السبت، 29 أبريل 2017

حكم هجر المبتدع..؟ والنفحة الذكية في أن الهجر بدعة شركية ...

      ان الصواب الذي ليس بعده إلا الخطأ حرمة الهجر بجميع أنواعه ولا يوجد هجر مشروع لاجل الدين ولا لغيره وأنه منابذ لروح التشريع الاسلامي ، والذين قالوا بمشروعيته مخطئون واهمون استندوا إلى ما ليس بدليل توهموه دليلا فهم مثابون على اجتهادهم مغفور لهم خطؤهم لكن يحرم على الحاقدين المتنطعين أن يتخذوا خطأهم ذريعة لقطيعة الرحم وعقوق الوالدين ومفارقة من لم يوافق هواهم . وقد يعذر المقلد لمجتهد مخطئ ، إذا كان تقليده عن حسن نية ، أما المقلد عن سؤ قصد فهو آثم مغرور .

     أن الهجر في الأصل ابتدعه المشركون ، قاطعوا به رسل الله الداعين إلى توحيده ، وأن الإسلام حرمه تحريما باتا وجعله من الكبائر الموبقات ، ولم يرخص فيه لاحد من المسلمين إلا في حالة عذر ضروري كما رخص للمضطر في أكل الميتة . وما رخص فيه الشارع لعذر ، لا يكون مشروعا على الإطلاق بل شرعيته مقيدة بحالة العذر ، لا يتجاوزها .
 ومن القواعد المقررة المعروفة : أن ما أبيح للضرورة يتقدر بقدرها . وليس في الحالة التي ابيح فيها الهجر ، كون المهجور مبتدعا أو فاسقا بشرب الخمر أو غيره ، فإن الإسلام لا يعرف هجر المسلم لبدعته أو فسقه ، بل ولا يقره ، فضلا عن أن يدعى فيه أنه واجب أو سنة ، تالله أن هذه الدعوى كاذبة ، وسيأتي بيان ذلك مفصلا ، إن شاء الله تعالى . 
(تنبيه) : من المقرر المعلوم : أن الشخص إذا ضعف في ميدان المناظرة احتجاجه ، واختل برهانه ولم يسعفه بيانه ، ووجد مناظره قوي الحجة
، صحيح البرهان ، واضح البيان ، لم يجد سبيلا لمقاومته إلا أن يهجره ، ويوصي أصحابه بهجره ، حتى لا يتأثروا بحسن منطقه ، فينضموا إليه . وهذا هو ما فعله المشركون في مقاومة دعوة التوحيد  .
استمع إلى سيدنا نوح عليه السلام ، وهو يشكو إلى الله قومه (وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا) قال ابن عباس جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا ما يقول واستغشوا ثيابهم ، قال غطوا بها وجوههم لكيلا يروا نوحا ولا يسمعوا كلامه .
وأول من ابتدع الهجر من المشركين آزر والد ابراهيم عليه السلام فإنه لما ضاق ذرعا بدعوة ابنه إلى التوحيد وعجز عن معارضة حجته ، لم يجد مخلصا منه إلا أن قال له (أراغب انت عن آلهتي يا ابراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا) أي اعتزلني دهرا طويلا ، حتى لا أسمع دعوتك . وكذلك فعل المشركون مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع صحابته . ومن هذا المعنى قوله تعالى : (وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيمون سمعا) أي كانوا لا يستطيعون أن يسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لشدة عداوتهم له فهم يهجرونه ، ويبتعدون عنه . 

    وكذلك قوله تعالى : (وهم ينهون عنه وينأون عنه)  .
    وكذلك كل مبتدع يزعم أن هجر المسلمين طاعة وقربة ، ويلح على تثبيت ذلك في عقول أصحابه البسطاء مع اعتقاده في داخل نفسه أنه كاذب مخادع ، لأنه إنما يهجر المسلمين عامة ، واخوته خاصة ، لغرض شخصي ، لا علاقة له بالدين  .
    إن المشركين توافقوا على الهجر الذي جعلوه سلاحا ضد رسل الله ، منذ عهد قوم نوح ، إلى عهد كفار قريش . ومن القواعد: أن ما ابتدعه المشركون أعداء الله ، لا يمكن أن يشرعه الله لاوليائه المؤمنين ، وجوبا أو ندبا يتعاملون به فيما بينهم .

    كذلك الهجر أجازه الله بالنسبة للكفار ، معاملة بالمثل ، قال تعالى (واهجرهم هجرا جميلا . . وأعرض عن المشركين) . وحرمه على المسلمين فيما بينهم ، تحريما بالغا ، وجعله من الكبائر الموجبة للنار ، ولم يرخص لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام . والأحاديث متواترة صريحة في تحريم الهجر تحريما عاما  .

 وقد غلط أبو داود رحمه الله ، حيث قال في سننه بعد أن روى جملة من أحاديث تحريم الهجر : إذا كانت الهجرة لله ، فليس من هذا في شئ ، هجر النبي (ﷺ) بعض نسائه أربعين يوما ، وأبن عمر هجر أبنا له إلى أن مات . اه‍ . وبيان غلطه من وجوه : 

ا - أن هجر النبي لبعض نسائه أربعين يوما ، لا يصلح لتخصيص أحاديث تحريم ا لهجر . لأنه ضعيف ، ولأنه من باب الايلاء الذي يكون بين الرجل وزوجته . 
 المقرر في علم الأصول في صور تعارض قوله وفعله عليه الصلاة والسلام أن قوله إذا كان عاما له وللأمة نحو (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال) وجاء فعله مخالفا له ، كهجره بعض نسائه أكثر من ثلاث ، يكون الفعل خاصا به ، ولا يشمل غيره لأنه ليس من صيغ العموم . والدليل على هذه القاعدة ما رواه أحمد وأبو يعلى بإسناد صحيح عن أم سلمة قالت : صلى رسول الله في العصر ، ثم دخل بيتي ، فصلى ركعتين ، قلت يا رسول الله صليت صلاة لم تكن تصليها ؟ قال : (قدم خالد فشغلني عن ركعتين كنت أركعهما بعد الظهر فصليتهما الآن) فقلت : يا رسول الله أفنقضيهما إذا فاتتا ؟ قال : (لا) وروى أبو داود عن عائشة قالت : كان رسول الله يصلي بعد العصر وينهى عنها ويواصل وينهى عن الوصال . فأحاديث تحريم الهجر ، عمومها ثابت في حقنا بلا إشكال .
 3 - إن النبي (ﷺ) خصص عموم تحريم الهجر ، بكونه فوق ثلاث ، فأفاد أن الهجر لمدة ثلاثة ايام جائز ، والعام لا يخصص مرتين .

 4 - إن تخصيص عموم تحريم الهجر ، بإخراج الهجر لأجل الدين استدراك على الشارع والاستدراك عليه لا يجوز .

 5 - إن تخصيص الشارع بثلاثة أيام يشمل الهجر للدين أو الدنيا ، فقصره على هجر الدنيا تصرف لادليل عليه .

  والذي أفادته الأحاديث الصحيحة المتواترة أن هجر المسلم لأخيه كبيرة توجب النار ، ولا يجوز إلا لمدة ثلاثة ايام سواء كان لأجل الدين أو الدنيا .

 6 - أن هجر ابن عمر لابنه لا يصلح مخصصا للحديث ، وإنما هو اجتهاد منه ، أخطأ فيه فله ثواب اجتهاده ، وخطأه مغفور لكن لا يجوز ترك نص الشارع واتباع غيره .

     تحريم هجر المسلم للمسلم ، له أسباب وحكم :
     منها :
 1- أنه بدعة شركية كما مر بيانه ، والإسلام إنما جاء لمخالفة المشركين في بدعهم ، خصوصا ما اتخذوه سلاحا لمحاربة الدعوة الإسلامية .

 2 - ومنها : أنه مناف لروح الاسلام ، ومباين له فالإسلام يدعو إلى التواصل والتوادد والتعاطف والتآلف والهجر يؤدي إلى التقاطع والتدابر والتباغض .

 3 - ومنها : أن الاسلام يدعو إلى ابداء النصيحة ، ويؤكد وجوبها ، حتى قال النبي (ﷺ) : (الدين النصيحة) فأفاد بهذا الأسلوب البليغ :
 إن الدين ينحصر في النصيحة ، إيذانا بأنها أهم مقاصد الإسلام ، ومن أحق تشريعاته بالاهتمام وهي لا تختص بالعلماء وأولي الأمر بل تطلب من كل من يستطيع القيام بها ، كالرجل في بيته ، والتاجر في متجره ، والصانع في مصنعه والأخ مع أخيه ، والصديق مع صديقه . . ولا شك أن الهجر يعطل النصيحة ، إذ لا يمكن أن يتناصح متهاجران .

 4 - ومنها : أن الهجر يعطل طاقة الخير في المتهاجرين ، بالنسبة إلى بعضهما ، فلا يتعاونان على فعل بر ، ولا يجتمعان على مصلحة .

 5 - ومنها : أن الهجر يفضي بقبض يد المساعدة عن المهجور وهو عقوق إن كان المهجور أحد الوالدين ، وقطيعة رحم إن كان أحد الأقارب ، والعاق والقاطع لا يدخلان الجنة .

 6 - ومنها : أن الهجر أمر سلبي ، لا يمنع عاصيا من معصية ولا يرد مبتدعا عن بدعة ، بل يبقى المهجور على ما هو عليه ، وكانه يهزأ بالهاجر . ولهذا لم يوجب الله علينا هجر الكفار ، مع أنه قال عنهم (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم) وقال سبحانه : (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) . والإرساليات التبشيرية ، تسعى جهدها في تكفير المسلمين ، بالمساعدات المالية والصحية وبالتعليم والمحاضرات ، فالواجب مقاومتهم بالمثل عملا بقول النبي(ﷺ) : (جاهدوا الكفار بأيديكم وألسنتكم وأموالكم) ، ولم يقل : جاهدوهم بهجرهم ، لأن الهجر سلاح العجزة والمستضعفين . وروى الترمذي عن ابن مسعود عن النبي (ﷺ) قال : (لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهاهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) . فجلس رسول الله (ﷺ) وكان متكئا فقال : (لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا) . تأمل هذا الحديث جيدا ، تجده ينفي الهجر نفيا باتا ، فإنه (ﷺ) لم يقل حتى : تهجروهم هجرا ، ولكن قال : (حتى تأطروهم على الحق أطرا) أي تعطفوهم على الحق عطفا ، إما بسطوة الحكم وإما بمداومة النصح وتكرار الارشاد مرة بعد مرة ، فأمر بعلاجهم ، علاجا إيجابيا مثمرا . وإنما لعن الله بني اسرائيل لأنهم تركوا النهي عن المنكر كما جاء ذلك صريحا في قوله تعالى : (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه) . ولم يقل : كانوا لا يهجرون أهل المنكر ، لأن الهجر لا يرضاه الشارع ولا يقره كما مر بيانه . ولحديث ابن مسعود روايات ، ففي رواية أبي داود : " (كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ، أو تقصرنه على الحق قصرا) . وفي رواية ابن أبي حاتم : (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد المسئ ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض ، أو ليلعنكم كما لعنهم) ، وهي رواية أبي داود أيضا .
   والهاجر أول داخل في هذا الوعيد ، لأنه لم يأمر بمعروف ، ولا نهى عن منكر ، ولعنة الله لم تنزل على بني اسرائيل لمجرد مواكلتهم أهل المنكر ، بل لتركهم النهي كما مر ولرضاهم بفعل العصاة . ومن المقرر المعلوم أن مواكلة الكافر جائزة وهو أسوأ حالا من العاصي . وزوج اليهودية أو النصرانية يواكلها ويشاربها : وكفرها قائم بها .

 7 - ومنها : أن الهجر ، انعزال وانخذال ، والإسلام ينهى عنهما ويحض على الجماعة بجعل المنعزل المنخذل سهل الانقياد للشيطان لخروجه عن عامة المؤمنين ، وضرب له مثلا بالشاة المنفردة عن الغنم يسهل للذئب اختطافها . روى الطبراني عن أسامة بن شريك قال : قال رسول الله(ﷺ) : (يد الله على الجماعة فإذا شذ الشاذ منهم اختطفه الشيطان كما يختطف الذئب الشاة من الغنم) . وفي الحديث أمر بتجنب طريقة المبتدعة الذين لا يصلون مع جماعة المسلمين ، بدعوى أن الإمام مبتدع أو حالق لحيته مثلا .
 8 - ومنها : أن الهجر يعطل حقوق المسلم بين المتهاجرين ، فلا يسلم أحدهما على الآخر ولا يرد سلامه ، ولا يعوده إذا مرض ولا يشيع جنازته إذا مات ، مع أنه قد يعود صاحبه اليهودي أو النصراني ، ويسلم عليه ، رأيت شخصا من هذه الطائفة سلم عليه رجل مسلم ، فلم يرد عليه لاعتقاد ابتداعه ، ودخل على بقال نصراني فحياه وصافحه وضحك إليه كأنه أخوه .

 9 - ومنها : أن الهاجر يفرح إذا أصابت المهجور مصيبة ، كما يحزن إذا أصابته نعمة ، وهذا مناقض لروح الإسلام ، غاية التناقض .

 10 - ومنها : أن المتهاجرين لا يجتمعان على خير أبدا فقد يترك أحدهما صلاة الجماعة لأن خصمه إمام الصلاة ، ويترك عيادة مريض أو تشيع جنازة لئلا يقابل خصمه هناك .

 11 - ومنها : أن المتهاجرين يتجه كل منهما إلى تعييب خصمه وإفشاء عوراته ، بالصدق أو بالكذب : فهما دائران بين الغيبة والبهتان وكلاهما كبيرة .

 12 - ومنها : أن المتهاجرين قد يسعى أحدما في تعطيل مصلحة لخصمه ، أو إفسادها ، وفد بلغنا من ذلك وقائع وشاهدنا بعضها وهي تدل على ما وصل إليه انحطاط بعض الناس ، بسبب تمسكهم بالهجر الممقوت ، بحيث لو استطاع أن يقضي على خصمه ما تأخر لحظة ولا يرقب فيه إلا ولا ذمة .

 13 - ومنها : أن المتهاجرين يلعن أحدهما خصمه لعنا صريحا بدعوى فسقه أو بدعته ، ولعن المسلم المعين لا يجوز .

 14 - ومنها : أن المتهاجرين ، محرومان مما يفيض الله على المسلمين في مواسم الخير ، فصلاتهما لا ترفع ، وعملهما موقوف حتى يصطلحا .

 ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (ﷺ): (تعرض الأعمال في كل إثنين وخميس فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا إلا امرؤ كانت بينه ويين أخيه شحناء فيقول : اتركوا هذين حتى يصطلحا) .
    نقل ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز هجر المسلم أكثر من ثلاثة ايام






حكم الاعمال الصالحة التي لم ترد فيها نص ..؟

تشجيع النبيّ للأعمال الصالحة








بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه
على هدي  الآيات المباركة ، والأحاديث النبوية الشريفة تعلّم الصحابة وتفقهوا ، فذهبوا يعملون من الصالحات ، ما لا نص خاص صريح فيه ، والنبيّ يحثُّهم ، ويُشجِّعهم بصورة غير مباشرة !
        فتربَّوا ، تربية عالية ، سامية ، وأُشرِبوا روح الإسلام ، ولبّه ، فاجتهدوا في الصالحات ! منها – على سبيل المثال – :
        1 - عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنَ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟» قَالَ رَجُلٌ مَنِ الْقَوْمِ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «عَجِبْتُ لَهَا، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ:    « فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ  ذَلِكَ» صحيح مسلم
هذا حثٌّ ، وتشجيع للصالحات ؟ !
        [ الظاهر من سياق الرواية أن ذلك الصحابي لم يكن قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً في جعل هذا الذكر في استفتاح الصلاة ، ولو كان ذلك عن أمره وتعليمه لما عجب لذلك ، وإنما كان ذلك عن اجتهاد من ذلك الصحابي ، ومحل الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك الاجتهاد ، ولو كان من المحظور على المرء المسلم أن يأتي بشيء في العبادة دون دليل خاص لأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولقال له كيف تفعل في الصلاة شيئاً قبل أن آذن لك فيه  ؟ ! ]
        ونلاحظ أنه اجتهاد في العبادة ؛ الصلاة !
        2 - و( عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟» فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا» فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا» ) صحيح مسلم.
        هل هناك أفضل من هذا الحثّ ، والتشجيع ؟ !
                        و( عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ : كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ : فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ، قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، قَالَ : مَنِ الْمُتَكَلِّمُ ؟ قَالَ : أَنَا ، قَالَ : رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا ، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا   أَوَّلُ  ) صحيح البخاري .
جواز إحداث ذكر في الصلاة !
        قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ، رحمه الله :
        [  وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ إِحْدَاثِ ذِكْرٍ فِي الصَّلَاةِ غَيْرِ مَأْثُورٍ إِذا كَانَ غير مُخَالف للمأثور ]
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ، رحمه الله :
[ وقد دل الحديث على فضل هذا الذكر في الصلاة، وأن المأموم يشرع له الزيادة على التحميد بالثناء على الله عز وجل، كما هو قول الشافعي وأحمد - في رواية - ]
3 - وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَىِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْقِي وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضِيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ قَالَ فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمُ اقْسِمُوا فَقَالَ الَّذِي رَقَى لاَ تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ، ثُمَّ قَالَ - قَدْ أَصَبْتُمُ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ . متفق عليه .
4 - وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ ، وَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلاَتِهِ فَيَخْتِمُ بِ - {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ سَلُوهُ لأَىِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ . متفق عليه .
وهذا الحديث ظاهر في أن أمير السـرية كان يختم القراءة في الصلاة بـ { قل هو اللهُ أحد } اجتهاداً منه ، لأنه صفة الرحمن جل وعلا ، فكان جزاؤه أن يحبه الله تعالى لحبه إياها .
عن أنس بن مالك: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما استفتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الاخلاص:1] حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها إما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكان يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبروه الخبر. فقال (( يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ )) قال: إني أحبها قال: (( حبك إياها أدخلك الجنة )) .
5 - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَك [1] .


وكان عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، يزيد فيها !
        عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَزِيدُ فِيهَا: " لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ. صحيح مسلم

كان النبيّ لا يزيد على هذه الكلمات !
        قال الحافظ ابن حجر ، رحمه الله ، :
        [  وَقَالَ فِي آخِرِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْه قَالَ بن عُمَرَ كَانَ عُمَرُ يُهِلُّ بِهَذَا وَيَزِيدُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ وَهَذَا الْقَدْرُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ أَيْضا عِنْده عَن نَافِع عَن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِيهَا فَذَكَرَ نَحْوَهُ فَعرف أَن بن عمر اقتدي فِي ذَلِك بِأَبِيهِ
وَأخرج بن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ كَانَتْ تَلْبِيَةُ عُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَ الْمَرْفُوعِ وَزَادَ لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إِلَيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ .

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَن أخرجه من حَدِيث بن عمر وبن مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ مَا أَحَبَّ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة يَعْنِي الَّذِي أخرجه النَّسَائِيّ وبن ماجة وَصَححهُ بن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ قَالَ كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحق لبيْك وَبِزِيَادَة بن عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ
وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ مَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن يزِيد عَن بن مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُلَبِّي بِغَيْرِ ذَلِكَ وَمَا تقدم عَن عمر وبن عُمَرَ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَبَّيْكَ غَفَّارَ الذُّنُوبِ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ إِلَخْ .

قَالَ وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ تَلْبِيَتُهُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ
قَالَ وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ ذَا الْمَعَارِجِ وَذَا الْفَوَاضِلِ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَرْفُوعَةِ أَفْضَلُ لِمُدَاوَمَتِهِ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَبِه صرح أَشهب وَحكى بن عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةَ قَالَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ .
فهل إستأذن الصحابة رسول الله في هذه الأعمال قبل أن يعملوها ؟ !
وهذه الزيادات على تلبية النبيّ ؛ التي جاء بها الناس من عند أنفسهم ، هي زيادات في العبادة ؛ وهي الحج ! والتي قَبْلها كانت في الصلاة ! وهما ركنان من أركان الإسلام ، أعني : الصلاة    والحج ! !

موضع الشاهد
وموضع الشاهد من هذه الأحاديث هو : أن الصحابة ، رضوان الله عليهم ، كانوا يعملون أعمالاً صالحة ، من غير أن يكون فيها نص خاص من القرآن ، ومن السنة ، بل على العكس ، كانت هناك سنة ، وعهد منه ! فزادوا على ذلك باجتهاداتهم ، قبل إقرار النبيّ r ذلك ! !

تنبيه على عدم الخروج عن الموضوع !  
        هذا هو لب موضوعنا ! فلا يخرج عنه أحد فيقول : لقد أقرّهم النبي ، فأصبحت هذه الزيادات سنة ، بإقرار النبيّ ! !
        فنحن نتحدث عن تربية ، وفهم ، وفقه الصحابة ، رضي الله عنهم ، في عمل الصالحات ، قبل إقرار النبيّ ! !
بل نتيجة تربية القرآن ، والنبيّ ، للصحابة ، رضي الله عنهم ، أصبحت أعمالهم الصالحة الإجتهادية - التي لا تخالف نصا ً، وهدياً عاماً ، أو قاعدة شرعية ، وتخدم إحدى المصالح الضرورية – أصبحت جزءاً من سنة النبيّ !
فالسنة في إصطلاح الأصوليين هو : ما صدر عن النبيّ ، غير القرآن ، من قول ، أو فعل ، أو تقرير ، فهي بهذا الإعتبار دليل من أدلة الأحكام ، ومصدر من مصادر التشريع  .
 السنة التقريرية !
        [ وهي سكوت النبيّ r عن إنكار قول ، أو فعل صدر في حضرته ، أو في غيبته ، وعلم به .
        فهذا السكوت يدل على جواز الفعل ، وإباحته ، لأن الرسول لا يسكت عن باطل ، أو منكر .
        ومن أمثلة هذا النوع من السنة : سكوته ، وعدم إنكاره لعب الغلمان بالحراب في المسجد ، وسكوته عن  غناء جاريتين ، كانتا تغنيان بغناء حماسي في يوم عيد .  
هل الغلمان ، والجاريتان أخذوا الإذن من النبيّ قبل أن يعملوا تلك الأعمال ؟ !

                                                                                                                                                          


[1] متفق عليه ؛ صحيح البخاري ، كتاب الحج ، باب التلبية ، ( 2 / 561 ) ، حديث : 1474 . وصحيح مسلم ، كتاب الحج ، باب التلبية وصفتها ووقتها  ، ( 2 / 841 ) ، حديث : 19 .

السنة من حيث كونها تشريعاً ، وغير تشريع !

السنة من حيث كونها تشريعاً ، وغير تشريع !



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه
         تقسيم السنة إلى : سنة تشريعية وسنة غير تشريعية !
        [  السنة . . . ما صدر عن رسول الله ، غير القرآن من قول ، أو فعل ، أو تقرير ، وهذا الذي صدر عنه : منه  ما لا يكون مصدراً للتشريع ، ومنه ما يكون مصدراً للتشريع العام أو الخاصّ .
أ – ما لا يكون مصدراً للتشريع :
وهو ما صدر عن رسول الله ، باعتباره بشراً وإنساناً كالأكل والشرب ، والقيام والقعود ، والنوم والمشي ، واللبس ، والتزاور ، والمساومة في البيع والشراء .
ومن هذا القبيل ما صدر عنه وكان سبيله سبيل التجارب ، والعادة الشخصية ، أو الاجتماعية ، كالذي ورد في شؤون الزراعة والطبّ ، أو كان سبيلُه التدبيرَ الإنسانيَّ في شؤون الحياة ، كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية ، وتنظيم الصفوف في الموقعة الواحدة ، واختيار أماكن النزول ، وما إلى ذلك .
فكلُّ ما نقل من هذا ، ليس شرعاً يتعلَّق به طلب الفعل أو الترك ، وإنما هو من الشؤون البشرية ، التي ليس مسلكُ الرسول فيها تشريعاً ، ولا مصدرَ تشريع .
ومع هذا ، فقد كان من الصحابة من يقتفي أثر الرسول ويحرص على متابعته في ذلك ، كعبد الله بن عمر رضي الله عنهما : فإنه كان يتتبع مثلَ هذه الأفعال والتصرفات ، ويقتدي بالرسول فيها ، وهذا مسلكٌ عَليٌّ ، ومنهجٌ سامٍ ، لا يقدر عليه إلا ذو حظٍّ عظيم .
ب – ما يكون مصدراً للتشريع العامِّ أو الخاصِّ :
فالتشريع العام : ما يصدر عن الرسول ، على وجه التبليغ بصفة أنه رسول ، كأن يبيِّنُ مجملاً في الكتاب ، أو يخصِّص عامّاً ، أو يقيد مطلقاً ، أو يبين شأناً في العبادات ، أو الحلال والحرام ، أو العقائد والأخلاق ، وما إلى ذلك .
فهذا تشريعٌ عامٌّ أبداً ، يجتنب المكلف ما كان منهيّاً عنه ويفعل ما كان مأموراً به ، لا يتوقف في ذلك على شيء سوى العلم به ، والوصول إليه .
والتشريع الخاص نوعان : خاصٌّ بالذات ، وخاصٌّ بالوصف .
فالخاص بالذات : أفعاله ، أو تصرفاته ، التي دلَّ الدليل على أنها من خصوصياته ، كتزوجه بأكثر من أربع  ، وكون زوجاتِه أمَّهاتٍ للمؤمنين  ، لا يحلُّ لأحدٍ أن يتزوجهن بعده ، وكشهادة خزيمة له وحده  ، وكوصال الصيام في رمضان  ، وهذا القسم خاصٌّ بذات الرسول ، لا يشاركه فيه أحدٌ من الأمة ، ولا يقتدى به فيه .
والخاصُّ بالوصف : ما يصدر عنه بوصف الإمامة والرياسة العامة ، مثل : صرف أموال بيت المال في جهاتها ، وجمعها من محالِّها ، وتولية القضاة والولاة ، وعقد المعاهدات ، فهذا ليس تشريعاً عامّاً ، بل هو خاصٌّ بمن اتَّصف بالوصف الذي انبت عليه هذه التصرُّفات ؛ فلا يجوز الإقدام عليها لكلِّ أحدٍ من تلقاء نفسه ، بحجة أن النبيّ فعله أو طلبه .
ومن هذا النوع ما يصدر عنه بوصف القضاء ، فإنه كما كان رسولاً ورئيساً عامّاً ، كان قاضياً ، يفصل في الدعاوى والخصومات .
وما صدر عنه بهذا الوصف ليس تشريعاً عامّاً ؛ حتى يجوز لأي إنسان أن يقدم عليه بناءً على قضائه ، بل على المكلف أن يتقيد في ذلك بقضاء القاضي ، فمن كان له على آخر حقٌّ ، وجحده ، وله عليه بينة ، فليس له أن يأخذه بنفسه ، بناءً على أن رسول الله حكم بالبينة ، بل إنه يتقيد بحكم الحاكم
وعدم الاتِّفاق في بعض الوقائع والقضايا على الجهة التي صدر عنها تصرف رسول الله ، أو خفاء هذه الجهة ، قد أوقع الفقهاء في خلافٍ في طبيعة الحكم .
من ذلك قول النبيّ : (( من أحيا أرضاً ميتة فهي له )). صحيح البخاري
فاختلف العلماء في الجهة التي صدر عنها هذا الحديث ، فذهب أبو حنيفة إلى أنه صدر عنه باعتبار إمامته ، فلا يكون حكماً عامّاً ، ولا يجوز لأحد إحياء الأرض الموات التي ليس لأحد حقٌّ فيها إلا بإذن الإمام .
وذهب الجمهور إلى أن ذلك صدر منه بطريق التبليغ والفتوى ، فهو حكمٌ عامٌّ ، وعلى هذا : لكلِّ أحد أن يحيي الأرض الموات ، وتكون له ، أذن الإمام ، أو لم يأذن .
ومن ذلك ما روي أنَّ رسول الله ، قال لهند بنت عتبة رضي الله عنها – لما قالت له : إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني وولدي ما يكفيني – : (( خذي من ماله بالمعروف ، ما يكفيك ويكفي  بنيك )) صحيح مسلم .
فأفاد هذا الحديث أنَّ رسول الله أباح لهند أن تأخذَ من مال زوجها بدون علمه ، وهذا قدر متفق عليه بين الفقهاء ، إلا أنهم اختلفوا في تكييف الواقعة ، واعتبارها من باب الفتوى أو القضاء .

فبعض الفقهاء – ومنهم الإمام الشافعي – اعتبرها من قبيل الإفتاء ؛ فيجوز لكلِّ امرأة أشبه حالُها حالَ هند أن تأخذ من مال زوجها بدون علمه وإذنه ما يكفيها ويكفي بنيها بالمعروف ، ليس هذا فحسب بل قالوا أيضاً : يجوز لكلِّ من ظفر بحقِّه أن يأخذه بغير علم خصمه ، وبعضهم ذهب إلى أن هذا الإذن كان قضاءً منه ؛ فلا يجوز لامرأة أخرى أن تأخذ من مال زوجها مثلما أجيز لهند إلا بحكم الحاكم ، ولا يجوز أيضاً لأحد أن يأخذ حقَّه من غريمه إلا بقضاء قاضٍ ]