السبت، 29 أبريل 2017

ما معنى حديث رسول الله ﷺ : كل بدعة ضلالة ؟

كل بدعة ضلالة

  
كل بدعة ضلالة :
ما معنى حديث رسول الله : كل بدعة ضلالة ؟
[ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كان رسول الله إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته . . . ويقول : (( أما بعد ، فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور مُحدَثاتها ، وكل مُحدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة )) رواه مسلم ، وفي رواية غيره زيادة (( وكل ضلالة في النار )) .
وعن العرباض بن سارية t عن النبيّ أنه قال :      (( . . . فإنه من يعشْ منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة )) أحمد . وأبو داود . والترمذي ، وقال : هذا حديث صحيح . وابن ماجه ، والسنن الكبرى للبيهقي ، وسنن الدارمي ، والمعجم الكبير للطبراني ، وغيرهم
[ هذان الحديثان الشريفان هما أقوى ما يتمسك به من يحكم على كل المحدثات الدينية بأنها بدعة ضلالة ، وأن أهلها مبتدعون ضالون من أهل النار ، إذ النص واضح حسب الظاهر (( كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار )).
لكن هل لهذا النص وجه من الفهم غير هذا الظاهر الذي يبدو لمن يستدل به على التعميم ؟؟ والجواب : نعم ، والذي يتدبر آيات الكتاب العزيز يدرك هذا .

دلالة (( كل )) :
كلمة (( كل )) قد تأتي والمراد بها التعميم الشامل فيما دخلت عليه ، ومن ذلك قوله تعالى : { وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ،   { وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } ، { ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } ، { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } ، { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا } .
وقد تأتي والمراد بها تعميم هو دون التعميم الشامل لكل ما يصدق عليه اللفظ ، ومن ذلك قوله تعالى : { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيء} ، { ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ } ، { وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيء } ، { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ } .
ففي الآيات الأولى لا تستطيع أن تتصور شيئاً لا يدخل في عموم ما دخل عليه لفظ (( كل ))
 فالله تعالى بكل شيء عليم ، ويستحيل أن تتصور شيئاً لا يدخل في علمه تعالى .
 وكل نفس لا بد أن يذيقها الله تعالى الموت ثم يحييها بعدما أماتها ، ويستحيل أن تتصور أن هناك نفساً من الأنفس لا يذيقها الله تعالى الموت ، وهكذا .
أما الآيات التالية لها فالعموم ليس بالشامل لكل ما دخل عليه لفظ (( كل )) من كل وجه ، وتأمل معاني الآيات وما قاله المفسرون فيها :
 [ فأما قوله تعالى { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيء} فقد قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسيرها : فإن قال لنا قائل : كيف قيل { فتحنا عليهم أبواب كل شيء} وقد علمت أن باب الرحمة وباب التوبة لم يفتح لهم وأبواب أُخَرُ غيره كثيرة ؟!! . قيل [ أي قلنا له في الجواب ] : إن معنى ذلك على غير الوجه الذي ظننت ، وإنما معنى ذلك : فتحنا عليهم استدراجاً منا لهم أبواب كل ما كنا سددنا عليهم بابه عند أخذنا إياهم بالبأساء والضراء ، ... ففتْحُ الله عليهم أبواب كل شيء هو تبديله لهم مكان السيئة التي كانوا فيها في حال امتحانه إياهم من ضيق العيش إلى الرخاء والسعة، ومن الضر في الأجسام إلى الصحة والعافية ، وهو فتحُ أبواب كل شيء كان أغلق بابه عليهم مما جرى ذكره .
وأما قوله تعالى { ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ } فقد قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله : وتبييناً لكل ما لقومه وأتباعه إليه الحاجةُ من أمر دينهم  
وأما قوله تعالى { وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيء } فقد قال ابن كثير رحمه الله : وأوتينا من كل شيء أي مما يحتاج إليه المُلْك .
وأمـا قوله تعالى { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا } فقد قال الإمـام الطبري رحمه الله : وإنما عنى تدمر كل شيء بأمر ربها مما أرسلت بهلاكه ، لأنها لم تدمر هوداً عليه السلام ومن كان آمن به . وقال ابن كثير رحمه الله : أي تخرب كل شيء من بلادهم مما من شأنه الخراب .
فقد بان وظهر أن المراد بقوله تعالى { أَبْوَابَ كُلِّ شَيء} هو بعض الأبواب ، وأن المراد بقوله تعالى  { وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ } هو تفصيل ما يحتاجه قوم موسى من معرفة أمور دينهم ، وأن المراد بقوله تعالى { وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيء } هو ما أعطاه الله تعالى لسليمان عليه السلام من الأمور التي يحتاج إليها في تدبير أمور الملك ، وأن المراد بقوله تعالى { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ   رَبِّهَا } هو تدمير ما تدمره الريح ، أي هذا المذكور فحسب .
 [ وعلى هذا فلا يمكن أن نفهم قوله صلى الله عليه وسلم    (( وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة )) على العموم الشامل ، بل نقول : المعنى أن كل محدثة مما لا يندرج تحت نص من نصوص الكتاب أو السنة ولا يتفق مع مقاصدهما فهو بدعة مذمومة شرعاً ، وكل بدعة بهذا المعنى فهي ضلالة .
فإن قيل : إذا كان لفظ (( كل )) قد يأتي ويراد به التعميم الشامل ، وقد يأتي ويراد به التعميم الشامل من وجه دون وجه ؛ فلم لا نحمل هذا اللفظ الوارد في الحديث الشريف على المعنى الأول حيث إنه هو الظاهر ؟ ! .
لماذا لا يحمل على العموم ؟ :
[ فالجواب : أنه إذا حملناه على العموم الشامل بإطلاق فإن هذا يؤدي إلى مخالفة ما كان عليه الهدي النبوي وإلى الحكم على عدد من كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبدعة والضلال ، وهذا محال ، وما أدى إلى المحال فهو باطل .  


مالم لم يفعله النبيّ ﷺ هل يعتبر بدعة ..؟

لم يفعله النبيّ

  
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه
هناك مَن يعتبر كل عمل لم يفعله النبيّ فهو بدعة ضلالة صاحبه في النار !
ويعترضون بقولهم : إما أنّ النبيّ ما كان يعلم أن ذلك العمل كان خيراً ! أو كان يعلم ذلك العمل ولكنه كان يعلم أنه ليس فيه خير ولهذا السبب لم يعمله ، ولا ثالث لهما !
وهذا لا شك خطأ في الفهم والتصور عظيم !
ترك النبيّ للعمل وهو يحبه :
        كان النبيّ كثيراً ما يترك عملاً من الأعمال وهو يحبه ، ويود أن يعمله ولكن كانت هناك أسباب خاصة تمنعه من ذلك ، وهو ليس كغيره حرا يفعل ما يشاء ، بل هو موضع القدوة ، ومحسوب عليه كل حركة ،  وسكنة ، صلى الله عليه وسلم .
        عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : إن كان رسول الله ليدَع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيُفرض عليهم . متفق عليه . ( البخاري ومسلم ) .
وخشيته ليست من فرض الله تعالى ذلك على الناس ، وإلا لو أراد الله تعالى ذلك لفرضه سواءً فعله أو لم يفعله ، ولكن خشيته من أن الناس يفرضون ذلك عليهم بأنفسهم ، وذلك بحجة أن النبيّ القدوة قد فعله ، وداوم عليه ، إذاً يجب عليهم أن يفعلوه أيضاً .
        وقد أشار النبيّ إلى ذلك بقوله : فيُفرض عليهم بالمبني للمجهول ، أو مبني لما لم يسمى فاعله ، فلم يقل إن الله تبارك وتعالى يفرضه عليهم .
فمن ذلك : عن عائشة رضي الله عنها أيضاً قالت
        ( وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ وَمَا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى ثَقُلَ ، عَنِ الصَّلاَةِ ، وَكَانَ يُصَلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلاَتِهِ قَاعِدًا - تَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّيهِمَا ، وَلاَ يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ مَخَافَةَ أَنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ ، وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ) صحيح البخاري .
ومن ذلك :
        عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :      ( إِنِّي لأَقُومُ فِي الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ ) صحيح البخاري .
ومنه : عن أبي هريرة t أن النبيّ قال :
        ( لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ) متفق عليه .
ومنه : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :
        ( أعتم رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة بالعشاء حتى رقد الناس واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا فقام عمر بن الخطاب فقال الصلاة قال عطاء قال ابن عباس فخرج نبي الله صلى الله عليه و سلم كأني أنظر إليه الآن يقطر رأسه ماء واضعا يده على رأسه فقال ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا ) متفق عليه .
ومن ذلك أيضاً : عن أبي هريرة t قال : قال رسول   الله :
        (  لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية ولكن لا أجد حمولة ولا أجد ما أحملهم عليه ويشق علي أن يتخلفوا عني ولوددت أني قاتلت في سبيل الله فقتلت ثم أحييت ثم قتلت ثم أحييت ) متفق عليه .
ومنه : عن عائشة رضي الله عنها أن النبيّ قال لها :  ( يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا فبلغت به أساس إبراهيم ) البخاري .
ومنه : عن عائشة رضي الله عنها أيضاً أن رسول الله خرج من عندها وهو قرير العين ثم رجع وهو كئيب فقال : دخلت الكعبة فأخاف أن أكون شَقَقْتُ على أمتي  . رواه أبو داود والترمذي وصححه هو وابن خزيمة والحاكم . أنظر فتح الباري لابن رجب      ( 3 / 466 )
وذكره الإمام بدر العيني رحمه الله فقال : [ قالت عائشة :
          دخل عَليّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ حَزِين، فَقلت: يَا رَسُول الله! خرجت من عِنْدِي وَأَنت قرير الْعين طيب النَّفس، فَمَا بالك؟ فَقَالَ: إِنِّي دخلت الْكَعْبَة، وودت أَنِّي لم أكن فعلته إِنِّي أَخَاف أَن أكون قد أَتعبت أمتِي من بعدِي) قلت: الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ، وَالْحَاكِم وَصَححهُ، وَابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الدُّخُول فِي حجَّته ] . عمدة القاري شرح صحيح البخاري ( 9 / 245 ) .
ماذا نفهم من هذه الأحاديث ؟ :
        في هذه الأحاديث الكثيرة المباركة ، وغيرها حِكَم ، وعِبَر كثيرة ، ولكن الذي يهمنا هنا في موضوعنا هو :
        1 – كان النبيّ يحب أن يعمل كثيراً من الأعمال الصالحة ، ولكنه كان يتركها ، لا كرهاً لها ، ولا لأنها ليس فيها خير ، ولا لأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يعلمها ، ولكن رحمة وشفقة على أمته أن يثقل عليهم ، ولولا ذلك لعملها ، ومن ذلك – كما ورد في الأحاديث التي عرضناها - :
        أ – كان أحياناً لا يصلي بعض النوافل في المسجد ، مخافة أن يُثَقِّل على أمته .
        ب – كان يحب أن يُطَوِّل في الصلاة ، ولكنه يترك ذلك ويتجوّز فيها كراهية أن يشق على الأمّ . . . إلخ
        2 – وفي هذه الأحاديث المباركة ردّ واضح على الذين يقولون للأعمال الصالحة : لو كان فيها خير لفعلها رسول الله !
        ومن فضل الله تعالى أن وصلتنا هذه الأحاديث المباركة ، وتحدث رسول الله فيها بوضوح وصراحة ، أنه يحب أعمالاً صالحة ، ولكنه يتركها رحمة وشفقة على أمته ، وإلا لو كان حراً في تصرفاته  وأعماله لعملها !

        وكم من أعمال ربما كان يحبها ، وتركها ، ولم يتحدث عنها ، رحمة ، وشفقة !

شرح لمعنى كلمة ( الحزب ) وهل هي كلمة شرعية لاضير في استخدامها ؟!

شرح لمعنى كلمة ( الحزب ) وهل هي كلمة شرعية لاضير في استخدامها ؟!


 كلمة ( الحزب ) ، هل هي كلمة شرعية لاضير في استخدامها ، أم هي كلمة شرّ وبدعة لا يجوز استخدامها والتسمي بها ؟
     معنى كلمة ( الحزب ) : جماعة الناس ، والجمع أحزاب ، والأحــزاب : جنود الكفار تألبوا وتظاهروا على حزب النبي ، وهم : قريش وغطفان وبنو قريظة . وقوله تعالى : يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب ، الأحزاب هاهنا : قوم نوح وعاد وثمود ومن أهلك بعدهم . وحزب الرجل : أصحابه وجُنده الذين على رأيه والجمع كالجمع .

والمنافقون والكافرون : حزب الشيطان ، وكلّ قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب وإن لم يلق بعضهم بعضاً بمنزلة عادٍ وثمود وفرعون أولئك الأحزاب . كلّ حزب بما لديهم فرحون : كلّ طائفة هواهم واحد . . . والحزب : الصنف من الناس ، قال ابن الأعرابي : الحزب : الجماعة . . . والحزب : الطائفة   .
     وعرف الإمام الشوكاني كلمة ( الحزب ) فقال :

     " . . . والحزب : الصنف من الناس ، من قولهم : حزبه كذا : أي نابه كذا ، فكأنّ المتحزبين مجتمعون كاجتماع أهل النائبة التي تنوب . وحزب الرجل أصحابه ، والحزب : الوِرد ، وفي الحديث : (( فمن فاته حزبه من الليل . . )) ، وتحزبوا : اجتمعوا ، والأحزاب الطوائف "   .
     ونستطيع من خلال التعريفين السابقين أن نقول :
     الحزب هو جماعة من الناس أو صنف أو طائفة اجتمعوا وتشاكلت قلوبهم وأعمالهم ، وهم أصحاب الرجل وجنده الذين على رأيه ، وهواهم واحد .
     ومن خلال التعريف نستنبط هذه المفردات :

1- اجتماع مجموعة من الناس .
2- لهم غاية واحدة وهدف واحد ( هواهم واحد ) .
3- لهم صفات مشتركة ( تشاكلت قلوبهم وأعمالهم ) .
4- لهم آراءهم وأفكارهم الخاصة بهم ( أصحاب الرجل وجنده الذين على رايه ) .
5- مجندين أنفسهم لتحقيق هدفهم وغايتهم ( وجنده الذين على رأيه ) .
6- وبما أنّ هواهم واحد ، وتشاكلت قلوبهم وأعمالهم ، وعلى رأي قائدهم فهم - إذاً - لهم منهج خاص يسيرون ويتربون عليه ، وإلاّ كيف تتوحد مفاهيمهم وصفوفهم ؟

     فالحرمة تنصبّ على أيّ من هذه المفردات ؟ :

(1) - إنّ إجتماع الناس ليس بحرام إذا لم يكن هذا الإجتماع على أمر حرمه الشارع ونهى عنه وكان فيه ضرر للبلاد والعباد . بل بالعكس إنّ الشرع أمر بالإجتماع وحض عليه ونهى عن التفرق وعن الإنفرادية . . قال رسول الله : (( يد الله مع الجماعة ))   ، وفي حديث معاذ بن جبل : (( إنّ الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية وإياكم والشعاب ، وعليكم بالجماعة والعامة ))   . وفي الأثر : أخرج أحمد عن جابر بن سمرة أن عمر بن الخطاب قال في خطبته المشهورة التي خطبها بالجابية : " عليكم بالجماعة ، وإياكم والفرقة ، فإنّ الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد ، ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة "   .

(2) - إنّ وجود غايات وأهداف للناس والجماعات ليس بحرام ولا ممنوع إذا لم تكن هذه الغايات والأهداف خبيثة شريرة مما نهى الشارع عنها ، بل على العكس فوجود الإنسان في الدنيا بلا غاية ولا هدف هو الحرام وهو الذي أنكره الشرع ونهى عنه : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلـينـا لا تـرجعـــون ، أيحسب الإنسان أن يترك سدى ، لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم آذان لا يســـــــــمعون بها . . . إن هم إلاّ كالأنعام بل هم أضلّ .

(3) - إنّ وجود صفات مشتركة للناس ليس بحرام إذا كانت هذه الصفات غير ذميمة وغير منهية شرعاً بل على العكس إنّ الإسلام أمر المسلمين بالتوحيد قلباً وقالباً : (( من تشبّه بقوم فهو منهم )) ، (( خالفوا المشركين . . )) ، (( خالفوا اليهود والنصارى )) .

(4) - إنّ وجود آراء وأفكار خاصة للجماعة ليس بحرام إذا كانت هذه الآراء والأفكار ليست بالباطل ولا بالتي تخالف الشرع والتي تدخل في باب الإجتهاد في خدمة الإسلام والمسلمين ، وأوضح دليل على ذلك وجود المذاهب الأربعة المعترفة بها من جميع الأمة الإسلامية على مدى قرون طويلة من غير إنكار معتبر .
(5) - إنّ الجندية في سبيل تحقيق الغايات والأهداف ليست بحرام إذا لم تكن في سبيل الشيطان والطاغوت ، بل على العكس هي واجبة لتحقيق الغايات والأهداف النبيلة السامية التـي تخـدم الإسلام والمسلمين : وإنّ جندنا لهم الغالبون ، ياأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله . . .

(6) - إنّ وجود منهج للسير والتربية ليس بحرام إذا لم يكن هذا المنهج باطلاً يؤدي إلى الكفر والفسوق والضلال ، بل على العكس إنّ المنهج واجب ، والتنظيم أوجب ، حتى إننا نرى في شعيرة الصلاة وهي عبادة محضة كيف أنّ الشارع حثّ على أدائها جماعة بصورة منظمة لايجوز الدخول فيها قبل الإمام ومن رفع رأسه قبل الإمام معرض أن يجعل الله رأسه رأس حمار ، ومن خرج منها قبل الإمام بطلت صلاته و . . . وهكذا . وقد قال الله سبحانه وتعالى مادحاً للمسلمين : وأمرهم شورى بينهم وقال : وشاورهم في الأمر ، فأي من هذه المفردات التي ذكرناها هي حرام لذاتها ؟

     فإذا اجتمعت مجموعة من الناس على خير ، وكان المنهج الذي يسيرون عليه حقاً ، والفكرة التي يحملونها طيبة ، والصفات المشتركة التي بينهم حسنة ، وجهادهم وجنديتهم كانت في سبيل الله ، ورافق ذلك كله تجرد للحق وحبّ للخلق ، فهل هناك مسلم يستطيع أن يقول إنّ ذلك حرام أو مكروه ؟
     إذن فاستخدام كلمة ( الحزب ) المجردة ليس بحرام ولا مكروه ، بل هو على أقل تقدير مباح شرعاً ، وذلك لمجيئها في القرآن الكريم ووصف عباد الله المسلمين المؤمنين بها من الله سبحانه وتعالى .

     قال تعالى : أولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون   .
وقال تعالى : فإن حزب الله هم الغالبون   .

     فقد ذكر الله سبحانه في تلك الآيات الكريمات صفات حزب الله وهم :
     قوم آمنوا بالله واليوم الآخر تشاكلت قلوبهم وأعمالهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، وينصرون الله ورسوله والمؤمنين ، ويؤثرون الله ورسوله على الأهل والعشيرة و. . . الخ .

     ومقابل هؤلاء هناك حزب الشيطان :
     قال تعالى : أولئك حزب الشيطان ألا إنّ حزب الشيطان هم الخاسرون   .
     وهم قوم اجتمعوا على الباطل ومحاربة الله ورسوله والنفاق والكذب والفساد و . . . الخ .
     فلاشكّ هؤلاء ( حزب الشيطان ) غير أولئك ( حزب الله ) وإن كانت الطائفتان تشملهما كلمة ( الحزب ) .
     ويستدل بتلك الآيات التي أوردناها أنّ كلمة ( الحزب ) ليست محمودة أو مذمومة في ذاتها ، بل تكون محمودة إذا أضيفت إلى الحق كما في قوله تعالى : حزب الله ، ومذمومة إذا أضيفت إلى الباطل : أولئك حزب الشيطان .
     ولـهذا لم ير أئمتنا وسلفنا الصالــح أي حــرج فــــي اســــتخدام كلمة ( الحزب ) . فمن ذلك :
1- قالت السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : " إنّ نساء رسول الله كنّ حزبَيْن فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة ، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله . . "   .

2- قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره جامع البيان في تأويل آي القرآن ( 25 / 148 ) :
     " وقوله أم حسب الذين اجترحوا السيئات يقول تعالى ذكره : أم ظنّ الذين اجترحوا السيئات من الأعمال في الدنيا وكذبوا رسل الله وخالفوا أمر ربهم وعبدوا غيره أن نجعلهم في الآخرة كالذين آمنوا بالله وصدقوا رسله وعملوا الصالحات فأطاعوا الله وأخلصوا له العبادة دون ما سواه من الأنداد والآلهة ، كلاّ ما كان الله ليفعل ذلك لقد ميّز بين الفريقين فجعل حزب الإيمان في الجنة وحزب الكافرين في السعير . . " .
     وقال أيضاً ( 6 / 272 ) :

     " . . . فتبين حينئذ كلّ حزب عياناً المحق منهم من المبطل " .
     وقال عن حزب الله وحزب الشيطان ( 28 / 25 - 27 ) :
     " يعني تعالى ذكره استحوذ عليهم الشيطان : غلب عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ، أولئك حزب الشيطان : يعني جنده واتباعه ، ألا إنّ حزب الشيطان هم الخاسرون : يقول : ألا إنّ جند الشيطان وأتباعه هم الهالكون المغبونون في صفقتهم ، أولئك حـــزب الله يقول أولئك الذين هذه صفتهم جند الله وأولياؤه ، ألا إنّ حـــزب الله يقول : ألا إنّ جند الله وأولياؤه ، هم المفلحون يقول هم الباقون ، المنجون بإدراكهم ما طلبوا والتمسوا ببيعتهم في الدنيا وطاعتهم ربـــــهـم  . . . " .

3- قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره الجامع لأحكام القرآن ( 8 / 20 ) :
     " . . يوم الفرقان ، أي اليوم الذي فرقت فيه بين الحق والباطل وهو يوم بدر ، يوم التقى الجمعان ، حزب الله وحزب الشيطان . . . " .
     وقال أيضاً ( 18 / 1 ) :

     " . . . أولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون قال سعيد بن أبي سعيد الجرجاني عن بعض مشايخه قال داود : " إلهي ! منْ حزبك وحول عرشك ؟ فأوحى الله إليه : يا داوود الغاضّة أبصارهم ، النقية قلوبهم ، السليمة أكفهم أولئك حزبي وحول عرشي . . " .
4- قال الإمام ابن تيمية رحمه الله :

     " وأما لفظ ( الزعيم ) فإنه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين ، قال تعالى : ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم ، فمن تكفل بأمر طائفة فإنه يقال : هو زعيم . فإن كان قـد تكفل بخير كان محموداً على ذلك ، وإن كان شراً كان مذموماً على ذلك .
     وأما ( رأس الحزب ) فإنه رأس الطائفة التي تتحزب ، أي تصير حزباً ، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون ، لهم ما لهم ، وعليهم ما عليهم . وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا ، مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم ، سواء كان على الحق والباطل ، ، فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والإئتلاف ، ونهيا عن التفرقة والإختلاف وأمرا بالتعاون على البر والتقوى ، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان "   .
5- وقال الإمام الشوكاني رحمه الله :

     " . . . أولئك حزب الله ، أي جنده الذين يمتثلون أوامره ويقاتلون أعداءه وينصرون أولياءه ، وفي إضافتهم إلى الله سبحانه تشريف لهم عظيم وتكريم فخيم . . . "   .
     وقال أيضاً ( 5 / 193 ) :
     " . . . حزب الشيطان أي جنده وأتباعه ورهطه ، ألا إنّ حزب الشيطان هم الخاسرون ، أي الكاملون في الخسران حتى كأنّ خسران غيرهم بالنسبة إلى خسرانهم ليس بخسران لأنهم باعوا الجنة والهدى بالضلالة وكذبوا على الله وعلى نبيه وحلفوا الأيمان الفاجرة في الدنيا والآخرة . . " .

بيان الحديـث : (( لا حلف في الإسلام )) الذي يساء فهمه ويستدل به على عم جواز التحزب او جماعاعات اسلامية عاملة للاسلام...

بيان الحديـث : (( لا حلف في الإسلام )) .


     أخرج الإمام البخاري في صحيحه ( 2 / 803 ) عن عاصم قال : " قلت لأنس t : أبلغك أنّ النبي r قال : (( لا حلف في الإسلام )) ؟ فقال : قد حالف النبي  بين قريش والأنصار في داري " .
     نفهم من هذا الحديث أنّ أنس بن مالك t يثبت الحلف بين المسلمين ، ويستدل بعمل النبي   ﷺ له .
     والسنة هي ما أثر عن النبي  من قول أو فعل أو تقرير .
     ورسول الله  لا يتناقض في أقواله وأفعاله . وإذا ظهر ذلك لبعض الناس فقد أوتي ذلك من قِبله .
     إذن ظهر أن ما أثبته النبي  غير ما نفاه .
     فالحلف الذي نفاه شيء ، والذي أثبته وحرّض عليه شيء آخر !

     أخرج الإمام مسلم في صحيحه ( 4 / 1961 ) عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله (( لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلاّ شدّة )) .

     ففي هذا الحديث - كما هو واضح - ينفي رسول الله r نوعاً من الحلف ، ويثبت نوعاً آخر ويبين أن الإسلام لم يزده إلاّ شدة .
     والذي يظهر - أخي المؤمن - من جمع الأحاديث والآثار وأقوال العلماء ما يلي :
     كان الناس في الجاهلية يعيشون نظام القبائل والعشائر ، وكان كل واحد منهم ينتسب إلى عشيرة فيقاتل تحت رايتها ، ويدافع عنها ظالمة كانت أو مظلومة ، وإذا ما جاء رجل غريب ، أو لم يكن له عشيرة وقبيلــة ، كان لابد له من أن يحالف إحدى القبائل والعشائر حتى لا يُظلم ولاتُهضم حقوقه ، فيصبح واحداً منهم فيرثهم ويرثونه ، ويدافع عنهم ويدافعون عنه بالحق والباطل .
     فلما جاء الإسلام ، وحّد القبائل ، وأصبح الناس أمة واحدة ، يعيشون تحت راية واحدة ، أخوة متحابين بعضهم أولياء بعض ، فلم يكن الناس بحاجة إلى هذا النوع من التحالف ، ولهذا جاء النهي عنه .
     أنظر - أخي العزيز - إلى الحديث الذي أخرجه الإمام ابن خزيمة في صحيحه ( 4 / 26 ) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : سمعت النبي r عام الفتح وهو يقول :
     (( أيها الناس ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلاّ شدة ولا حلف في الإسلام ، المسلمون يدٌ على من سواهم يجير عليهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم . . . )) .

     وأخرج الإمام عبدالرزاق في مصنفه عن عمرو بن شعيب قال : قضى رسول الله r أنه من كان حليفاً في الجاهلية فهو على حلفه وله نصيبه من العِقل والنصر يعقل عنه من حالف وميراثه لعصبته من كانوا وقال : (( لا حلف في الإسلام وتمسّكوا بحلف الجاهلية فإنّ الله لم يزده في الإسلام إلاّ شدة )) .

     وأخرج أيضاً عن عمرو بن شعيب قال : قضى عمر بن الخطاب  رضي الله عنه  أن : " من هلك من المسلمين لا وارث له يعلم ولم يكن مع قوم يعاقلهم ويعاودهم فميراثه بين المسلمين في مال الله الذي يقسم بينهم " [1] .

     إذن ظهر من هذا ، أنّ الحلف الذي نفاه رسول الله r هو هذا الحلف الذي يأوي من لا قبيلة له ولا عشيرة إلى إحداها حفاظاً على حياته وحقوقه .
     وقد جاء الإسلام وانتشر الأمن والأمان وأصبح الناس أمة واحدة فانتفى الحاجة إلى هذا الحلف .
     أما الحلف الذي لم يزده الإسلام إلاّ شدة فهو التعاون على البرّ والتقوى وردّ الظلم والعدوان كحلف الفضول الذي كان في الجاهلية ، واشترك رسول الله r فيه .
     قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم ( 16 / 81 ) :
     " . . . وحديث لا حلف في الإسلام وحديث أنس : آخى رسول الله r بين قريش والأنصار في داري بالمدينة ، قال القاضي : قال الطبري : لا يجوز الحلف اليوم فإن المذكور في الحديث والموارثة به وبالمؤاخاة كله منسوخ لقوله تعالى ]وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض [ . وقال الحسن : كان التوارث بالحلف فنسخ بآية المواريث .

     قلــت : أما ما يتعلق بالإرث فيستحب فيه المخالفة عند جماهير العلماء .
     وأما المؤاخاة في الإسلام والمحالفة على طاعة الله تعالى ، والتناصر في الدين والتعاون على البر والتقوى ، واقامة الحق فهذا باق لم ينسخ وهذا معنى قوله r في هذه الاحاديث : (( وأيّما حلف كان في الجاهلية لم يزده الاسلام إلاّ شدّة )) .
     واما قوله r : (( لاحلف في الاسلام )) فالمراد به حلف التوارث والحلف على ما منع الشرع منه والله اعلم " .
     وقـــال الـحـافـظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ( 4/473 - 474 ) :

     " (( لا حلف في الاسلام )) : الحلف بكسر المهملة وسكون اللام بعدها فاء : العهد ، والمعنى : أنهم لايتعاهدون في الاسلام  على الأشياء التي كانوا يتعاهدون عليها في الجاهلية كما سأذكره وكان عاصما يشير بذلك الى ما رواه سعد بن ابراهيم بن عبدالرحمن بن عوف عن ابيه عن جبير بن مطعم مرفوعاً : (( لاحلف في الاسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الاسلام إلا شدة )) . اخرجه مسلم . ولهذا الحديث طرق منها عن أم سلمة مثله ، اخرجه عمر بن شبة في كتاب مكة عن ابيه وعن عمرو بن شعيب عن جده قال : خطب رسول الله r على درج الكعبة فقال : (( أيها الناس . . )) فذكر نحوه .  أخرجه عمر بن شبة . وأصله في السنن .
     وعن قيس بن عاصم انه سأل رسول الله r عن الحلف فقال : (( لا حلف في الاسلام ولكن تمسكوا بحلف الجاهلية )) .  أخرجه أحمد وعمر بن شبة واللفظ له .
     ومنها عن ابن عباس رفعه : (( ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الاسلام الا شدّة وحدّة )) . أخرجه عمر بن شبة  واللفظ له وأحمد وصححه ابن حبان .
     ومن مرسل عدي بن ثابت قال : أرادت الأوس أن تحالف سلمان فقال رسول الله r مثل حديث قيس بن عاصم . أخرجه عمر بن شبة .
     ومن مرسل الشعبي رفعه : لاحلف في الإسلام وحلف الجاهلية مشدود .

     وذكر عمر بن شبة أن أوّل حلف كان بمكة حلف الأحابيش ، أن امرأة من بني مخزوم شكت لرجل من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة تسلط بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عليهم فأتى قومه فقال لهم : ذلت قريش لبني بكر فانصروا إخوانكم ، فركبوا إلى بني المصطلق بن خزاعة فسمعت بهم بنو الهون بن خزيمة بن مدركة فاجتمعوا بذنب الحبش بفتح المهملة وسكون الموحدة بعدها معجمة وهو جبل بأسفل مكة فتحالفوا : إنّا لَيَدٌ على غيرنا ما رسى حبش بمكانه . وكان هذا مبدأ الأحابيش .

     وعند عمر بن شبة من مرسل عروة بن الزبير مثله ثم دخلت فيهم القارة .
     قال عبدالعزيز بن عمر : إنّما سموا الأحابيش لتحالفهم عند حبش ثم أسند عن عائشة إنه على عشرة أميال من مكة .
     ومن طريق حماد الرواية سموا لتحبشهم أي تجمعهم .

     قال عمر بن شبة : ثم كان حلف قريش وثقيف ودوس وذلك أنّ قريشا رغبت في وج وهو من الطائف لما فيه من الشجر والزرع فخافتهم ثقيف فحالفتهم وأدخلت معهم بني دوس وكانوا إخوانهم وجيرانهم ثم كان حلف المطيبيبن وأزد .
     وأسند من طريق أبي سلمة رفعه : (( ما شهدت من حلف إلاّ حلف المطيبين وما أحبّ أنْ أنكثه وإن لي حمر النعم )) .
     ومن مرسل طلحة بن عوف نحوه و زاد : (( ولو دعيت به اليوم في الاسلام لاجبت )) .

     ومن حديث عبدالرحمن بن عوف رفعه : (( شهدت وأنا غلام مع عمومتي المطيبين فما أحب أنّ لي حمر النعم وإني نكثته )) ، قال وحلف الفضول وهم : فضل وفضالة ومفضل تحالفوا فلما وقع حلف المطيبين بين هاشم والمطلب واسد وزهرة قالوا : حلف كحلف الفضول ، وكان حلفهم : أنْ لا يعين ظالم مظلوما بمكة . وذكروا في سبب ذلك أشياء مختلفة محصلها :
     إنّ القادم من أهل البلاد كان يقدم مكة فربما ظلمه بعض أهلها فيشكوه إلى من بها من القبائل فلا يفيد فاجتمع بعض من كان يكره الظلم ويستقبحه الى أن عقدوا الحلف ، وظهر الإسلام وهم على ذلك . وسيأتي بيان ما وقع في الاسلام من ذلك في أوائل مناقب الأنصار وفي أوائل الهجرة .
     قوله : قد حالف رسول الله r ، قال الطبري : ما استدل به أنس على إثبات الحلف لا ينافي حديث جبير بن مطعم في نفيه فإنّ الإخاء المذكور كان في أول الهجرة وكانوا يتوارثون به ثم نسخ من ذلك الميراث وبقي ما لم يبطله القرآن وهو التعاون على الحق والنصر والأخذ على يد الظالم كما قال ابن عباس إلا النصر والنصيحة والرفادة ويوصى له وقد ذهب الميراث . . .

     وقال الخطابي : قال ابن عيينة : حالف بينهم أي آخى بينهم ، يريد أنّ معنى الحلف في الجاهلية معنى الأخوة في الإسلام لكنه في الإسلام جارٍ على أحكام الدين وحدوده ، وحلف الجاهلية جرى على ما كانوا يتواضعونه بينهم بآرائهم فبطل منه ما خالف حكم الاسلام وبقي ما عدا ذلك على حاله .
     واختلف الصحابة في الحد الفاصل بين الحلف الواقع في الجاهلية والإسلام فقال ابن عباس : ما كان قبل نزول الآية المذكورة جاهلي وما بعدها إسلامي .
     وعن علي : ماكان قبل نزول ] لإيلاف قريش { فهو جاهلي .

     وعن عثمان : كل حلف قبل الهجرة جاهلي وما بعدها إسلامي .
     وعن عمر : كل حلف كان قبل الحديبية فهو مشدود ، وكل حلف بعدها منقوض .
     أخرج كل ذلك عمر بن شبة عن أبي غسان محمد بن يحيى بأسانيده إليهم ، وأظن قول عمر أقواها .
     ويمكن الجمع بأنّ المذكورات في رواية غيره مما يدل على تأكد حلف الجاهلية ، والذي في حديث عمر ما يدل على نسخ ذلك " .
     وقال الحافظ ابن حجر ايضاً ( فتح الباري ) ( 10/502 ) :

     " عن عاصم قال سمعت أنس بن مالك يقول حالف . . فذكره بلفظ المهاجرين بدل قريش فقيل له : أليس قال : لا حلف في الاسلام ؟ قال : قد حالف . . فذكر مثله وزاد مرتين او ثلاثا . وأخرجه مسلم بنحـوه مختـصرا .
     وعرف من رواية البـاب تسميـة السائل عن ذلك وذكره المصنف في ( الاعتصام ) مختصرا خاليا عن السؤال ، وزاد في آخره : وقنت شهراً يدعوا على أحياء من بني سليم . وحديث القنوت من طريق عاصم مضى في الوتر وغيره .

     وأما حديث المسؤول عنه فهو حديث صحيح أخرجه مسلم عن جبير بن مطعم عن النبي r قال : (( لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الاسلام إلاّ شدّة )) . وأخرجه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن جده ولفظه ؛  وأخرج البخاري في ( الأدب المفرد ) عن عبد الله بن أبي أوفى نحوه باختصار، وأخرج أيضا أحمد وأبو يعلى وصــححه ابن حبان والحاكم من حديث عبدالرحمن بن عوف مرفوعـاً : (( شهدت مع عمومتي حلف المطيبين فما أحب أن أنكثه )) . وحلف المطيبين كان قبل المبعث بمدة ، ذكره ابن اسحاق وغيره : وكان جمع من قريش اجتمعوا فتعاقدوا على أن ينصروا المظلوم وينصفوا بين الناس ونحو ذلك من خلال الخير واستمر ذلك بعد المبعث .
     ويستفاد من حديث عبدالرحمن بن عوف أنهم استمروا على ذلك في الإسلام ، وإلى ذلك الإشارة في حديث جبير بن مطعم ، وتضمن جواب أنس إنكار صدر الحديث لأن فيه نفي الحلف وفيما قاله هو إثباته .

     ويمكن الجمع بأن المنفي ما كانوا يعتبرونه في الجاهلية من نصر الحليف ولو كان ظالما ، ومن أخذ الثأر من القبيلة بسبب قتل واحد منها ، ومن التوارث ونحو ذلك . والمثبت ما عدا ذلك من نصر المظلوم والقيام في أمر الدين ونحو ذلك من المستحبات الشرعية كالمصادقة والمواددة وحفــظ العهد . وقد تقدم حديث ابن عباس في نسخ التوارث بين المتقاعدين .

     وذكر الراوي أنهم كانوا يورثون الحليف السدس دائما فنسخ ذلك .
     وقال ابن عيينة : حمل العلماء قول أنس : " حالف " ، على المؤاخـــاة .
     قلت : ولكن سياق عاصم عنه يقتضي أنه أراد المحالفة حقيقة إلاّ لما كان الجواب مطابقا . وترجمة البخاري ظاهرة في المغايرة بينهما . وتقدم في الهجرة الى المدينة : باب كيف آخى النبي r بين اصحابه وذكر الحديثين المذكورين هنا أولاً ولم يذكر حديث الحلف ، وتقدم ما يتعلق بالمؤاخاة المذكورة هناك .
     قال النووي : المنفي حلف التوارث وما يمنع منه الشرع ، وأما التحالف على طاعة الله ونصر المظلوم والمؤاخاة في الله تعالى فهو أمر مرغوب " .
     وقــــال الإمـــام الآبــــادي (عــون المعبود في شرح سنن أبي داود ) ( 8/100- 102 ) :
     " باب في الحلف : (( لا حلف في الاسلام )) بكسر الحاء المهملة وسكون اللام : المعاهدة يتعلق بالفساد . (( وأيما حلف)) : ما فيه زائدة ، كان في الجاهلية : المراد منه : ما كان من المعاهدة على الخير كصلة الأرحام ونصرة المظلوم وغيرهما ، (( لم يزده الاسلام إلاّ شدة )) أي تأكيداً وحفظاً على ذلك ، كذا في شرح المشارق لابن مالك .

     قال القاضي : قال الطبري : لا يجوز الحلف اليوم ، فإنّ المذكور في الحديث والموارثة به وبالمؤاخاة كله منسوخ لقوله تعالى : ] وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض { .

     وقال الحسن : كان التوارث بالحلف فنسخ بآية المواريث .

     قلت : اما مايتعلق بالإرث ، فنسخت فيه المحالفة عند جماهير العلماء ، وأما المؤاخاة في الإسلام والمحالفة على طاعة الله تعالى والتناصر في الدين والتعاون على البر والتقوى وإقامة الحق فهذا باق لم ينسخ ، وهذا معنى قوله r : (( وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسـلام إلاّ شــــدة )) .
     وأما قوله r : (( لا حلف في الاسلام )) فالمراد به حلف التوارث ، والحلف على ما منع الشرع منه والله اعلم . كذا في  شرح صحيح مسلم للنووي رحمه الله .
     وقال في النهاية : " أصل الحلف : المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والإنفاق ، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات فذلك الذي ورد النهي عنه في الاسلام بقوله r : (( لا حلف في الاسلام )) .
     وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الارحام كحلف الطيبين وما جرى مجراه فذلك الذي قال فيه النبي r : (( وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلاّ شدة )) . يريد : من المعاقدة على الخير ونصرة الحق .
     وبذلك يجتمع الحديثان ، وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الاسلام ، والممنوع منه ما خالف حكم الاسلام . وقيل المحالفة كانت قبل الفتح وقوله : (( لا حلف في الاسلام )) ، قاله زمن الفتح . انتهى .

     وقال ابن كثير بعد إيراد حديث جبير بن مطعم : وهذا نصّ ، فيه ردّ على من ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ورواية عن أحمد بن حنبل ، والصحيح قول الجمهور ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه ، ولهذا قال تعالى : ] ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون { ، أي : ورثة من قراباته من أبويه وأقربيه وهم يرثونه  دون سائر الناس . انتهى .
     قال المنذري : وأخرجه مسلم . حالف أي : آخى . في دارنا ، أي بالمدينة على الحق والنصرة والأخذ على يد الظالم كما قــال ابن عباس t : إلا النصرة والنصيحة والرفادة ويوصى له ، وقد ذهب الميراث . لاحلف في الاسلام ، أي : لا عهد على الاشياء التي كانوا يتعاهدون عليها في الجاهلية ، كذا في شرح البخاري للقسطلاني مرتين او ثلاثا ، أي : قال أنس : قوله حالف الخ مرتين او ثلاثا .

     قال المنذري : واخرجه البخاري ومسلم بنحوه " .
     إذن نستطيع الآن - اخي العزيز -  أن نفهم الحديث إستناداً إلى أقوال علمائنا وأئمتنا فنقول :
     لا معاهدة في الإسلام على نصر المعاهد ولو كان ظالماً ، وعلى أخذ الثأر من القبيلة بسبب قتل واحدٍ منها ، وعلى التوارث ، وعلى ما خالف حكم الإسلام ومنع الشرع منه .
     أما المعاهدة على نصر المظلوم ، والقيام في أمر الدين ، والمصادقة والمواددة ، وحفظ العهد ، والمؤاخاة في الاسـلام والمعاهدة على طاعة الله ، والتناصر في الدين والتعاون على البرّ والتقوى ، وإقامة الحق ، فهذه المعاهدة لم يزدها الإسلام إلاّ شدة أي تأكيداً وحفظاً على ذلك .
     ومن نافلة القول أن نقول :

     إنّ كلّ جماعة من الجماعات الاسلامية العاملة اليوم في الساحة إنما هي تعاهدت على القيام في أمر الدين ، وعلى طاعة الله تعالى والتناصر في الدين والتعاون على البر والتقوى ، وإقامة الحقّ ونصر المظلوم ، والمصادقة والمودّة ، وحفظ العهد .
     ولم تعاهد على الثارات الجاهلية والغارات ، وعلى ما خالف حكم الاسلام ومنع الشرع منه .
     أما أنّ كل واحدة منها تدعي أنها على الحق والصواب وأنّ غيرها على الباطل والخطأ فهذا موضوع آخر .
     أما أن يدعي أحد أنه من الفرقة الناجية وأن غيرها من أهل الضلال والأحزاب ، فهذا يستطيع كل واحد أن يدعيه . هذا وليعلم هو وجماعته أنهم حزب من هذه الأحزاب سواء شاءوا أم أبوا .

حكم القنوت في صلاة الصبح وآراءالعلماء فيه ..

حكم القنوت في صلاة الصبح وآراءالعلماء فيه ..
القنوت وآراءالعلماء فيه ..
( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِين ) سورة آل عمران ، آية : 31 . روى مسلم في صحيحه ( 1 / 468 / برقم 298 ) : عن محمد قال : قلت لأنس : هل قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح ؟ قال : نعم ، بعد الركوع يسيراً . في سنن البيهقي وغيره بسند صحيح : (( قنت شهراً يدعو عليهم ثم تركه فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا )) . وروى البزار ( كشف الأستار 1 / 269 ) عن أنس : (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت حتى مات ، وأبو بكر حتى مات ، وعمر حتى مات )) قال الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد ( 2 / 139 ) : رجاله موثقون . قلت : وهو متصل صحيح . عن العوام بن حمزة قال : سألت أبا عثمان عن القنوت في الصبح بعد الركوع قلت : عمن ؟ قال عن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم )) رواه البيهقي في سننه ( 2 / 202 ) وقال هذا إسناد حسن . وعن عبدالله بن معقل قال : (( قنت عليٌّ رضي الله عنه في الفجر )) رواه البيهقي في سننه ( 2 / 204 ) وقال : هذا عن عليٍّ صحيح مشهور . وكان عروة لا يقنت في شيء من الصلاة ولا في الوتر، إلاّ أنه كان يقنت في صلاة الفجر. وعن عبد الله بن شداد: (صليت خلف عمر، وعليّ ، وأبي موسى فقنتوا في صلاة الصبح). (صلاة الوتر لمحمد بن نصر المروزي1/95). قال الإمام الشافعي ، رحمه الله : إن القنوت مسنون في صلاة الصبح دائماً . وأما غيرها فله فيه ثلاثة أقوال الصحيح المشهور أنه إن نزلت نازلة كعدوّ وقحط ووباء وعطش وضرر ظاهر في المسلمين ونحو ذلك قنتوا في جميع الصلوات المكتوبة وإلّا فلا ( عون المعبود 4 / 222 ) . يقصد الإمام الشافعي ، رحمه الله بقوله (القنوت مسنون في صلاة الصبح دائماً ) أنه سنة أي : فعله النبيّ صلى الله عليه وسلم ! فبعض مَن لا يفهم الكلام يظن أن هذا الكلام من الإمام الشافعي ، رحمه الله هو قوله الذي أخرجه من جيبه ! ولا يعلم أنه يروي حديثاً للنبيّ صلى الله عليه وسلم ويرفع الكلام للنبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله : القنوت سنة ! ! وقال ، رحمه الله تعالى : فأما القنوت فمحفوظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أهل بئر معونة وبعده ، ولم يحفظ أحدٌ عنه تركه . وكذلك هنا يروي الإمام الشافعي حديثاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في القنوت ، بل هو من أثبت الأحاديث ، فهو حديث محفوظ ! لمن يعلم ما هو الحديث المحفوظ ؟ ! ! وقال ايضاً ، رحمه الله : فأما الذي أرى بالدلالة أنه ترك القنوت في أربع صلوات, دون الصبح وكذلك هنا يستدل بأحايث نبوية صحيحة في القنوت في الصبح ! (بالدلالة ) ، فهل يأتي بالدليل من التوراة والإنجيل ، أم من سنة وأحاديث رسول الله سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم ؟ ! ! وهو ، رحمه الله تعالى ، يرى أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ترك اللعن في القنوت ولم يترك القنوت فيقول : فهذا الذي ترك, فأما القنوت في الصبح, فلم يبلغنا أن النبي صلي الله عليه وسلم تركه. ( فلم يبلغنا أن النبي صلي الله عليه وسلم تركه ) أي : لم يبلغنا حديث صحيح أنه صلى الله عليه وسلم ترك القنوت في صلاة الفجر ! ! وقال أيضاً : فأما في الصبح , فلا أعلمه ترك القنوت في الصبح قط , فيقنت كل مصل في الركعة الآخرة منها , بعد الركوع . اهـ ( فلا أعلمه ترك القنوت في الصبح قط ) أي : لا أعلم حديثاً صحيحاً في ترك القنوت في صلاة الصبح ! ! زعم بعضهم أن حديث أنس رضي الله عنه الذي فيه : (( لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا )) ضعيف . والجواب على ذلك : أن حديث أنس : (( لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا )) حديث صحيح ، صححه جماعات من أكابر الحفاظ ، وهو غير معارض للحديث الصحيح : (( قنت شهراً يدعو على قوم ثم تركه )) وذلك لأن معنى ذلك أنه ترك الدعاء على القوم في القنوت ولم يترك القنوت بدليل قول أنس بن مالك رضي الله عنه وهو راوي كل من الحديثين كما في سنن البيهقي وغيره بسند صحيح : (( قنت شهراً يدعو عليهم ثم تركه فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا )) وهذا الذي قررناه هو قول جماعة من أئمة الحديث ونقله البيهقي في سننه ( 2 / 201 ) عن عبدالرحمن بن مهدي حيث قال : (( إنما ترك النّبيّ صلى الله عليه وسلم اللعن )) . اهـ أي لم يترك القنوت وإنما ترك لعن القوم فيه وسياق جميع الأحاديث يثبت ذلك . في البخاري أيضاً ( فتح 2 / 490 ) ومسلم بنحوه ( 1 / 469 ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه : (( قنت النّبيّ صلى الله عليه وسلم شهراً يدعو على رعل وذكوان )) . وروى الإمام مسلم في صحيحه ( 1 / 469 / حديث رقم 304 ) عن أنس بن مالك : (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت شهراً . يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه )) . قلت : هذا الحديث صريح في أنه صلى الله عليه وسلم ترك الدعاء على القوم ، فيستفاد من ذلك أن لفظة (( تركه )) تعود على لعن القوم لا على أساس القنوت في صلاة الصبح . (( ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا )) رواه الإمام أحمد في مسنده ( 3 / 162 ) وانظر الفتح الرباني ( 3 / 302 ) والبزار ، قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ( 2 / 139 ) ورجاله موثقون . والبيهقي ( 2 / 201 ) ونقل تصحيحه عن الحاكم وأقرّه . والدارقطني ( 2 / 39 ) وعبدالرزاق المصنف ( 3 / 110 ) وابن أبي شيبة ( 2 / 312 ) والبغوي في شرح السنة ( 3 / 124 ) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح المهذب (( المجموع )) ( 3 / 504 ) : حديث صحيح رواه جماعة من الحفاظ وصححوه وممن نص على صحته : الحافظ أبو عبد الله محمد بن علي البلخي ، والحاكم أبو عبد الله في مواضع من كتبه والبيهقي ، ورواه الدارقطني بأسانيد صحيحة . اهـ . ولقد ضعّف بعضهم حديث أنس بن مالك رضي الله عنه : (( ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا )) بأبي جعفر الرازي الذي رواه عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك . 1 - قد نقلوا قول مَن جرحه ولم ينقلوا كلام مَن وثّقه وعدّله . 2 – ضعف حديث أبي جعفر الرازي خاص في روايته عن مغيرة . نقلوا عن الإمام أحمد أنه ضعّف أبا جعفر الرازي ، ولم يذكروا أنه قال فيه أيضاً : صالح الحديث ونقلوا عن ابن المديني في أبي جعفر الرازي أنه كان يقول فيه : كان يخلّط . ولم ينقلوا قوله بتمامه حيث قال ابن المديني عنه : هو ثقة عندنا وكان يخلّط فيما روى عن مغيرة . اهـ أنظر تهذيب التهذيب ( 12 / 60 ) وهذا الحديث – حديث القنوت – لم يروه أبو جعفر عن مغيرة بل رواه عن معاذ بن أنس . ثم إن الحديث قد صححه الإمام الشافعي وهو مذهبه ، وصححه الحاكم والبيهقي كما في سننه ( 2 / 201 ) ، وصححه الإمام النووي في الأذكار وفي المجموع ( 3 / 504 ) حيث قال : حديث صحيح رواه جماعة من الحفاظ وصححوه وممن نص على صحته : الحافظ أبو عبدالله البلخي . . . اهـ وكذا صححه أو حسنه البغوي في شرح السنة بإقراره الحاكم . وكذلك صححه شيخ الحافظ ابن حجر وهو الحافظ ابن الملقن في تحفة المحتاج ( 1 / 303 – 304 ) وكذلك الحافظ الحازمي في الاعتبار ص ( 98 ) حيث قال : حديث صحيح أبو جعفر الرازي الذي في سنده ثقة ، وقال صاحب الإمام بعد أن خرجه : في إسناده أبو جعفر الرازي وقد وثقه غير واحد . اهـ فابن دقيق العيد ممن صححه أيضاً وقال ابن الملقن : قال ابن الصلاح : هذا حديث قد حكم بصحته غير واحد من حفاظ الحديث . وثق ابا جعفر الرازي أكابر الحفاظ وفصّلوا جهة الضعف في حديثه وبيّنوها ، وهي روايته عن مغيرة ، وهذا الحديث الذي نحن بصدده لم يروه عن مغيره وإنما رواه عن معاذ بن أنس ، ولنذكر قول مَن وثقه : قال الإمام أحمد : صالح الحديث . وقال ابن معين : كان ثقة خراسانياً ، وقال مرّة أخرى : ثقة وهو يغلط فيما يروي عن مغيرة . وقال علي بن المديني : يخلّط فيما روى عن مغيرة ، كان عندنا ثقة . وقال ابن عمار الموصلي : ثقة . وقال أبو حاتم : ثقة صدوق صالح الحديث . وقال ابن سعد : كان ثقة . وقال الحاكم : ثقة . وقال ابن عبد البر : هو عندهم ثقة عالم بتفسير القرآن . وقد قطع القول فيه وبتّه الحافظ ابن عدي في الكامل ( 5 / 1895 ) فلخص قول مَن وثقه وقول مَن جرحه فقال : ولأبي جعفر الرازي أحاديث صالحة مستقيمة يرويها ، وقد روى عنه الناس وأحاديثه عامتها مستقيمة وأرجو أنّه لا بأس به . اهـ . قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح المهذب ( 3 / 504 ) : ( فرع ) في مذاهب العلماء في إثبات القنوت في الصبح : مذهبنا أنه يستحب القنوت بها سواء نزلت نازلة أو لم تنزل ، وبهذا قال أكثر السلف ومن بعدهم أو كثير منهم ، وممن قال به أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن عباس والبراء بن عازب رضي الله عنهم رواه البيهقي عنهم بأسانيد صحيحة ، وقال به من التابعين فمن بعدهم خلائق ، وهو مذهب ابن أبي ليلى والحسن ابن صالح ومالك وداود . اهـ كلام الإمام النووي . وورد عن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم لم يقنتوا ، ولكن صح عنهم بأسانيد صحيحة أنهم قنتوا ، وقد تقرر في الأصول أن المثبت مقدّم على النافي . قال الشيخ الألباني رحمه الله ( صفة الصلاة ، الطبعة التاسعة ، ص 170 ) : والمثبت مقدم على النافي كما هو معروف عند العلماء . اهـ . قال عليّ بن زياد من المالكية بوجوب القنوت في الصّبح، فمن تركه فسدت صلاته .[ يسجد المصلي سجدتي السهو عند ترك القنوت في صلاة الفجر ! ( وهذا كما قال: جملته أن القنوت في صلاة الصبح مستحب إذا رفع رأسه من الركعة الثانية، فإن تركه عامدًا أو ناسيًا سجد للسهو، وبه قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأنس رضي الله عنهم، والحسن ومالٌك وابن أبي ليلى والحسن بن صالح والأوزاعي. [ بحر المذهب (في فروع المذهب الشافعي) : الروياني، أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل (ت 502 هـ) المحقق: طارق فتحي السيد : دار الكتب العلمية ] ومع كل هذا نفرض جدلاً أن القنوت في صلاة الصبح بدعة وليس سنة ، نفرض ذلك بأنه بدعة ! فما هي أقوال أئمة وعلماء الذين ينكرون سنيّته ويعتبرونه بدعة ، إذا صلى خلف إمام يقنت في صلاة الفجر ؟ : قال الحافظ ابن تيمية ، رحمه الله ( 208 - / 124 - الفتاوى الكبرى ) : [ ولهذا ينبغي للمأموم أن يتبع إمامه فيما يسوغ فيه الاجتهاد فإذا قنت قنت معه وإن ترك القنوت لم يقنت فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ إنما جعل الإمام ليؤتم به ] وقال : [ لا تختلفوا على أئمتكم ] وثبت عنه في الصحيح أنه قال : [ يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطأوا فلكم وعليهم ] ألا ترى أن الإمام لو قرأ في الأخيرتين بسورة مع الفاتحة وطولهما على الأوليين : لوجبت متابعته في ذلك فأما مسابقة الإمام فإنها لا تجوز فإذا قنت لم يكن للمأموم أن يسابقه : فلا بد من متابعته ولهذا كان عبد الله بن مسعود قد أنكر على عثمان التربيع بمنى ثم إنه صلى خلفه أربعا فقيل له : في ذلك ؟ ! فقال : الخلاف شر وكذلك أنس بن مالك لما سأله رجل عن وقت الرمي فأخبره ثم قال : إفعل كما يفعل إمامك والله أعلم ] . فالذي لا يقنت خلف الإمام الذي يقنت ، ولا يرفع يديه ولا يُؤمِّن على دعاء الإمام فهو عاصٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومخالف لهديه وسنته صلى الله عليه وسلم كما يُفهم من قول الحافظ ابن تيمية الذي يرى أن القنوت في غير النوازل بدعة ! ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته امام المسجد الذي اصلي فيه يقنت دوما في صلاة الصبح ( اي في كل يوم ) فقال له بعض الإخوة انت مبتدع لإنك مللازم للقنوت والدعاء في صلاة الصبح فقال لهم امام المسجد لست مبتدعا لإن القنوت وارد فأرجو الإفادة وبارك الله فيكم السلام عليكم أخي محمدين السيد وبعد فقد اطلعت على ما كتبت من قول امام مسجدكم على أن القنوت في صلاة الصبح وارد وهذا قول صحيح ثابت واليك بعض الادلة التي ساقها أحد طلبة العلم عندنا ردا على من قال ببدعية دعاء القنوت . ( إن مسألة القنوت في صلاة الفجر وفي غيره؛ مسألة اختَلف فيها أهل العلم والتصنيف منذ القديم، ومن اللائق عند التفصيل في مثل هذا؛ أن يكون الكلام بأسلوب أدب الخلاف في فروع الفقه المعروفة، ولا يصل إلى التبديع والتضليل والتحذير و... لأن هذا يثير الفتن بين أفراد المجتمع المسلم، كما أنه يخالف منهج أهل الحديث، وقد قال ابن القيم - رحمه الله - في مسألة القنوت كلاما رائعا حُق له أن يُكتب بماء الذهب، وهو: • قال الإمام ابن القيم - رحمه الله-: "... فأهلُ الحديث متوسطون بين هؤلاء وبين من استحبه عند النوازل وغيرها، وهم أسعدُ بالحديث من الطائفتين، فإنهم يقنُتون حيثُ قنت رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، ويتركُونه حيث تركه، فيقتدون به في فعله وتركه،ويقولون: فِعله سنة، وتركُه سنة، ومع هذا فلا يُنكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعِلَه مخالفاً للسنة، كما لا يُنكِرون على من أنكره عند النوازل، ولا يرون تركه بدعة، ولا تارِكه مخالفاً للسنة، بل من قنت، فقد أحسن، ومن تركه فقد أحسن..." {زاد المعاد: ج 1 / ص 115، طبعة دار التقوى: 1999م}. ثم واصل كلامه في ذكر أمثلة مما يصوغ فيه الخلاف ويعتبر، إلى أن قال في الصفحة نفسها: "... فإذا قلنا: لم يكن مِن هديه المداومةُ على القنوت في الفجر، ولا الجهرُ بالبسملة، لم يدلَّ ذلك على كراهية غيره، ولا أنه بدعة، ولكن هديه صلى الله عليه وسلم أكملُ الهدي وأفضلُه، والله المستعان". فالإمام ابن القيم رغم أنه يُقرر - قبل هذا الكلام الذي أوردتُه وبعده - أن الأولى ترك المداومة على القنوت، وأنَّه إنما شُرع في النوازل، فإنه يورد المسألة بفقه وعلم وأدب... إذ العلم والأدب إذا اجتمعا في امرئ يأبيان عليه أن يخاطِب المخالفَ في فروع الفقه بعبارات التجريح التي لا مسوغ لها... هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى فإنه وإضافة إلى ما قرره ابن القيم من أن الخلاف معتبر وأنه لا يبدع القائل به؛ فإن الكثير من أهل العلم بل كبار من العلماء يستحبون القنوت في الفجر، إما قبل أو بعد الركوع وأدلة ذلك ما يلي: • قال الحافظ ابن عبد البر - رحمه الله -: "وأما الفقهاء الذين دارت عليهم الفتيا في الأمصار فكان مالك، وابن أبي ليلى، والحسن بن حي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وداود، يرون القنوت في الفجر. قال الشافعي وأحمد: بعد الركوع، وقال مالك: قبل الركوع..." {الاستذكار: ج 2 / ص 294، طبعة دار الكتب العلمية 2002م}. ثم أورد قول الأحناف بعدم القنوت في الفجر واختلافهم في فعله إذا قنت الإمام... إلى أن قال: "وقال أبو يوسف: يَقنت ويَتبع الإمام" { ج 2 / ص 294 }. وكل هذا أورده في معرض الكلام عن قنوت الفجر والمداومة عليه. • قال ابن قدامة المقدسي - رحمه الله -: " وَقَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَالشَّافِعِيُّ: يُسَنُّ الْقُنُوتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ". [ لأن أنساً قال : } ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا . رواه الإمام أحمد في " المسند " ، وكان عمر يقنت في الصبح بمحضر من الصحابة وغيرهم { { المغني: ج 2 / ص 585 طبعة دار عالم الكتب 1997م} • قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله ( يقصد به الإمام أحمد بن حنبل) " .. فلِمَ ترخص إذاً في القنوت قبل الركوع، وإنما صح الحديثُ بعد الركوع؟ فقال: القنوت في الفجر بعد الركوع، وفي الوتر يُختار بعد الركوع، ومن قنت قبل الركوع، فلا بأس، لفعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، واختلافهم، فأما في الفجر، فبعد الركوع" { زاد المعاد: ج 1 / ص 118، طبعة دار التقوى: 1999م}. ) أرجو أن تفيدك والله المستعان . وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ، رحمه الله : ثم إذا كان الإنسان مأموماً هل يتابع هذا الإمام فيرفع يديه ويؤمن معه، أم يرسل يديه على جنبيه؟ * والجواب على ذلك أن نقول: بل يؤمن على دعاء الإمام ويرفع يديه تبعاً للإمام خوفاً من المخالفة. وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على أن الرجل إذا ائتم برجل يقنت في صلاة الفجر، فإنه يتابعه ويؤمن على دعائه، مع أن الإمام أحمد رحمه الله لا يرى مشروعية القنوت في صلاة الفجر في المشهور عنه، لكنه رحمه الله رخص في ذلك؛ أي في متابعة الإمام الذي يقنت في صلاة الفجر خوفاً من الخلاف الذي قد يحدث معه اختلاف القلوب. * وهذا هو الذي جاء عن الصحابة رضي الله عنهم، فإن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه في آخر خلافته كان يتم الصلاة في منى في الحج، فأنكر عليه من أنكر من الصحابة، لكنهم كانوا يتابعونه ويتمون الصلاة. ويذكر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قيل له: يا أبا عبد الرحمن كيف تصلي مع أمير المؤمنين عثمان أربعاً ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر، ولا عمر يفعلون ذلك؟ فقال رضي الله عنه: "الخلاف شر". وسئل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ، رحمه الله : السائل: أحيانا نصلي وراء مثل هؤلاء الناس الذين يقنتون مداومة فترى أن بعض الإخوة لا يرفعون أيديهم ولايؤمنون وراءه فما حكم ذلك ؟ الشيخ : هذا طبعا لايجوز لانه يخالف قوله عليه السلام كما نذكر دائما وأبدا ( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ) فينبغي متابعة الإمام في مثل هذه المسائل الخلافية بين العلماء قديما فضلا عن ذلك حديثا فيتابع هذا الإمام ولو كان المتابع لا يرى شرعية في ذلك فيما لو صلى لنفسه هذا هو الجواب موقع الشيخ الألباني فالذي لا يرفع يديه في قنوت الفجر خلف الإمام هومخالف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لا يجوز كما يقول الشبخ الألباني ! وقال الشيخ ربيع المدخلي : إذا صلى الإمام وقنت فاقنت معه . وكذلك يقول الشيخ صالح الفوزان . ويسن القنوت في اعتدال ثانية الصبح؛ لقول أنس: (ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا)، صححه الحاكم والبيهقي [2/ 201] وأحمد [3/ 162] والدارقطني [2/ 39] وجماعة من الحفاظ، وعمل به الخلفاء الراشدون. وأما كونه بعد الركوع .. فقال البيهقي: إنه رواته أكثر وأحفظ، فهو أولى ولقد جمعنا أقوال العلماء والأئمة في هذا الموضوع ، وكذلك أقوال مَن هم ثقة عند المنكرين ويعتبرونهم من أئمة العلم والفقه في هذا العصر أمثال ( الشيخ العثيمين والشيخ الألباني والشيخ ربيع المدخلي ) والشيخ الفوزان معهم . هذا فضلاً عن الحافظ ابن تيمية والحافظ ابن القيّم وغيرهما لسببين رئيسيين : 1 – حتى نثبت أن القنوت في صلاة الصبح دائماً قد قال به إمامان من أئمة الفقه وهما : الإمام مالك والإمام الشافعي ، رحمهما الله تعالى ، وذهب إليه مذهبان من المذاهب الأربعة ؛ المالكية والشافعية . ولا يظن أحد أن القنوت في صلاة الفجر دائماً هو بدعة بالإتفاق ! 2 – حتى نعلم علم اليقين أن الذين لا يرفعون أيديهم ولا يؤمّنون على دعاء الإمام الذي يقنت هم مبتدعة قد خالفوا قول وهدي وسنة النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وخالفوا أقوال العلماء جميعاً ! فلا ندري مَن هو قدوتهم ؟ وليس هناك غير الشيطان قد يفرح ويعجبه تصرفهم هذا ! وليعلموا هم أيضاً أنهم مبتدعة ، ليس لهم أيّ إمام في ذلك غير وساوس ومكائد الشيطان ! ونحن نعلم علم اليقين أن إثارة هذه المواضيع الإجتهادية الإختلافية هي من مكائد ومؤامرات خصوم هذا الدين لإشغال المسلمين بأمور صغيرة وإبعادهم عن الأمور الكبيرة العظيمة من نشر هذا النور والهداية للعالمين ، وقص أظافر الفاسدين والمفسدين . ولطالما إبتعدنا عن هذه الأمور وإثارتها ، فاستطاع الخصوم أن يستغلوها ويجيشوا جيوش ممن هم مستواهم التعليمي دون المستوى المطلوب ، فسلّحوهم ببعض الأمور المذهبية الخلافية ، فحفظوها بدون فهم وإدراك وذهبوا ينشرونها بين الناس باسم الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح ، ويحاربون المسلمين ويشغلونهم بها عن الغايات والأهداف العظيمة فاطمأنَّ الخصم وارتاح واستمر في تنفيذ منهج الشيطان الذي توعد به عندما قال كما ذكره الله تعالى : ( فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) وما هم إلا بمثابة قول الحجاج لكاتبه وقد مدحته ليلى الأخيلية فقالت : إذا هبط الحجاج أرضاً مريضة تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها غلام اذا هز القناة سقاها فلما أتمت القصيدة ، قال لكاتبه : إقطع لسانها ، فجاء ذاك الكاتب المغفل بالموسى . فقالت له : ويلك إنما قال أجزل لها العطاء . ثم ذهبت إلى الحجاج فقالت : كاد والله يقطع مقولي .فماذا يحدث لو لم نقنت في صلاة الفجر ؟ قال عليّ بن زياد من المالكية بوجوب القنوت في الصّبح، فمن تركه فسدت صلاته ! الْبَابُ اَلسَّادِسُ فِي السَّجْدَاتِ قال الغزالي: وَهِيَ ثَلاَثةٌ: الأُولَى سَجْدَةُ السَّهْوِ، وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ تَرْكِ التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ أَوِ الجُلُوسِ فِيهِ أَوِ القُنُوتِ . . ,. [ العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير : عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، أبو القاسم الرافعي القزويني (المتوفى: 623هـ) المحقق: علي محمد عوض - عادل أحمد عبد الموجود : دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان الطبعة: الأولى، 1417 هـ - 1997 م ] حسب أقوال بعض علماء المذهبين ( المالكية والشافعية ) : القنوت في صلاة الصبح واجب تفسد الصلاة بدونه ، والشافعية قالوا : يسجد للسهو بتركه . وماذا قال الذين لا يؤمنون بسنية القنوت في صلاة الصبح دائماً ؟ إذا صلى من لا يؤمن بسنية القنوت في صلاة الصبح دائماً وراء إمام يقنت فيها دائماً ، هل عليه حرج أن يرفع يديه ويُؤمِّن على دعائه ؟ قال الشيخ ابن باز ( وهو لا يؤمن بسنية القنوت في صلاة الصبح دائماً ) : لكن لو صليت خلف إمام يقنت فلا حرج لأنه له قول وله شبهة وقد جاء في بعض الأحاديث الضعيفة ، فلو صليت خلفه فلا حرج عليك ، ولو قنتَّ معه وأمّنت معه لا حرج . موقع الشيخ ابن باز وماذا قال الشيخ الألباني فيمن لا يرفع يديه ولا يؤمِّن على دعاء الإمام في قنوت الصبح ؟ قال : هذا طبعا لايجوز لانه يخالف قوله عليه السلام كما نذكر دائما وأبدا ( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ) فينبغي متابعة الإمام في مثل هذه المسائل الخلافية بين العلماء قديما فضلا عن ذلك حديثا فيتابع هذا الإمام ولو كان المتابع لا يرى شرعية في ذلك فيما لو صلى لنفسه . وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ، رحمه الله : ثم إذا كان الإنسان مأموماً هل يتابع هذا الإمام فيرفع يديه ويؤمن معه، أم يرسل يديه على جنبيه؟ * والجواب على ذلك أن نقول: بل يؤمن على دعاء الإمام ويرفع يديه تبعاً للإمام خوفاً من المخالفة. وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على أن الرجل إذا ائتم برجل يقنت في صلاة الفجر، فإنه يتابعه ويؤمن على دعائه، مع أن الإمام أحمد رحمه الله لا يرى مشروعية القنوت في صلاة الفجر في المشهور عنه، لكنه رحمه الله رخص في ذلك؛ أي في متابعة الإمام الذي يقنت في صلاة الفجر خوفاً من الخلاف الذي قد يحدث معه اختلاف القلوب. * وهذا هو الذي جاء عن الصحابة رضي الله عنهم، فإن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه في آخر خلافته كان يتم الصلاة في منى في الحج، فأنكر عليه من أنكر من الصحابة، لكنهم كانوا يتابعونه ويتمون الصلاة. ويذكر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قيل له: يا أبا عبد الرحمن كيف تصلي مع أمير المؤمنين عثمان أربعاً ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر، ولا عمر يفعلون ذلك؟ فقال رضي الله عنه: "الخلاف شر". فالفريقان متفقان على صحة الصلاة مع القنوت ، ولكنهم اختلفوا في صحة صلاة الصبح بدون قنوت ! فبعض المالكية قالوا : صلاته فاسدة ، يعني باطلة غير صحيحة ! وقال الشافعية : يسجد سجود السهو ! فماذا يأمر العقل والمنطق بعد الشرع في هذه الحالة ؟