جمعُ شعيرة وهي تُطلق على مناسك الحج كالطواف والسعي. وتُطلق أيضاً على الأماكن التي تكون عندها العبادة كالمشعر الحرام .

 

فالعبادة في الأسلام : هي مطلق الطاعة والخضوع لله تعالى في تنفيذ ما شرع فرضاً كان أو نفلاً أو مباحاً بنية القربة ضمن الأصول والقيود الشرعية المتقدمة .

وتطلق الشعيرة أيضاً على كل معلم من معالم الإسلام ، عبادة كانت أو مكاناً او شخصاً أو حتى بهيمةً من البهائم يقول تعالى ] والبُدنَ جعلناها لكم من شعائر الله . [ .

فكل معلم من معالم الإسلام شعيرة ، ومن هنا يتضح الفرق بين الشعيرة والعبادة .

فالشعيرة أعم والعبادة أخص ، فكل عبادة شعيرة وليس كل شعيرة عبادة فافهم .

فالشارع أمرنا بتعظيم البيت الحرام وبناء المساجد وتعظيم النبي r وتوقيرهُ ولم يأمرنا بعبادة الكعبة ولا بعبادة الرسول ولا بعبادة المساجد ولا بعبادة الصحابة والصالحين من عباد الله مع أن توقيرهم واجب واحتقارهم كُفر لأنهم يمثلون الدين .

فليس في الشريعة ما يمنع من الاستفادة من التعريف والبيان المستجدة في كل عصر ومصر بحيث لا يصطدم بحكم أو نص شرعي مُقرر وقد جاءت القاعدة الأصولية في هذا البيان أن ( الوسائل لها حُكم المقاصد ) فإذا كان المقصد شرعياً ، فلا مدخل للابتداع في مثل ذلك ، كما يثيره المُخالف .

فمن هذا المنطلق يتضح لنا أن أصل العبادات توقيفية ، فلا يصح من أي إنسان أن يُصلي الفجر مثلاً أربع ركعات أو العصر ستة ركعات , ولكن فروع العبادات المستمدة مشروعيتها من الأصول فللاجتهاد نصيب فيها ضمن القواعد الأصولية . فعلى سبيل المثال ما ذكرهُ الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء( 11/ 212) قال : ( قال عبد الله ابن الإمام احمد بن حنبل : كان أبي يُصلي في كل يوم ثلاث مئة ركعة ، فلما مرض من تلك الأوساط أضعفتهُ فكان يصلي كل يوم وليلة مئة وخمسين ركعة .

وكذلك ما رواهُ أبو نُعيم في الحلية (1/383 ) : { وكان لأبي هريرة رضي الله عنهُ خيط فيه ألف عُقدة ، لا ينام حتى يُسبح بهِ } . ومما ثبت بأسانيد صحيحة وكثيرة أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهُ خصص عشية يوم الخميس ليُحدّث عن رسول الله r . رواهُ ابن أبي شيبة في المصنف ( 8/565) ، والحاكم في المستدرك (1/111 و3/314 ) والطبراني في المعجم الكبير (9/123) وغيرهم بأسانيد متعددة .

وفي الختام ارجو من كُل منصف باحث عن الحق ان يعمل بقول الله ( وإذا قلتم فأعدلوا ) وان يطرح هذهِ القضية من جميع جوانبها ويضع امام الناس وبكل امانة اقوال من خالفهُ في رايهِ من اهل العلم المعتبرين المذكورين آنفاً والذين خالفوا القول الذي يقول بهِ كما فعلنا عندما ذكرنا قول الشاطبي المخالف للسواد الأعظم من العلماء سابقاً ومن ثمّ يترك حرية الإختيار للقارئ العزيز أن يأخذ بقول من أراد من أقوال الأئمة العلماء المحدّثين السابقين أو بقول المتأخرين.

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم

 

نُقل هذا البحث ببعض التصرف والإضافة والتهذيب من كتاب ( خُلاصة الكلام ) للشيخ / عبدالله ابن الشيخ أبو بكر بن سالم الشافعي

السبت، 3 ديسمبر 2022

• حكم رفع اليدين في الدعاء

 

• حكم رفع اليدين في الدعاء
رفع اليدين في الدعاء عموماً سنة مستحبة يدلّ عليها أحاديث كثيرة، أورد بعضها الإمام البخاري رحمه الله في [صحيحه] في (كتاب الدعوات/ باب رفع الأيدي في الدعاء)، وأفرد لها الإمام البخاري كتاباً أسماه "جزء رفع اليدين"، واستدل الإمام النووي رحمه الله بجملة من الأحاديث التي تدلّ على هذه السنة، والتي تعبر عن انكسار المسلم بين يدي الله تعالى وهو يدعوه.
والأحاديث الدالة على سنيّة رفع اليدين في الدعاء كثيرة، منها ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ) أخرجه مسلم، وروى الترمذي وأبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ)
وأمّا حديث البخاري من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه: (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) أخرجه البخاري، فقد أجاب عنه الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قوله (إلا في الاستسقاء) ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بالأحاديث الثابتة بالرفع في غير الاستسقاء، وقد تقدم أنها كثيرة" ]، ثمّ ذكر من أوجه رفع الإشكال عن حديث أنس حمله على المبالغة في الرفع، فيكون المعنى لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه رفعاً بليغاً حتى يُرى بياض إبطيه إلا في الاستسقاء.
وهذا ما عليه جماهير العلماء من المذاهب الفقهية المعتبرة:
"ويسنّ رفع يديه فيه -دعاء القنوت- وفي سائر الأدعية للاتباع، رواه فيه البيهقي بإسناد جيد، وفي سائر الأدعية الشيخان وغيرهما".
وقال الإمام النووي رحمه الله : "عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله تعالي عليه وسلم استسقى ورفع يديه وما في السماء قزعة، فثار سحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل من منبره حتى رأيت المطر يتحادر من لحيته" ، والمقصود أن يعلم أنّ من ادعى حصر المواضع التي وردت الأحاديث بالرفع فيها فهو غالط غلطاً فاحشاً".
وقال الإمام العيني الحنفي رحمه الله: "والرفع سنة الدعاء: أي رفع اليدين سنة، وروي فيه أحاديث، منها ما أخرجه أبو داود في "سننه" في الدعاء من حديث ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما، والإشعار أن تشير بإصبع واحدة، والإهلال أن تمد يديك)"
وقال الإمام النفراوي المالكي رحمه الله "وعلى الرفع -أي رفع اليدين خارج الصلاة- فهل يمسح وجهه بهما عقبه أم لا؟ والذي في الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه، فيفيد أنه كان يرفعهما ويمسح بهما وجهه".
وقال الإمام البهوتي الحنبلي رحمه الله "ومن آداب الدعاء: بسط يديه ورفعهما إلى صدره؛ لحديث مالك بن يسار مرفوعاً: "إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها"، رواه أبو داود بإسناد حسن وتكون يداه مضمومتين، لما روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعا ضم كفيه وجعل بطونهما مما يلي وجهه"، وضعفه في المواهب ويكون متطهراً، ويقدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار".
ومن المواضع التي اختلف في رفع اليدين فيها رفع خطيب الجمعة يديه أثناء الدعاء بعد الفراغ من الخطبة الثانية لحديث مسلم عن عمارة بن رؤيبة قال: رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه فقال: (قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ) قال الإمام النووي رحمه الله : "فيه أن السنة أن لا يرفع اليد في الخطبة، وهو قول مالك وأصحابنا وغيرهم، وحكى القاضي عن بعض السلف وبعض المالكية إباحته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى.
والله تعالى أعلم.
1-مغني المحتاج للخطيب الشربينى
2-فتح الباري لابن حجر العسقلانى
3-المجموع شرح المهذب لنووى
4-البناية شرح الهداية للعينى
5-الفواكه الدواني للنفراوى
6-كشاف القناع للبهوتى
7-الأذكـــار للنــووى
8-صحيح البخارى
9-صحيح مسلم
10-سنن الترمذى
12-سنن أبو داود



الخميس، 1 ديسمبر 2022

ماهو خطر المداخلة ( الجامية ) لماذا تحذرون الناس منهم ؟!

 خطر المداخلة ( الجامية )

أما بعد : المداخلة : فرقة بدعية همها التفريق بين المسلمين ، وتشتيت فكرهم وإشغالهم بأنفسهم عن أعدائهم المحتلين لبلادهم ولولا الخوف أن ينطلي مكر هؤلاء السفهاء على عوام المسلمين : لكان الإنشغال بهم ضرب من العبث وتضييع للأوقات ، فكان الرأي أن توجد رسالة مختصرة تبين حال هذه الفرقة المنحرفة الضالة ، وتحذر الناس منها ومن دعاتها ومنهجها الذي قد يغتر به من لا علم له ولا عقل يستطيع به التمييز بين الغث والسمين .
من هم الجامية و المداخلة؟
الجامية فرقة ضالة أسسها محمد أمان الجامي الهرري الحبشي
( ، يعتقد البعض بأن أول ظهورها كان ابان حرب الخليج الثانية )
( ، وكان ذلك بسبب رفض الكثير من المشايخ دخول الأمريكان النصارى أرض الجزيرة ، فكانت الجامية سلاح وزارة داخلية آل سعود في وجه هؤلاء العلماء ، وكان محمد الجامي يرسل التقارير للداخلية عن المشايخ الرافضين لسياسة آل سعود في تلك الفترة وما بعدها .. ثم تبعه في رئاسة الفرقة "ربيع بن هادي المدخلي"
كانت خطب ومقالات أئمة الجهاد في هذا الزمان - وعلى رأسهم الشيخ عبد الله عزام رحمه الله - تبين أن الجامية نشأت قبل حرب الخليج الثانية ، وبالتحديد : قبل بضع سنوات من نهاية الحرب الأفغانية السوفييتية ، فقد كان الجامية يذهبون إلى بيشاور ويخذلون الشباب عن الجهاد الأفغاني ، وكانوا ينشطون في جزيرة العرب فيصرفون الناس عن التبرع للجهاد الأفغاني بحجج كثيرة منها : أن الأفغان مشركون قبوريون ، وأن الحرب في أفغانستان ليست إسلامية ، وأن كثير من قادة الجهاد الأفغاني من مختلي العقيدة ومتورطون مع قوى أجنبية ، وغيرها من الأسباب التي أدت بالكثير للتوقف عن نصرة الجهاد الأفغاني في سنواته الأخيرة ، وقد كان الشيخ عبد الله عزام رحمه الله يشتكي من هذا الأمر كثيراً )انظر تفسيره لسورة التوبة( ، ولم يكن يعلم - رحمه الله – بأن هذه الفرقة الضالة هي ابنة المخابرات السعودية
بدأت الجامية بمحاربة رموز الجهاد الأفغاني وتخذيل الناس عن هذا الجهاد المبارك ، فكانوا أداة خبيثة للنصارى الغربيين وللصهيونية العالمية ، ثم حاربوا الشيخين: سفر الحوالي وسلمان العودة وغيرهما من العلماء والدعاة الذين اعترضوا على دخول جيوش النصارى جزيرة العرب. ثم بحثوا فقدروا أن شيخ الشيخين هو : محمد بن سرور زين العابدين ، فحاربوه وسموا الشيخين وأتباعهما بالسرورية . ثم قدروا فوجدوا أن أصل كلام السرورية ومنبعه هو سيد قطب ، فأطلقوا على الكل لقب "القطبية" !! ثم قدروا فنظروا إلى الصورة الأكبر فوجدوا أن القطبية هي حركة حزبية ، فأطلقوا على مخالفيهم : "الحزبيون" ، وكان سيد يدعوا إلى الإسلام الحركي : المقابل للركود والجمود ، فقالوا : "الحركيون" !!وهكذا هم في تطور مستمر في الإجتهاد في الألقاب والتصنيفات التي هي رأس مالهم !! وهذه التقديرات خاصة بهم ..تبين أنهم : فرقة سياسية - صُبغت بصبغة عقدية - أسستها وزارة الداخلية السعودية لتحقيق أهداف أمريكية صهيونية ضد الجهاد الأفغاني المبارك ، فبدأت الجامية بالنيل من قادة المجاهدين الأفغان ، ثم من الجهاد الأفغاني عامة ، ثم نالت من قادة المجاهدين العرب ، ثم من العلماء والدعاة المعارضين للإحتلال الأمريكي لجزيرة العرب ، ثم نالت الجامية من المجاهدين عامة ، والذين يقاتلون الأمريكان في أفغانستان والعراق بصفة خاصة ، ثم نالت من العلماء والدعاة الناشطين في الساحة الإسلامية . استفادت حكومة آل سعود من هذه الفرقة في تثبيت حكمها عن طريق إقناع الناس بوجوب طاعة ولاة الأمر على كل حال ، وآل سعود يعطونهم الأموال والمناصب ويمكنون لهم على المنابر وفي الإعلام ، ويكمن خطر هذه الفرقة الضالة في كونها مختلطة بالأوساط العلمية ، وهم يراقبون هذا الوسط الحيوي في جزيرة العرب ويقدمون التقارير لأجهزة الأمن عن العلماء والدعاة ويكذبون كثيرا في هذه التقارير التي خرج بعضها للناس ، فينبغي على طلبة العلم والدعاة أن يحذروا من هذه الفرقة ويحذروا منها وينبذوها ولا يخالطوها ، وقد انتبهت المؤسسات الغربية لهذه الفرقة الضالة فأوصت حكومات الدول العربية باستعمالها في هدم العمل الإسلامي ، وقد كشفت التقارير السرية التي حصل عليها الثوار في مصر جانبا من هذه المؤامرة الخبيثة. .
* مذهبهم :
أما مذهبهم ، فهم : خوارج مع الدعاة والمجاهدين ، مرجئة ومتصوفة مع الحكام ، رافضة مع الجماعات الإسلامية ، جبرية مع اليهود والنصارى والكفار ، أشاعرة في نصوص الوحيين وكلام العلماء يؤولونها على أهوائهم ، قاديانية في مسألة الجهاد .
يكْفُر الجامية بالعمل الجماعي ، وينكرون شرعية الجماعات الإسلامية ويعتقدون بأنها بدعة وأنها من باب الخروج على ولاة الأمر ، ويتغاضون عن محاسن هذه الجماعات ، ولا يذكرون إلا أخطائها ، ويعظمون هذه الأخطاء ويجعلونها أصلاً في الجماعات..
لا يسوغ الجامية لأتباعهم الكلام والنظر في الأمور السياسية وفي فقه الواقع ويعتبرون ذلك من خصائص ولاة الأمر التي لا ينبغي لأحد منازعتهم فيها ، ويعتقدون بأن الاشتغال بهذه الأمور مضيعة للوقت والجهد ، وأنها من البدع والفتن..
يعتقدون بأن الجهاد في هذا الزمان من خصائص ولاة الأمر ، ولا ينبغي للناس الدفع عن أنفسهم ما لم يأذن ولي الأمر ، وعطلوا الجهاد )جهاد الدفع والطلب( بحجة أن المسلمين لا يطيقونه ، وقالوا بأن جهاد الأمريكان في العراق وأفغانستان فتنة لعدم وجود الراية الصحيحة وعدم إذن ولي الأمر !! وهم من أشد الناس إنكاراً على المجاهدين جهادهم ، فهم في هذا أشبه بالقاديانية !!
يرون مراقبة المسلمين ونقل الأقوال إلى السلطان: من أوجب الواجبات ، فهم اليوم أخطر من أجهزة مخابرات الطغاة لأنهم مختلطون بالعلماء وطلبة العلم والدعاة ، وفي الحديث: "مرَّ رجل على حذيفة بن اليمان ، فقيل له: إن هذا يبلغ الأمراء الحديث عن الناس ، فقال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا يدخل الجنة قتَّات" ، قال سفيان: والقتَّات النَّمَّام )الترمذي وقال حسن صحيح . وهو عند البخاري وأبو داود ، وعن مسلم بلفظ "النمام"( ، وهذا فيمن يُبلغ السلطان الشرعي ما هو حق ، فكيف بالباطل ، وقد أفتى مفتيهم "النجمي" بوجوب إبلاغ الحكومات الكافرة في الدول الغربية عن أهل الجهاد ، وقال بأن هذا من باب النهي عن المنكر !! فالنميمة عندهم ديانة ، كماالتقينة عند الرافضة ..
ومن عقيدتهم: النيل من الدعاة ، ومن كل من يخالفهم ، ووصفُهم بالضلال والبدعة ، واختلاق الألفاظ
والمسميات لهم ، وتتبع زلاتهم للتنفير منهم ، والوشاية ببعضهم إلى السلطان للإضرار بهم ، وتقديم محاربتهم والتحذير منهم على محاربة اليهود والنصارى وذلك بحجة الحفاظ على أصل الدين!! ونقصد بالدعاة هنا : من لا يرضى عنهم الحكام ، ولذلك لا يكاد يسلم منهم عالم أو داعية ، فهم أشبه ما يكونون بالرافضة الذين كنفروا جل الصحابة !!
من يخالفهم في أصل من أصولهم المنحرفة فإنهم يسقطونه بالكلية ولا يأخذون منه صرفاً ولا عدلاً ، ومن لا يوافقهم على تفاهاتهم فهو المبتدع الضال المارق الخارجي القطبي السروري الحزبي.. إلى آخر الألفاظ التي حفظوها وما علم أكثرهم معناها ، فالجامية مُغرمون بقضية "تصنيف الناس" الذي أطلق عليها الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله "الوظيفة الإبليسية" في كتابه "تصنيف الناس بين الظن واليقين" ، وهو كتاب نفيس .. والجامية بهذه الصفة يُشبهون الخوارج ، فهم على قاعدة : "ضل من زلَّ " البدعية ، فكل من زلَّ )من غيرهم( فقد ضل ، وحتى هذه القاعدة يطبقونها بانتقائية توافق أهوائهم وأنفسهم المريضة !!
الجامية فرقة تؤله "آل سعود" وإن كانت تتدعي التوحيد ، وحقيقة توحيدها هو: إفراد آل سعود بالطاعة ، فمن أراد إغاظتهم فما عليه إلا أن ينال من آل سعود ويثُني على معارضيهم ، أما من يجاهر بنصيحة آل سعود فهو : خارجي ضال مضل من أهل الفتنة !! والبعض يعترض على كونهم يؤلهون آل سعود ، فنقول : أليس يحرمون عليهم الحلال ويحلون لهم الحرام فيتبعونهم !! فتلك عبادتهم تلك عبادتهم !! فالجامية أبداً مع ما يحل أو يحرم ولاة أمرهم ..
تختلف نية تؤلههم لآل سعود باختلاف أشخاصهم: فمنهم من يطلب الجنسية السعودية) وهؤلاء أكثرهم من اليمن والجزائر والأردن( ، ومنهم من يطلب الجاه والمنصب ، ومنهم من يطلب المال ، ومنهم الحاقد الحسود على أقرانه ، ومنهم من يجمع بين هذه الأمور ، فهم من المرتزقة الذي جندهم آل سعود لمحاربة المجاهدين والمصلحين باسم التوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أما عوامهم : فهم على اعتقاد بأن حكومة آل سعود هي الحكومة الشرعية الوحيدة في الأرض اليوم ..
يتوسعون في مفهوم البدعة ، ويعتقدون بأن محاربة بعض البدع الخفيفة أفضل من محاربة اليهود والنصارى ، وهم مع ذلك ليس لهم في محاربة الكفار ، ولم يشاركوا في جهاد رغم كثرة الجبهات بعضهم يزعم أنه شارك في الجهاد الأفغاني ضد الروس ، وهذا كذب : فهؤلاء لم يتجاوزوا بيشاور أو معسكر صَدى ، ولم يطلقوا طلقة واحدة في معركة (.. ليس لهم ضابط صريح في ماهية البدعة أو كيفية الحكم على صاحبها، والحقيقة أن هذه المفاهيم الشرعية ما هي إلا مطية لهم لتحقيق مصالحهم بالتقرب من ولاة أمورهم.. ولعل القارئ يطلع على فهم السلف في مفهوم البدعة وكيفية الحكم على أهلها ويقارنه بأقوال وأحوال الجامية ، وكتاب "أصول الحكم على المبتدعة عند شيخ الإسلام ابن تيمية" - للدكتور أحمدالحليبي - جيد في هذا الباب .
الجامية من أجهل الناس بمسائل الخلاف وأساليب الحوار العلمي ، ويعتقدون بأن آرائهم لا تقبل الخلاف ، مع أنهم مختلفون فيما بينهم ، وهذه مفارقة عجيبة تُشبه إلى حد كبير فلسفة الرفض. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله 451 ( : "وكثيراً ما يضيع الحق بين الجهال الأميين وبين المحرفين للكلم الذين فيهم شعبة من نفاق ، \ )الفتاوى: 52
. ) كما أخبر سبحانه عن أهل الكتاب حيث قال} أفتطمعون أن يؤمنوا لكم...{ )البقرة : 52
رغم كل هذه الطوام فإن الجامية يزعمون أنهم "سلفية" وأنهم أحق الناس بهذا اللقب ، وأنه لا يشاركهم فيه إلا من وافقهم على مذهبهم الضال ! وسلفيتهم تعني : تبديع وتفسيق الدعاة والمسلمين ، وتمجيد الحكام - آل سعود خاصة - وتنزيههم عن النقص والعيب والخطأ والزلل ، والنيل من المجاهدين والتشكيك في رايات الجهاد ، والنيل من الأحزاب والجماعات الإسلامية ..
يعتقد الجامية بأنهم حملة لواء الجرح والتعديل في هذا الزمان ، وهذا لقب أطلقوه على شيخ طريقتهم الحالي "ربيع بن هادي المدخلي" ، وهذا المسكين صدق هذا اللقب فأخذ يُصدر الأحكام على العلماء والدعاة بكل غباء وحمق !!
الجامية يمشون على مبدأ بوش الاب في حربه الصليبية: "إن لم تكن معنا فأنت ضدنا" ، فمن لم يكن على رأيهم فهو عدو لهم!! ومن لم يوالي من يوالونه ، ويعادي من يعادونه ، ويعتقد بإمامة من يعتقدونه فهو على غير منهج "السلف" الذي يعتقدونه !!
أوصافهم :
العُجب سمة بارزة فيهم : فيعتقدون أنهم أئمة وجهابذة ومحندثون فيأخذون في الجرح والتعديل والتقرير ، ويعتقدون أنهم ورثة علم السلف ، وأنهم أهل هذا العلم ، ويصبغون على أنفسهم الألقاب الكبيرة : كالإمام ، والمجدد ، والعنلامة ، وحامل لواء الجرح والتعديل ، وغيرها من الألقاب ، كالهر يحكي انفتاخاً صولة الأسد ومن أقوال ربيع المدخلي :"لو درس أبو حاتم وغيره من الأئمة - حتى البخاري لم يصل الي النتائج التي وصلتُ إليها ، لأنني طبقتُ قواعد المحدثين بكل دقة ، ولم آل في ذلك جهد ا"ً
* فائدة : ليس في زماننا هذا جرح ولا تعديل ، وإنما كان هذا في زمن تدوين الحديث ، أما الآن فالمحندثون ينقلون كلام العلماء في الرجال ، وهذا النقل ليس من الجرح ولا من التعديل
الحقد والحسد يكاد يكون متأصلاً فيهم ، فما أن يختلف منهم اثنان حتى يخرج المكنون ويظهر المستور ويحصل الفجور في المخاصمة ، وهذا ظاهر في كتاباتهم وردودهم على بعضهم البعض ، والسبب: غياب النية والإخلاص ، مع سوء القصد وفساد الطوية
أتباعهم من أجهل خلق الله وأقلنهم عقلاً وفهماً ، ومشايخهم يحرصون على جهل أتباعهم بتحريم القراءة لغيرهم من العلماء والدعاة ، فضلا عن أنهم يزرعون في قلوب أتباعهم الغل والحقد على الدعاة والعلماء والمجاهدين والأحزاب الإسلامية ، وهم بهذا يُشبهون الرافضة إلى حد كبير ..
الجامية من أضيق الناس صدراً بالمخالف ، ومثاله ما حصل بين المدخلي والعنلا مة بكر أبو زيد رحمه الله : حيث ألف المدخلي كتاباً في الطعن في سيد قطب رحمه الله ، وتزلف للشيخ بكر - رحمه الله - ليقدم للكتاب ، ولكن الشيخ أبى وانتقد الكتاب وما فيه ، فما كان من المدخلي إلا أن انقلب على الشيخ بكر ووصفه بأوصاف بشعة وشنع عليه هو وتلاميذه المخابيل ، ومما قاله المدخلي في الشيخ بكر رحمه الله : "إنه من أنصار البدع وحماتها ، ويثأر لأهل البدع والباطل ، وقلبه مريض بالهوى" )انتهى من "الحد الفاصل في الرد على بكر أبو زيد" لربيع المدخلي ص 2 وص 19 ( ، والجامية – لقلة عقولهم – لا يفرقون بين جهل المدخلي وعلم الشيخ بكر رحمه الله ، وأين الثرا من الثُّرينا !! يذكرنا حال المدخلي من الشيخ بكر ،
بقول الشاعر: قام الحمام إلى البازيّ يُهدّده ... وشمّرت لقراع الأُسد أضبعُه
من مكر الجامية وخبثهم أنهم يذكرون أسماء كبار علماء الأمة في كلامهم ثم يقُحمون أسماء مشايخهم ، فيقولون مثلاً : هذا رأي العلامة ابن باز وابن عثيمين والوادعي والألباني والمدخلي والنجمي والفوازان !! فيجعلون المدخلي والنجمي والوادعي أقراناً لأمثال ابن باز وابن عثيمين والألباني رحمهم الله !!
ومن مكرهم أنهم يدعون التتلمذ على كبار علماء الأمة ، فيقولون: رحم الله شيخنا ابن باز ، أو قال شيخنا العثيمين!! ولعل بعضهم جلس لهؤلاء المشايخ ولكنه – قطعاً - لم يأخذ منهم علم أو فهم أو خُلق
من سماتهم : بذاءة اللسان ، وكثرة اللمز والهمز والتنابز بالألقاب والطعن في العلماء والدعاة ، والفحش في القول ..
- ليس في قاموس الجامية شيء اسمه إنصاف ، فلم يسمعوا به ولا وجود له في مؤلفاتهم وكلامهم ، فكبيرهم "المدخلي" علمهم الكذب والخداع في كتبه التي يطعن فيها في العلماء ، ومثال: كتبه عن سيد قطب رحمه الله ، فتجده – مثلاً – ينقل عن سيد قولاً من الطبعة الخامسة "للعدالة الاجتماعية" وهو يعلم أن سيداً رجع عن هذا القول في الطبعة السادسة من الكتاب ، والمدخلي يذكر هذا في ذات الكتاب ، ومع ذلك ينقل عن سيد من الطبعة الخامسة!! وينقلون عن سيد من كتبه الأدبية البحتة ككتاب "طفل من القرية" أو "الأطياف الأربعة" !! أو الكتب التي كتبها في بداية التزامه ككتاب "التصوير الفني في القرآن" و"مشاهد القيامة في القرآن" أو"العدالة الإجتماعة في الإسلام" ، أو الكتب التي رجع عنها أو لم يراجعها )كجزء كبير من الظلال
( ، قال الشيخ محمد قطب حفظه الله : الكتب التي أوصى ]سيد قطب[ بقراءتها قبيل وفاته هي : الظلال )وبصفة خاصة الأجزاء الإثنا عشرة الأولى المعادة المنقحة وهي آخر ما كتب من الظلال على وجه التقريب ، وحرص على أن يودعها فكره كله( ، "معالم في الطريق" )ومعظمه مأخوذ من الظلال مع إضافة فصول جديدة( ، و"هذا الدين" ، و"المستقبل لهذا الدين" ، و"خصائص التصور الإسلامي" ، و"مقومات التصور الإسلامي" )وهو الكتاب الذي نشر بعد وفاته( "والإسلام ومشكلات الحضارة" ، أما الكتب التي أوصى بعدم قراءتها فهي كل ما كتبه قبل الظلال ، ومن بينها "العدالة الاجتماعية" )
انتهى كلام الشيخ محمد قطب
ويأتون بكلمات لسيد كتبها بأسلوب أدبي تشابه من كلام سيد ويتركون المجمل ُوالجامية يذكرون المجمل فيحملونها على غير محملها .. لا شك أن لسيد قطب أخطاء في كلمات وعبارات خانته ولم يحسن صياغتها من الناحية الشرعية ، ولكن كم هي هذه الأخطاء مقارنة ببقية كلامه !! لو نظرنا إلى كتاب كالظلال : يقع في أربعة آلاف صفحة من القطع الكبير ، كم صفحة فيها أخطاء !! لو جمعنا كل الكلمات والجمل التي قالوا أنها أخطاء فإنها لا تتعدى صفحة واحدة ، فما هي النسبة !! وهل من الإنصاف أن نهجر كتاباً كالظلال لأن نسبة الأخطاء فيه ) 2252 , %( !! الأخطاء في الظلال لا تتجاوز بضعة أسطر ، فأين هذا مما في الكشاف للزمخشري أو تفسر الفخر الرازي أو تفاسير غيرهما التي تملأها
الإسرائيليات والإعتزاليات والإرجاء والأشعريات وغيرها من الأمور ، وكُتب النووي وابن حجر والجويني والغزالي وغيرهم من أئمة المسلمين ، وكُتب الحديث التي فيها الأحاديث الضعيفة والموضوعة ، فهل نتركها كلها لأن فيها أخطاء !! ماذا يبقى في أيدينا من كتب العلماء !! قائمة بالمنتسبين لهذه الفرقة الضالة: في بلاد الحرمين :
ربيع بن هادي المدخلي )وهو كبيرهم : بمنزلة البابا عند النصارى ، والأقطاب عند الصوفية
(محمد بن هادي المدخلي )
والمداخلة أصلهم من اليمن
( ، فالح الحربي ، فريد المالكي ، سعود بن صالح السعدي المالكي ، عبد العزيز بن رينس الرينس ، تراحيب الدوسري ، عبد اللطيف باشميل ، عبد العزيز العسكر ،
( محمود الحداد المصري )
الذي نبذه الجامية
( ، محمد بن فهد الحصين ، مصصطفى بن إسماعيل السليماني ، بندر بن نايف بن صنهات العتيبي ، محمد بن عمر بن سالم بازمول ، أحمد بن يحيى النجمي الجازاني الذي صرح بأن الشيخ ابن جبرين )رحمه الله( : "كذاب" !! وغيرهم .. في اليمن : مقبل الوادعي ، وحسن بن قاسم الريمي ، ويحيى الحجوري ، وغيرهم ..
* في مصر: محمد سعيد رسلان، أسامة القوصي، طلعت زهران , حسن عبد الستير )
الذي تشمت في أهل سوريا و قال يستحقون ما يحصل لهم و قال عن شعوب الثورات في تونس و مصر و ليبيا أنهم مذنبون (..، وأغلب الذين هم خارج بلاد الحرمين يراسلون آل سعود لنيل الجنسية والدعم السعودي ، ولعل هذا هو سبب اجتهادهم في دعوتهم واستماتتهم من أجلها ، وأغلب هؤلاء الجامية لهم فضائح من قبيل : الاختلاسات المالية ، والاختلاسات العلمية ، وبعضهم عنده انحرافات أخلاقية ، نسأل لله السلامة والعافية
السِّمات الدّالّة عليهم
ليس من الصعب التمييز بين كتابات الجامية وغيرهم ، فالجامي يبدأ كلامه وكتاباته بالتعوذ من المجاهدين والحزبيين ثم بالبسملة ، وتكاد مواضيعهم تنحصر في : وجوب طاعة ولاة الأمر وتحريم الخروج عليهم لأي سبب ، والإنكار على المجاهدين جهادهم لعدم وجود الراية الصحيحة أو رضى ولي الأمر ، والطعن في سيد قطب وتبديعه ، وتبديع حسن البننا والإخوان والتشنيع على الأحزاب الإسلامية وعلى الحزبية ، والنيل من محمد بن سرور زين العابدين ، والنيل من قادة الجهاد ، والنيل من الدعاة المشهورين ، والإنكار على الإرهاب والعنف ، والترقيع لولاة الأمر )خاصة آل سعود( وتبرير كل ما يفعلونه : عن طريق ن لي النصوص وتحريفها وإخراجها عن مقاصدها ..
تكاد تكون التعليقات والنقولات متطابقة في كتابات الجامية ، والظاهر أنهم ينقلون عن بعضهم البعض في مجمل كتاباتهم) بطريقة القص واللصق (وتجدهم يحفظون مقولات معينة لأهل العلم يرددونها في المحافل دون فهم لها أو دون الإتيان بها في محلها ، وهذا من قبيل: القص واللصق المنطوق.
شيوخهم –
الذين ينقلون عنهم - يعدون على الأصابع ، ومن أشهرهم : ربيع المدخلي ، وأحمد النجمي ، ومقبل الوادعي ، فمن نقل عن هؤلاء فهو جامي في الغالب ، وذلك أن طلبة العلم لهم مراجعهم من علماء السلف والخلف والمعاصرين ، وهؤلاء ليسوا مراجع في الأوساط العلمية ، ولا ينقل عنهم العلماء وطلبة العلم الجادين .
لهم آراء محددة لا يخرجون عنها ، وهي في الغالب اجتهادات مشايخهم التي يزعمون أنها منهج السلف دون غيرها ،ويعقدون على هذه الاجتهادات ولائهم وبرائهم: فمن وافقهم عليها فهو السلفي المسلم ، ومن خالفهم فهو الخارجي الضال!!
كلامهم أشبه ما يكون بكلام عجائز السوء: من طعن ولمز وهمز وغيبة ونميمة فيما بين بعضهم البعض ، ومع غيرهم!! فتجد أحدهم يثني على صاحبه اليوم ليقع فيه في اليوم الثاني ، ويمدحه يوماً ويهجوه آخر ، ويعظنمه صباحاً ويحط منه مساءً ، وهذه خاصية ملاصقة لهم ..
من سماتهم البارزة أنهم يختمون أسمائهم بتزكية أنفسهم فيقولون: فلان بن فلان السلفي أو الأثري أو يجمعون بينهما فيقولون " السلفي الأثري" ، وممن أنكر هذا الأمر الشيخ "صالح الفوزان" الذي يحوم حوله الجامية كما يحوم النمل حول العسل ، وهذا ما أضعف الشيخ الفوازان في أوساط طلبة العلم ، وممن أنكره: الشيخ ابن عثيمين في شرحه لحلية طالب العلم للشيخ بكر أبو زيد رحمهما الله.. بعض طلبة العلم يحرص على هذا اللقب ويختم به اسمه ليتمينز عن غيره أو ليُعرف منهجه ، والأفضل أن لا يفعل هذا لأنها تزكية للنفس ، ومظننة للعُجب .. وروى ابن عساكر، من طريق النضر بن شميل، قال: دخلت على المأمون فقال: كيف أصبحت يا نضر؟ فقلت: بخير يا أمير المؤمنين. فقال: ما الإرجاء؟
فقلت: دين يوافق الملوك يصيبون به من دنياهم وينقصون به من دينهم. قال: صدقت .
كيفية الرد على أقوالهم :
فيجب التأكد من صحة ما ينقلون عن الغير ، والحذر من أن يكون الكلام مبتوراً أو محرفاً أو مكذوباً ،
وهذا كثير فيهم ..
لا ينبغي الاعتماد على فهم الجامية للكلام المنقول ، بل يجب مراجعة الكلام كاملاً والتأكد من مراد قائله
من عادة الجامية أنهم يأخذون بالكلام المتشابه ويتركون المحكم جملة ويُعرضون عن البنين ،
ُ، ويأخذون بالعبارات وربما أخذوا بالكلام السابق وتركوا اللاحق ، فينبغي الحذر من كل هذا . قال ابن تيمية رحمه الله في الجواب الصحيح "ويجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض ، ويؤخذ كلامه ههنا وههنا ، وتُعرف ما عادته يعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به ، وتُعرف المعاني التي عرف أنه أرادها في موضع آخر ، فإذا عُرِف عُرْفه وعادته في معاني ألفاظه كان هذا مما يُستعان به على معرفة مراده" )انتهى( ، وانظر مثال هذا ما فعل ربيع المدخلي في كتابه "أضواء إسلامية" ، ورد الشيخ
بكر – رحمه الله – عليه وتأصيله المختصر للمسألة .
لو نظرنا إلى أقوال الجامية فإننا نراها متناقضة كلياً : فما يجعلونه أصلاً هنا يجعلونه بدعة هناك ، وما يقررونه هنا يُنكرونه في مكان آخر ، فمن تتبع كتاباتهم علِم هذا واطلع عليه بكل سهولة ، فينبغي لمن أراد أن يرد عليهم أن يطلع على كتبهم ، ومثال ذلك : الشيخ ابن باز - رحمه الله - : فالجامية يُثنون عليه كثيراً ويجعلونه حجة لهم ومع ذلك ينال منه ربيع المدخلي الذي نال من الألباني وابن جبرين وبكر أبو زيد وغيرهم من كبار علماء الأمة المعاصرين ، رحمهم الله ، فتجد الجامية يحتجون بكلامهم في موطن ، ويذمونهم في موطن آخر !!
لهم حيَل كثيرة في الهروب من المخالف ، فترى بعضهم يقول بفرضية الجهاد ضد أعداء الدين الصائلين – وهذا لإجماع الأمة عليه - ولكنه في نفس الوقت يقول بأنه لا بد للجهاد من راية شرعية ، ولا بد من موافقة ولي الأمر ، ويأتون بنقولات لأهل العلم في هذا المعنى ، وهذا ينطلي بسهولة على من لا يعرف أحكام الجهاد ، فشرط الراية والولاية يكون في جهاد الطلب وليس جهاد الدفع ، ولكن الجامية يخلطون هذا بهذا ويستغلون جهل الناس وقلة اطلاعهم على أقوال أهل العلم ، فينبغي لمن أراد الرد عليهم : أن يكون عالماً بالمسائل التي يخوض فيها ..
ومن حيلهم أنهم يذكرون نصوصاً عامة - أو مطلقة - قيند ، ومن هذا يُلزمون الناس بها ، ويُخفون بعضها "وجوب طاعة ولاة الأمر" ، فالنصوص فيه كثيرة ، ولكن الطاعة مقيدة : بالمعروف والشرعية ، وعدم المعصية ، فلا يذكرون هذه القيود ..
ينبغي أن يعلم المناقش بأن كثير من الجامية يعملون جواسيس للأنظمة الحاكمة ، فعلى المحاور أن ينتبه لهذا الأمر ولا يورط نفسه ، وكثير من عوام الجامية يخبرون مشايخهم بما يدور من حوارات ، وهؤلاء "المشايخ" بدورهم يراسلون السلطات ..
ينبغي لمن أراد مناقشتهم أن يكون من أهل الصبر والحلم ، فجهل الجامية يثير سخط وغضب العاقل ، وكثير ما تجد المناقش يخرج من طوره ويسب ويلعن ، وما ذاك إلا لعدم صبره على قلة عقل الجامي وانعدام أدبه .. كما ننصح من يجادلهم بقراءة كتاب الله بعد الجدال ، أو قراءة بعض كتب الرقائق ، لأن كتب الجامية وكلامهم يورد القسوة في القلب
المقتَرح : أن يتم جمع أقوالهم الشاذة )وما أ كثرها( ، وكلامهم في العلماء والدعاة )وما أكثره( بروابط صوتية ومرئية في موقع يتم نشره على نطاق واسع بين العوام ليعلموا حقيقة هذه الفرقة الضالة ، وهذا من أبواب الدعوة إلى الله ، فخطر الجامية لا يقل عن خطر الرافضة أو غلاة الصوفية وأمثالهم ، والكتابة لا تكفي لأن الكثير من العوام لا يقرؤون ، ويتم التعريف بهم في هذا الموقع ، وأنهم ليسوا على منهج السلف ، وأنهم فرقة ضالة أنشأتها وزارة الداخلية "السعودية" ، كما أنشأ البريطانيون الفرقة القاديانية ..
خطر المداخلة :
لا يشكل الجامية أي خطر في الأوساط العلمية ، وذلك لمعرفة العلماء وطلبة العلم بجهلهم وقلة بضاعتهم ، إلا ما يكون من تجسس الجامية عليهم ..
يكمن خطر الجامية في اختلاطهم بالعامة الذين لا علم لهم ، فيستغلون هذا الجهل في تشويش عقولهم وزرع أفكارهم المنحرفة في قلوبهم فيتربى هؤلاء على تكفير وتبديع وتفسيق العلماء وطلبة العلم والمجاهدين والدعاة ، وعلى تأليه الحكام ، وعلى التساهل في مسألة الغيبة والنميمة ، والغلظة على المسلمين ، والسلبية ، وعدم المنهجية ، والغلنو ، والزهد في الأنشطة الدعوية ، وعلى الجدال والمراء ، وعلى قلة الأدب وانعدام الحياء ، والتعالي والعُجب وغيرها من الأخلاق والعادات المذمومة شرعاً وعُرفا ..
كثير من الناس يخلط بين الجامية وبين ما يسمى ب "السلفية" ، واتضح خطورة هذا الخلط في الثورات العربية ، خاصة الثورة المصرية : حيث أفتى بعض الجامية بحرمتها فظن الناس أن هذا هو اتجاه "التيار السلفي" فشنوا عليهم حملة إعلامية كبيرة وظهرت بعض الخلافات والمناوشات الكلامية على الساحة بسبب تشغيب الجامية وتشويشهم ، ومثل هذا الخلط خطر في بعض البلاد التي لا تعرف حقيقة الجامية فيتعثر شبابها المتعطش للعلم الشرعي بهؤلاء الجهلة فيقعون في شراكهم ويتأثرون بمقولاتهم ويتبعون منهجهم الضال ، وهذا ما حدث في الجزائر ، ويراد له في تونس والمغرب ، نسأل الله أن يحفظ شباب الإسلام ..
بعض العامة لا يعرف حقيقة الجامية وشيوخهم ، فيتأثر بفتاواهم المؤيدة والمبررة للطغاة من الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله ويوالون أعداء الله ويغتصبون أموال العامة ويُهدرون طاقات الأمة ويعبثون بمستقبلها ، فهؤلاء يشكلون طابوراً خامساً في صفوف الشعوب الإسلامية..
البعض يظن بأن خطر الجامية بدأ في الاضمحلال ، وهذا صحيح في نجد والحجاز وغيرها من الأماكن التي يكثر فيها العلماء وطلبة العلم ، أما في بقية الدول فخطرهم لا زال باقياً ، وبعضهم نشط في المنتديات والمواقع على الشبكة العالمية ، وخاصة في أوساط العوام ..
ما ينبغي فعله تجاه المداخلة:
يجب تعريف الناس بحقيقة الجامية ، وأنهم ليسوا على منهج السلف ، وأنهم فرقة خاصة لها أجنداتها واعتقاداتها ، وهذا يكون عن طريق شن حملة إعلامية على مستوى كبير في المجتمعات المعنينة ، وهذا سهل اليوم في ظل وجود الشبكة العالمية .
يجب تحذير الشباب المسلم من الانزلاق في مستنقع الجامية المظلم ، خاصة من كانت بضاعته العلمية مزجاة.
يجب حماية العامة من هؤلاء عن طريق نشر كتب وأشرطة أهل العلم الثقات ، ومن الكتب المهمة في هذا الباب رسالة العلامة بكر أبو زيد رحمه الله: "تصنيف الناس بين الظن واليقين" ، كما ينبغي نشر الوعي في أوساط الشباب وتعريفهم بالمبادئ الإسلامية التي تناقض اعتقاد الجامية: كاحترام العلماء ، وعدم تأليه الحكام ، وعدم جعل النفس حاكمة على الخلق ، وتعريف الناس بحقيقة الجامي والمدخلي الذي أضحى – عند أتباعه من الجامية - : قطباً من أقطاب الأرض ، وركناً من أركان المعموره
ينبغي على العلماء تحذير الناس منهم وفضحهم وبيان حالهم ، وهذا نوع من الجهاد والذب عن الدين ، فخطر هؤلاء لا يقل عن خطر أهل الإرجاء أو الخوارج أو المعتزلة أو غلاة الصوفية والرافضة ، بل قد يكون خطر هؤلاء أكبر : لاختلاطهم بالناس وانتسابهم لما يسمى ب "السلفية" ، والجامية لهم أجندة خاصة تخدم الصليبية والصهيونية ..
-5 هناك بعض الجامية في بعض المنتديات الإسلامية في الشبكة العالمية ، وهؤلاء لا هم لهم إلا الطعن في الدعاة والعلماء والمجاهدين ، وتمجيد آل سعود وحكام بلاد العرب..
مما بلغنا من بعض المطلعين : أن بعض الدول الخليجية انتبهت لهؤلاء الجامية الذين لا ولاء لهم لدولهم الأصلية ، فأخذوا بمراقبتهم ، وحاولوا - عبثاً - كسب ولائهم ، ولكنهم اكتشفوا بأن ولاء عامة الجامية : لآل سعود ، وليس لحكومات بلادهم ، فقررت بعض هذه الدول : حنذرة منهم التضييق على الجامية والحد من حرياتهم ونشر بعض الكتب الم !!
وبعض الدول استطاعت شراء ذمم كبار الجامية ، فصار هؤلاء دعاة لولي الأمر" في هذه البلاد !!
لطيفة : كنا منذ فترة في مجلس مع أحد المشايخ فجاء م وضوع الجامية ، فقال أحدهم : "فر من الجامية فرارك من المجذوم" . فقال الشيخ : بل قل "فر من المجذوم فرارك من الجامية" !! فقلت : من أين هذا يا شيخ ؟ قال :ألم تسمع قول الشاعر :لكل داء دواء يستطبّ به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها
والمجذوم داءه في الجسد ، وهو أخف من داء الجامية الذي هو في العقل والقلب ، والمجذوم قد يُؤجر ، أما الجامية فهم أهل نميمة وخيانة وتحريف للدين ، وعداء لأولياء الله من العلماء والمجاهدين" )انتهى كلامه رحمه الله(
والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الأربعاء، 30 نوفمبر 2022

السماءُ قِبْلةُ الدعاءِ كالكعبَةِ التي هي قِبْلة الصلاة

 

السماءُ قِبْلةُ الدعاءِ كالكعبَةِ التي هي قِبْلة الصلاة

السماءُ قِبْلةُ الدعاءِ كالكعبَةِ التي هي قِبْلة الصلاة

رفعُ الأيدي والوجوه إلى السماء عند الدعاء تعبُّدٌ مَحْضٌ كالتوجّه إلى الكعبة في الصلاة، فالسماء قِبْلة الدعاء كالبيت الذي هو قِبْلة الصلاة، هذا الكلام يتكرر ذكره في كتب العلماء على مختلف مذاهبهم
وإليكم جملة من نُقُول العلماء التي تُبين فساد ما توهمه ابن تيمية في حق الله تعالى:

العلّامة البَياضي الحنفي (المتوفي سنة 1098 ه‍‍) في كتابه إشارات المرام قال ما نصه (رفع الأيدي عند الدعاء إلى جهة السماء ليس لكونه تعالى فوق السمَوات العُلى بل لكونها قِبلة الدعاء، إذ منها يتوقع الخيرات ويستنـزل البركات لقوله تعالى ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾.
الحافظ الفقيه اللُّغوي السيد محمد مرتضى الزَّبِيدي الحنفي (المتوفى سنة 1205 ه‍‍) في كتابه إتحاف السادة المتقين قال مانصه (وإنما اختُصَّت السماء برفع الأيدي إليها عند الدعاء لأنها جُعِلَت قِبْلة الأدعية كما أن الكعبة جُعِلَت قِبْلة للمصلي يستقبلها في الصلاة، ولا يقال إن الله تعالى في جهة الكعبة).

الإمام الحافظ أبو بكر الطرطوشي المالكي (ت 520 هـ) في كتابه الدعاء المأثور وآدابه قال ما نصه (الحقَّ تعالى مقدَّسٌ عن الجهاتِ وإنما هذا محلٌّ (أي السماء) تعبَّدَ (آي كلّف) الحقُّ سبحانه الخلائق برفع الأكفِّ نحوَهُ، كما تعبَّدهم باستقبال الكعبة بوجوههم في الصلاة واستقبال الأرض، وإلصاق الجبين والأنف بالأرض مع تنزيهه سبحانه عن اختصاصه بالبيت أو بمحلِّ السجود من الأرض، كأنّ السماء قبلة الدعاء).
وقال الحافظ المحدث الشيخ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري المغربي (المتوفى سنة 1380 هـ) في كتابه المنح المطلوبة ما نصه (فإن قيل إذا كان الحق سبحانه ليس في جهة فما معنى رفع اليدين بالدعاء نحو السماء)؟ فالجواب أنه محل التعبد، كاستقبال القبلة في الصلاة، وإلصاق الجبهة في الأرض في السجود، مع تنزهه سبحانه عن محل البيت ومحل السجود، فكأن السماء قبلة الدعاء. انتهى
وقال الفقيه المفسّر ابن عَطِيَّة المالكي الأندلسيّ (ت 542هـ) في تفسيره عن معنى ءاية ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (النَّحْل 50) ما نَصُّه (وقوله ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيين أحدهما الفوقية التي يوصف بها الله تعالى فهي فوقية القدر والعظمة والقهر والسلطان، والآخر أنْ يَتَعَلَّق قوله ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ بقوله ﴿يَخافُونَ﴾، أي يَخافون عذابَ رَبِّهِم مِن فَوْقِهم وذلك أنَّ عادةَ عَذابِ الأُمَمِ إِنّما أَتَى مِن جِهَة فَوْقٍ). انتهى

وفي كتاب تفسير القرطبي المالكي الجامع لأحكام القرءان طبع دار الكتب العلمية ط ٢ ﴿وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ الْقَهْرُ الْغَلَبَةُ، وَالْقَاهِرُ الْغَالِبُ، ثم قال وَمَعْنَى ﴿فَوْقَ عِبادِهِ﴾ فَوْقِيَّةُ الِاسْتِعْلَاءِ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ، أَيْ هُمْ تَحْتَ تَسْخِيرِهِ لَا فَوْقِيَّةَ مَكَانٍ، كَمَا تَقُولُ السُّلْطَانُ فَوْقَ رَعِيَّتِهِ أَيْ بِالْمَنْزِلَةِ وَالرِّفْعَةِ).

وكذلك في كتاب الجامع لأحكام القرءان للقرطبي المالكي، قوله تعالى ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِنْ فَوْقِهِم﴾ أي عقاب ربهم وعذابه، لأنّ العذاب الْمُهلِك إنما ينزل من السماء وقيل المعنى يخافون قدرة ربهم التي هي فوق قدرتهم.

وقال الشيخ عبد السلام المسراطي القيرواني (توفّي 646 هـ) رحمه الله في كتابه الزهر الأسنى في شرح الأسماء الحسنى (1) ما نصه (وأما قوله سبحانه (الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) الحج الآية 62 فهما اسمان من أسمائه تعالى ورد بهما النص، قال الله (فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) غافر الآية 12 وليس علوّه علو جهة ولا اختصاص ببقعة، ولا هو كبير بعظم جثة ولا بنية، بل إنه لم يزل عليا ومن الآفات والنقائص بريا). انتهى

الحافظ أبو زكريا محي الدين النووي الشافعي الأشعري (المتوفى سنة 676 ه‍‍) في شرحه على صحيح مسلم قال ما نصه (الله هو الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين).
الإمام الفقيه الأصولي المفسر فخر الدين الرازي الشافعي (المتوفى سنة 606 ه‍‍) في كتابه أساس التقديس قال ما نصه (تمسكوا برفع الأيدي إلى السماء، قالوا وهذا شىء يفعله أرباب النِّحَل فدل على أنه تقرر في جميع عقول الخلق كون الإله في جهة فوق، الجواب أن هذا معارض بما تقرر في جميع عقول الخلق أنهم عند تعظيم خالق العالم يضعون جباههم على الأرض ولما لم يدل هذا على كون خالق العالم في الأرض لم يدل ما ذكروه على أنه في السماء).
مفتي سوريا الأسبق الشيخ الطبيب محمد أبو اليسر عابدين ( المتوفى سنة 1401 ھ) في كتابه الأوراد الدائمة مع الصلوات القائمة قال ما نصه (أنزل الله (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) بلا جهة وتحيز، إن قيل ما معنى رفع الأيدي إلى السماء عند الدعاء مع أنه تعالى منزه عن الجهة والمكان؟ قلنا إن الأنبياء والأولياء قاطبة فعلوا كذلك لا بمعنى أن الله في مكان بل بمعنى أن خزائنه تعالى في السماء).
الحمد لله الذي وفّق علماء المسلمين إلى ما يقتضيه العقل السليم.

المصالحة الخليجية - سعودية وقطر .. الى اين؟!

 *مصالحة خليجية.. من طرق باب من؟


لم يكن الحديث عن غزو عسكري لقطر أمرا عارضا أو من قبيل المبالغة، فقد كانت الخطة محكمة تماما إعلان حصار وشروط تعجيزية تصل ل ١٣ شرطا، تشبه كثيرا تلك التي كانت تفرضها الدول المنتصرة في الحربين العالميتين على الدول المنهزمة بعد أن تدفع كلا الدولتين ملايين القتلى على الجبهات وبعد شهور أو سنوات من القتال المر.
هذا الغزو الذي أكده أمير الكويت في مؤتمره الصحفي وقتها مع الرئيس الأميركي بقوله "منعنا حدوث غزو عسكري"، وما عززه وزير الخارجية الألماني السابق "زيغمار غابرييل" والذي قال بالنص "إن قطر كانت على وشك التعرض لغزو عسكري في 2017" موكدا ما تداولته التقارير الاستخباراتية المسربة وكذلك تغريدات الذباب الالكتروني الذي لا ينطق عن هوى نفسه بل عن هوى مشغليه.
آثرت أن أبدأ من هذه الزاوية لأنها الوحيدة التي بإمكانها أن تشرح لنا ما الذي يعنيه الحديث عن مصالحة خليجية، فما كانت تعد له الدول المحاصرة لم يكن مسألة خصومة سياسية يمكن أن تُحل عبر شروط وتفاوض، وهذا التفاوض لم يكن مرغوبا به لديهم، بل كانت الشروط استهلاكا للوقت واستنطاقا لرفض قطري متوقع سيعزز موقفهم السياسي في أثناء الغزو العسكري.
كان الغزو يستهدف على وجه التحديد مجموعة كنوز استراتيجية يخطط لها منفذوه ويستغل كذلك عدة فرص تاريخية وفرتها لهم الظروف العالمية وقت التخطيط له بشكل محكم، ومن خلال فهم العلاقة جيدا بين الظروف والأهداف سنفهم كيف تشكل مشهد المصالحة الحالي، ومناخه الغريب بالنسبة للبعض.
*كبير جائع.. وصغير متخم!
الجغرافيا السياسية لا تكذب أبدا ولها حتمياتها -في نظري- والتي لا يمكن تجاوزها، ومن أبجدياتها أن الكبير الجائع يأكل الصغير المتخم إذا جاع، لم يكن مشهده الأول في اجتياح الكويت والتي كان صدام قد أعد لها ما يشبه ذات خطة الغزو الفاشلة لقطر، لكنه كان أمضى من أقرانه، وكان المناخ السياسي وقتها يسمح.
فالعراق الجائع الخارج من حرب عبثية مع إيران امتدت لسنوات طويلة، خرج جائعا متخما بالأزمات وفقدان الثقة، ويرغب في وجبة سمينة ودسمة يملكها جاره المتخم "الكويت" يعالج بها نزيفه الداخلي ويعيد بها بناء جيشه، كانت الوصفة بسيطة وسهلة، تسكين الجبهات الكبرى مع الإيرانيين، واستمالة ظاهرة للأميركان تبينت مكامن "الفخ" فيها لاحقا، مرورا بمعاهدات عدم اعتداء ومحاولة تسكين مخاوف بقية العرب لتبقى الكويت منفردة في مواجهة مخطط الغزو الذي أعد بدقة.
وبغض النظر عما آلت إليه الأمور وعما دفعه صدام من حجاج وأسباب لغزو الكويت، إلا أن الجغرافيا السياسية تدرك شيئا واحدا، أن النفط الكويتي وصغر حجم الكويت، وإمكانية الضم الجغرافي لها سيحل كل المشكلات التي تلوح في أفق العراق الجريح، ولذا كان لابد للكبير أن يأكل الصغير.
*قطر كحل سحري
كانت الخلطة هي ذاتها في أزمة الخليج مع متغيرات بسيطة، فالسعودية الأكثر اعتمادا على صادرات النفط الخام في العالم تواجه خطرا حقيقيا عنوانه "النفط الصخري" وانهيار أسعار النفط، مع اندلاع حرب شكلت نزيفا ماليا لاينقطع في اليمن، وطموح سياسي ضخم لصاعد جديد داخل الأسرة وهو "محمد بن سلمان" يأمل من خلاله بتغيير واقع بلاده بضربة واحدة وسريعة وفورية.
ولا يختلف الأمر كثيرا عند الإمارات والتي رصدت تقارير كثيرة تراجعها المالي والاقتصادي، في ظل تراجع أسعار النفط وكذلك تباطؤ حركة التجارة الدولية ما أثر على منبعيها الأساسيين في النمو، كمركز تجاري وكدولة نفطية، وبالتالي تواجه هي كذلك خطرا لا يمكن النفاذ منه.
والأمر ليس ببعيد عن البحرين؛ الجارة الصغيرة جدا، فمستقبل الاقتصاد البحريني أكثر ضبابية من السعودية والإمارات مجتمعتين، وبالتالي كان لهذا الثلاثي المتأزم اقتصاديا والمشحون سياسيا كذلك من مواقف قطر السياسية في دعم الربيع العربي فرصة كبيرة للتحرك لمعالجة مشاكلهم العميقة.
*نجاح مضاد.. فلماذا الغزو؟
إذا كانت الأسباب السياسية التي تقدم دوما في إطار الأزمة الخليجية وتبريرها مثل "الموقف من الإخوان أو تركيا أو إيران" حقيقية، فقد انتفت على الحقيقة منذ يوم الثالث من يوليو لعام ٢٠١٣، حيث أنهى الانقلاب العسكري المدعوم اماراتيا وسعوديا، نفوذ الإخوان في مصر وتبعتها انقلابات ناعمة أو خشنة قوضت على الحقيقة خطر الربيع العربي.
كما عزز احتواء قطر خليجيا اتفاقية الأزمة الخليجية الأولى عام ٢٠١٤ والتي انتهت بتفاهمات (قطرية - خليجية) حدت من المخاوف السياسية الكبرى التي كان يروج لها في الأوساط الخليجية السعودية والإماراتية، وبالتالي لا يوجد سبب حقيقي يدفع الدولتين الخليجيتين الأبرز للتخطيط لغزو عسكري للدوحة التي لطالما استطاعوا احتواء طموحاتها السياسية أو على الأقل التعايش معها في إطار التوافقات.
كان الغزو المطروح إذن في ٢٠١٧ غير مبرر بالكامل في إطار أن القمة (الإسلامية - الأميركية) بالرياض كانت بحضور قطري رسمي، وتوافق ظاهر بين مكونات المنظومة الإقليمية، لكن بالعودة لمسار الغزو، فحضور أمير قطر للقمة كان من المؤكد أنه جاء تاليا على التخطيط للغزو، أي أن خطة الغزو والحصار كانت قد طبخت ونضجت ولم يبق إلا وقت أوان تنفيذها، فلماذا الآن؟
كان يمكن لمن يدرك أبسط أبجديات السياسة أن يتأكد أنه كان من الممكن بعد وصول الرئيس دونالد ترمب للسلطة بالولايات المتحدة وحصول حلف عميق بين ثلاثي إقليمي كالرياض وأبوظبي وتل أبيب، الضغط على قطر سياسيا من خلال انتهاج استراتيجية تضييق إقليمي هادئة يمكن أن يستدر معها القوم تنازلات مفيدة، إذا كان الخلاف على الحقيقة "سياسي" فقط، وكان لدى القيادة القطرية من المرونة ما يجعلها تخفض رأسها قليلا للموجة، لكن قرار الغزو لم يكن أبدا ومن لحظته الأولى سياسيا!.
*"إنه الاقتصاد ياغبي!"
هذه الجملة التي اكتسبت شعبيتها الواسعة أثناء حملة بيل كلينتون الرئاسية عام ١٩٩٢ أثناء مواجهته مع بوش الأب، حيث كان ينظر لبوش على أنه السياسي القدير الأكثر خبرة، ورجل الحرب الذي يمثل وجه أميركا الخشن والمتفوق عسكريا، لكن كلينتون وحملته وجهوا الصراع إلى حقيقة أخرى لا تقل أهمية عن السياسة بل تفوقها وتحركها أحيانا كثيرة "إنه الاقتصاد ياغبي!" .
على نفس النسق لا يمكن القفز على جملة "إنه الاقتصاد ياغبي!" في سياق الأزمة الخليجية ومحاولة غزو قطر الفاشلة، فدول الخليج الريعية بها من الاقتصاد أكثر ما بها من السياسة، بل نستطيع أن نقول أن الدولة الخليجية الحديثة هي منتج اقتصادي لا سياسي، وأن الوجود السياسي الحديث للخليج، هو نابع من الاقتصاد ومرهون به، حيت تفقد معادلات التأثير "كالسكان والقوة العسكرية والتأثير الثقافي والأيديولوجي" قيمتها بشكل ملحوظ في معادلات القوة الخليجية، بل وحتى الوجود التاريخي للخليج الحديث في ال١٠٠ سنة الماضية كان على حقيقته اقتصاديا مرتبطا باللؤلؤ والصيد والقوافل التجارية وبالتالي كان مدخل الاقتصاد مهما ومركزيا.
وبالاقتراب من مشهد الأزمة الخليجية فإن قطر تعد الدولة الخليجية الوحيدة التي لديها معاملات أمان اقتصادي عالية جدا، فالنفط في قطر ليس هو السلعة المحورية التي يعتمد عليها الاقتصاد، وبالتالي لن تتأثر بشكل عميق بتحولات عصر النفط، ولا هي دولة تم بناؤها كمركز تجاري فتتأثر بشكل عميق بتباطؤ الحركة التجارية العالمية فما المغري في قطر إذن؟
*الغاز.. النعمة واللعنة
كان الغاز من البداية هو محور الخلاف الدي سيدب بين الإمارة الصغيرة وجيرانها المستنفرين، فقطر الدولة النفطية المحدودة ستقرر وعلى نحو مفاجئ بعد تغيير سياسي مفاجئ كذلك قام به الأمير حمد بن خليفة عام ١٩٩٦، أن يتجه نحو الغاز والاستثمار فيه، وهو الملف الذي لطالما ضغطت السعودية على قطر أن لا يفتح أو يستثمر فيه بشكل واسع وكبير.
والإدارة السعودية لاقتصاديات الدول الخليجية أمر حقيقي ومعروف في أوساط السياسة في هذه المنطقة، فالسعودية كان يمكنها أن تضغط لإغلاق مصنع في البحرين أو تغيير مشروع اقتصادي في الكويت أو حتى السطو على آبار نفط إماراتية، أو الاستحواذ على مناطق تنقيب كويتية، كان هذا معمولا به ومقبولا على مضض من قبل الإمارات الخليجية الضعيفة، إلى أن أتى حمد بن خليفة والذي قرر أن يقلب للرياض ظهر المجن.
اتجه الأمير الشاب وقتها إلى الاستثمار الواسع والتعويل الكامل على الغاز، ونقل قطر من الاعتماد النفطي إلى الاستثمار المستقبلي في الغاز، يأتي هذا في الوقت الذي كانت السعودية ومنذ اكتشاف النفط فيها، تتخلص من كميات الغاز المكتشفة في الحقول للوصول للنفط كما أقر بذلك الوزير "علي النعيمي" في كتابه من البادية إلى النفط.
هذا التحول لم يترك ليحدث في قطر، فمنذ تولي "حمد بن خليفة" الحكم وعزل والده، أدركت السعودية والإمارات والبحرين ما تفكر به قطر، وأن التحول الاقتصادي القادم في البلاد سيكون عنوان صعود هذه الدولة الصغيرة لتصبح فاعلا إقليميا.
تحركت السعودية والإمارات والبحرين في محاولة غزو قطر الأولى عام ١٩٩٦ والتي أفردها برنامج التحقيقات الشهير بالجزيرة "ماخفي أعظم" بحلقتين أثارتها جدلا كبيرا، ولم يكن يقف خلف هذا الغزو سوى هدف واحد، منع قطر من الوصول لثروتها من الغاز والاستفادة الكاملة منها، كون ذلك سيخل في نظر دول الخليج بالميزان الاقتصادي وليس مجرد المروق السياسي عن الخط الخليجي.
بعد فشل محاولة الغزو الخليجية لقطر والتي كانت مصر طرفا بها أيضا، قامت السعودية بمنع قطر من حق مد خطوط تصدير الغاز عبر أراضيها للكوت أو عمان أو حتى باتجاه سوريا والبحر المتوسط نحو أوروبا، ما عنى أن تضطر قطر للاستثمار في الغاز المسال وفي تسيير خطوط تصديرها عبر البحر وأساطيل الناقلات باتجاه اليابان، والأنابيب البحرية نحو الإمارات وعمان.
وبقيت النقمة السعودية على قطر من هذه الزاوية قائمة ولا يمكن تجاوزها سواء في حالات الصلح والتقارب وبالطبع حالات التجافي والتباعد، ولم تستطع قطر حتى يومنا هذا مد أنبوب واحد باتجاه الأراضي السعودية.
يبقى السؤال إذا.. ما الذي استجد في ٢٠١٧ لتبدأ محاولة غزو جديدة؟
*فرصة العمر.. الشجرة بدلا من عصافيرها
لم تغب فكرة الغزو أبدا عن رأس الساسة الخليجيين في الرياض وأبوظبي تحديدا، وبدعم مصري منذ مبارك، فمحاولة ١٩٩٦ كانت شاهدا أن الفكرة مطروحة على الطاولة من ٢٤ عاما، وصغر حجم الدولة (١١ الف كيلو متر مربع تقريبا) و صغر حجم السكان (حوالي ٣٠٠ ألف مواطن)، يغري دوما بفكرة السطو السريع والمباغت.
إلا أنه منذ عام ١٩٩٦ ومحاولة الغزو الفاشلة تحول ميزان القوة الاستراتيجي لصالح قطر في مجموعة ملفات، أولها أن قطر أنشأت قناة الجزيرة والتي ظلت منذ ١٩٩٦ وحتى ٢٠٠٣ القناة العربية السياسية الوحيدة التي تشكل الرأي العام العربي، واستمرت من ٢٠٠٣ وحتى ٢٠١١ مستيدة مشهد الإعلام الإخباري العربي، والتي لعبت دورا رئيسيا في الربيع العربيع وتفجيره، فكانت عصا قطر الناعمة والخشنة في ذات الوقت.
كما أن تجربة غزو العراق والوجود الأمريكي في المنطقة، والتوافق القطري الأمريكي في كثير من الملفات، فرض مجموعة من التوازنات غير القابلة للخرق خاصة مع فتح قطر لقاعدتي العديد والسيلية، والتي استقبلت القوات التي خرجت من السعودية إبان فترة الصحوة.
لكن كل هذه القواعد ستبدأ في التراجع بعد انقلاب السيسي في مصر وتراجع مؤشرات الربيع العربي وظهور داعش، وتتويج كل ذلك بصعود ترمب للسلطة في الولايات المتحدة والذي جاء على خلاف رغبة المؤسسات الأميركية التقليدية، والذي بدوره أيضا بدأ في مواجهتها داخليا وخارجيا، عبر التحالفات غير التقليدية، والانسحابات من مناطق الصراعات، وإدارة السياسة الأميركية من زاوية التاجر والمطور العقاري.
وقد التقط أمراء الخليج الجدد طرف الخيط وبدأوا في مغازلة ترمب وفريقه وتمويله مشاريعهم وحملاتهم، وهذا ما تتكشف عنه حاليا تحقيقات الكونجرس والبيت الأبيض وتسريبات النيويورك تايمز وفضائح جورج نادر وعلاقاته بابن زايد وابن سلمان.
وكانت قطر أول طلب على الطاولة، طلب من ترمب غض الطرف عن التصعيد الذي سيشهده الخليج ضد قطر، مع وعد ضمني بانهاء المسألة في غضون أيام، وبالتأكيد تغطية نفقات الوعود المالية كاملة والتي تجاوزت ٤٠٠ مليار دولار من السعودية وحدها لترمب، وكانت ثقة المغامرين الجدد مطلقة في أن مخططهم سينتهي سريعا بإخضاع الدوحة وتبديل نظام الحكم فيها، ثم توزيع الأرباح بالتساوي على أطراف الغزو، وساكن البيت الأبيض الجديد.
لكن قطر نجحت في إدارة الأزمة بذكاء وبخلاف المتوقع أعلنت قطر أنها ستقبل التفاوض وأي طلبات ستقدمها دول الحصار بشرط تقديم طلب رسمي بها، والذي أربك مخطط الغزو قليلا بعد الضغط الدولي والوساطة الكويتية التي دفعت رباعي الحصار لتقديم مطالب تعجيزية أشبه باتفاقيات الاستسلام الشامل في الحرب العالمية، مع مطالبة قطر بتعويضات مليارية عن لمصر والخليج بسبب سياساتها.
التفاوض حول المطالب وتسريبها منح قطر والمجتمع الدولي والمؤسسات الأميركية بعض الوقت لاستيعاب ما يحدث والتحرك لاحتواءه، وتدريجيا ومع تزايد مشاكل ترمب الداخلية، وانكشاف مسلسل الغزو وتحرك قطر دوليا لاحتواءه، تراجعت فكرة الغزو تماما وأصبحت غير مواتية، وحديث أمير الكويت عنها وتسريبها في الصحف الغربية أفقدها المباغتة وبالتالي دخلت الأدراج من جديد.
*من طرق باب من؟
استطاعت قطر تجاوز أزمة الحصار سريعا عبر تطوير سياسات اقتصادية جديدة تجعلها أكثر اعتمادا على نفسها وكذلك اعتماد سياسة ديبلوماسية جديدة قائمة على خلق أحلاف جديدة، وتفاهمات مع تركيا وإيران والولايات المتحدة بشكل منفرد، مع الحفاظ على علاقات خليجية جيدة مع الكويت وعمان، وتحسين العلاقات مع العراق والأردن، بخلاف تطوير علاقة أكثر فاعلية مع دول أوروبا الغربية، ما فتح لقطر فاعلية سياسية جديدة بعد انزواء الحصار.
ومع بدء اجراءات محاكمات العزل البرلمانيلترمب وتراجع نتنياهو والفشل الذي منيت به صفقة القرن، وانكشاف أوراق المحور الخليجي في البيت الأبيض، وانتظار قادم جديد غير معلوم في السياسة الأميركية سيكون بالتأكيد مختلفا تماما عن ترمب وسياساته، في حال خسر ترمب، استشعرت دول الحصار الخطر.
لم يكن هذا الخطر الذي دق ناقوسه موجها تجاه ما يحدث في البيت الأبيض فقط!، فقصف المنشئات النفطية السعودية، والتراجع الحاصل في حرب اليمن، والانقسام الإماراتي السعودي في الجنوب، وكذلك الفشل الجزئي لطرح أرامكو في سوق الأسهم الدولية، وحاجة الرياض لاستثمارات قطر الضخمة خاصة في أرامكو، كل ذلك جعل السعودية منهكة خاصة بعد أزمة مقتل خاشقجي.
على الجانب الآخر تستمر قطر في استثماراتها الاقتصادية وتوسعاتها مبتعدة تماما عن الإخفاق الاقتصادي الذي تعيشه بقية دول الخليج، ما يعني في السياسة "خطر النموذج الجيد"، ويمكنك بجولة صغيرة على تويتر أن تستشف حجم الحسد والغبطة الخليجية للرفاه القطري، والتطور العمراني والحضاري والمادي في البلاد، وهو ما يسبق بمراحل دولا كانت متقدمة على قطر سابقا في ذات البقعة الجغرافية.
ومع توسع كشوفات الغاز، تتحول قطر لفاعل دولي لا يمكن كبحه، فلماذا لا نطرح مصالحة تضع لقطر شيئا من "الفرامل"، وتعيدها ولو قليلا للمحور السعودي ولو على خجل؟، فالخسارة من استمرار الحصار سعوديا أكبر من استمراره قطريا!
"إنه الاقتصاد ياغبي!".. ستظل إذن تلك الجملة هي محور الحديث وأساسه، فالغيرة الخليجية من قطر اقتصادية، وستظل موجودة ومتصاعدة ولا يمكن كبحها، والفرق بين فعل الغزو والمصالحة هو "الاستطاعة" و "المواتاه" بمعنى أن ما يمنعهم من تنفيذه هو الفشل في تنفيذه لا عدم وجود الرغبة، إذ أن جذر الرغبة سيظل موجودا ما دام في قطر بئر غاز لا ينضب!