الاحتفال بالمولد النبوي الشريف: الأصول الشرعية، الأدلة المرعية، والرد على المخالفين
مقدمة المقال:
"شهر ربيع الأنور هو النفحة العطرة التي يتجدد فيها شوق الأمة لرسولها الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم. ويبقى موضوع الاحتفال بالمولد النبوي الشريف مساحةً تتجدد حولها النقاشات. فما هو الحكم الشرعي الحقيقي؟ وما هي الأدلة التي استند إليها علماء الأمة عبر القرون لإباحته واستحبابه؟"
1. أدلة إباحة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
يستند المحتفلون بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى قواعد كلية وأدلة شرعية ثابتة، ومن أبرزها:
الاحتفال بفضل الله ورحمته: قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]. ولا شك أن ميلاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو أعظم نعم الله على الإطلاق؛ فهو الرحمة المهداة للعالمين، والفرح به مأمور به قرآنياً.
اعتراف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيوم ميلاده (صيام يوم الاثنين): ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سُئل عن صيام يوم الاثنين فقال: (ذلك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت -أو أُنزل عليَّ فيه-). فهذا أصل نبوي كريم في تخصيص يوم الميلاد بنوع من العبادة والشكري لله تعالى.
فعل الصحابة وتوقيرهم لآثاره: كان الصحابة الكرام يتبركون بآثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشعره ونعله، وفرحهم بوجوده بينهم كان غاية حبهم. والاحتفال اليوم هو إحياء لهذا الحب وتجديد لذكراه العطرة بتلاوة سيرته العطرة وإطعام الطعام.
إقرار جموع علماء الأمة عبر التاريخ: أقرّ الاحتفال جموع غفيرة من حفاظ الأمة ومحدثيها وفقهائها عبر القرون، أمثال الحافظ ابن دحية، والحافظ العراقي، والحافظ السيوطي، وغيرهم، ولم يروَ إنكار ذلك إلا في متأخر الأزمنة بفهوم ضيقة.
2. الرد على أبرز شبهات المانعين
الشبهة الأولى: "الاحتفال بدعة وكل بدعة ضلالة"
الرد: البدعة المذمومة شرعاً هي ما أُحدث وخالف النصوص الشرعية أو قواعد الشريعة. أما ما أُحدث من الخير ووافق أصول الشريعة (مثل تلاوة القرآن، ومدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإطعام الطعام، وذكر سيرته) فهو من "البدعة الحسنة" التي قال فيها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما جمع الناس على صلاة التراويح: "نعم البدعة هذه".
الشبهة الثانية: "لماذا لم يفعله الصحابة أو التابعون؟"
الرد: عدم الفعل لا يقتضي الحرمة، خاصة إذا وُجد المقتضي وانتفت الموانع. فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعيشون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويشاهدونه في كل لحظة، فلم يكونوا بحاجة لاستذكار مولده بالوسائل التي نحتاجها اليوم لتذكير الأجيال الناشئة بسيرته العطرة في زمن الغربة الثقافية.
الشبهة الثالثة: "هو تشبه بالنصارى في احتفالاتهم"
الرد: هذا استدلال في غير موضعه؛ فالنصارى يحتفلون بمولد المسيح اعتقاداً بأنه "ابن الله" (علوّاً كبيراً)، أما المسلمون فيحتفلون بميلاد نبي بشر رسول، تعظيماً لجنابه وتذكاراً لرسالته، وشكراً لله تعالى، وهو أمر تدل عليه نصوص الشرع العامة وليست فيه مبالغة ولا عقائد باطلة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق