الجمعة، 28 أبريل 2017

ماهي أدلة جواز حلق اللحية ، ومن قال بأن اعفائها من الامور المستحبة ..!!؟

ادلة جواز حلق اللحية ، واعفائها من الامور المستحبة
 أولا:حكم اللحية:
جمهور الفقهاء من أحناف ومالكية وحنابلة وقول عند الشافعية على وجوب إعفاء اللحية وحرمة حلقها والكلام في هذه المسألة قليل جدا في كتب الفقه المذهبية والمستقلة وذلك لأنه لم يكن بهم حاجة للخوض في هذه المسألة لأن المجتمع كله-تقريبا-كان ملتحيا عادة أكثر منه عبادة فلم تكن بهم حاجة لحلقها.
,من المعروف أن المعتمد عند الشافعية كراهية حلق اللحية لا حرمته .
ذكر ذلك شيخا المذهب الشافعي: الإمام النووي والإمام الرافعي، وأقرهم عليه المتأخرون كابن حجر الهيتمي والرملي وهما عمدة من جاء بعدهم في الفتوى على المذهب .
وانظر كلام الرملي في الفتاوى المطبوعة بهامش فتاوى ابن حجر 4/ 69:
‏( باب العقيقة ) ( سئل ) هل يحرم حلق الذقن ونتفها أو لا ؟ ( فأجاب ) بأن حلق لحية الرجل ونتفها مكروه لا حرام , وقول الحليمي ‏في منهاجه لا يحل لأحد أن يحلق لحيته ولا حاجبيه ضعيف .‏
,والقول بالكراهة لحلق اللحية صرح به في كتاب الشهادات البجيرمي في حاشيته على شرح الخطيب لمتن أبي شجاع في الفقه الشافعي.
,وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى كما في شرح مسلم (1/1544( :"يكره حلقها وقصها وتحريقها أما الأخذ من طولها وعرضها فحسن".
, وقد قال شطا الدمياطي في حاشيته النفيسة في المذهب "إعانة الطالبين" 2 / 240 عند قول الشارح (ويحرم حلق اللحية) ما نصه :
 " المعتمد عند الغزالي وشيخ الإسلام _ أي القاضي زكريا الأنصاري كما هو اصطلاح المتأخرين _ وابن حجر في التحفة والرملي والخطيب _ أي الشربيني _ وغيرهم الكراهة ."
,وأما فتاوى العلماء المعاصرين فأغلب علماء السعودية على حرمة حلقها –وفتاواهم في ذلك أشهر من أن تذكر- ولكن الغريب أنه لا تنشر الفتاوى الأخرى المبيحة أو الكارهة فقط لحلقها, وكذلك لا تنشر فتاوى من حرم حلقها في الظروف العادية ورخص في حلقها في ظروف استثنائية كالظروف التي تعيشها بلادنا وقد جمعنا طرفا من ذلك:
فتوى رقم 1:
 يقول الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق -رحمه الله تعالى- :
من المسائل الفقهية الفرعيَّة: موضوع اللحية، حيث تَكاثر الخلاف حولها بين الإعْفاء والحلْق، حتى اتَّخذ بعض الناس إعفاء اللحية شعارًا يُعرف به المؤمن من غيره.
 والحق أن الفقهاء اتفقوا على أن إعفاء اللحية، وعدم حلْقها مأثور عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد كانت له لِحيةٌ يُعنَى بتنظيفها وتخليلها، وتمشيطها، وتهذيبها لتكون متناسبة مع تقاسيم الوجه والهيئة العامة.
وقد تابع الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما كان يفعله وما يختاره.
 وقد وردت أحاديثُ نبوية شريفة تُرغِّب في الإبقاء على اللحية، والعناية بنظافتها، وعدم حلْقها، كالأحاديث المُرغِّبة في السواك، وقصِّ الأظافر، واستنشاق الماء..
 وممَّا اتفق الفقهاء عليه ـ أيضًاـ أن إعْفاء اللحية مَطلوب، لكنهم اختلفوا في تكييف هذا الإعفاء، هل يكون من الواجبات أو مِن المندوبات، وقد اختار فريق منهم الوجوب، وأقوى ما تمسَّكوا به ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "خالِفُوا المُشركينَ، ووَفِّرُوا اللِّحى، واحْفُوا الشوارب".
 وما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عمر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "احْفُوا الشوارِبَ واعْفُو اللِّحَى". حيث قالوا: إن توفيرها مأمور به، والأصل في الأمر أن يكون للوجوب إلا لصارفٍ يَصْرِفُهُ عنه، ولا يُوجد هذا الصارف، كما أن مُخالفة المشركين واجبةٌ، والنتيجة أن توفير اللحْية، أيْ: إعفاءها واجبٌ.
 قال الإمام النووي في شرحه حديث: "احْفُوا الشوارب واعْفوا اللِّحَى": إنه وردت رواياتٌ خمسٌ في ترْك اللحْية، وكلها على اختلافها في ألفاظها تدلُّ على ترْكها على حالها...
 وممَّا رَتَّبُوه على القول بوُجوب إعفاء اللحية: ما نقله ابن قدامة الحنبلي في المُغني: أن الدية تجب في شَعْر اللحية عند أحمد، وأبي حنيفة والثوري، وقال الشافعي ومالك: فيه حكومة عدْلٍ، وهذا يُشير إلى أن الفقهاء قد اعتبروا إتلاف شَعر اللحية حتى لا يَنبت جِنايةٌ من الجنايات التي تَستوجب المُساءلة: إما الدية الكاملة كما قال الأئمة أبو حنيفة وأحمد والثوري، أو دِية يُقدرها الخبراء كما قال الإمامان: مالك والشافعي.
 وذهب فريقٌ آخر إلى القول بأن إعفاء اللحية سُنَّة يُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها، وحلْقها مَكروه، وليس بحرام، ولا يُعَدُّ مِن الكبائر، وقد استندوا في ذلك إلى ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "عشْرٌ مِن الفطرة: قصُّ الشارب، وإعفاء اللحْية، والسواك، واستنشاق الماء، وقصُّ الأظفار، وغسْل البراجِم (البراجم: مَفاصل الأصابع من ظهر الكف ". ونَتْفُ الإبِط، وحلْق العانَة، وانتقاص الماء (أي الاستنجاء). قال مصعب: ونسيتُ العاشرة إلا أن تكون المَضمضة.
 حيث أفاد الحديث أن إعفاء اللحية من السُنَن والمَندوبات المَرغوب فيها إذ كل ما نصَّ عليه من السُنَن العادية.
 وقد عقَّب القائلون بوُجوب إعفاء اللحية ـ على القائلين بأنه مِن سُنَنِ الإسلام ومَندوباته ـ بأن إعفاء اللحية جاء فيه نصٌّ خاصٌّ أخرجها عن الندْب إلى الوُجوب، وهو الحديث المذكور سابقًا "خالِفوا المُشركين..".
 وردَّ أصحاب الرأي القائل بالسُنَّة والندْب بأن الأمر بمُخالفة المُشركين لا يتعيَّن أن يكون للوُجوب، فلو كانت كلُّ مُخالفةٍ لهم مُحتَّمة لتحتَّم صبْغ الشعر الذي وَرَدَ فيه حديث الجماعة: "إن اليهود والنصارى لا يَصبغون فخَالِفُوهم". (رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي) مع إجماع السلف على عدم وُجوب صبْغ الشعر، فقد صبَغ بعض الصحابة، ولم يصبغ البعض الآخر كما قال ابن حجر في فتح الباري، وعزَّزوا رأيهم بما جاء في كتاب نهج البلاغة : سُئل عليٌّ ـ كرَّم الله وجهه ـ عن قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم: "غيِّروا الشَّيْبَ ولا تَشَبَّهُوا باليهود". فقال: إنما قال النبي ذلك والدِّينُ قُلٌّ، فأما الآن وقد اتَّسع نطاقه، وضرب بجرانه فامرؤٌ وما يَختار..
 مِن أجل هذا قال بعض العلماء: لو قيل في اللحْية ما قيل في الصبْغ مِن عدم الخُروج على عرف أهل البلد لكان أولَى، بل لو تركت هذه المسألة وما أشبهها لظُروف الشخص وتقديره لمَا كان في ذلك بأس.
 وقد قيل لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة ـ وقد رُؤي لابسًا نَعْلَيْنِ مَخْصُوفيْن بمَسامير ـ إن فلانًا وفلانًا من العلماء كرِهَا ذلك؛ لأن فيه تَشَبُّهًا بالرهبان فقال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يلبسُ النعال التي لها شعْر، وإنها مِن لبس الرهبان...
 وقد جرَى على لسان العلماء القول: بأن كثيرًا ممَّا ورَد عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مثل هذه الخِصال يُفيد أن الأمر كما يكون للوُجوب يكون لمُجرد الإرشاد إلى ما هو الأفضل، وأن مُشابهة المُخالفين في الدِّين إنما تَحرُم فيما يُقصد فيه الشبه بشيء مِن خصائصهم الدينية، أمَّا مُجرَّد المشابهة فيما تجري به العادات والأعراف العامة فإنه لا بأْس بها ولا كَراهة فيها ولا حُرمة.
 لمَّا كان ذلك كان القول بأن إعفاء اللحية أمر مَرغوب فيه، وأنه من سُنَن الإسلام التي ينبغي المحافظة عليها مقبولاً، وكان مَن أعفَى لحْيته مُثابًا، ويُؤجَر على ذلك، ومَن حلَقها، فقد فعل مَكروهًا، لا يأثَمُ بفِعله هذا اعتبارًا لأدلة هذا الفريق.
 والله أعلم.


حكم حلق اللحية .. كوردي ترجمة عربي .. دكتور عبدالرحمن صديق
وهناك كتاب فريد من نوعه وهو اول كتاب شرعي مؤصل يكتب عن اللحية
كتاب " اللحية دراسية حديثية فقيهة " للعلامة المحدث السعودي عبدالله يوسف الجديع الأمين العام للمجلس الأوربي للإفتاء سابقا
http://www.4shared.com/file/10796040...?cau2=403tNull
فتوى رقم 2 من مشروع فتاوى الأزهر في مائة عام:
الموضوع (1198) حلق اللحية واعفاؤها.
المفتى : فضيلة الشيخ جاد الحق على جاد الحق.
11 أغسطس 1981 م.
المبادئ:
11- إعفاء اللحية وعدم حلقها مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تابعه الصحابة رضوان الله عليهم فيما كان يفعله ويختاره.
22 - ما ترشد إليه السنة الشريفة وآداب الإسلام في الجملة أن أمر الملبس والمأكل وهيئة الإنسان الشخصية لا تدخل في العبادات، بل للمسلم أن يتبع فيها ما تستحسنه بيئته ويألفه الناس ما لم يخالف نصا أو حكما غير مختلف عليه.
3 - الأمر الوارد في إعفاء اللحية مختلف فيه بين الوجوب والسنة والندب.
4 - إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما.
 سئل : بالطلب المتضمن أن السائل طالب في رعاية والديه، وأنهما يأمرانه بحلق لحيته وألا يطيلها.ويطلب بيان حكم الشرع في حلق لحيته، وهل يحرم عليه شرعا أن يحلقها طاعة لوالديه أو يطيلها كسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو يحب أن يطيلها ولا يحلقها تمسكا بالسنة الشريفة؟
 أجاب : إعفاء اللحية وعدم حلقها مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد كان يهذبها ويأخذ من أطرافها وأعلاها بما يحسنها بحيث تكون متناسبة مع تقاسيم الوجه والهيئة العامة.وقد كان يعنى بتنظيفها بغسلها بالماء وتخليلها وتمشيطها - وقد تابع الصحابة رضوان الله عليهم الرسول عليه الصلاة والسلام فيما كان يفعله وما يختاره - وقد وردت أحاديث نبوية شريفة ترغب في الإبقاء على اللحية والعناية بنظافتها، كالأحاديث المرغبة في السواك وقص الأظافر والشارب - وقد حمل بعض الفقهاء هذه الأحاديث على الأمر، وسماها كثير منهم سنة يثاب عليها فاعلها ولا يعاقب تاركها، ولا دليل لمن قال إن حلق اللحية حرام أو منكر إلا الأحاديث الخاصة بالأمر بإعفاء اللحية مخالفة للمجوس والمشركين، والأمر في الأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم كما يكون للوجوب يكون لمجرد الإرشاد إلى الأفضل ( زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم وشرحه فتح المنعم ج 1 ص 178 و 179 تعليقا على الحديث رقم 423 طبعة ثانية مؤسسة الحلبي ) والحق الذي ترشد إليه السنة الشريفة وآداب الإسلام في الجملة أن أمر الملبس والمأكل وهيئة الإنسان الشخصية لا تدخل في العبادات التي ينبغي على المسلم الالتزام فيها بما ورد في شأنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بل للمسلم أن يتبع فيها ما تستحسنه بيئته ويألفه الناس ويعتادونه ما لم يخالف نصا أو حكما غير مختلف عليه - وإعفاء اللحية أو حلقها من الأمور المختلف على حكم الأمر الوارد فيها بالإعفاء على ما تقدم، ولما كان السائل يقول إن والديه أمراه بحلق لحيته، وبألا يطيلها، ويتساءل هل حرام حلق اللحية إذ أنه يرغب في إطلاق لحيته كسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.لما كان ذلك كان السائل بين مخافتين أو محظورين، هما عصيان الوالدين وإيذاؤهما بهذا العصيان بإعفاء اللحية وإطالتها، وفى حلقها طاعة لهما مخالفة للسنة.وإذ كانت مصاحبة الوالدين بالمعروف ثابتة بنص القرآن في قوله تعالى { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا } لقمان 15 ، وبغير هذا من الآيات الكريمة في القرآن وبالأحاديث الشريفة، وهذا من الأوامر الواجبة الاتباع قطعا، ولذلك كان إيذاء الوالدين بعصيان أوامرهما من الكبائر، إلا في الشرك أو فيما يوازيه من الكبائر، وليس حلق اللحية من الكبائر، وإذ كان إطلاق اللحية أو حلقها من الأمور التي اختلف العلماء في مدلول الأمر الوارد في السنة في شأنها، هل هو من باب الواجب أو السنة أو الندب.إذ كان ذلك كان على السائل الالتزام بالأمر الوارد في القرآن الكريم الثابت قطعا والذي يؤدى تركه إلى ارتكاب كبيرة من الكبائر هي إغضاب الوالدين وإيذاؤهما، بينما حلق اللحية ليس من المعاصي الثابتة قطعا، إذ إعفاؤها من السنن، والسنة تفسر بمعنى الطريقة كما تفسر بما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.ولا شك أن الأولى تنفيذ الأمر بحسن الصحبة مع الوالدين، إلى أن يقنعهما برغبته في إطلاق لحيته اتباعا للسنة أيا كان المقصود بها.ووجه آخر ذلك أنه بافتراض تساوى حسن صحبة الوالدين، وإعفاء اللحية في الحكم والثبوت، فقد تعارضت مفسدتان هما إغضاب الوالدين وإيذاؤهما بإعفاء اللحية وهذا الإيذاء من الكبائر، وحلق اللحية عمل مخالف للسنة - وقد نص الفقهاء على أنه إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما - قال الزيلعى في باب شروط الصلاة (ثم الأصل في جنس هذه المسائل أن من ابتلى ببليتين وهما متساويتان يأخذ بأيهما شاء، وإن اختلفتا يختار أهونهما لأن مباشرة الحرام لا تجوز إلا للضرورة ) ( الأشباه والنظائر لابن نجيم في القاعدة الخامسة - الضرر يزال، وفروعها ) ولا شك أن حلق اللحية أهون وأخف ضررا من إغضاب الوالدين وإيذائهما بإطلاقها، لأن إيذاء الوالدين بعصيانهما لا يكون إلا في الشرك بالله وما يساويه، وحلق اللحية ليس من هذا القبيل في الحكم والثبوت.والله سبحانه وتعالى أعلم.
,ويقول الدكتور القرضاوي-الداعية الإسلامي المعروف-:
 نرى أن في حلق اللحية ثلاثة أقول: قول بالتحريم وهو الذي ذكره ابن تيمية وغيره. وقول بالكراهة وهو الذي ذكر في الفتح عن عياض ولم يذكر غيره. وقول بالإباحة وهو الذي يقول به بعض علماء العصر. ولعل أوسطها أقربها وأعدلها -وهو القول بالكراهة- فإن الأمر لا يدل على الوجوب جزما وإن علل بمخالفة الكفار، وأقرب مثل على ذلك هو الأمر بصبغ الشيب مخالفة لليهود والنصارى، فإن بعض الصحابة لم يصبغوا، فدل على أن الأمر للاستحباب.
 صحيح أنه لم ينقل عن أحد من السلف حلق اللحية، ولعل ذلك لأنه لم تكن بهم حاجة لحلقها وهي عادتهم.والله أعلم.
,ويقول الشيخ فيصل مولوي-نائب رئيس المجلس الأوربي للإفتاء-:
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة وهو قول في مذهب الشافعية، إلى حرمة حلق اللحية لأنه مخالف للأمر النبوي بالإعفاء، والأصح في مذهب الشافعية أن حلق اللحية مكروه، وقال كثير من العلماء المعاصرين إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعفاء اللحى وتوفيرها إنما يُحمل على الاستحباب وليس الوجوب، لذلك لم يجدوا شيئاً في حلق اللحية، وقالوا إنما هي من الأفعال العادية للرسول صلى الله عليه وسلم وليست من الأمور التعبدية الشرعية، والحق أن النهي عن حلق اللحية جاء في عدد من النصوص الصريحة الواضحة التي لا خلاف فيها. وإنما قيس على أمره صلى الله عليه وسلم بالتخضب أي صبغ الشعر، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتغيير الشيب مخالفة لليهود والنصارى، وثبت أن بعض الصحابة خضب وبعضهم لم يخضب، وفهموا من أمر النبي الاستحباب وليس الوجوب، أما في موضوع اللحية فإنه لم ينقل عن واحد من السلف حلق اللحية، ولعل ذلك يرجع إلى عدم حاجتهم إلى حلقها وأنها عادتهم، أما إن كان هناك خوف على دين المسلم أو ماله أو نفسه أو عرضه ، فإنها تكون ضرورة عند جميع المذاهب والضرورات تبيح المحظورات.

هل يجوز التبرك بالأنبياء والصالحين وآثارهم ...؟!

أدلة شرعية على جواز التبرك بالأنبياء والصالحين وآثارهم
فيما يلي بعض اللُّمع التي يُستدل بها على جواز التبرك بالأنبياء والصالحين وءاثارهم:
1- الحجر الأسود لذاته حجر مبارك، أصلُه من الجنة، أُهبط مع ءادم عليه السلام، لا يخلق نفعًا ولا ضرًا لأحد، غير أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما قبّله أصبح الناس يقبّلونه في كل شوط في الطواف، وكانوا ومازالوا إذا ما عجزوا عن تقبيله قبّلوا ما يُشيرون به إليه، وإن كان عصًا أو حديدًا أو يدًا.
2- يماثل الحجر الأسود ذات البيت المبارك، أي الكعبة، فهو من حيث ذاته بناء كباقي الأبنية ولكن الله عظّمه: {إنّ أوّل بيتٍ وُضع للنّاس للذي بِبكة مباركًا}(سورة ءال عمران) حتى سمت درجته على باقي البيوت، وتميّز على سائر الأمكنة، وصار الناس يطوفون حوله ويتّخذونه قبلة التزامًا بأمر الله.
3- مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام هو كذلك حجر أصله من الجنة، أُهبط مع ءادم عليه السلام، فيه يظهر قدم إبراهيم عليه السلام في الصخرة الصماء، ولولا أنّ المولى عزّوجل أمر باتّخاذه مُصلى وعظّمه بقوله: {فيه ءاياتٌ بيّناتٌ مقامُ إبراهيم} (سورة ءال عمران) لما صلّينا خلفه ولا عظّمناه ذلك التعظيم.
فإذا كان هذا في الحجر الذي وقف عليه إبراهيم عليه السلام، فكيف بمكان سجود سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟
4- صلى رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج في بيت لحم حيث وُلد عيسى عليه السلام. والموضع الذي وُلد فيه النبي محمد أو صلّى فيه وكذلك قبره الشريف أعظم بركة من باب أولى ولا شك.
5- قال الله تعالى: {سبحن الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} (سورة الإسراء).
6- قال الله تعالى: {إنك بالوادِ المُقدّس طوى}(سورة طه)
7- قال الله تعالى: { إن الصفا والمروة من شعائر الله} (سورة البقرة).
8- تعظيم القرءان لشأن عصا موسى عليه السلام.
9- قميص يوسف عليه السلام، قال الله تعالى إخبارًا عن يوسف عليه السلام:
{اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيرًا} إلى قوله: {فلمّا أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتدّ بصيرًا} (سورة يوسف)
فإذا كانت هذه البركة العظيمة والشفاء الكبير ليعقوب عليه السلام حصل بإلقاء قميص سيدنا يوسف عليه السلام على وجهه، لأن هذا القميص مسّ جسد يوسف عليه السلام، فكيف بقميص نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، وما كان من ءاثاره الشريفة، أو شعره المبارك، فهو بلا شك أكبر بركة واعظم فائدة، لأن شعره الشريف خرج من جسده صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم كله بركة بلا شك، وهذا دليل من القرءان على حصول الشفاء وذهاب الأمراض الشديدة بآثار الأنبياء والصالحين بإذن الله.
10- تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم لقدر ماء زمزم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ماء زمزم لما شُرب له"
وقد أطبقت واجمعت الأمة على جواز التبرك بها،والدعاء عند التبرك بها. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شذّ شذّ إلى النار" رواه الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما.
ومما يؤكّد على استجابة الدعاء في الأماكن الفاضلة ما قاله الإمام الحسن البصري رحمه الله في رسالته المشهورة إلى أهل مكة: إن الدعاء يُستجاب هناك في خمسة عشر موضعًا: في الطواف، وعند الملتزم، وتحت الميزاب، وفي البيت، وعند زمزم، وعلى الصفا والمروة، وفي السعي، وخلف المقام، وفي عرفة، وفي المزدلفة، وفي مِنى، وعند الجمرات الثلاث.
وقد ذكر الإمام شمس الدين محمد بن محمد الجزري في كتابه ((عدة الحصن الحصين)) أماكن لإجابة الدعاء: عند رؤية الكعبة، وفي المساجد الثلاثة، وفي الطواف، وعند الملتزم، وفي داخلها، وفي البيت، وعند زمزم، وعلى الصفا والمروة، وفي المسعى، وخلف المقام، وفي عرفات، والمزدلفة، ومِنى، وعند الجمرات الثلاث، وعند قبور الأنبياء، وجُرّبت استجابة الدعاء عند قبور الصالحين.
11- قال الحافظ ابن عساكر: ذكر الخطيب بن حملة أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يضع يده اليمنى على القبر الشريف، وأن بلالا رضي الله عنه وضع خدّيه عليه أيضًا.
12- في عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني: (( وقد رُوينا عن الإمام أحمد أنه غسل قميصًا للشافعي وشرب الماء الذي غسله به، وغذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم، فكيف بمقادير الصحابة؟ وكيف بآثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟)).
13- قال المحب الطبري: "ويمكن أن يستنبط من تقبيل الحجر واستلام الأركان جواز تقبيل ما في تقبيله تعظيم الله تعالى، فإنه إن لم يرِد فيه خبرٌ بالندب لم يرِد بالكراهة، قال: وقد رأيت بعض تعاليق جدي محمد بن أبي بكر عن الإمام أبي عبد الله محمد ابن أبي الصيف أن بعضهم كان إذا رأى المصاحف قبّلها، وإذا رأى أجزاء الحديث قبّلها، وإذا رأى قبور الصالحين قبّلها، قال: ولا يبعد هذا – والله أعلم – في كل ما فيه تعظيم لله تعالى" ا.هـ.
14- أخرج البخاري في صحيحه بإسناده إلى سهل بن سعد رضي الله عنه قال: "جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ببُردة، فقال سهل للقوم: أتدرون ما البُردة؟ فقال القوم: هي شملة، فقال سهل: هي شملة منسوجة فيها حاشيتها، فقالت المرأة: يا رسول الله أكسوك هذه، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها فلبسها، فرءاها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله ما أحسن هذه فاكسُنيها، فقل: ((نعم)) فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم لامه أصحابه فقالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أخذها محتاجًا إليها ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئًا فيمنعه، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم لعلي أكفن بها.
وقد أخرج البخاري هذا الحديث في الجنائز أيضًا في باب ((من استعد الكفن)) والصحابي هو عبد الرحمن بن عوف، وقيل هو سعد بن أبي وقاص، وكل منهما من العشرة المبشرين بالجنة السابقين في الإسلام.
15- في صحيح مسلم عن عبد الله بن كيسان مولى أسماء بنت أبي بكر قال: أخرجت إلينا جبة طيالسة كسروانية، لها لبنة ديباج وفرجاها مكفوفان بالديباج فقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قبضت، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبَسُها فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها" ا.هـ.
قال الحافظ النووي في شرحه على صحيح مسلم: وفي هذا الحديث دليلٌ على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم.
16- قال الله تعالى: {وقال لهم نبيّهم إن ءاية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقيّة مما ترك ءال موسى وءال هرون تحمله الملائكة إنّ في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} (سورة البقرة)
كان بنو إسرائيل يحافظون على التابوت، وهو صندوق التوراة المبارك، وكان من خشب وعليه صفائح الذهب، طوله عدّة اذرع بعرض ذراعين، وقيل إنه أُنزل على سيدنا ءادم عليه السلام، فتناقله أولاد ءادم من الأنبياء حتى وصل إلى موسى عليه السلام، فبقي عنده إلى أن مات، وكان من أمر التابوت أن فيه السكينة وهي روح من خلق الله تتكلم، فكانوا إذا اختلفوا في أمر نطقت وحكمت بينهم، وكانوا إذا حضروا القتال قدّموه بين أيديهم فينشرفي قلوبهم سكينة واطمئنانًا، ويبعث في قلوب أعدائهم هلعًا ورعبًا، تحمله من فوقهم الملائكة أثناء العراك، فإذا سمعوا منه صيحة استيقنوا النصر، وكان فيه بالإضافة إلى السكينة طست من ذهب كانت تُغسل فيه قلوب الأنبياء، ولوحان من التوراة وعصا موسى وهارون وثيابهما وعمامتاهما وشيء وشيء من متاعهما، وذكر أمر التابوت الطبريُّ في تاريخه وأكثرُ المفسرين.
17- كان عبد الله بن عرم رضي الله عنهما يمر بشجرة بين مكة والمدينة كان النبي صلى الله عليه وسلم يستظل في ظلها، فيحمل لها الماء من المكان البعيد حتى يصبه تحتها.
18- قال صاحب غاية المنتهى الشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي ما نصه: ((ولا بأس بلمس قبر بيد لا سيما من تُرجى بركته))ا.هـ. وقل الشيخ منصور بن يونس البهوتي الحنبلي في كتابه ((كشّاف القناع عن كتن الإقناع)) في كتاب الجنائز: ((قلت بل قال إبراهيم الحربي: يستحب تقبيل حجرة النبي صلى الله عليه وسلم)).
19- قال الربيع بن سليمان: ((إن الشافعي رضي الله عنه خرج إلى مصر فقال لي: يا ربيع خذ كتابي هذا فامض به، وسلّمه إلى عبد الله، وائتني بالجواب.
قال الربيع: فدخلت بغداد ومعي الكتاب، فصادفت أحمد بن حنبل في صلاة الصبح، فلما انتقل من صلاة المحراب سلّمت إليه الكتاب، وقلت: هذا كتاب أخيك الشافعي من مصر، فقال لي أحمد: نظرتَ فيه؟ فقلت: لا، فكسر الختم وقرأ، وتغرغرت عيناه، فقلت له: أيش فيه يا أبا عبد الله؟ فقال: يذكر فيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال له: اكتب إلى عبد الله فاقرأ عليه السلام، وقل له: إنك ستُمتحن (...)فلا تجبهم فيرفع الله لك علمًا إلى يوم القيامة، قال الربيع: فقلت له: البشارة يا أبا عبد الله، فخلع أحد قميصيه الذي يلي جلده فأعطانيه، فأخذت الجواب وخرجت إلى مصر، وسلّمته إلى الشافعي رضي الله عنه فقال: أيش الذي أعطاك؟ فقلت: قميصه، فقال الشافعي: ليس نفجعك به، ولكن بُلّه وادفع إليّ الماء لأتبرّك به)).
20- كان سيدنا محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه يقول: ((إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم (يعني زائرًا) فإذا عرضت لي حاجة صليتُ ركعتين وجئتُ إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تُقضى)).
21- ذكر الحافظ ابن الجوزي الحنبلي عن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهما في ذكر تبركه واستشفائه بالقرءان وماء زمزم وشعر الرسول صلى الله عليه وسلم وقصعته، أنه قال: رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فيضعها على فيه ويقبلها، وأحسب أني رأيته يضعها على عينيه، ويغمسها في الماء ثم يشربه يستشفي به، ورأيته قد أخذ قصعة النبي صلى الله عليه وسلم فغسلها في جُبّ الماء ثم شرب فيها، ورأيته غير مرة يشرب ماء زمزم يستشفي به ويمسح به يديه ووجهه...
(وهذه) فاطمة بنت الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهما قالت: وقع الحريق في بيت أخي صالح، وكان قد تزوج إلى قوم مياسير، فحملوا إليه جهازًا شبيهًا بأربعة ءالاف دينار، فأكلته النار، فجعل صالح يقول: ما غمّني ما ذهب مني إلا ثوب لأبي كان يصلي فيه، أتبرك به وأصلي فيه. قالت: فطفئ الحريق ودخلوا فوجد الثوب على سرير قد أكلت النار ما حواليه والثوب سليم)).
22- يقول صاحب ((عمدة القاري)): "والجمهور على أنه يستلمه" (أي الحجر الأسود) ثم يقبل يده، وهو قول ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر وعطاء بن ابي رباح وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد وسعيد بن جبير ومجاهد وعمرة بن دينار، وهو قول ابي حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وروى الحاكم من حديث جابر ((بدأ بالحجر الأسود فاستلمه وفاضت عيناه بالبكاء وقبّله ووضع يده عليه ومسح بهما وجهه)).
وروى النسائي من حديث ابن عباس عنه أنه قبّله ثلاثًا. وعند الحاكم ((وسجد عليه)) وصحح إسناده، وفيه كراهة تقبيل ما لم يرِد الشرع بتقبيله من الأحجار وغيرها. وقال شيخنا زين الدين: ((وأما قول الشافعي: ((ومهما قبّل من البيت فحسن))، فإنه لم يُرد بالحسن مشروعية ذلك بل أراد إباحة ذلك، والمباح من جملة الحسن كما ذكره الأصوليين.
قلت فيه نظر لا يخفى، وقال أيضًا: وأما تقبيل الأماكن الشريفة على قصد التبرك، وكذلك تقبيل أيدي الصالحين وأرجلهم فهو حسن محمود باعتبار القصد والنيّة، وقد سأل أبو هريرة الحسن رضي الله تعالى عنه أن يكشف له المكان الذي قبّله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سُرّته فقبّله تبرّكًا بآثاره وذريته صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد كان ثابت البناني لا يدع يد أنس رضي الله تعالى عنه حتى يقبّلها ويقول: يدٌ مسّت يد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم)).
23- أخرج ابو بكر بن ابي شيبة وابن أبي عاصم من طريق أبي الخير عن أبي رُهم في حديث عن أبي أيوب أنه قال: قلت يا رسول الله، كنت ترسل إليّ بالطعام فأنظر فأضع أصابعي حيث أرى أثر أصابعك حتى كان هذا الطعام؟ قال: " نعم إن فيه بصلا فكرهت أن ءاكل من أجل المَلَك أما أنتم فكُلوا".
24- أخرج البخاري في صحيحه بإسناده إلى الجعيد ابن عبد الرحمن قال سمعت السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابن اختي وقع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، وتوضأ فشربت من وَضوئه...إلخ. ومحل الاستدلال منه قول الصحابي فشربتُ من وَضوئه.
25- أخرج البخاري بإسناده إلى أبي جُحيفة قال: دُفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالأبطح في قبة كانت بالهاجرة، فخرج بلال فنادى بالصلاة ثم دخل فأخرج فضل وَضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقع الناس عليه يأخذون منه ... الحديث. وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في كتاب الوضوء في باب استعمال فضل وَضوء النس.
26- أخرج البخاري بإسناده إلى أبي جحيفة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة حمراء من أدم (جلد) ورأيت بلالا أخذ وَضوء النبي صلى الله عليه وسلم والناس يبتدرون لوضوء فمن أصاب منه شيئًا تمسح به، ومن لم يُصب منه شيئًا أخذ من بلل يد صاحبه. وهو بمعنى حديث أبي جحيفة السابق، وقد أخرجه البخاري أيضًا في كتاب الصلاة إلى العَنَزَة وباب الستر بمكة.
27- قد صح أنه صلى الله عليه وسلم بصق في الطفل المعتوه، وكان يعتريه الشيطان كل يوم مرتين وقال: "اخرج عدو الله أنا رسولُ الله". رواه الحاكم في المستدرك كتاب التاريخ.
28- كان لخالد بن الوليد رضي الله عنه قلنسوة وضع في طيّها شعرًا من ناصية رسول الله صلى الله عليه وسلم أي مقدّم رأسه لما حلق في عمرة الجعرانة، وهي أرض بمكة لجهة الطائف فكان يلبسها يتبرك بها في غزواته. روى الحافظ ابن حجر في المطالب العالية عن خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه قال: "اعتمرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة اعتمرها فحلق شعره فسبقت إلى الناصية فاتخذت قلنسوة فجعلتها في مقدمة القلنسوة فما وجهت في وجه إلا فُتح لي"ا.هـ. وعزاه الحافظ لأبي يعلى.
ولما سقطت عنه قلنسوته يوم اليرموك شدّ عليها شدّة حتى أخذها فأنكر عليه بعض الصحابة ذلك قبل علمهم بما فيها من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم لظنهم أنه خاطر بنفسه على قلنسوة عادية فقال خالد: إني لم افعل ذلك لقيمة القلنسوة، لكن كرهت أن تقع بأيدي المشركين وفيها من شعر النبي عليه الصلاة والسلام، فرضوا عنه وأثنوا عليه.
29- أخرج البخاري في صحيحه بإسناده إلى ابن سيرين قال: قلت لعبيدة عندنا من شعر النبي صلى الله عليه وسلم أصبناه من قِبل أنس أو من قِبل أهل أنس فقال: لأن تكون عندي شعرة منه أحب إليّ من الدنيا وما فيها. وأخرجه الإسماعيلي، وفي روايته: أحب إليّ من كل صفراء وبيضاء. روى مسلم عن أنس قال: "قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل".
30- أخرج مسلم عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلّى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيه، فربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها.
31- عن أم ثابت كبشة بنت ثابت أخت حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنهما قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب من فِي قِربة معلّقة قائمًا فقمت إلى فيها فقطعته، رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
قال النووي في رياض الصالحين: وإنما قطعتها لتحفظ موضع فم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتبرك به وتصونه عن الابتذال. ا.هـ.
32- وروى ابن عساكر عن سعيد بن المسيّب أنا أبا ايوب (الأنصاري) أخذ من لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا فقال (أي أبو أيوب): لا يصيبك السوء يا أبا أيوب.
33- روى ابن السكن من طريق صفوان بن هبيرة عن أبيه قال: قال ثابت البناني: قال لي أنس بن مالك: هذه شعرة من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فضعها تحت لساني فوضعتها تحت لسانه فدفن وهي تحت لسانه، وذلك لاعتقاده أنه لا يصيبها شيء من القيح ولا من الدم لأنه (أي أنس بن مالك) لا يبلى ولا يتفسخ بإذن الله تعالى.
34- عن محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثني أبي عن ثمامة عن أنس أن أم سليم كان تبسط للنبي صلى الله عليه وسلم نطعًا، فيقيل عنجها على ذلك النطع، قال: فإذا نام النبي صلى الله عليه وسلم أخذت من عرقه وشعره فجمعته في قارورة ثم جمعته في سك، قال: فلما حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى أن يجعل في حنوطه من ذلك السك، قال: فجُعل في حنوطه. رواه البخاري في صحيحه.
السُك بضم السين المهملة نوع من الطيب، والظاهر-والله تعالى اعلم- أن ام سليك رضي الله تعالى عنها كانت تخلط عرقه صلى الله عليه وسلم بنوع من الطيب المعروف في ذلك العصر للتبرك. فسيدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أوصى أن يُجعل في حَنوطه عند تكفيينه من ذلك السُّك المخلوط بعرق النبي صلى الله عليه وسلم فجعل في حَنوطه تبركًا وحبًا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
35- قال ابن كثير في (البداية والنهاية) عند ذكره محنة الإمام أحمد رضي الله عنه أن أحمد قال: فعند ذلك قال (يعني المعتصم) لي: .... طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني، ثم قال، خذوه واخلعوه واسحبوه، قال أحمد: فأخذت وسحبت وخلعت .... وكانت معي شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم مصرورة في ثوبي ا.هـ.
36- ـ أخرج الإمام أحمد رضي الله عنه في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قلّم أظفاره وقسّمها بين الناس.
37- عن حنظلة بن حذيم قال: وفدت مع جدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي بنين ذوي لحى وغيرهم هذا أصغرهم، فأدناني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح رأسي وقال: "بارك الله فيك". قال الذيّال: فلقد رأيت حنظلة يؤتى بالرجل الوارم وجهه أو الشاة الوارم ضرعها فيقول: "بسم الله على موضع كف رسول الله صلى الله عليه وسلم" فيمسحه فيذهب الورم. رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وأحمد في المسند، وقال الحافظ الهيثمي: ورجال أحمد ثقات.
38- وعن ثابت البناني قال: كنت إذا أتيت أنسًا يخبر بمكاني فأدخل عليه فآخذ بيديه فأقبلهما وأقول: بأبي هاتان اليدان اللتان مسّتا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبّل عينيه وأقول: بأبي هاتان العينان اللتان رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أبو يعلى.
39- أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه الذي هو أحد مشاهير الصحابة وأوّل من نزل الرسول صلى الله عليه وسلم عنده لما هاجر من مكة إلى المدينة، جاء ذات يوم إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع وجهه على قبر النبي صلى الله عليه وسلم تبركًا وشوقًا.
روى ذلك الإمام أحمد عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يومًا فوجد رجلا واضعًا وجهه على القبر فقال: أتدري ما تصنع؟ فأقبل عليه أبو أيوب فقال: نعم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ءات الحجر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تبكوا على الدين إذا ولِيَه أهلهولكن ابكوا عليه إذا ولِيه غير أهله" رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط.
40- قال الخازن في تفسيره: فمات ابو أيوب في ءاخر غزوة غزاها في ارض قسطنطينية ودفن في أصل سورها فهم يتبركون بقبره ويستشفعون به.
وقال الخازن في تفسيره: وذلك أنه لما مات يوسف عليه السلام تَشَاحَّ الناس فيه، فطلب أهل كل محلة أن يدفن في محلتهم رجاء بركته حتى همّوا بالقتال، فرأوا أن يدفنوه في النيل حيث يتفرق الماء بمصر ليجري الماء عليه وتصل بركته إلى جميعهم.
وقال عكرمة: دفن في الجانب الأيمن من النيل فأخصب وأجدب الجانب الأيسر فدفنوه في وسط النيل وقدروه بسلسلة فأخصب الجانبان جميعًا إلى أن أخرجه موسى فدفنه بقر آبائه في الشام.
41- روى الروّاس في ((طيّ السجل)) عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: "قبر موسى الكاظم ترياقٌ مجرّب".
42- روى الحافظ الضياء المقدسي أن الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي أُصيب بدُمّل أعياه علاجه فمسح به قبر الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه تبركًا فبرئ. وقال الراهوني في حاشيته على شرح الزرقاني لمختصر خليل: مازال الناس يتبركون بقبور العلماء (الصلحاء) أي (العاملين بعلمهم) والشهداء والصالحين.
43- قال الغزالي: من يستمد منه في حياته يستمد منه بعد مماته. ذكره الزهاوي في كتابه الفجر الصادق.
44- روى السخاوي وابن المبارك والإسماعيلي ولبن بشكوال والبيهقي وابن الجوزي أن كعبًا دخل على عائشة رضي الله عنهما فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفًا من الملائكة حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم القبر (أي يتبركون بقبر لنبي صلى الله عليه وسلم ويتمسحون) ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألفًا حتى يحفّوا بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، سبعون ألفًل بالليل وسبعون ألفًا بالنهار، حتى إذا انشقّت عنه الأرض خرج في سبعين ألفًا من الملائكة يزفون.
45- روى البيهقي بإسناد صحيح عن مالك الدار، وكان خازن عمر، قال: أصاب الناس قحطٌ في زمان عمر فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فقد هلكوا، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: إيت عمر فأقرئه السلام مني وأخبره بأنهم يُسقون، وقل له: عليك بالكيس الكيس. فأتي الرجل فأخبر عمر فقال: يا رب ما ءالوا إلا ما عجزت ا.هـ. وهذا الرجل هو بلال بن الحارث المزني الصحابي. فهذا الصحابي قد قصد قبر النبي صلى الله عليه وسلم للتبرك فلم يُنكر عليه عمر رضي الله عنه ولا غيره.
وفعل هذا الصحابي تبركٌ بقبر النبي صلى الله عليه وسلم وتوسلٌ به.
ونقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري مثله عن ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمّان عن مالك الدار، وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة.
46- روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي مودودة قال: حدثني يزيد بن عبد الملك بن قسيط قال: رأيت نفرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى رمانة المنبر القرعاء فمسحوها ودعوا.
47- في كتاب سؤالات عبد الله بن أحمد بن حنبل لأحمد رضي الله عنه قال: سألت أبي عن مسّ الرجل رمانة المنبر يقصد التبرك وكذلك عن مس القبر فقال: لا بأس بذلك ا.هـ.
وفي كتاب العلل ومعرفة الرجال ما نصه: سألته عن الرجل يمس منبر النبي صلى الله عليه وسلم ويتبرك بمسه ويقبّله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرب إلى الله جل وعز، وقال: لا بأس بذلك ا.هـ.
48- روى ملا علي القاري في كتابه: ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) قال شمس الدين محمد الجزري في مقدمة شرحه على كتابه المسمى بتصحيح المصابيح: إني زرت قبر الإمام مسلم بنيسابور وقرأت بعض صحيحه على سبيل التيمن والتبرك عند قبره، ورأيت ءاثار البركة ورجاء الإجابة في تربته.
49- قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: وروى هشام بن حسان عن محمد عن عبيدة قال: اختلف الناس في الأشربة فما لي شراب منذ ثلاثين سنة إلا العسل واللبن والماء. قال محمد: وقلت لعبيدة إن عندنا من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من قِبل أنس بن مالك، فقال: لأن يكون عندي منه شعرة أحي إليّ من كل صفراء وبيضاء على ظهر الأرض.
50- كان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بكى ولا مرّ على ربعِهِ إلا غمَّض عينيه، كما ذكره البيهقي في كتاب الزهد بسند صحيح، ولقد كان ابن عمر يتتبع ءاثاره صلى الله عليه وسلم في كل مسجد صلى فيه وكان يعرتض براحلته في طريق رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض ناقته فيه، وكان لا يترك الحج، فكان إذا وقف بعرفة يقف في الموقف الذي وقف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج مالك في موطأه في باب ما جاء في الدعاء أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جاء لقرية من قرى الأنصار فقال: هل تدرون أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجدكم هذا؟ فقال له عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك: نعم، وأشار إلى ناحية منه
51- جاء في بعض أحاديث الإسراء أنه صلى الله عليه وسلم لما أسري به وهو راكب البراق وبصحبته جبريل الأمين عليه السلام سار حتى بلغوا أرضًا ذات نخل فقال له جبريل: انزل فصلّ هنا.
قال (فصليت)، ثم ثم ركب فقال جبريل: أتدري أين صليت؟ قلت: ((لا))، قال: صليت بطيبة وإليه المهاجرُ، فانطلق به البراق فقال له جبريل: انزل فصلّ، قال: ((فصليت)) فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: ((لا)) قال: صليت بطور سيناء عند شجرة موسى حيث كلّم ربه، ثم انطلق به البراق فقال له: انزل فصل، قال: ((فصليت))، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: ((لا)) قال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ابن مريم، إلى ءاخر ما جاء في الحديث الذي ورد بروايات، وأصل الحديث صحيح رواه الحافظ البيهقي، فيأخذ من هذا أن كل موضع وأثر للأنبياء عليهم الصلاة والسلام يصلّى فيه ويتبرك به.
52- أخرج البخاري في كتاب الصلاة حديث طلب عثمان بن مالك من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصلي له في مكان من بيته ليتخذه مُصلّى لما ضعف بصره وخاف من حيلولة السيل بينه وبين المسجد النبوي، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم في بيته وقال: ((أين تحب أن أصلي لك))؟ فأشار إلى ناحية من بيته، فصلّى فيه، فصفوا خلفه.
53- روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر النساء اللواتي تولين غسل ابنته زينب بعد وفاتها أن يخبرنه بعد فراغهن، فلما فرغن أعطاهن حَقْوه (أي إزاره) ليجعلنه على جسدها ثم بعده الكفن لتنالها بركته صلى الله عليه وسلم ببركة ثوبه.
54- روى الحافظ الزبيدي في شرح الإحياء عن الشعبي قال: حضرت عائشة رضي الله عنها فقالت: ((إني أحدثت بعد رسول الله حدثًا ولا أدري ما حالي عنده فلا تدفنوني معه، فإني أكره أن أجاور رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أدري ما حالي عنده، ثم دعت بخرقة من قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ضعوا هذه على صدري وادفنوها معي لعلي أنجو بها من عذاب القبر))ا.هـ.
عائشة رضي الله عنها هي أم المؤمنين وأفقه نساء العالمين وحبيبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد تبركت به كثيرًا صلى الله عليه وسلم، ومع ذلم فإنها لم تعتبر نفسها مستغنية عن التبرك بآثاره بعد وفاته وعند وفاتها، بل رأت أنها محتاجة لذلك من تواضعها مع أنها مبشّرة بالجنة. ولو كان فعلها هذا من قبيل الشرك كما يزعم المحرومون من البركة، كيف سمّاها في القرءان أمًا للمؤمنين بقوله عزوجل: {النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} (سورة الأحزاب).
55- روى الحافظ ابن حبان في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كانت له عصا صغيرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى أن تُدفن معه بين جنبه وكفنه،. وأنس رضي الله عنه لازم الرسول صلى الله عليه وسلم وخدمه عشر سنوات وانتفع به بمسّه ولمسه وتقبيله ومصافحته ومسّ ما كان من ءاثاره، ومع ذلك رأى من النافع والمفيد أن تُدفن معه هذه العصا الصغيرة التي كانت نحو ذراع وأخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وخبّأهل لتُدفن معه، وما هذا إلا مما فهمه الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجوز التبرك بآثاره بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
56- روى السمهودي في وفاء الوف والسبكي في شفاء السقام، والقاضي عياض في الشفاء، وابن عساكر في تاريخه، أن بلالا الحبشي مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سكن بلاد الشام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، رأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: يا بلال ما هذه الجفوة؟ مضى زمان لم نرك، فلما استيقظ من منامه غلبه الشوق، فشدّ رحاله وقصد قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولما وصل صار يمرّغ نفسه بتراب القبر تبركًا، وكان ذلك في خلافة عمر رضي الله عنه فلم يُنكر عليه عمر رضي الله عنه ولا غيره، وجاء إليه الحسن والحسين عليهما السلام فقالا له: نشتهي أن نسمعك أذانك يا بلال، فصعد إلأى المكان الذي كان يؤذّن فيه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبدأ بالأذان.
57- رو البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول للمريض: ((بسم الله، تربة أرضنا، برِيقة بعضنا، يُشفى سقيمنا، بإذن ربنا)).
فأرض المدينة المنورة بركة، وهواؤها فيه بركة، وترابها فيه بركة، ولذلك كان الإمام مالك رضي الله عنه يمشي فيها ولا يركب لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مدفون فيها، ولأنه كان يرجو أن يصيب بقدميه موضعًا أصابته قدم النبي صلى الله عليه وسلم تبركًا.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة" رواه البخاري في الصحيح.
فمن دخل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليغتنم كل أوقاته في الطاعة وتتبع ءاثار النبي والصحابة الكرام، فإن العلماء الكرام كانوا إذا دخلوها سعوا جاهدين أن ينالوا من عظيم بركاتها، حتى إنهم كانوا يشربون من لبن نوق المدينة يقولون: لعل هذه الناقة أكلت من عشب نبت في أرض داس عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال العلماء يستحب لزائر المدينة أن يأتي بئر أريس التي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تفل فيها، وهي عند مسجد قباء، فيشرب من مائها ويتوضأ.
كما يستحب أن يأتي الآبار التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ منها ويغتسل فيشرب ويتوضأ وهي سبع آبار. ذكر استحباب ذلك ابن حجر في حاشية الايضاح على مناسك النووي .
58- قال الشافعي رضي الله عنه: ما أعطى الله نبيًا معجزة إلا وأعطى محمدًا مثلها أو أعظم منها. فقيل للشافعي: أعطى الله عيسى إحياء الموتى فقال رضي الله عنه: أعطى محمدا حنين الجذع حتى سمع صوته. فهذا أكبر من ذلك.
فقد جاء عن جابر بن عبد الله أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله ألأا أجعل لك منبرًا تقعد عليه؟ فإن لي غلامًا نجارًا، قال: ((إن شئت))، قال: فعملت له منبرًا فلما كان يوم الجمعة قعد على المنبر الذي صنع له، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت تنشق، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أخذها فضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يُسكّت حتى استقرت، فبكى الحسن وقال: يا معشر المسلمين، الخشبة تحن إلأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقًا إليه، أفليس الرجال الذيني رجون لقاؤه أحق أن يشتاقوا إليه.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لما زال هكذا إلى يوم القيامة)) حُزنًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أمر به فدُفن.
هذا الجذع الذي حنّ للرسول صلى الله عليه وسلم خلق الله فيه الإدراك والمحبة والشوق لرسول الله صلى الله عليه وسلم فحنّ من شدة الشوق، وكان هذا الجذع في قبلة المسجد.
وحديث حنين الجذع هذا متواتر، وهذا من أعجب المعجزات،ويصح لقائل أن يقول إنها أعجب من إحياء الموتى الذي حصل للمسيح عليه السلام، لأن إحياء الموتى يتضمن رجوع هؤلاء الأشخاص إلى مثل ما كانوا عليه قبل أن يموتوا، أما الخشب فهو من الجماد الذي لم يكن من عادته أن يُظهر صوتًا بإرادة فهو أعجب، وهذ من أظهر المعجزات.
فإن قال مانعو التبرك: إنما أمر الرسول بدفنه كي لا يتبرك الناس به؟!! فالجواب أن هذا الكلام تقوُّلٌ، أي قول بلا دليل، وليس صحيحًا، وإنما أمر بدفنه كي لا يعاود الصراخ بعد ذلك، ومما يثبت ويؤكد أن الصحابة كانوا يتبركون بهذا الجذع كتبركهم بمنبر النبي صلى الله عليه وسلم وبالرمانة القرعاء وهي خشبة مستديرة ملساء توضع على المنبر يضع الخطيب يده عليها، وكانوا يتبركون بقبره الشريف ويضعوا وجوههم وأيديهم تبركًا، أن الصحابي الجليل خالد بن زيد أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه رجع بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم وحفر وأخرج الجذع ووضعه في بيته كما روى ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني، وما ذلك إلا للتبرك بالجذع الذي كان الرسول يستند إليه ويلمسه.
وكذلك يجوز ويصح التبرك بالشبيكة المباركة المعروفة اليوم باسم المواجهة الشريفة، فإن قال مانعو التبرك: هذه الشبيكة لا رءاها الرسول صلى الله عليه وسلم ولا لمسها؟!! فيقال: ولكنها جاورته، وبمجاروتها له صارت مباركة، كما أن جلد الخروف أو (الكرتون) إذا رأيناه في الدكان لا نُقبّله، لكن غذا صار غلافًأ للمصحف يصير مباركًا بمجاورته فنُقبّله، ولكن مَنْ لي بإفهام مَنْ حرمهم الله الفهم السليم والتبرك بسيد العالمين صلى الله عليه وسلم.
59- قال مصعب بن عبد الله حدثني إسماعيل بن يعقوب التيمي قل: كان ابن المنكدر يجلس مع أصحابه فكان يصيبه صمات، فكان يقوم كما هو حتى يضع خده على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع فعوتب في ذلك، فقال: إنه يصيبني خطر فإذا وجدت ذلك استعنت بقبر النبي صلى الله عليه وسلم ا.هـ. من كتاب سير أعلام النبلاء للذهبي.
60- في فتح الباري لابن حجر: الإيمان انتشر في المدينة، وكل مؤمن له من نفسه سائق للمدينة لمحبته في النبي الله صلى الله عليه وسلم، فيشمل ذلك جميع الأزمنة، لأنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للتعلم منه، وفي زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم

فقه الخلاف ...

فقه الاختلاف

في أحد المواقع الإسلامية كتب أحد القراء السؤال التالي
لديَّ سؤالٌ أتمنَّى لو تجيبوني عليه بالتأصيل والعمق الذي تعوَّدناه من حضراتكم، وهو حول قضية الاختلاف مبادئها وأصولها التي يمكن أن نتبعها حتى لا يجر الخلاف ما نراه من الفرقة والشقاق بين المسلمين، إذ يتعصب كل ذي رأيٍّ لرأيه، ولا يعطي لنفسه مجالاً حتى ينظر في الرأي المخالف، وما ينتج عن مثل هذه المواقف من مشكلات لا تنتهي.
و وجدت في الإجابة التالية من الأستاذ محمد ابراهيم زيدان فائدة جمة جعلت جوابه أول مقالة أستفتح بها هذا الموقع
أخي الكريم؛
بارك الله فيك ونفع الله بك إذ فتحت هذا الموضوع للنقاش؛ فهو من أهم ما يميز الشريعة الإسلامية.. إذ الاختلاف سنةٌ من سنن الله في الحياة، وسرٌّ من أسرار الوجود العظمى، وهو بجميع درجاته، بدءً من التناقض والتضاد، إلى التشابه والتماثل، ضرورةٌ حياتيَّةٌ لا يمكن أن يُتصوَّر وجود بدونها.وقد جاءت نصوصٌ ومأثوراتٌ تضع مبادىء وأصولاً للاختلاف المحمود ترتقي به في كثيرٍ من الأحيان إلى درجة الوجوب العملي، ومن المثير للعجب أن توجد في أوساط المسلمين بين الحين والحين تياراتٌ تنفِّر من الاختلاف وتضيق به وتعدُّه بكل صوره رجزًا من عمل الشيطان، بل تتعدى ذلك فتسعى جاهدةً للقضاء عليه وإزالته من الوجود، متأثرةً بأمورٍ كثيرةٍ أهمها في نظري هو عدم -أو قلة- فهم النصوص المحذرة من الاختلاف، أو وضعها في غير مواضعها، أو الخلط بين ما هو مطلقٌ وما هو نسبيٌّ من الحقيقة، وقد كانت هذه التيارات -وما تزال- من أخطر ما تواجهه الأمة الإسلامية، لما تحمله أطروحاتها من دواعي الفتنة والتناحر، ولما تجسِّده ممارساتها من حجر على الفكر وكبت للحريات.

وقد أحسن الدكتور يوسف القرضاوي في وصف فئةٍ من هذه التيارات حين قال في كتابه (الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم): “ونحن نشاهد على الساحة الإسلامية أناسًا لا هَمّ لهم إلا الجدل في كل شيء، وليس لديهم أدنى استعدادٍ لأن يعدلوا عن أي رأيٍّ من آرائهم، وإنما يريدون للآخرين أن يتبعوهم فيما يقولون، فهم على حقٍّ دائمًا، وغيرهم على باطل أبدًا؛ منهم من يجادل في كلماتٍ أعطاها اصطلاحًا خاصًّا خالفه فيه غيره، ويريد أن يلزم الآخرين برأيه مع أن علماءنا قالوا: لا مشاحة في اصطلاح؛ ومنهم من يذمُّ التعصُّب للمذاهب، وهو يقيم مذهبًا جديدًا، يقاتل الآخرين عليه! ومن يحرِّم التقليد ويطلب من الناس أن يقلدوه! أو يمنع تقليد القدامى وهو يقلِّد بعض المعاصرين! ومن يقيم معركةً من أجل مسائل فرعيَّةٍ وجزئيَّة، اختلف السلف فيها وفي أمثالها، ولم تعكِّر لعلاقاتهم صفوًا“.
والسبب الرئيسي، في نظري، لمثل هذه المواقف هو قلَّة الفقه بوجهٍ عام، وقلَّة الفقه بما يمكن أن يطلق عليه “فقه الاختلاف” بوجهٍ خاصٍّ، ومن المحزن أن تكون هذه حال المسلمين، وموروثهم الفقهي زاخرٌ بالمصنفات التي أفردت لقضايا الاختلاف وشرح أسبابه ودواعيه، وتاريخهم في كثيرٍ من جوانبه هو في حقيقة الأمر ثمرةٌ من ثمرات الاختلاف.
وفقه الاختلاف فقهٌ يحتاج إلى عنايةٍ خاصَّة، فعلى الرغم من كثرة المصنَّفات التي تطرَّقت إلى الاختلاف ومسائله، فإنَّ القليل منها الذي قدَّم تأصيلاً له وبلور تصوُّرًا شاملاً للموقف منه، إذ اكتفت معظم المصنفات بذكر أسباب الاختلاف وسرد مسائله وبعض آدابه، دون تأصيلٍ فقهيٍّ له.
وغني عن القول أنَّ حاجة الأمة لهذا النوع من الفقه اليوم هي أعظم من أيِّ وقتٍ مضى، ولكن يبقى أن هناك أصولاً ينبغي التنبيه عليها في توضيح تصوُّرنا لهذا الفقه، ومن أهمِّ الأصول التي يمكن أن يبنى عليها التصوُّر الإسلامي للاختلاف على المستوى الإنساني ما يلي

1- أنَّ الاختلاف كما كان سنَّةً ماضيَّةً في الخلق وناموسًا من نواميس الوجود، فهو كذلك ماضٍ في المسلمين في معظم شؤون حياتهم.

2- أنَّ الاختلاف نوعان:
– نوعٌ مذمومٌ، وهو ما كان نتيجةً للهوى والقول بغير علم، أو ما كان متضمنًا بغيًّا بأيِّ صورةٍ من الصور.
– ونوعٌ محمودٌ، وهو ما كان نتيجةً للاجتهاد المنضبط بجميع مستوياته.
3- أنَّ من القضايا ما لا يجوز الاختلاف فيه، ومنها غير ذلك، وما لا يجوز الاختلاف فيه هو جملة الأمور القطيعة الثبوت القطيعة الدلالة، وكلُّ معلومٍ من الدين بالضرورة مما لا يحتمل إلا رأيًّا واحدًا. أما ما سوى ذلك فهو محل اجتهادٍ ونظرٍ واختلاف، واختلاف الآراء فيه سائغ.4- أن الاجتهاد في طلب الحقِّ فرضٌ على جميع المسلمين كلّ حسب استطاعته، وهو بالنسبة لأصحاب الأهليَّة الفقهيَّة إمَّا أن يكون اجتهادًا مطلقًا أو اجتهادًا ترجيحيًّا، أو اجتهادًا جزئيًّا؛ وبالنسبة لغير أصحاب الأهلية الفقهية يكون اجتهادًا في اختيار الفقيه المقلَّد.  ولابد هنا من التفريق بين مسائل الاختلاف، ومسائل الاجتهاد، فليست كلُّ مسائل الخلاف من مسائل الاجتهاد، بل كثيرٌ من مسائل الاختلاف إنَّما نشأت على غير دليلٍ، إمَّا لهوىً أو لقلَّة علم.
5- أنَّ التجرُّد وبذل الوسع في طلب الحق لا يؤدِّيان بالضرورة إلى معرفة الحقِّ دائمًا، فقد يتجرَّد الإنسان ويبذل وسعه ولا يوفقه الله إلى الحقِّ لحكمةٍ يراها.
6- أنَّ الحقيقة المطلقة هي من علم الله عزَّ وجلَّ وحده؛ وما نقطع به منها هو ما جاء به الوحي القطعي الثبوت القطعي الدلالة؛ وما سوى ذلك فليس مبنيًّا إلا على غلبة الظنِّ ورجحان الدليل.
7- أنَّ اختلاف المسلمين فيما يسوّغ الاختلاف فيه هو في جانبٍ ابتلاءٌ لهم، وفي جانبٍ آخرٍ رحمةٌ بهم، وهو ابتلاءٌ لما يشكِّله من تحدٍّ معرفيٍّ ومعاشي، وهو رحمةٌ من حيث عدم المؤاخذة على الخطأ فيه، ولما فيه من توسيعٍ عليهم.
8- أنَّ أهليَّة الاجتهاد قد تكون مطلقة، وقد تكون للترجيح بين المذاهب، وقد تكون في المذهب الواحد أو المسألة الواحدة، ومن المؤسف أنَّ التصوُّر الإسلامي للاجتهاد لدى كثيرٍ من المسلمين المتأخرين قد تشوَّه حتى أصبح لا يرى من الاجتهاد إلا الاجتهاد المطلق، وأصبح لذلك كلُّ اجتهادٍ صادرٍ عن غير مجتهدٍ مطلقٍ اجتهادًا مرفوضًا غير معترفٍ به، بل انحرافًا يجب محاربته.
هذا في الجانب الفكري التصوُّري، أمَّا في الجانب الفقهي التشريعي، وهو المتعلِّق بما يجب على المسلم تجاه أخيه المسلم في مسائل الاختلاف، فإنَّ أهمَّ ما يجب أن يُراعى هو:

1- أنَّ الاجتهاد في طلب الحقِّ فرض عينٍ على كلِّ مسلمٍ حسب الاستطاعة وفي نطاق الأهليَّة الاجتهاديَّة بمعناها الواسع.
2- أنَّ المجتهد ملزمٌ بما أدَّاه إليه اجتهاده وإن كان مخالفًا لكثيرين غيره، فإن كان مجتهدًا مطلقًا فلا يجوز له التقليد بأيِّ حالٍ من الأحوال، وإلزامه بمقتضى اجتهاده أشدُّ من غيره، وإن كان مرجِّحًا فهو ملزمٌ بترجيحه، وإن كان مقلِّدًا فهو ملزمٌ بفتوى من يُقلِّد.
قال الشاطبي رحمه الله في الموافقات: “فأمَّا المجتهد الناظر لنفسه، فما أدَّاه إليه اجتهاده فهو الحكم في حقه”، وقال ابن حزم رحمه الله في الإحكام في أصول الأحكام: “فإذا قام البرهان عند المرء على صحَّة قولٍ ما –قيامًا- فحقُّه التديُّن به، والفتيا به، والعمل به، والدعاء إليه، والقطع أنَّه الحق عند الله عز وجل”، ولا يستثنى من ذلك إلا الحالات التي يرى الحاكم المسلم فيها حمل الأمة على أحد الآراء في مسألةٍ من المسائل لمصلحةٍ عامَّة، فعندئذ يسقط عنه الإلزام خاصةً إذا كان الأمر متعلقًا بعبادةٍ جماعيَّةٍ أو معاملةٍ عامَّة.
3- لا يجوز الإنكار ولا التشنيع على المخالف فيما يجوز الاختلاف فيه مهما كان واضحًا للآخرين خطأ المخالف، ذلك أنَّ الخطأ في الاجتهاد لا يستدعي المفارقة ولا التفسيق ولا التكفير مهما كان ذلك الخطأ، لعموم النصوص الواردة في ذلك، ومنها قول الله عز وجل: (وليس عليكم جناحٌ فيما أخطأتم به ولكن ما تعمَّدت قلوبكم)، وقول الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام: (رُفِع عن أمَّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، قال ابن حزم: (فمن حكم بقول ولم يعرف أنه خطأ، وهو عند الله تعالى خطأ، فقد أخطأ ولم يتعمَّد الحكم بما يدري أنه خطأ، فهذا لا جناح عليه في ذلك عند الله تعالى؛ وهذه الآية عمومٌ دخل فيه المفتون والحكام والعاملون والمعتقدون، فارتفع الجناح عن هؤلاء بنصِّ القرآن فيما قالوه أو عملوا به، مما هم مخطئون فيه، وصحَّ أنَّ الجناح إنَّما هو على من تعمَّد بقلبه الفتيا أو التدين أو الحكم أو العمل بما يدري أنَّه ليس حقًا، أو بما لم يَقُدْهُ إليه دليلٌ أصلاً.
4- أنَّ الحكم على المسلمين هو على ظواهرهم فقط، أمَّا النيَّات فعلمها عند الله عزَّ وجلَّ وهو الوحيد المطَّلع عليها، وليس من واجب المسلم ولا من حقِّه أن يسعى لاستكشافها.
أخيرًا؛ إنَّ من فقه الاختلاف معرفة الآداب الإسلاميَّة الواجبة في الحوار والجدل، وليس من المبالغة القول أنَّ جزءًا كبيرًا من اختلاف المسلمين وفرقتهم إنَّما نشأ بسبب عدم أو قلة التزامهم بأدب الحوار والجدل، وإنَّ مستقبل المسلمين -في نظري- مرهونٌ إلى درجةٍ كبيرةٍ بمدى قدرتهم على إدارة خلافاتهم بالأسلوب الذي يرتضيه ويقرِّره الإسلام وعلى الأسس الشرعيَّة المعتبرة.

حكم حلق اللحية ..؟

حكم حلق اللحية

س : نرى البعض ممن ينتمون إلى جماعة المسلمين الأمريكان لا يلتزمون بهدي النبي و لا يطلقون لحاهم بل و يحلقونها و هذا معروف أنه حرام حيث أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بإطلاق اللحى ؟
ج : هذا بحث حول موضع حلق اللحية و مجموعة من الفتاوى المتعلقة بالموضوع
أقوال العلماء في اللحية وكانت كالآتي:1- قول جمهور العلماء الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض الشافعية تحريم حلق اللحية.2- قول جمهور الشافعية وبعض المالكية بكراهة حلق اللحية وتبعهم بعض المعاصرين كالشيخ القرضاوي وغيره.3- قول بعض الحنفية المتأخرين باستحباب إعفاء اللحية وليس الوجوب وتبعهم عليه بعض المعاصرين كالشيخ جاد الحق -شيخ الأزهر السابق-.4- قول بعض المعاصرين بأنه اعفاء اللحية من العادات فقط كالشيخ شلتوت والشيخ محمد أبو زهرة -رحمهما الله- وغيرهما.
و هذا تفصيل لهذه المسألة :
مأخوذ من هذين الرابطين :
أولا:حكم اللحية:
جمهور الفقهاء من أحناف ومالكية وحنابلة وقول عند الشافعية على وجوب إعفاء اللحية وحرمة حلقها والكلام في هذه المسألة قليل جدا في كتب الفقه المذهبية والمستقلة وذلك لأنه لم يكن بهم حاجة للخوض في هذه المسألة لأن المجتمع كله-تقريبا-كان ملتحيا عادة أكثر منه عبادة فلم تكن بهم حاجة لحلقها.
,من المعروف أن المعتمد عند الشافعية كراهية حلق اللحية لا حرمته .
ذكر ذلك شيخا المذهب الشافعي: الإمام النووي والإمام الرافعي، وأقرهم عليه المتأخرون كابن حجر الهيتمي والرملي وهما عمدة من جاء بعدهم في الفتوى على المذهب .
وانظر كلام الرملي في الفتاوى المطبوعة بهامش فتاوى ابن حجر 4/ 69:
‏( باب العقيقة ) ( سئل ) هل يحرم حلق الذقن ونتفها أو لا ؟ ( فأجاب ) بأن حلق لحية الرجل ونتفها مكروه لا حرام , وقول الحليمي ‏في منهاجه لا يحل لأحد أن يحلق لحيته ولا حاجبيه ضعيف .‏
,والقول بالكراهة لحلق اللحية صرح به في كتاب الشهادات البجيرمي في حاشيته على شرح الخطيب لمتن أبي شجاع في الفقه الشافعي.
,
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى كما في شرح مسلم (1/154( :”يكره حلقها وقصها وتحريقها أما الأخذ من طولها وعرضها فحسن“.
وقد قال شطا الدمياطي في حاشيته النفيسة في المذهب “إعانة الطالبين” 2 / 240 عند قول الشارح (ويحرم حلق اللحية) ما نصه :
” 
المعتمد عند الغزالي وشيخ الإسلام _ أي القاضي زكريا الأنصاري كما هو اصطلاح المتأخرين _ وابن حجر في التحفة والرملي والخطيب _ أي الشربيني _ وغيرهم الكراهة .”
,وأما فتاوى العلماء المعاصرين فأغلب علماء السعودية على حرمة حلقها وفتاواهم في ذلك أشهر من أن تذكر- ولكن الغريب أنه لا تنشر الفتاوى الأخرى المبيحة أو الكارهة فقط لحلقها, وكذلك لا تنشر فتاوى من حرم حلقها في الظروف العادية ورخص في حلقها في ظروف استثنائية كالظروف التي تعيشها بلادنا وقد جمعنا طرفا من ذلك:

فتوى رقم 1:يقول الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق -رحمه الله تعالى– : 
من المسائل الفقهية الفرعيَّة: موضوع اللحية، حيث تَكاثر الخلاف حولها بين الإعْفاء والحلْق، حتى اتَّخذ بعض الناس إعفاء اللحية شعارًا يُعرف به المؤمن من غيره.والحق أن الفقهاء اتفقوا على أن إعفاء اللحية، وعدم حلْقها مأثور عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد كانت له لِحيةٌ يُعنَى بتنظيفها وتخليلها، وتمشيطها، وتهذيبها لتكون متناسبة مع تقاسيم الوجه والهيئة العامة.وقد تابع الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما كان يفعله وما يختاره.وقد وردت أحاديثُ نبوية شريفة تُرغِّب في الإبقاء على اللحية، والعناية بنظافتها، وعدم حلْقها، كالأحاديث المُرغِّبة في السواك، وقصِّ الأظافر، واستنشاق الماء..وممَّا اتفق الفقهاء عليه ـ أيضًاـ أن إعْفاء اللحية مَطلوب، لكنهم اختلفوا في تكييف هذا الإعفاء، هل يكون من الواجبات أو مِن المندوبات، وقد اختار فريق منهم الوجوب، وأقوى ما تمسَّكوا به ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:
 “خالِفُوا المُشركينَ، ووَفِّرُوا اللِّحى، واحْفُوا الشوارب“.وما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عمر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “احْفُوا الشوارِبَ واعْفُو اللِّحَى”. حيث قالوا: إن توفيرها مأمور به، والأصل في الأمر أن يكون للوجوب إلا لصارفٍ يَصْرِفُهُ عنه، ولا يُوجد هذا الصارف، كما أن مُخالفة المشركين واجبةٌ، والنتيجة أن توفير اللحْية، أيْإعفاءها واجبٌ.قال الإمام النووي في شرحه حديث: “احْفُوا الشوارب واعْفوا اللِّحَى”: إنه وردت رواياتٌ خمسٌ في ترْك اللحْية، وكلها على اختلافها في ألفاظها تدلُّ على ترْكها على حالهاوممَّا رَتَّبُوه على القول بوُجوب إعفاء اللحية: ما نقله ابن قدامة الحنبلي في المُغني: أن الدية تجب في شَعْر اللحية عند أحمد، وأبي حنيفة والثوري، وقال الشافعي ومالك: فيه حكومة عدْلٍ، وهذا يُشير إلى أن الفقهاء قد اعتبروا إتلاف شَعر اللحية حتى لا يَنبت جِنايةٌ من الجنايات التي تَستوجب المُساءلة: إما الدية الكاملة كما قال الأئمة أبو حنيفة وأحمد والثوري، أو دِية يُقدرها الخبراء كما قال الإمامان: مالك والشافعي.وذهب فريقٌ آخر إلى القول بأن إعفاء اللحية سُنَّة يُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها، وحلْقها مَكروه، وليس بحرام، ولا يُعَدُّ مِن الكبائر، وقد استندوا في ذلك إلى ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ 
قال: “عشْرٌ مِن الفطرة: قصُّ الشارب، وإعفاء اللحْية، والسواك، واستنشاق الماء، وقصُّ الأظفار، وغسْل البراجِم (البراجم: مَفاصل الأصابع من ظهر الكف “. ونَتْفُ الإبِط، وحلْق العانَة، وانتقاص الماء (أي الاستنجاء). قال مصعب: ونسيتُ العاشرة إلا أن تكون المَضمضة.حيث أفاد الحديث أن إعفاء اللحية من السُنَن والمَندوبات المَرغوب فيها إذ كل ما نصَّ عليه من السُنَن العادية.وقد عقَّب القائلون بوُجوب إعفاء اللحية ـ على القائلين بأنه مِن سُنَنِ الإسلام ومَندوباته ـ بأن إعفاء اللحية جاء فيه نصٌّ خاصٌّ أخرجها عن الندْب إلى الوُجوب، وهو الحديث المذكور سابقًا “خالِفوا المُشركين..”.وردَّ أصحاب الرأي القائل بالسُنَّة والندْب بأن الأمر بمُخالفة المُشركين لا يتعيَّن أن يكون للوُجوب، فلو كانت كلُّ مُخالفةٍ لهم مُحتَّمة لتحتَّم صبْغ الشعر الذي وَرَدَ فيه حديث الجماعة: “إن اليهود والنصارى لا يَصبغون فخَالِفُوهم”. (رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي) مع إجماع السلف على عدم وُجوب صبْغ الشعر، فقد صبَغ بعض الصحابة، ولم يصبغ البعض الآخر كما قال ابن حجر في فتح الباري، وعزَّزوا رأيهم بما جاء في كتاب نهج البلاغة :
 سُئل عليٌّ ـ كرَّم الله وجهه ـ عن قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم: “غيِّروا الشَّيْبَ ولا تَشَبَّهُوا باليهود”. فقال: إنما قال النبي ذلك والدِّينُ قُلٌّ، فأما الآن وقد اتَّسع نطاقه، وضرب بجرانه فامرؤٌ وما يَختار..مِن أجل هذا قال بعض العلماء: لو قيل في اللحْية ما قيل في الصبْغ مِن عدم الخُروج على عرف أهل البلد لكان أولَى، بل لو تركت هذه المسألة وما أشبهها لظُروف الشخص وتقديره لمَا كان في ذلك بأس.وقد قيل لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة ـ وقد رُؤي لابسًا نَعْلَيْنِ مَخْصُوفيْن بمَسامير ـ إن فلانًا وفلانًا من العلماء كرِهَا ذلك؛ لأن فيه تَشَبُّهًا بالرهبان فقال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يلبسُ النعال التي لها شعْر، وإنها مِن لبس الرهبانوقد جرَى على لسان العلماء القول: بأن كثيرًا ممَّا ورَد عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مثل هذه الخِصال يُفيد أن الأمر كما يكون للوُجوب يكون لمُجرد الإرشاد إلى ما هو الأفضل، وأن مُشابهة المُخالفين في الدِّين إنما تَحرُم فيما يُقصد فيه الشبه بشيء مِن خصائصهم الدينية،
 أمَّا مُجرَّد المشابهة فيما تجري به العادات والأعراف العامة فإنه لا بأْس بها ولا كَراهة فيها ولا حُرمة.لمَّا كان ذلك كان القول بأن إعفاء اللحية أمر مَرغوب فيه، وأنه من سُنَن الإسلام التي ينبغي المحافظة عليها مقبولاً، وكان مَن أعفَى لحْيته مُثابًا، ويُؤجَر على ذلك، ومَن حلَقها، فقد فعل مَكروهًا، لا يأثَمُ بفِعله هذا اعتبارًا لأدلة هذا الفريق.والله أعلم.

فتوى رقم 2 من مشروع فتاوى الأزهر في مائة عام:الموضوع (1198) حلق اللحية واعفاؤها.المفتى : فضيلة الشيخ جاد الحق على جاد الحق.11 أغسطس 1981 م.
المبادئ:
1- 
إعفاء اللحية وعدم حلقها مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تابعه الصحابة رضوان الله عليهم فيما كان يفعله ويختاره.
2 – 
ما ترشد إليه السنة الشريفة وآداب الإسلام في الجملة أن أمر الملبس والمأكل وهيئة الإنسان الشخصية لا تدخل في العبادات، بل للمسلم أن يتبع فيها ما تستحسنه بيئته ويألفه الناس ما لم يخالف نصا أو حكما غير مختلف عليه.
3 – 
الأمر الوارد في إعفاء اللحية مختلف فيه بين الوجوب والسنة والندب.

4 – 
إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما.سئل : بالطلب المتضمن أن السائل طالب في رعاية والديه، وأنهما يأمرانه بحلق لحيته وألا يطيلها.ويطلب بيان حكم الشرع في حلق لحيته، وهل يحرم عليه شرعا أن يحلقها طاعة لوالديه أو يطيلها كسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو يحب أن يطيلها ولا يحلقها تمسكا بالسنة الشريفة؟
أجاب : إعفاء اللحية وعدم حلقها مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد كان يهذبها ويأخذ من أطرافها وأعلاها بما يحسنها بحيث تكون متناسبة مع تقاسيم الوجه والهيئة العامة.وقد كان يعنى بتنظيفها بغسلها بالماء وتخليلها وتمشيطها – وقد تابع الصحابة رضوان الله عليهم الرسول عليه الصلاة والسلام فيما كان يفعله وما يختاره – وقد وردت أحاديث نبوية شريفة ترغب في الإبقاء على اللحية والعناية بنظافتها، كالأحاديث المرغبة في السواك وقص الأظافر والشارب – وقد حمل بعض الفقهاء هذه الأحاديث على الأمر، وسماها كثير منهم سنة يثاب عليها فاعلها ولا يعاقب تاركها، ولا دليل لمن قال إن حلق اللحية حرام أو منكر إلا الأحاديث الخاصة بالأمر بإعفاء اللحية مخالفة للمجوس والمشركين، 
والأمر في الأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم كما يكون للوجوب يكون لمجرد الإرشاد إلى الأفضل زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم وشرحه فتح المنعم ج 1 ص 178 و 179 تعليقا على الحديث رقم 423 طبعة ثانية مؤسسة الحلبي ) والحق الذي ترشد إليه السنة الشريفة وآداب الإسلام في الجملة أن أمر الملبس والمأكل وهيئة الإنسان الشخصية لا تدخل في العبادات التي ينبغي على المسلم الالتزام فيها بما ورد في شأنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بل للمسلم أن يتبع فيها ما تستحسنه بيئته ويألفه الناس ويعتادونه ما لم يخالف نصا أو حكما غير مختلف عليه – وإعفاء اللحية أو حلقها من الأمور المختلف على حكم الأمر الوارد فيها بالإعفاء على ما تقدم، ولما كان السائل يقول إن والديه أمراه بحلق لحيته، وبألا يطيلها، ويتساءل هل حرام حلق اللحية إذ أنه يرغب في إطلاق لحيته كسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.لما كان ذلك كان السائل بين مخافتين أو محظورين، 
هما عصيان الوالدين وإيذاؤهما بهذا العصيان بإعفاء اللحية وإطالتها، وفى حلقها طاعة لهما مخالفة للسنة.وإذ كانت مصاحبة الوالدين بالمعروف ثابتة بنص القرآن في قوله تعالى { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا } لقمان 15 ، وبغير هذا من الآيات الكريمة في القرآن وبالأحاديث الشريفة، وهذا من الأوامر الواجبة الاتباع قطعا، ولذلك كان إيذاء الوالدين بعصيان أوامرهما من الكبائر، إلا في الشرك أو فيما يوازيه من الكبائر، وليس حلق اللحية من الكبائر، وإذ كان إطلاق اللحية أو حلقها من الأمور التي اختلف العلماء في مدلول الأمر الوارد في السنة في شأنها، هل هو من باب الواجب أو السنة أو الندب.إذ كان ذلك كان على السائل الالتزام بالأمر الوارد في القرآن الكريم الثابت قطعا والذي يؤدى تركه إلى ارتكاب كبيرة من الكبائر هي إغضاب الوالدين وإيذاؤهما، بينما حلق اللحية ليس من المعاصي الثابتة قطعا، إذ إعفاؤها من السنن، والسنة تفسر بمعنى الطريقة كما تفسر بما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.ولا شك أن الأولى تنفيذ الأمر بحسن الصحبة مع الوالدين، إلى أن يقنعهما برغبته في إطلاق لحيته اتباعا للسنة أيا كان المقصود بها.ووجه آخر ذلك أنه بافتراض تساوى حسن صحبة الوالدين، 
وإعفاء اللحية في الحكم والثبوت، فقد تعارضت مفسدتان هما إغضاب الوالدين وإيذاؤهما بإعفاء اللحية وهذا الإيذاء من الكبائر، وحلق اللحية عمل مخالف للسنة – وقد نص الفقهاء على أنه إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما – قال الزيلعى في باب شروط الصلاة (ثم الأصل في جنس هذه المسائل أن من ابتلى ببليتين وهما متساويتان يأخذ بأيهما شاء، وإن اختلفتا يختار أهونهما لأن مباشرة الحرام لا تجوز إلا للضرورة ) ( الأشباه والنظائر لابن نجيم في القاعدة الخامسة – الضرر يزال، وفروعها ) ولا شك أن حلق اللحية أهون وأخف ضررا من إغضاب الوالدين وإيذائهما بإطلاقها، لأن إيذاء الوالدين بعصيانهما لا يكون إلا في الشرك بالله وما يساويه، وحلق اللحية ليس من هذا القبيل في الحكم والثبوت.والله سبحانه وتعالى أعلم.

,ويقول الدكتور القرضاوي-رئيس اتحاد العماء المسلمين و رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء و البحوث-:

نرى أن في حلق اللحية ثلاثة أقول: قول بالتحريم وهو الذي ذكره ابن تيمية وغيره. وقول بالكراهة وهو الذي ذكر في الفتح عن عياض ولم يذكر غيره. وقول بالإباحة وهو الذي يقول به بعض علماء العصر. ولعل أوسطها أقربها وأعدلها وهو القول بالكراهة- فإن الأمر لا يدل على الوجوب جزما وإن علل بمخالفة الكفار، وأقرب مثل على ذلك هو الأمر بصبغ الشيب مخالفة لليهود والنصارى، فإن بعض الصحابة لم يصبغوا، فدل على أن الأمر للاستحباب.صحيح أنه لم ينقل عن أحد من السلف حلق اللحية، ولعل ذلك لأنه لم تكن بهم حاجة لحلقها وهي عادتهم.والله أعلم.

,ويقول الشيخ فيصل مولوي-نائب رئيس المجلس الأوربي للإفتاء-:

ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة وهو قول في مذهب الشافعية، إلى حرمة حلق اللحية لأنه مخالف للأمر النبوي بالإعفاء، والأصح في مذهب الشافعية أن حلق اللحية مكروه، وقال كثير من العلماء المعاصرين إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعفاء اللحى وتوفيرها إنما يُحمل على الاستحباب وليس الوجوب، لذلك لم يجدوا شيئاً في حلق اللحية، وقالوا إنما هي من الأفعال العادية للرسول صلى الله عليه وسلم وليست من الأمور التعبدية الشرعية، والحق أن النهي عن حلق اللحية جاء في عدد من النصوص الصريحة الواضحة التي لا خلاف فيها. وإنما قيس على أمره صلى الله عليه وسلم بالتخضب أي صبغ الشعر، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتغيير الشيب مخالفة لليهود والنصارى، وثبت أن بعض الصحابة خضب وبعضهم لم يخضب، وفهموا من أمر النبي الاستحباب وليس الوجوب، أما في موضوع اللحية فإنه لم ينقل عن واحد من السلف حلق اللحية، ولعل ذلك يرجع إلى عدم حاجتهم إلى حلقها وأنها عادتهم، أما إن كان هناك خوف على دين المسلم أو ماله أو نفسه أو عرضه ، فإنها تكون ضرورة عند جميع المذاهب والضرورات تبيح المحظورات.

,ويقول الشيخ عطية صقر-رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف سابقا ومن كبار علماء الأزهر الشريف-:

سؤال: تتمسك بعض الجماعات بإعفاء اللحية، وترمي من يخالف ذلك بالفسق وعدم الإئتمام به في الصلاة، فما رأي الدين في ذلك؟ 
الجواب: اللحية هي الشعر النابت على الذقن خاصة، وهي مجمع اللحيين، وهما العظمان اللذان تنيت عليهما الأسنان السفلي. والعارضان هما صفحتا الخد.وإعفاء اللحية –أي تركها بدون حلق- فرط فيه جماعة وأفرطوا في عيب الآخرين، كما أفرط في التمسك بإعفائها جماعة وفرطوا في احترام الآخرين. والدين لا يقر مسلك الطرفين، ذلك أن القدر المتفق عليه بين الفقهاء أن إعفاءها مطلوب، لكنهم اختلفوا في درجة الطلب مع مراعاة علة الحكم وهي مخالفة المشركين، فقال جماعة بوجوب إعفائها، وقال جماعة بالندب، ومعلوم أن الواجب ما يثاب المرء على فعله ويعاقب على تركه، والمندوب ما يثاب المرء على فعله ولا يعاقب على تركه.فالقائلون بوجوب إعفائها استدلوا بحديث الصحيحين “خالفوا المشركين، وفروا اللحى، واحفوا الشوارب” واللحى بكسر اللام –وقد تضم- جمع لحية. فحملوا الأمر هنا على الوجوب. والقائلون بندب إعفائها استندوا إلى حديث مسلم عشرة من الفطرة:، قص الشارب وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر، وغسل البراجم –جم برجمة بضم الباء والجيم وهي عقد الأصابع ومفاصلها- ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء” يعني الاستنجاء، قال مصعب: ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة. فقالوا:
 إن إعفاء اللحية شأنه شأن الأمور المذكورة في الحديث، وليست كلها واجبة، كالسواك والاستنشاق وقص الأظافر، فلماذا لا يكون إعفاؤها مندوبًا؟ ولا يحتج عليهم بأن إعفاء اللحية ورد فيه أمر مخصوص معلل بمخالفة المشركين، وهذه المخالفة تصرف الأمر للوجوب ولا يحتج عليهم بذلك لأن الأمر عندهم في الحديث هو للندب لا للوجوب، ومخالفة المشركين لا تصرف الأمر للوجوب، لأنه لو كانت كل مخالفة للمشركين واجبة لوجب صبغ الشعر الذي ورد فيه الحديث الذي رواه الجماعة “إن اليهود لا يصبغون فخالفوهم” وقد أجمع السلف على عدم وجوب صبغ الشعر، فقد صبغ بعض ولم يصبغ بعض آخر كما قاله ابن حجر في فتح الباري. فالأمر هو للإرشاد فقط، وهو لا يفيد الوجوب في كل حال، وفي شرح النووي لصحيح مسلم ج14 ص80″ ما نصه: قال القاضي –عياض- قال الطبراني: الصواب أن الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم بتغيير الشيب وبالنهي عنه كلها صحيحة وليس فيها تناقض، بل الأمر بالتغيير لمن شيبه كشيب أبي قحافة، والنهي لمن له شمط فقط. قال: واختلاف السلف في فصل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك، مع أن الأمر والنهي في ذلك ليس للوجوب بالإجماع، ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض خلافه في ذلك. ا هـ.ولهذا قال بعض العلماء: لو قيل في اللحية ما قيل في الصبغ من عدم الخروج على المألوف من عرف أهل البلد لكان أولى، بل لو تركت هذه المسألة وما أشبهها مما ليس فيه قربة ولا يحصل منه ضرر للشخص ولا لغيره –لو تركت لظروف الإنسان وتقديره ونيته ما كان في ذلك بأس. جاء في كتاب نهج البلاغة “ج2 ص141” سئل علي عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: “غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود” فقال: إنما قال النبي ذلك والدين قل، فأما الآن وقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامرؤ وما يختار.
جاء في فتاوى الشيخ محمود شلتوت “ص 210” أن الأمر كما يكون للوجوب يكون لمجرد الإرشاد إلى ما هو أفضل، وأن مشابهة المخالفين في الدين إنما تحرم فيما يقصد فيه التشبه من خصالهم الدينية، أما مجرد المشابهة فيما تجري به العادات والأعراف العامة فإنه لا بأس بها ولا كراهة ولا حرمة. ثم قالالحق أن أمر اللباس والهيئات الشخصية –ومنها حلق اللحى- من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة. ا هـ.هذه هي الآراء، ولكل مسلم أن يختار منها ما يطمئن إليه قلبه، وإن كنت أرى أن أدلة الطلب قوية وأن القول بالوجوب هو قول جمهور الفقهاء فهو أرجح، وعليه فمن أعفى لحيته يطمئن إلى ثوابه، ومن حلقها لا يجزم بعقابه.وأنصح بعدم التعصب وحدة الخلاف في هذا الموضوع. إلى الدرجة التي تكون فيها مقاطعة وخصام واحتقار وعدم اقتداء في الصلاة، فالحرمة ليس مجمعًا عليها من الفقهاء، وليست بالقدر الذي حرمت به السرقة والربا والرشوة وما إلى ذلك من الأمور التي يجب أن نوجه إليها اهتمامنا لنطهر أنفسنا ومجتمعنا منها، ولندخر قوانا الفكرية والعصبية والنفسية للوقت الذي ينادينا فيه ديننا للنهوض بأهله وتخليصهم من تحكم العدو فيهم، فذلك جهاد لا ينقطع إلى يوم القيامة.

,ويقول الدكتور/محمد سيد أحمد المسير-أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر-:

اختلف العلماء في حكم إطلاق اللحية، والذي نراه ونطمئن إليه أنها سنة تُفعل عند المقدرة وعدم الموانع، ويستطيع كل إنسان أن ينوي إطلاقها إذا كان غير مطلقٍ لها، ويتخير الوقت المناسب لإطلاقها إذا كان يجد في مجتمعه أو بيئته بعض الموانع والمضار، وليس الأمر يتوقف على المظهر وحده إنما نحن في حاجة إلى مخبر ومظهر، وإلى عقيدة وسلوك ولا ينبغي أن تكون مثل هذه الموضوعات المتعلقة باللحية أو الثوب القصير أو الإسبال مصادر خلافات ومنازعات، فإن قضايا الإسلام أعمق من ذلك كله، وهناك أولويات في فقه الدعوة يجب أن نراعيها حتى لا تتبدد الجهود ونستهلك الوقت والعقل فيما لا طائلة من ورائه، والله أعلم .

,ويقول الدكتور/أحمد عمر هاشم-رئيس جامعة الأزهر سابقا-:

حالق اللحية ليس مرتكبا لذنب؛ لأن اللحية سنة، من سنن العادات، فهناك سنة عبادة وسنة عادة فسنة العبادة أن تصلي نفلا، أو تتصدق تتطوعا أو تصوم صيام نفل… وهكذا.وأما سنة العادة، والمراد بها الذي تعودها الناس فمنها إعفاء اللحية، ومنها قص الشارب، وتقليم الأظافر، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “خمس من الفطرة” وفي رواية أخرى عشر من الفطرة فذكرها، وجميع المذكور في الحديث من الأمور التي هي سنة وليس فيها شيء واجب، لكني أقول لك مع أن حلق اللحية ليس إثما: الأفضل إعفاؤها.
,ويقول الشيخ عبد الرزاق القطان -مقرِّر هيئة الفتوى والرقابة الشرعيَّة ببيت التمويل الكويتي-:

اللحية معدودة في السنن المؤكدة عند جمهور العلماء، على خلاف في ذلك بين موجب وغير موجب، مع أنه لم ير بعض الفقهاء شيئاً في حلقها لغير عذر.
وأما حلقها لعذر؛ سواء كان بدنياً من مرض حساسية مثلاً، أو غيره، أو كان عذراً عاماً: كمتطلبات مهنة، أو متطلبات أمن، فإن حالقها معذور.
وأما طولها؛ فليس فيه نص يوجب حدًّا معيناً؛ لأن التوجيه في الحديث إلي مطلق الترك. ومعلوم أن من ترك لحيته، ولو شيئا يسيراً؛ فهو يقع في مفهوم مطلقي اللحية، إلا أنه ثبت أن لحية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كانت على عادة أهل زمانه عظيمة وافرة، وكذلك كانت لحى أصحابه (رضوان الله عليهم).
وقد ورد أن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) كان إذا فرغ من موسم الحج قبض بيده على لحيته، ثم أخذ ما زاد عن ذلك.
على أنه ينبغي التنبه إلي قضية هامة، وهي أنه لا يمكن إلزام جميع المسلمين بقول واحد في المسائل الخلافية، كما أنه لا يجوز أن يشنع المسلم على الآخرين إذا خالفوه في مسائل الخلاف.
ولا يليق أن يضيع المسلم جهده وجهد غيره في مسائل خلافية، بينما لا تفرق قذائف اليهود الغاصبين بين صاحب لحية أو حالقها، ولا تخاطب البرامج الهدامة أصحاب اللحى أو حالقي اللحية. فعلينا أن نجعل همنا في التقريب والتأليف بين المسلمين، والتصدي صفًّا واحداً أمام مكائد الأعداء. والله تعالى أعلم.

,ويقول فريق من الباحثين:

وردت أحاديث كثيرة في أمر بإحفاء الشارب وإعفاء اللحية مقروناً بالأمر بمخالفة المشركين أو المجوس أو اليهود والنصارى كحديث ابن عمر مرفوعاً (خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب) متفق عليه وجاء في اللحية (اعفوا أوفوا وأرخوا وارجوا ووفروا) ومعناها كلها تركها على حالها.ومع ذلك فقد اختلف العلماء قديماً وحديثاً في الأخذ من اللحية أو نتفها أو حلقها أو إطلاقها دون أخذ منها، وما بين منكر لنتفها أو حلقها وجعل ذلك بدعة محرمة وبين مجيز لذلك وجعله من سنن الفطرة التي هي من المستحبات أو المكروهات ومنهم من قال هي سنة واجبة ومنهم من جعلها سنة مؤكدة ومنهم من جعلها من المستحبات ومنهم من جعلها من سنن العادات- عادت القوم والبيئة– ومنهم من جعلها من خصائص النبي.وكل هؤلاء علماء مجتهدون على مختلف العصور، ولم ينكر بعضهم على بعض اجتهادهم وإنما قبلوا هذا الاختلاف الذي هو نوع اختلاف التنوع وليس التضاد.

وهذا الخلاف ناتج من فهم العلماء للأمر في الحديث; فالحديث يشتمل على نوعين من الأمور: الأمر الأول بمخالفة المشركين وهذا الأمر يفيد الوجوب حتماً لأن الكثير من الآيات والأحاديث شددت في ذلك وتوعدت عمن لا يخالفهم تديناً كما سردها ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم. أما الأمر الآخر فهو مخالفتهم في بعض السمات والمظاهر كاللحية والشارب. فهل الأمر الأخير ينزل كالأول منزلة الوجوب أم أن للندب أم للعادة أم للإشادة. هذا هو مناط الإختلاف بين العلماء،.

ولكي نحرر موضع النزاع هذا ننظر إلى أقوال العلماء فيما شابه هذا الحديث، فقد وردت أحاديث أخرى فيها الأمران معاً الأول بالمخالفة والأخر بتعيين صفة ما لتحقيق هذه المخالفة، مثل حديث أبن عباس مرفوعاً وأن اليهـود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود، وفى رواية للترمذي (وغيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود) ومع ذلك فقد اتفق الجميع على وجوب مخالفتهم خاصة في ما يتعلق بأمور دينهم، ولكن العلماء والصحابة والسلف الصالح قد اختلفوا في الخضاب وجنسه، فقال بعضهم ترك الخضاب أفضل، وبعض الصحابة خضب وأخرون لم يخضبوا.

وقال الطبري: واختلاف السلف في فعل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك مع أن الأمر والنهى في ذلك للوجوب بالإجماع، ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض (نيل الأوطار 1/ 141) وشرح النووي على مسلم (14/80).وقال القاضي عياض: وقال غيره يعنى غير الطبري من العلماء- هو على حالين فمن كان في موضوع عادة أهل الصبغ أو تركه فخروجه عن العادة شهرة ومكره، والثاني أنه يختلف باختلاف نظافة الشيب، فمن كان شيبته تكون نقية احسن منها مصبوغة فالترك أولى ومن كانت شيبته تستبشع فالصبغ أولى.وكذلك حديث الصلاة في النعال ومخالفة اليهود.فلم يقل أحد بوجوب الصلاة في النعال وإن كان الجميع متفقون على وجوب المخالفة.بل حديث اللحية نفسه، جمع اللحية والشارب معاً في مخرج واحد (جزوا الشوارب وأرخوا اللحى) رواه أحمد ومسلم عن أبى هريرة (خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب) متفق عليه عن ابن عمر.

ومع ذلك فقد اختلف العلماء في تطبيقه، فكثير من السلف والكوفيين كأبي حنيفة وزفر وأبى يوسف ومحمد بن الحسن وكذلك أحمد وأصحاب الشافعي كالمزني والربيع المرادي كل هؤلاء ذهبوا إلى استئصال الشارب وحلقه لظاهر قوله (احفوا وانهكو) وذهب مالك وآخرون إلى منع الحلق والاستئصال، وكان مالك يرى تأديب من حلقه وروى عن ابن القاسم تلميذ مالك أنه قال (إحفاء الشارب مثله)وبعضهم يرى قص ما طال عن الشفتين، وهو ما اختاره مالك والنووي من المتأخرين، وفى رواية عن أحمد أنه ساوى بين الإحفاء والقص وما فيهما لا بأس.راجع نيل الأوطار للشوكاني (1/138)

إذاً لماذا أختلف العلماء في فهم الأمر بإحفاء الشارب حتى قال بعضهم إن الإحفاء مُثْلَهَ وكلمة الإحفاء هي نص الحديث في إحدى الروايات، لعل ذلك راجع إلى العرف أو البيئة وفهم الأمر الذي هو عندهم للإرشاد كوسيلة من وسائل المخالفة وإلا ما اختلفوا هذا الاختلاف.وفى مثل هذه الأحاديث عقب الأمر بالوصف المشتق المناسب وذلك دليل على أن مخالفة المجوس أمر مقصود للشارع وهو العلة في هذا الحكم كما يقول ابن تيمية وغيره ويقول: ولهذا لما فهم السلف كراهة التشبه بالمجوس في هذا وغيره كرهوا أشياء غير منصوصة بعينها عن النبى من هدى المجوس، وضرب مثلاً بكراهة أحمد لحلق القفا لأنه من فعل المجوس وانزل المفهوم من حديث اللحية منزلة حديث صبغ الشيب فقال والتقرير من هذا الحديث شبيه بالتقرير من قوله (لا يصبغون فخالفوهم) (اقتضاء الصراط المستقيم/ 59)
وهذا هو الحق فكل أحاديث المخالفة تحتوى شقين:الأول: وجوب المخالفة للمشركين في هديهم وما يتعلق بدينهم وعبادتهم وهذا لا خلاف فيه.الثاني: الإرشاد إلى بعض الجوانب والمظاهر التي بها يحصل التميز وتظهر المخالفة ويمكن الجمع بين الأمرين بأنه على المسلم أن يأتي عملاً أو مظهراً أو سلوكاً يظهر منه التميز عن المشركين وليس شرطاً وجوب الامتثال بالمخالفة في اللحية أو الصبغ أو الصلاة في النعال، بدليل أن الصحابة كثير منهم لم يصبغوا ولم يصلوا في النعال ولم يلتزموا هيئة واحدة في الشارب بل روى مالك عن عمر أنه كان إذا غضب برم شاربه لذلك يقول الشيخ محمود شلتوت ونحن لو تمشينا مع التحريم لمجرد المشابهة في كل ما عرف عنهم من العادات والمظاهر الزمنية لوجب علينا الآن تحريم إعفاء اللحى لأن شأن الرهبان في سائر الأمم التي تخالف في الدين، ولوجب الحكم بالحرمة على لبس القبعة وبذلك تعود مسألتها جذعة (أصلية ) بعد أن طوى الزمن صفحتها، وأخذت عن الناس مسلك الأعراف العامة التي لا تتصل بتدين ولا فسق ولا بإيمان وكفر.

ويقول: والحق أن أمر اللباس والهيئات الشخصية ومنها حلق اللحية من العادات التي ينبغي أن ينزل على استحسان البيئة فمن(وجدت) بيئته على استحسان شئ منها كان عليه أن يساير بيئته، وكان خروجه عما ألف الناس فيها شذوذاً عن البيئة راجح الفتاوى للشيخ شلتوت ص( 129)والحق أن الشيخ شلتوت يوضح ما ذهب إليه الإمام الطبري المجتهد من نحو ألف عام كما سبق.تبقى هناك نقطتان هامتان:الأولى: هناك من يأخذ بسنية اللحية وتوكيدها أو جوبها ولكن قد تَعرض له ظروف أو واجبات تدفعه إلى حلقها كأن يضار بسببها في معيشته وعمله وهو ملزم بالنفقة على بيته وأولاده فيصيبهم الضرر لذلك، فهنا يتعارض واجبان أو أن تتعارض مع القيام بمهام الدعوة الإسلامية والأمر بالمعروف النهى عن المنكر في بعض البلدان، لطبيعة المجتمع والنظم القائمة والوسائل المتاحة لتبليغ الدعوة وهنا أيضاً يتعارض واجبان.وفى مثل هذه الحالة أو غيرها مقرر في الأصول أنه إذا تعارض واجبان قدم أوجبهما، ولا شك أن الأوجب هو ما أجمع العلماء على وجوبه دون خلاف كالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والعمل لإقامة الدين ودولة الإسلام وكذلك النفقة على النفس والأولاد والأهل، والأقل وجوباً ما كان مختلفاً فيه بين الوجوب والتوكيد والاستحسان والندب والإرشاد والعرف.وقد روى ابن كثير في تاريخه في فتح بيت المقدس أن صلاح الدين أمر جنوده أن يحلقوا لحاهم ويغيروا من ثيابهم وهيئتهم لخداع العدو ولمصلحة المسلمين ولم ينكر عليه أحد مع العلم بأن صلاح الدين كان عالماً محدثاً وكان في عصره مئات العلماء والأئمة ولم يؤثر عن أحدهم إنكار ذلك، بل ابن كثير يسوق هذا الخبر سياق المشيد بحكمة صلاح الدين وحسن تصرفه.بل قديماً طلب النبي من نعيم بن مسعود كتم خبر إسلامه لمصلحة الدعوة، وفى القرآن (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه رجلاً أن يقول ربى الله…) الآية.ولا شك أن كتم الإسلام والإيمان أشد من كتم مظهر من مظاهرهما بل سمح النبي لمحمد بن مسلمة وصحبه أن يذكروه ببعض سوء حين أمرهم بقتل كعب الأشراف اليهودي، وذلك من أجل أن يتمكنوا منه.الثانية: هناك بعض المتحمسين الذين لا يدركون دقائق العلم ولا يلمون بقول العلماء من السلف والخلف يسارعون بالإنكار على من خالف رأيهم بل يبدعونه ويضللونه ويكفرونه أحياناً لا لشئ إلا لمجرد خلافه لهم وقد يصل الحال إلى الخصومة والفرقة والتشتت والتنابز بالألقاب في الدروس وعلى المنابر.

وهؤلاء حتماً وقعوا في بدعتين عظيمتين:البدعة الأولى: هي الإنكار على المخالف فيما اختلف فيه العلماء وفيما تطرق إليه الاحتمال والقاعدة الأصولية على أنه (ما اختلاف فيه لا إنكار فيهوكذلك (ما يتطرق إليه الاحتمال يسقط به الاستدلال) والمأثور عن النبي والصحابة والسلف قبول الاختلاف في أمور كثيرة كقصة صلاة العصر في بنى قريظة وكذلك (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن اللهوغير ذلك كثير وقول عمر بن عبد العزيز (اختلاف الأمة رحمة) وامتناع مالك عن جمع الناس على مذهب أو رأى واحد وقول الشافعي رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأى غيري خطأ يحتمل الصواب، وقول أبى حنيفة وأحمد إذا وافق قولي الحديث وإلا فاضربوا به عرض الحائط).وإذاً الخلاف الفقهي أمر مقرر في الشريعة والتاريخ الإسلامي وفي عهد النبوة ورافض هذا الاختلاف مبتدع في الدين بدعة أصلية لا وكيل عليها إلا الانتصار للنفس واتباع ما تهوى الأنفس.البدعة الثانية:التخاصم والتفرق والتنابز بسبب هذا الاختلاف ورمى المخالف بالتبديع والتفسيق والتضليل والتكفير.وهذا فيه شق لأمر الأمة خاصة في مثل الظروف التي يمر بها العالم الإسلامي اليوم من ضعف واستهداف من قبل أعدائه، فهم بذلك يسهلون العدو دورة، بدلاً من التآلف والتلاحم ووحدة الصف.وقد جاءت الآيات والأحاديث الكثيرة تدعو إلى الوحدة وتحذر من التفرق وتتوعد من يعمل على تفريق الأمة واضعاً فهما.

(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا(. .. (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ويحكم).
نخرج من هذا بأن اللحية أو حلقها من الأمور المختلف فيها- كما تقدم- ولذلك فمن أطلق لحيته أخذاً برأي من قال بوجوب إطلاقها- جزاه الله على فعله إحساناً ولكن لا يجوز له أن ينكر على من أخذ بالآراء الفقهية الأخرى أو رميه بالفسق أو الابتداع أو غيره لأنه يلزمه بذلك أن يرمى الصحابة والتابعين الذين أطالوا شواربهم أو حلقوها تماما أو تركوا الصبغ أو صلوا حفاة بأنهم مبتدعون أو واقعون في الحرام، وهذا خطر عظيم يقع فيه من لم يحيطوا بعموم المسائل.والله تعالى أعلى وأعلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.

,
السؤال : ما حكم من حلق لحيته من غير رضى منه ، كأن يكون نظام العسكرية يجبره على ذلك ؟
الجواب : حلق اللحية حرام ، وإعفاؤها حتى يكثر شعرها ويطول واجب ، لما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى )) ، وفي رواية : (( خالفوا المشركين وفِّروا اللحى وأحفوا الشوارب )) . وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس )) .فأمر صلى الله عليه وسلم بإعفاء اللحى وتوفيرها وبجزِّ الشوارب وإحفائها مخالفة للمجوس وسائر المشركين ، فمن حلقت لحيته كرهاً أو أكره على حلقها فلا حرج عليه لقوله تعالى : ] لا يكلف الله نفساً إلا وسعها [ ، ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه )) .ولو فرضنا أن النظام أو الرئيس المباشر يلزم الجند بحلقها لم يكن ذلك عذراً لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( إنما الطاعة في المعروف )) ، وقوله : (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) . وفي إمكانه أن يستقيل أو يلتمس عملاً آخر ، فإن لم تقبل استقالته وألزم للحلق فهو معذور لما تقدم من الأدلة ، وعليه أن يكره ذلك بقلبه ويعزم على توفير لحيته عند الاستطاعة .وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

وفي كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- الشهير(اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)(176-177) في معرض حديثه عن مخالفة الكفار في الهدي الظاهر يقول رحمه الله وأجزل مثوبته:
(إن المخالفة لهم لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار فلما كان المسلمون في أول 
الأمر ضعفاء لم يشرع المخالفة لهم فلما كمل الدين وظهر وعلا شرع ذلك ومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين والإطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة.
فأما في دار الإسلام والهجرة التي أعز الله فيها دينه وجعل على الكافرين بها الصغار والجزية:ففيها شرعت المخالفة وإذا ظهرت الموافقة والمخالفة لهم باختلاف الزمان ظهر حقيقة الأحاديث من هذا)أ.هـ.


Q: We see some people in MAS who do not follow the path of prophet muhammad, peace be upon him, and shave their beards. And we know shaving someone’s beard is haram.
A: It would be best to translate what was written in arabic as these arabic fatwas are much more comprehensive and detailed than the ones i found in english.
In summary scholars are divided on the ruling of growing the beard for men into 4 categoris:
1- Most scholars from hanafi, maliki, hanbali schools and some shafi scholars consider shaving the beard as haram/sin.
2- Most shafi scholars and some maliki scholars consider shaving the beard as makrooh/disliked. Of those are “Dr.al qaradawi”.
3-Some late hanafi scholars consider growing the beard as mandoob/encouraged not obligatory, of those are “Jad Al Haq”- former azhar shaikh.
4- Some contemporary scholars consider growing the beard as customs and not something related to religion. Of those are “shaikh shaltoot” and “shaikh abu zahra”.
However, this is what i found in english fatwas about growing a beard:
shafii school on shaving the beard (long answer- english and arabic fatwa)
http://qa.sunnipath.com/issue_view.asp?HD=3&ID=14618&CATE=414
shafii school on shaving the beard (short answer)
http://qa.sunnipath.com/issue_view.asp?HD=3&ID=11200&CATE=418
Advertisem