الخميس، 12 أغسطس 2021

الهجرة النبوية دروس وعبر ... الشيخ محمد الغزالي

 *هجرة و هجرة*

خطبة للدكتور محمد الغزالي
إذا مرت السنون على المسلمين وهم على هذا النحو من الغفلة التي ترين عليهم فإنهم سيُذبحون، ومَرُّ الزمن لن يكون لنا بل سيكون علينا؛ لذلك ألفت النظر إلى السنة المقبلة، وإلى التاريخ الجديد، ألفت النظر وأنا أبين طبائع النفوس، وطبائع المجتمعات، وسنن الله في كونه.
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمداً رسول الله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين.
أما بعد: فإنه في الغد أو بعده سيطلع هلال المحرم، ويبدأ العام الثالث والتسعون من القرن الرابع عشر للهجرة، وكان التاريخ الهجري هوالتاريخ الفرد الذي نسجل به وقائعنا، ونثبت به أحداثنا، ونرتب عليه شؤوننا حتى زاحمه التاريخ الفرنجي وزحزحه عن مكانته، ومازال به حتى جعله تاريخا ثانويا، وجعل الهجرة وما يتصل بها أحفالا شكلية، يحتشد الناس فيها بأجسادهم، ثم ينصرفون عنها، وقد نُسيت الهجرة وصاحبه أو تاريخها، وما يترتب عليها، وما توحي به من عبر، وما تنضح به من ذكريات وأحداث.
والواقع أن الصراع بين الغزو الثقافي صليبياً كان أو صهيونيًا اشتد مع الإسلام وتراثه خلال هذا القرن الأخير، القرن الرابع عشر للهجرة، ويتسم هذا القرن بأنه قرن الأحزان والــمَذلة، والهزائم المخزية، والوقائع التي ألحَقت بالإسلام وأمته عارا بعد عار، ونكبة بعد أخرى.
ولعل الرائحة الكريهة التي تهب علينا الآن، والتي يستنشقها رواد مسجد عمر وبن العاص رضي الله عنه تذكرهم بالوضع الذي آل إليه الإسلام كله، لا هذا المسجد وحده، فإن الروائح المنتنة التي تهب من الجلود حولنا، ومن الجيف، ومن القمامات، ومِن...؛ كل هذا نوع من تذكير القدَر لنا بالوهدة السحيقة التي تردَّى فيها تاريخنا، والأيام الكالحة التي تواجهها أمتنا، والتي يجتازها القرآن الكريم والسنة المطهرة، والله يعلم متى يكون الخلاص من العقبات والعوائق، ومن هذه المحن الروحية، والأزمات الثقافية والنفسية والاجتماعية والعالمية التي تحل بالأمة الإسلامية.

إن مرور سنة على الإنسان وحده شيء خطير، بل مرور يوم واحد على الإنسان شيء خطير، لقد كان مما يُرْوَى عن الحسن البصري رضي الله عنه قوله: "ما من يوم ينشق فجره إلا ويقول: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود فِيَّ بعمل صالح فإنى لا أعود إلى يوم القيامة".
فإذا كان مرور يوم له هذه الأهمية، فكيف بمرور عام؟ إن طبيعة الإنسان أن ينسى، ولعل النسيان بعض ما يقيم الحياة الإنسانية ويجعلنا نحسن البقاء على ظهر الأرض، فل واستصحب الإنسان كل ألم نزل به، وكل نكبة أقضَّتْ مضجعه، لعاش مسهَّدا، بل لكره العيش! وعندما أقسم "أب وخراش الهذلي" أن يذكر قتيله، وأن يطلب ثأره، قال:
فواللهِ ما أنْسَى قَتِيلاً رُزِئْتُهُ *** بجانبِ "قوسى" مَا مَشَيْتُ عَلَى الأَرْضِ
بَلَى، إِنَّها تعْف والكُلُومَ وَإِنَّما *** نُوَكَّلُ بِالأّدْنَى، وإنْ جَلَّ مَا يَمضِي
الإنسان يذكر القريب، ولكن كلما ضرب الزمن بلياليه وأيامه بين الحوادث وصاحبها فإن الجروح تندمل، والمعالم تنمحي، وينشغل الإنسان بحاضره. لكن، هل ما ينساه الإنسان ينساه الديَّان؟ لا، لا، فإن الأفراد والجماعات تفعل ما تفعل، وتترك ما تترك، ولابد أن تواجه بما فعَلَتْ، وبما تركَتْ: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية:28 -29]. ما يمح والله من كتب الحفظة إلا ما تمحوه التوبة، فإن الإنسان إذا تاب وصدق ما بينه وبين ربه فإن ما سجلته الحفَظة يمـَّحِي، وكأنما يولد الإنسان من جديد.
ونحن، إذ نواجه عامًا جديدًا، نحب أن نستقبله وقد فكرنا في صفحة جديدة، وقد فكرنا في أن نخط مستقبلنا على النح والذي يُرضي ربنا، ويعز جانبنا. إن الأوربيين يصنعون في منتصف أول يناير حركة تمثيلية يطفئون فيها الأنوار ثم يضيئونها علامة الفصل بين عام مضى وعام بقي، والحقيقة أن الأوربيين عبدوا الحاضر وقدَّسوا التراب، ونسوا الله! وإن إطفاء الأنوار في أحفالهم وفي أيامهم لا يعنى إلا انتهاز المتع الحرام، واستغلال الأوقات في معصية الله.
ولكن المسلمين الذين يقدرون الوقت بالنسبة لأنفسهم أفراداً أو جماعات يجب أن يعلموا أن الوقت سلاح ينبغي أن يستغلوه لمصلحتهم، وإلا ذبحوا به. إذا مرت السنون على المسلمين وهم على هذا النح ومن الغفلة التي ترين عليهم فإنهم سيُذبحون، ومر الزمن لن يكون لنا بل سيكون علينا؛ لذلك ألفت النظر إلى السنة المقبلة، وإلى التاريخ الجديد، ألفت النظر وأنا أبين طبائع النفوس، وطبائع المجتمعات، وسنن الله في كونه.
من طبائع النفوس أننا نحن المسلمين ننسى، بينما غيرنا يذكر، مع أن الله خلق الليل والنهار، وبيَّن أنه جعلهما يتعاقبان ليختبر الذاكر من الناسي، والشاكر من الجاحد، وقال: {وَهوالَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أو أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان:62]. "خِلْفَةً" أي: يخلف أحدهما الآخر، وقصة الحياة يريد الله أن يبين في خواتيمها مَن الذي ذكر ومن الذي نسي؟ من الذي شكر ومن الذي كفر؟.
والناس فيما رأين أو نرى نوعان: نوع يعيش لنفسه، لجسده، وإذا امتدت حياته الجسدية في أولاده فهويعيش لنفسه ولأسرته، ويكفيه هذا، ما يفكِّر في أفق أبعد، ولا غاية أشرف، إنه أشبه بحيوان مهذب! رُزق العقل فهويسخِّر عقله في خدمة هذه المآرب التي جعلها في الحياة هدفه، وجعلها في الوجود قيم هومثله الأعلى. ونوع لا يعيشون لأنفسهم على هذا النح والضيق المشوه التافه، بل يعيشون لربهم، ويوم يعيشون لربهم فإن ربهم يكفل لهم مصالح أنفسهم بأرقى وأجدى مما ل وسخروا هم عقولهم وعزَماتهم في خدمة أنفسهم.
هناك ناس يقارنون بين دينهم، بين صلاة، زكاة، حج، جهاد، أمر بمعروف نهي عن منكر، إغماض البصر عن عورة مفضوحة، أو سوأة مكشوفة؛ إنه يفكر ويوازن، وكل امرئ لا بد وأن يوازن، لأنه يوميا يواجه الاختبار، أيعيش لشهواته القريبة ويومه الحاضر ودنياه العاجلة، أم يعيش لربه، ولغده، ولشرف نفسه، وزكاة روحه، ونبل مستقبله؟ كل إنسان يوميا يوازن، وبعض الناس على عجل يطرح نداء الحق، ويصم أذنه عنه، ويستمع إلى نداء العاجل القريب.
الله جل شأنه بين للمسلمين أن من أراد أن يعيش لنفسه وحدها، أو لأسرته وحدها، أو لأولاده ومنزله، ومصالحه ومعايشه، وأصدقائه وعشرائه، فإنه ربما عاش، ولكن بعيداً عن رعاية الله وقبوله ورضاه، بل سيعيش وقد باء بوصف الفسق، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَ أو تِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَ أو مَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّه ورَسُولِه وجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِه وللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24].
يوم يكون بقاؤك في بيتك أحظى لديك من جهادك لربك، يوم يكون حرصك على مصلحتك أقرب إلى ضميرك من حرصك على دينك، فقد خسرت الدنيا والآخرة.
لما كان المسلمون في مكة يحيون لدينهم، ويحيون لربهم، فإنهم لم يطل بهم التفكير عندما قيل لهم: كي تخدموا الإسلام اتركوا مكة، اتركوا وطنكم الحبيب إليكم، واذهبوا إلى بلد ليست لكم به مصلحة ولا تجارة ولا دنيا؛ وهناك أسِّسوا للإسلام الوطن الذي يحيا فيه، وينتعش به، اربطوا مصلحتكم الخاصة بمصلحة الإسلام الكبرى.
وكانت نتيجة هذا العرض أن جمهرة المسلمين في مكة غلقت بيوتها، وتركت مصالحها، وهاجرت إلى المدينة تريد أن تعيش لله، وأن تعيش بالدين، وألا تفضل مصلحتها الخاصة على مطالب الإسلام، هذا اختبار يعرض على الأمم وعلى الأفراد كل يوم، وهويعرض على المسلمين باستمرار؛ وعندما عرض على المسلمين جاء العرض في أيام من حق قادة الإسلام فيها أن يتساءلوا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كلف بالهجرة وعمره ثلاث وخمسون سنة!
كان قد نبئ على رأس الأربعين، وبدأ يدع وإلى الله، ويشرح الحق، ويحارب الوثنية، ويمح وما حوته الجاهلية من خرافات؛ وكان القرآن الذي نزل في مكة يطمئنه إلى أن المستقبل له، وأن عاقبة الصراع مع الوثنية لابد أن يكون انتصار التوحيد، سمع في سورة الصافات التي نزلت عليه في مكة قول الله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ.وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات:171-173]، وسمع في سورة الروم التي نزلت عليه في مكة قوله الله (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا، وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم:47]، وسمع في سورة غافر التي نزلت عليه في مكة قول الله: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ. يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر:51].
سمع هذا كله خلال ثلاثة عشر عاماً، ولكنه في نهاية ثلاثة عشر عامًا يرى نفسه مضطرًا أن يهاجر بليل، مختفيًا هو وصاحبه من أعين المطاردين الذين ملكوا ظهر الأرض، ورصدوا الجوائز المغرية لمن يجيء بمحمد صلى الله عليه وسلم حيًا أو ميتًا! ما هذا؟ أي ختام لهذا الجهاد بعد ثلاث عشرة سنة؟ ولكن حبل الجهاد طويل، ومراحله موصولة، والأمور لا تجرى وفق تقدير المجاهدين؛ لا، إنها تجرى وفق تقدير الله وحده.
عندما استعجل نوح وقيل له: {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} [هود:32-33]، في أعقاب غزوة أحد وهزيمتها المرة قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أويُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران:128].
هنا نجد أن منطق المكافح الذي يؤدي ما عليه تاركاً لله جل شأنه أن يخط مستقبل الدعوة كما يشاء، وأن يبت في مستقبل دينه بما يجب، نرى النبي صلى الله عليه وسلم نفذ خطة الهجرة تنفيذا دقيقا، ومع التنفيذ الذي وضعه نلمح أمرين:
الأمر الأول: أنه أفرغ جهد البشر في إحكام الخطة، ما ترك للصدف ثقب إبرة! أحكم الخطة تماما، المدينة المنورة شمال مكة، فالمسافر إليها يأخذ طريق الشمال، كي يضلل المطاردين اتخذ طريق الجنوب.
الأمر يحتاج إلى رواحل قوية، جاء براحلتين قويتين أعلفهما وأراحهما حتى تستطيعا تحمل متاعب الطريق ووعثاء السفر.
الطريق يحتاج إلى رجل خبير لا يعرف الطرق الممهدة فقط، بل يعرف الطرق الجانبية التي يمكن أن تسلك؛ حتى يمكن الفرار من المطاردين. والخبير بالطريق رجل مشرك، استعان به ولا حرج، ثم ما أحس غضاضة في أن يحسب كم ستتشنج قريش وتحاول العثور عليه بأي طريقة، حوالي ثلاثة أيام؟ يختفي إذن في الغار ثلاثة أيام!.
كيف يعرف الأخبار؟ كيف يدرك وهو في جوف الغار ما تتجه إليه قريش في مخططاته أو أحوالها؟ إذن فلتجئ إليه الأخبار عن طريق راعي أبى بكر، وبعض الأغذية عن طريق بنت أبى بكر! ويكون راعى الغنم ماحيا للآثار حتى لا يترك للقافلة وعراف الطريق أين اختبأ المطاردون الكبار! كل ما يمكن من جهد البشر فعله، احترام قانون السببية، هذا هومنطق الإسلام.
يوسف عندما قال لحكومة مصر على عهده: ندخر الحبوب. قال في الحب: {فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ} [يوسف:47] لماذا؟ حتى لا يستطيع السوس أن ينال منه.
قانون السببية لا بد من رعايته، وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} [النساء:102]. الأمة لا بد أن تكون مستعدة حتى في أثناء الصلاة! ومع حرص الإسلام على قانون السببية، وتنفيذ النبي صلى الله عليه وسلم له بدقة فأنا لا أعرف أمة استهانت بقانون السببية، وخرجت عليه، وعبثت بمقدماته ونتائجه كالأمة الإسلامية! زعمت باسم التوكل أن كل شيء يمشي بطريق الفوضى، وبديهي كان لابد أن تجنى المر من هذا الجهل.
النبي صلى الله عليه وسلم أحكم الخطة، ومع إحكام الخطة نرى شيئا من لطائف الله، أو من نسائم الرحمة يجئ للمجاهدين وهم في مراحل الجهاد فيهون الصعب، ويملأ قلوبهم بنور الأمل!
حدث هذا مع يوسف وهو عيل عندما اختطفه إخوته: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِه وأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَ أوهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [يوسف:15]، ألهمنا يوسف وهو عيل أن هؤلاء الأخوة سوف يجيئونه يوما ما، متى، لا يدرى، فيوبخهم على هذا الذي يصنعونه معه الآن. وتحقق الوعد الإلهي بعد عشرات السنين! وجاء إخوة يوسف وهم جياع يقولون له: {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَ أوأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ. قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ} [يوسف:88- 89]
وكانوا إخوة على كثرة عددهم على درجة من الغباوة، ولأمر ما كان يعقوب متعلق القلب بيوسف، كان يوسف ذكيا نقيا، أما هؤلاء فكانوا أصفارًا، وان كانوا أجسامًا كبارًا. {قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ}؟ أخيرًا عرفوا مع أنهم جاءوا إليه مرة ومرتين، ولكنهم لغبائهم ما عرفوا. تحقَّق الوعد ليوسف بعد عشرات السنين، لكن عندما كان يُصنع به ما يصنع كان الإلهام ينزل على قلبه يقول له: اطمئن، المستقبل لك!
هذا الذي حدث أيضًا كان يحدث للنبي صلى الله عليه وسلم ، فهوفي طريقه من مكة إلى المدينة، كانت بوارق الأمل تلمع أمام عينيه وبصيرته عليه الصلاة والسلام ، ويقول علماء التفسير: نزل في الطريق بين مكة إلى المدينة قوله جل شأنه: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} [محمد:13]، وقوله جل شأنه: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص:85].
إذن كان يدرك وهو ذاهب من مكة إلى المدينة أن الله ما خذله، وأن مرحلة الجهاد الجديدة هي طريق النصر، وفعلا ًكانت طريق النصر، ولذلك كان تعبير القرآن عن الهجرة أنها نصر: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة:40].
لا أريد أن أقص قصص الهجرة فطالما استمعتم إلى هذا القصص، ولكني ألفت النظر إلى أمرين: إن ترك الوطن من أجل عقيدة دافعة، أو من أجل غاية دينية يراد تحقيقها، أمر حدث في القرن الأخير، ولكنه بينه وبين هجرة المسلمين الأولين بون بعيد! إن اليهود، بدوافع دينية خالصة، تركوا البلاد التي يعيشون فيها كي يقيموا مملكة الله أو دولة إسرائيل في الأرض المقدسة على أنقاض فلسطين المسلمة!
إنه، وبدوافع دينية، احتقر اليهودي الروسي اللغة الروسية، واحتقر النظام الروسي والتربة الروسية، وقرر أن يدع روسيا إلى فلسطين كي يقيم مملكة إسرائيل. واحتقر اليهودي الأمريكي الأرض الأمريكية، والمصالح الأمريكية، وقرر أن يدع اللغة الإنكليزية، وأن يحترم اللغة العبرية، وانضم اليهودي الأمريكي إلى اليهودي الروسي، إلى اليهودي من اليمن، إلى اليهودي من مصر الذي كان يسكن هنا في "السكاكيني" أو في "الفجالة" .
انضم هؤلاء، باسم الدين اليهودي، وباسم التوراة، وباسم اللغة العبرية، وتحت علَم إسرائيل، كان هذا التجمع الديني، أو كانت الهجرة، هجرة ثلاثة ملايين من أووربا وأمريكت وآسيا و أفريقيا إلى أرض فلسطين، هذه هجرة باسم الدين، لكن الفارق يين الهجرة الحديثة وبين الهجرة الإسلامية الأولى فارق كبير.
أول الفوارق، أن المسلمين الذين هاجروا كانوا دعاة توحيد لله، وإصلاح للأرض، كانوا يبلِّغون أو يعلمون الدنيا أن الله رب العالمين لا شريك له، وأن الناس يجب أن يسلمو أوجوههم إليه، وأن يحيوا على ظهر الأرض وفق الخطة التي رسمها لعباده! فهم أصحاب مُثل عليا لا نظير لها في الأولين والآخرين؛ أما الذين جاءوا إلى أرض إسرائيل فصلتهم بالله مغشوشة، والدوافع التي جاءت بهم وإن كانت دينية إلا أن ما فيها من باطل أضعاف ما فيها من حق، وما يكتنفها من ظلم ليست معه شائبة عدل. هذه واحدة.
والفارق الثاني أن الذين خرجوا من مكة لم يكن لهم على ظهر الأرض نصير، كانت الدنيا تضيق بهم، كان أهل الملل والنحل يكرهونهم؛ لأن توحيد الله على النح والزكي الراقي الذي شرحه القرآن لم يكن معروفا لا في الكتب المقدسة المتداولة يومذاك، ولا في تطبيقات الأمم التي تتبع أديانا أرضية أو سماوية، كان الناس كما قال رب العالمين: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف:106]؛ فغضبَت الدنيا من أولئك المسلمين، فكان المسلمون يخرجون وهم على وصف نبيهم صلى الله عليه وسلم الذي وصف بـ (المتوكل)، كانوا متوكلين على الله، ليست هناك يد تحميهم إلا يد الله، ولا كنف يأوون إليه إلا كنف الله، ولا ظهير يلتمسون العزة عنده إلا الله!
أما اليهود عندما خرجوا من هذه الأراضي الكثيرة التي تركوها إلى فلسطين، فإن الانتداب البريطاني على فلسطين كان يمهد لهم الطريق، كان الأسطول البريطاني في بحار العالم يحميهم، وأخيرا فإن الدولة الكبرى في العالم تحميهم. الفارق بعيد بين الهجرتين، وإنما ذكرت أن هناك شبها ما لأن الدافع ديني عند أولئك اليهود بيقين.
ومن لعب الاستعمار العالمي بالأمة الإسلامية أنه خلق على تراب الأرض الإسلامية ناسا زهَّدوا المسلمين في دينهم، زهدوهم في تقاليدهم، زهدوهم في تراثهم، زهدوهم في تاريخهم، بل يقول أولئك الناس للمسلمين: دعوا الإسلام فإن المسيحيين تركوا المسيحية، وإن اليهود تركوا اليهودية، وإن الوثنيين تركوا الوثنية، وإن العالم ترك أديانه كلها، فاتركوا أيها المسلمون دينكم!
والحقيقة المُرَّةُ أنه في هذه السنة التي نعيش فيها الآن، والسنة التي نفتتح بها عاما هجريا جديدا نقول بكل قوة، ونكذب كل مدَّعٍ زنيمٍ، نقول: إن العصر الحاضر هو العصر الذهبي لليهودية وللمسيحية وللوثنية، وإن الناس عادوا جميعا إلى أديانهم يتشبثون بها، ويقاتلون من أجلها، ويريدون فرضها على غيرهم؛ وإن الكلام الذي يقوله أولئك الأفاكون للمسلمين دعاية مأجورة أخذوا ثمنها إما بالنقود الروسية أو النقود الأمريكية أو النقود الأوربية، أو الشهوات المبذولة لهؤلاء العملاء. والمقصود الإجهاز على الإسلام وتاريخه حتى لا يبقى له وسم ولا رسم.
فلنستيقظ ولنبدأ عامنا الجديد بيقظة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية: الحمد لله {الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِه ويَعْفُ وعَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ.وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِه والْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى:25- 26].
وأشهد أن لا إله إلا الله، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً رسول الله، إمام الأنبياء وسيد المصلحين. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين.
أما بعد: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل. واعلموا أيها المسلمون أن كلا منا يستطيع أن يدرك ثواب الهجرة، إذا تدبرنا قول نبينا عليه الصلاة والسلام: «العبادة في الهرج كهجرة إليَّ»، الهرج: يعني عندما تكثر الفتن، وتشيع الجهالة، وتنتشر الآثام، وتغلب الرذيلة، ويصبح فيها العفاف مستغرَبا لغلَبة التهتُّك، ويصبح فيها الحفاظ على الصلاة مستغربا لأن إضاعة الصلاة تقليد وعرف عام، ويصبح فيها المتشبث بالإسلام متَّهما لأن ترك الإسلام باب الوجاهة وباب الوصول!
عندما يكون الأمر كذلك فإنَّ تشبث المسلم بدينه، وتركه هذه الأعمال كلها، واختياره لله ولما عنده، واعتصامه بالإسلام، كل هذا يعطيه ثواب الهجرة؛ لأن الهجرة لم تكرم لأنها سفر من مكان إلى مكان، فما أكثر الذين يسافرون هجرةً، لم تكرم على أنها سفر، وإنما كرمت على أنها انتقال نفسي، انتقال روحي، انتقال فكري، استبقاء للإسلام على أرض الله عن طريق أن نكون نحن جسرا يعبر الإسلام عليه حيث يريد، والحرب المعلنة على هذه الفكرة حرب شعواء!
عندما أقرأ اليوم لرحالة الأهرام المشهور رحلته في أوروبا وفيها نحو ثلاثة أعمدة عن الفتيات الكاشفات للأفخاذ، وعن الجنس! أسأل: لم يعرض هذا على العالم الإسلامي المهزوم؟ قد يفكر حيوان منتصر في أن يُشبع شهوته، لكن الحيوان المهزوم لا يجرى وراء شهواته على هذا النح والمسعور. ولكن التفكير الذي يُنشر على هذا النح ومخطط له، الذين أرسلوا راقصات ومغنيات إلى الجبهة يسيرون مع هذا التفكير، هناك حرب جلية وخفية، الخفي منها أكثر من الجلي، ضد الإسلام وأفكاره ورسالته ودعوته وحمَلَته.
وإذا كان بعض الناس فهموا الفكر الناصري على أنه شيوعية، فإن هؤلاء الناصريين ينتشرون في كثير من وسائل الإعلام وهم لا دين لهم، ويحاربون الإسلام بضراوة ومرارة وخبث ودهاء، بينما المدافعون عن الإسلام جبهة ما تزال ممزقة، ولا تزال قواها الضعيفة هي التي تتقدمها، أما أنبغ مَن فيه أو أقدره فهومقيَّدٌ مستضعَفٌ لا حول له ولا طول!
"اللهم أصلح لنا ديننا الذي هوعصمة أمرنا، وأصلح دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر" {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:10]، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90].
----
على المسلمين وهم على هذا النحو من الغفلة التي ترين عليهم فإنهم سيُذبحون، ومَرُّ الزمن لن يكون لنا بل سيكون علينا؛ لذلك ألفت النظر إلى السنة المقبلة، وإلى التاريخ الجديد، ألفت النظر وأنا أبين طبائع النفوس، وطبائع المجتمعات، وسنن الله في كونه.
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمداً رسول الله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين.
أما بعد: فإنه في الغد أو بعده سيطلع هلال المحرم، ويبدأ العام الثالث والتسعون من القرن الرابع عشر للهجرة، وكان التاريخ الهجري هوالتاريخ الفرد الذي نسجل به وقائعنا، ونثبت به أحداثنا، ونرتب عليه شؤوننا حتى زاحمه التاريخ الفرنجي وزحزحه عن مكانته، ومازال به حتى جعله تاريخا ثانويا، وجعل الهجرة وما يتصل بها أحفالا شكلية، يحتشد الناس فيها بأجسادهم، ثم ينصرفون عنها، وقد نُسيت الهجرة وصاحبه أو تاريخها، وما يترتب عليها، وما توحي به من عبر، وما تنضح به من ذكريات وأحداث.
والواقع أن الصراع بين الغزو الثقافي صليبياً كان أو صهيونيًا اشتد مع الإسلام وتراثه خلال هذا القرن الأخير، القرن الرابع عشر للهجرة، ويتسم هذا القرن بأنه قرن الأحزان والــمَذلة، والهزائم المخزية، والوقائع التي ألحَقت بالإسلام وأمته عارا بعد عار، ونكبة بعد أخرى.
ولعل الرائحة الكريهة التي تهب علينا الآن، والتي يستنشقها رواد مسجد عمر وبن العاص رضي الله عنه تذكرهم بالوضع الذي آل إليه الإسلام كله، لا هذا المسجد وحده، فإن الروائح المنتنة التي تهب من الجلود حولنا، ومن الجيف، ومن القمامات، ومِن...؛ كل هذا نوع من تذكير القدَر لنا بالوهدة السحيقة التي تردَّى فيها تاريخنا، والأيام الكالحة التي تواجهها أمتنا، والتي يجتازها القرآن الكريم والسنة المطهرة، والله يعلم متى يكون الخلاص من العقبات والعوائق، ومن هذه المحن الروحية، والأزمات الثقافية والنفسية والاجتماعية والعالمية التي تحل بالأمة الإسلامية.
إن مرور سنة على الإنسان وحده شيء خطير، بل مرور يوم واحد على الإنسان شيء خطير، لقد كان مما يُرْوَى عن الحسن البصري رضي الله عنه قوله: "ما من يوم ينشق فجره إلا ويقول: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود فِيَّ بعمل صالح فإنى لا أعود إلى يوم القيامة".
فإذا كان مرور يوم له هذه الأهمية، فكيف بمرور عام؟ إن طبيعة الإنسان أن ينسى، ولعل النسيان بعض ما يقيم الحياة الإنسانية ويجعلنا نحسن البقاء على ظهر الأرض، فل واستصحب الإنسان كل ألم نزل به، وكل نكبة أقضَّتْ مضجعه، لعاش مسهَّدا، بل لكره العيش! وعندما أقسم "أب وخراش الهذلي" أن يذكر قتيله، وأن يطلب ثأره، قال:
فواللهِ ما أنْسَى قَتِيلاً رُزِئْتُهُ *** بجانبِ "قوسى" مَا مَشَيْتُ عَلَى الأَرْضِ
بَلَى، إِنَّها تعْف والكُلُومَ وَإِنَّما *** نُوَكَّلُ بِالأّدْنَى، وإنْ جَلَّ مَا يَمضِي
الإنسان يذكر القريب، ولكن كلما ضرب الزمن بلياليه وأيامه بين الحوادث وصاحبها فإن الجروح تندمل، والمعالم تنمحي، وينشغل الإنسان بحاضره. لكن، هل ما ينساه الإنسان ينساه الديَّان؟ لا، لا، فإن الأفراد والجماعات تفعل ما تفعل، وتترك ما تترك، ولابد أن تواجه بما فعَلَتْ، وبما تركَتْ: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية:28 -29]. ما يمح والله من كتب الحفظة إلا ما تمحوه التوبة، فإن الإنسان إذا تاب وصدق ما بينه وبين ربه فإن ما سجلته الحفَظة يمـَّحِي، وكأنما يولد الإنسان من جديد.
ونحن، إذ نواجه عامًا جديدًا، نحب أن نستقبله وقد فكرنا في صفحة جديدة، وقد فكرنا في أن نخط مستقبلنا على النح والذي يُرضي ربنا، ويعز جانبنا. إن الأوربيين يصنعون في منتصف أول يناير حركة تمثيلية يطفئون فيها الأنوار ثم يضيئونها علامة الفصل بين عام مضى وعام بقي، والحقيقة أن الأوربيين عبدوا الحاضر وقدَّسوا التراب، ونسوا الله! وإن إطفاء الأنوار في أحفالهم وفي أيامهم لا يعنى إلا انتهاز المتع الحرام، واستغلال الأوقات في معصية الله.
ولكن المسلمين الذين يقدرون الوقت بالنسبة لأنفسهم أفراداً أو جماعات يجب أن يعلموا أن الوقت سلاح ينبغي أن يستغلوه لمصلحتهم، وإلا ذبحوا به. إذا مرت السنون على المسلمين وهم على هذا النح ومن الغفلة التي ترين عليهم فإنهم سيُذبحون، ومر الزمن لن يكون لنا بل سيكون علينا؛ لذلك ألفت النظر إلى السنة المقبلة، وإلى التاريخ الجديد، ألفت النظر وأنا أبين طبائع النفوس، وطبائع المجتمعات، وسنن الله في كونه.
من طبائع النفوس أننا نحن المسلمين ننسى، بينما غيرنا يذكر، مع أن الله خلق الليل والنهار، وبيَّن أنه جعلهما يتعاقبان ليختبر الذاكر من الناسي، والشاكر من الجاحد، وقال: {وَهوالَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أو أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان:62]. "خِلْفَةً" أي: يخلف أحدهما الآخر، وقصة الحياة يريد الله أن يبين في خواتيمها مَن الذي ذكر ومن الذي نسي؟ من الذي شكر ومن الذي كفر؟.
والناس فيما رأين أو نرى نوعان: نوع يعيش لنفسه، لجسده، وإذا امتدت حياته الجسدية في أولاده فهويعيش لنفسه ولأسرته، ويكفيه هذا، ما يفكِّر في أفق أبعد، ولا غاية أشرف، إنه أشبه بحيوان مهذب! رُزق العقل فهويسخِّر عقله في خدمة هذه المآرب التي جعلها في الحياة هدفه، وجعلها في الوجود قيم هومثله الأعلى. ونوع لا يعيشون لأنفسهم على هذا النح والضيق المشوه التافه، بل يعيشون لربهم، ويوم يعيشون لربهم فإن ربهم يكفل لهم مصالح أنفسهم بأرقى وأجدى مما ل وسخروا هم عقولهم وعزَماتهم في خدمة أنفسهم.
هناك ناس يقارنون بين دينهم، بين صلاة، زكاة، حج، جهاد، أمر بمعروف نهي عن منكر، إغماض البصر عن عورة مفضوحة، أو سوأة مكشوفة؛ إنه يفكر ويوازن، وكل امرئ لا بد وأن يوازن، لأنه يوميا يواجه الاختبار، أيعيش لشهواته القريبة ويومه الحاضر ودنياه العاجلة، أم يعيش لربه، ولغده، ولشرف نفسه، وزكاة روحه، ونبل مستقبله؟ كل إنسان يوميا يوازن، وبعض الناس على عجل يطرح نداء الحق، ويصم أذنه عنه، ويستمع إلى نداء العاجل القريب.
الله جل شأنه بين للمسلمين أن من أراد أن يعيش لنفسه وحدها، أو لأسرته وحدها، أو لأولاده ومنزله، ومصالحه ومعايشه، وأصدقائه وعشرائه، فإنه ربما عاش، ولكن بعيداً عن رعاية الله وقبوله ورضاه، بل سيعيش وقد باء بوصف الفسق، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَ أو تِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَ أو مَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّه ورَسُولِه وجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِه وللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24].
يوم يكون بقاؤك في بيتك أحظى لديك من جهادك لربك، يوم يكون حرصك على مصلحتك أقرب إلى ضميرك من حرصك على دينك، فقد خسرت الدنيا والآخرة.
لما كان المسلمون في مكة يحيون لدينهم، ويحيون لربهم، فإنهم لم يطل بهم التفكير عندما قيل لهم: كي تخدموا الإسلام اتركوا مكة، اتركوا وطنكم الحبيب إليكم، واذهبوا إلى بلد ليست لكم به مصلحة ولا تجارة ولا دنيا؛ وهناك أسِّسوا للإسلام الوطن الذي يحيا فيه، وينتعش به، اربطوا مصلحتكم الخاصة بمصلحة الإسلام الكبرى.
وكانت نتيجة هذا العرض أن جمهرة المسلمين في مكة غلقت بيوتها، وتركت مصالحها، وهاجرت إلى المدينة تريد أن تعيش لله، وأن تعيش بالدين، وألا تفضل مصلحتها الخاصة على مطالب الإسلام، هذا اختبار يعرض على الأمم وعلى الأفراد كل يوم، وهويعرض على المسلمين باستمرار؛ وعندما عرض على المسلمين جاء العرض في أيام من حق قادة الإسلام فيها أن يتساءلوا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كلف بالهجرة وعمره ثلاث وخمسون سنة!
كان قد نبئ على رأس الأربعين، وبدأ يدع وإلى الله، ويشرح الحق، ويحارب الوثنية، ويمح وما حوته الجاهلية من خرافات؛ وكان القرآن الذي نزل في مكة يطمئنه إلى أن المستقبل له، وأن عاقبة الصراع مع الوثنية لابد أن يكون انتصار التوحيد، سمع في سورة الصافات التي نزلت عليه في مكة قول الله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ.وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات:171-173]، وسمع في سورة الروم التي نزلت عليه في مكة قوله الله (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا، وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم:47]، وسمع في سورة غافر التي نزلت عليه في مكة قول الله: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ. يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر:51].
سمع هذا كله خلال ثلاثة عشر عاماً، ولكنه في نهاية ثلاثة عشر عامًا يرى نفسه مضطرًا أن يهاجر بليل، مختفيًا هو وصاحبه من أعين المطاردين الذين ملكوا ظهر الأرض، ورصدوا الجوائز المغرية لمن يجيء بمحمد صلى الله عليه وسلم حيًا أو ميتًا! ما هذا؟ أي ختام لهذا الجهاد بعد ثلاث عشرة سنة؟ ولكن حبل الجهاد طويل، ومراحله موصولة، والأمور لا تجرى وفق تقدير المجاهدين؛ لا، إنها تجرى وفق تقدير الله وحده.
عندما استعجل نوح وقيل له: {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} [هود:32-33]، في أعقاب غزوة أحد وهزيمتها المرة قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أويُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران:128].
هنا نجد أن منطق المكافح الذي يؤدي ما عليه تاركاً لله جل شأنه أن يخط مستقبل الدعوة كما يشاء، وأن يبت في مستقبل دينه بما يجب، نرى النبي صلى الله عليه وسلم نفذ خطة الهجرة تنفيذا دقيقا، ومع التنفيذ الذي وضعه نلمح أمرين:
الأمر الأول: أنه أفرغ جهد البشر في إحكام الخطة، ما ترك للصدف ثقب إبرة! أحكم الخطة تماما، المدينة المنورة شمال مكة، فالمسافر إليها يأخذ طريق الشمال، كي يضلل المطاردين اتخذ طريق الجنوب.
الأمر يحتاج إلى رواحل قوية، جاء براحلتين قويتين أعلفهما وأراحهما حتى تستطيعا تحمل متاعب الطريق ووعثاء السفر.
الطريق يحتاج إلى رجل خبير لا يعرف الطرق الممهدة فقط، بل يعرف الطرق الجانبية التي يمكن أن تسلك؛ حتى يمكن الفرار من المطاردين. والخبير بالطريق رجل مشرك، استعان به ولا حرج، ثم ما أحس غضاضة في أن يحسب كم ستتشنج قريش وتحاول العثور عليه بأي طريقة، حوالي ثلاثة أيام؟ يختفي إذن في الغار ثلاثة أيام!.
كيف يعرف الأخبار؟ كيف يدرك وهو في جوف الغار ما تتجه إليه قريش في مخططاته أو أحوالها؟ إذن فلتجئ إليه الأخبار عن طريق راعي أبى بكر، وبعض الأغذية عن طريق بنت أبى بكر! ويكون راعى الغنم ماحيا للآثار حتى لا يترك للقافلة وعراف الطريق أين اختبأ المطاردون الكبار! كل ما يمكن من جهد البشر فعله، احترام قانون السببية، هذا هومنطق الإسلام.
يوسف عندما قال لحكومة مصر على عهده: ندخر الحبوب. قال في الحب: {فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ} [يوسف:47] لماذا؟ حتى لا يستطيع السوس أن ينال منه.
قانون السببية لا بد من رعايته، وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} [النساء:102]. الأمة لا بد أن تكون مستعدة حتى في أثناء الصلاة! ومع حرص الإسلام على قانون السببية، وتنفيذ النبي صلى الله عليه وسلم له بدقة فأنا لا أعرف أمة استهانت بقانون السببية، وخرجت عليه، وعبثت بمقدماته ونتائجه كالأمة الإسلامية! زعمت باسم التوكل أن كل شيء يمشي بطريق الفوضى، وبديهي كان لابد أن تجنى المر من هذا الجهل.
النبي صلى الله عليه وسلم أحكم الخطة، ومع إحكام الخطة نرى شيئا من لطائف الله، أو من نسائم الرحمة يجئ للمجاهدين وهم في مراحل الجهاد فيهون الصعب، ويملأ قلوبهم بنور الأمل!
حدث هذا مع يوسف وهو عيل عندما اختطفه إخوته: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِه وأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَ أوهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [يوسف:15]، ألهمنا يوسف وهو عيل أن هؤلاء الأخوة سوف يجيئونه يوما ما، متى، لا يدرى، فيوبخهم على هذا الذي يصنعونه معه الآن. وتحقق الوعد الإلهي بعد عشرات السنين! وجاء إخوة يوسف وهم جياع يقولون له: {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَ أوأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ. قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ} [يوسف:88- 89]
وكانوا إخوة على كثرة عددهم على درجة من الغباوة، ولأمر ما كان يعقوب متعلق القلب بيوسف، كان يوسف ذكيا نقيا، أما هؤلاء فكانوا أصفارًا، وان كانوا أجسامًا كبارًا. {قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ}؟ أخيرًا عرفوا مع أنهم جاءوا إليه مرة ومرتين، ولكنهم لغبائهم ما عرفوا. تحقَّق الوعد ليوسف بعد عشرات السنين، لكن عندما كان يُصنع به ما يصنع كان الإلهام ينزل على قلبه يقول له: اطمئن، المستقبل لك!
هذا الذي حدث أيضًا كان يحدث للنبي صلى الله عليه وسلم ، فهوفي طريقه من مكة إلى المدينة، كانت بوارق الأمل تلمع أمام عينيه وبصيرته عليه الصلاة والسلام ، ويقول علماء التفسير: نزل في الطريق بين مكة إلى المدينة قوله جل شأنه: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} [محمد:13]، وقوله جل شأنه: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص:85].
إذن كان يدرك وهو ذاهب من مكة إلى المدينة أن الله ما خذله، وأن مرحلة الجهاد الجديدة هي طريق النصر، وفعلا ًكانت طريق النصر، ولذلك كان تعبير القرآن عن الهجرة أنها نصر: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة:40].
لا أريد أن أقص قصص الهجرة فطالما استمعتم إلى هذا القصص، ولكني ألفت النظر إلى أمرين: إن ترك الوطن من أجل عقيدة دافعة، أو من أجل غاية دينية يراد تحقيقها، أمر حدث في القرن الأخير، ولكنه بينه وبين هجرة المسلمين الأولين بون بعيد! إن اليهود، بدوافع دينية خالصة، تركوا البلاد التي يعيشون فيها كي يقيموا مملكة الله أو دولة إسرائيل في الأرض المقدسة على أنقاض فلسطين المسلمة!
إنه، وبدوافع دينية، احتقر اليهودي الروسي اللغة الروسية، واحتقر النظام الروسي والتربة الروسية، وقرر أن يدع روسيا إلى فلسطين كي يقيم مملكة إسرائيل. واحتقر اليهودي الأمريكي الأرض الأمريكية، والمصالح الأمريكية، وقرر أن يدع اللغة الإنكليزية، وأن يحترم اللغة العبرية، وانضم اليهودي الأمريكي إلى اليهودي الروسي، إلى اليهودي من اليمن، إلى اليهودي من مصر الذي كان يسكن هنا في "السكاكيني" أو في "الفجالة" .
انضم هؤلاء، باسم الدين اليهودي، وباسم التوراة، وباسم اللغة العبرية، وتحت علَم إسرائيل، كان هذا التجمع الديني، أو كانت الهجرة، هجرة ثلاثة ملايين من أووربا وأمريكت وآسيا و أفريقيا إلى أرض فلسطين، هذه هجرة باسم الدين، لكن الفارق يين الهجرة الحديثة وبين الهجرة الإسلامية الأولى فارق كبير.
أول الفوارق، أن المسلمين الذين هاجروا كانوا دعاة توحيد لله، وإصلاح للأرض، كانوا يبلِّغون أو يعلمون الدنيا أن الله رب العالمين لا شريك له، وأن الناس يجب أن يسلمو أوجوههم إليه، وأن يحيوا على ظهر الأرض وفق الخطة التي رسمها لعباده! فهم أصحاب مُثل عليا لا نظير لها في الأولين والآخرين؛ أما الذين جاءوا إلى أرض إسرائيل فصلتهم بالله مغشوشة، والدوافع التي جاءت بهم وإن كانت دينية إلا أن ما فيها من باطل أضعاف ما فيها من حق، وما يكتنفها من ظلم ليست معه شائبة عدل. هذه واحدة.
والفارق الثاني أن الذين خرجوا من مكة لم يكن لهم على ظهر الأرض نصير، كانت الدنيا تضيق بهم، كان أهل الملل والنحل يكرهونهم؛ لأن توحيد الله على النح والزكي الراقي الذي شرحه القرآن لم يكن معروفا لا في الكتب المقدسة المتداولة يومذاك، ولا في تطبيقات الأمم التي تتبع أديانا أرضية أو سماوية، كان الناس كما قال رب العالمين: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف:106]؛ فغضبَت الدنيا من أولئك المسلمين، فكان المسلمون يخرجون وهم على وصف نبيهم صلى الله عليه وسلم الذي وصف بـ (المتوكل)، كانوا متوكلين على الله، ليست هناك يد تحميهم إلا يد الله، ولا كنف يأوون إليه إلا كنف الله، ولا ظهير يلتمسون العزة عنده إلا الله!
أما اليهود عندما خرجوا من هذه الأراضي الكثيرة التي تركوها إلى فلسطين، فإن الانتداب البريطاني على فلسطين كان يمهد لهم الطريق، كان الأسطول البريطاني في بحار العالم يحميهم، وأخيرا فإن الدولة الكبرى في العالم تحميهم. الفارق بعيد بين الهجرتين، وإنما ذكرت أن هناك شبها ما لأن الدافع ديني عند أولئك اليهود بيقين.
ومن لعب الاستعمار العالمي بالأمة الإسلامية أنه خلق على تراب الأرض الإسلامية ناسا زهَّدوا المسلمين في دينهم، زهدوهم في تقاليدهم، زهدوهم في تراثهم، زهدوهم في تاريخهم، بل يقول أولئك الناس للمسلمين: دعوا الإسلام فإن المسيحيين تركوا المسيحية، وإن اليهود تركوا اليهودية، وإن الوثنيين تركوا الوثنية، وإن العالم ترك أديانه كلها، فاتركوا أيها المسلمون دينكم!
والحقيقة المُرَّةُ أنه في هذه السنة التي نعيش فيها الآن، والسنة التي نفتتح بها عاما هجريا جديدا نقول بكل قوة، ونكذب كل مدَّعٍ زنيمٍ، نقول: إن العصر الحاضر هو العصر الذهبي لليهودية وللمسيحية وللوثنية، وإن الناس عادوا جميعا إلى أديانهم يتشبثون بها، ويقاتلون من أجلها، ويريدون فرضها على غيرهم؛ وإن الكلام الذي يقوله أولئك الأفاكون للمسلمين دعاية مأجورة أخذوا ثمنها إما بالنقود الروسية أو النقود الأمريكية أو النقود الأوربية، أو الشهوات المبذولة لهؤلاء العملاء. والمقصود الإجهاز على الإسلام وتاريخه حتى لا يبقى له وسم ولا رسم.
فلنستيقظ ولنبدأ عامنا الجديد بيقظة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية: الحمد لله {الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِه ويَعْفُ وعَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ.وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِه والْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى:25- 26].
وأشهد أن لا إله إلا الله، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً رسول الله، إمام الأنبياء وسيد المصلحين. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين.
أما بعد: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل. واعلموا أيها المسلمون أن كلا منا يستطيع أن يدرك ثواب الهجرة، إذا تدبرنا قول نبينا عليه الصلاة والسلام: «العبادة في الهرج كهجرة إليَّ»، الهرج: يعني عندما تكثر الفتن، وتشيع الجهالة، وتنتشر الآثام، وتغلب الرذيلة، ويصبح فيها العفاف مستغرَبا لغلَبة التهتُّك، ويصبح فيها الحفاظ على الصلاة مستغربا لأن إضاعة الصلاة تقليد وعرف عام، ويصبح فيها المتشبث بالإسلام متَّهما لأن ترك الإسلام باب الوجاهة وباب الوصول!
عندما يكون الأمر كذلك فإنَّ تشبث المسلم بدينه، وتركه هذه الأعمال كلها، واختياره لله ولما عنده، واعتصامه بالإسلام، كل هذا يعطيه ثواب الهجرة؛ لأن الهجرة لم تكرم لأنها سفر من مكان إلى مكان، فما أكثر الذين يسافرون هجرةً، لم تكرم على أنها سفر، وإنما كرمت على أنها انتقال نفسي، انتقال روحي، انتقال فكري، استبقاء للإسلام على أرض الله عن طريق أن نكون نحن جسرا يعبر الإسلام عليه حيث يريد، والحرب المعلنة على هذه الفكرة حرب شعواء!
"اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر" {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:10]، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90].
----
محمد الغزالي

الاثنين، 9 أغسطس 2021

الايمان في القلب ؟!

 منقول ورائع جداً للفائدة .. ولن يستفيد منها إلا المنصفون .

يقول الكاتب
اقوال مغلوطة
قام شاب بإنزال صورة لمجموعة طالبات بينهن المتحجبة بالحجاب الشرعي، والمتبرجة، ووضع هذا التعليق :
” لا تعلم من منهن إلى الله أقرب ! فلربما تكون المتبرجة إلى الله أقرب“.
فرد عليه د.سعيد إبراهيم دويكات
و د.منتصر أسمر ردًّا شرعياً مؤصلا
=
فكتب الدكتور سعيد:
-هذا كلام خلط الصحيح والخطأ معا ..
الإيمان إعتقاد وقول وعمل ..
لا توجد آية واحدة تقول الذين آمنوا فقط ..،
كل الآيات تقول الذين آمنوا وعملوا الصالحات ..
والعمل يعني الإلتزام بما أمر الله،
وأن يظهر أثر ذلك الإلتزام على العامل،
والإلتزام بالحجاب أحد هذه المظاهر ..
أحد أشكال الإهتمام بالعمل؛
الحضور للشركة والدوام وأداء المهام ، ولا يقبل من أحد أن يقول: صحيح أنني لا أحضر للعمل،،
ولكني أحب الشركة أكثر من كل من يحضرون ويعملون ؟!
أركان الإسلام كلها مظاهر عملية ..
صلاة وصيام وزكاة وحج ..
وهي تعبير عن إيمان مقره القلب،
*ولذلك فالإيمان قول وعمل،*
ويصبح إيماناً كسيحاً ذلك الإيمان القلبي الذي لا عمل ولا مظهر يدل عليه !
و كتب الدكتور منتصر :
إن أخطر قولٍ ترديد المقصّرين في العمل بالدين والالتزام به:
"الإيمان في القلب وليس مهم المظهر ....!"
لو سألنا سؤال :-
من أكثر معرفة بالله ؛
أنتم *" ونحن " أم إبليس ؟!!*
السؤال طبعا غريب ..
والجواب أكثر غرابة .....
*وهو:-*
إبليس أكثر معرفة به وإيمانًا ، لأننا نؤمن بالله والملائكة والجنة والنار ولم نر منها شيئًا، ولكن إبليس كان يرى الملائكة، ورأى الجنة، وكلمه الله تعالى ..=
فإيمان إبليس بوجود الله قطعي لا يخالطه شك، ولكنه لم ينفعه .
لماذا ؟!
لأنه عصى أمر الله تعالى ..!
فاتركوا مقولة (لا ندري أيهم أقرب إلى الله !!!) ،
المجاهِر بالمعصية (تبرج أو غيره)؛ لا تكون معصيته دلالة على القرب من الله تعالى أبدًا، بل الطاعة هي علامة على القرب من الله تعالى ..
أما القلوب فليست مقياسًا في عُرفِنا نحن البشر،
لأن أمرها يعود إلى خالقها ..
ونحن نتعامل مع الظاهر ..
ومع أن بعض من يكتب هذا الكلام يكون هدفه طيبًا، وقد نلتمس له العذر أحيانًا ..؛
إلا أن هذا الكلام يهوّن من أمر المعصية ،
ولا يقيم وزنًا للطاعة ..
وكأنه يقول :-
ادّعي الإيمان ولا تلتزم به
فقد تكون أقرب إلى الله تعالى ..!
وهذا تدليس على النفس وعلى الناس ...!
فعلامة صدق الإيمان الإلتزام
بما يأمر به من محافظة
على الصلاة وعلى الحجاب الذي أمر به الله وغيرها من العبادات .

الجمعة، 6 أغسطس 2021

المسألة اليهودية بقلم: فيدور دوستوفيسكي

 
هذا بحث مهم جدا وخطير لأحد أعظم الأدباء على مر العصور وهو ( فيودور ديستوفسكي ) عنوانه ( المسألة الي ه و دية )!!! وكم حاول الي هو د طمسه واخفائه ونسيانه !!!



المسألة اليهودية
بقلم: فيدور دوستوفيسكي

لا تحسبن أنني أرمي حقاً إلى طرح: "المسألة اليهودية" فقد وضعت عنوان هذا الفصل بصورة غير جادة. ذلك لأنه أمر فوق استطاعتي أن أطرح مسألة جسيمة إلى هذا الحد, وهي مسألة وضع اليهود في روسيا, ووضع روسيا التي يعيش بين ظهراني أبنائها ثلاثة ملايين من اليهود. إن هذا أمر يرتفع فوق استطاعتي. بيد أنه, بالوسع إن يتولد لي تصور معين. وقد جعل بعض اليهود يبذلون اهتماماً لمحاولة معرفة تصوري هذا كذلك, صرت في الأيام الأخيرة اتلقى من أولئك البعض رسائل يوجهون لي فيها العتب بجدية ومرارة, لأنني على حد قولهم أهاجمهم وأضمر الكراهية لليهود عامة وليس لعيوب محددة فيهم كنزع الاستغلال, أي أنني أكرههم من جراء القولة "بأن يهودا هو الذي باع يسوع المسيح". وأولئك الذين يحررون مثل تلك الرسائل لي هم من بين اليهود المتعلمين (لاحظت ذلك- بيد أني لا أذهب إلى حد التعميم) إي إنهم ممن يجاهدون على الدوام للإيحاء بأنهم أمسوا بحكم ثقافتهم لا يشاركون قومهم خرافاتهم ولا يؤدون طقوسهم الدينية كسواهم من بسطاء اليهود فهم ينظرون إلى ذلك جميعاً على أنه أدنى من مستوى تعليمهم, وهم في ذات الحين لا يؤمنون بالله.

وأود هنا مغتنما هذه المناسبة أن أسجل بين القوسين, إنه من خطل أولئك السادة عليه اليهود المناضلين في سبيل رفعة قومهم بكل ذلك الحماس, أن ينسوا ربهم "يحيى" وأن يتنازلوا عنه, وهو الذي يقدر عمره بأربعين قرناً. وعندي أن هذا ضربر من الخطل ليس فقط من زوايا الانتماء القومى, ولكن لبعض الدواعي الأخرى التي هي أعظم شأناَ. والحق أن هذا أمر غاية في الغرابة, لأنه من المستحيل على الإنسان أن يتصور اليهودى بدون الله. غير أن هذه القضية جد كبيرة. ولهذا أدعها جانباً إلى حين إن الذي يدهشني أكتر من أي شأ آخر هو كيف إني وقعت في قائمة الذين يبغضون اليهود كيهود؟ إن أولئك السادة أنفسهم, يأذنون لي بإدانة اليهودي بوصفه استغلالياً, وبإدانة بعض عيوبه. بيد أنهم بالكلام فحسب يمنحونني ذلك الآن والحقيقة إنه من العسيران نجد إنساناً أكثر حساسية واهتياجاً من اليهودي المثقف. ومع ذلك فإني أتساءل متى وكيف وفي أي موقع عبرت عن كراهيتي لليهود كيهود؟ إن قلبي لم يعرف البتة تلك البغضاء ويعلم ذلك حق العلم أولئك اليهود الذين تعرفنا بعضنا بالبعض ونشأت فيما بيني وبينهم اتصالات مستمرة. إنني بادئ ذي بدء أدفع هذه التهمة عن نفسي إلى أبد الدهر فلا أعود أذكرها على الإطلاق فيما بعد. ترى هل يكون الداعي لاتهامي بكراهية اليهود أني أطلق عليهم بعض الأحايين كلمة "جيد(*)" ؟ إني لا أعتقد –أولاً- إن هذه التسمية تحمل معنى مهيناً إلى هذه الدرجة وثانياً إني استخدمت كلمة "جيد" للتعبير عن فكرة محدودة وهي: اليهودي –اليهودية- المجتمع اليهودي, واستخدام هذا ليس سوى مفهوم معلوم بل اتجاه ووصف للعصر. على أنه يمكن أن نناقش هذه الفكرة وبالاستطاعة أن ترفضها, ولكن من غير الممكن أن نشعر بالأذى منها. وإليكم مقتطفاً من رسالة يهودي مثقف. وأسجل لكم أني اهتممت بهذه الرسالة الممتازة الطويلة, وقد انساقت هي الأخرى في تيار الاتهامات التي يوجهونها لي بكراهية اليهود كجنس ومن الطبيعي أن اسم السيد كاتب الرسالة سوف يظل غير معلوم يقول السيد صاحب الرسالة:

" وفي نيتي أن أتناول مسألة ليس في مقدوري أن أفسر معناها لنفسي. وهذه المسألة هي حقدكم على اليهود وقد ظهر جلياً في كل فصل من فصول "يومياتكم" تقريباً. وأود أن أعلم لماذا تهاجم اليهود بالذات؟ لماذا لا يحتصر هجومك عند الاستغلاليين فقط؟ إنني لست أقل منك كراهية لخرافات قومي (حيث عانيت منها الكثير) غير أني لن أوافق أحداً على أن نزع الاستغلال الوقح تسري في دم اليهود كجنس. أليس في مقدورك أن تسمو إلى مستوى القانون الأساسي للحياة الاجتماعية القائل بأن جميع مواطني الدولة الواحدة دون استثناء, أولئك الذين نهضوا بواجباتهم اللازمة لوجود هذه الدولة, يجب أن يتمتعوا بجميع الحقوق والمنافع, وبأن هناك عقوبة واحدة لمن يخالف القانون وللأشرار من أعضاء المجتمع؟ ولماذا في مثل هذه الحال يتم فرض القيد على حقوق اليهود؟ لماذا تسن لهم قوانين تأديبية خاصة؟ وما هي الفروق بين استغلال الأجانب للبلاد (واليهود من رعايا الدولة الروسية) سواء كانوا من الألمان أو الانجليز أو اليونانيين وليست أعدادهم قليلة في روسيا وبين الاستغلال اليهودي؟ وبماذا يختلف مالك الأرض الأرثوذكسي الروسي "الكولاك" الذي يطلق عليه اسم مصاص الدماء، ويكثر أمثاله في روسيا كلها عن زميله من اليهود وهم يعملون في كل الأحوال داخل دائرة محددة؟ بماذا يتميز الأول عن الثاني؟ "

ويقارن صاحب الرسالة الموقر عدداً من ملاك الأرض الروس المشهورين بعدد آخر من ملاك الأرض اليهود, ويقصد من وراء ذلك, أن يؤكد أن الروس ليس أفضل من اليهود. ولكن ما الذي يبرهن عليه هذا؟
من المعلوم أننا لا نتباهى بملاك الأرض الروس, ولا نقدمهم للناس كقدوة حسنة, بل نحن نؤيد كل التأييد أن هؤلاك وأولئك قوم سيئون. يمضي صاحب الرسالة قائلاً:
"يوسعى أن أطرح عليك الوفا من أسئلة مشابهة. أنك حين تتحدث عن اليهود "جيد" إنما تدخل في تلك القائمة, كل الجماهير الفقيرة- فهناك ثلاثة ملايين من اليهود يعيشون في روسيا, من بينهم مليون وتسعمائة ألف نسمة على الأقل يقتحمون نضالاً بائساً من أجل حياتهم الذليلة. أولئك اليهود هم أطهر أخلاقاً ليس فقط من القوميات الأخرى وإنما أيضاً من شعبكم الروسي المعبود.
إنك تدخل في تلك القائمة عدداً كبيراً من اليهود الذين حصلوا على المؤهلات العليا وهم يتميزون عن سواهم في كل مجال من مجالات حياة الدولة ..."
تم يعوض صاحب الرسالة هنا كذل عدداً من الأسماء, لا أثبت منها غير اسم "جولد شتاين" لأنه قد لا يروق لبعض الذين ذكرهم صاحب الرسالة أن يطالعوا على هذه الصفحات أنهم ينتسبون إلى الأصل اليهودي.

" وأود أن أستطلع رأيك في جولد شتاين الذي استشهد على "الصرب" دفاعاً عن القضية السلافية؟ لقد امتد على اليهود حقدك حتى اشتمل على "دزرائيلي" الذي لعله لا يعلم أن أجداده كانوا من اليهود الأسبانيين, والذي لا يقود بالقطع سياسية المحافظين البريطانيين من منطلق الإنسان "اليهودي". فوا أسفا أنك لا تعرف الشعب اليهودي, لا تعرف حياته وروحه, لا تعرف تاريخه على مدار أربعين قرناً من الزمان. ولذلك فأنت إنسان مخلص شريف, تلحق الضرر –بلا وعي منك- بجماهير الشعب اليهودية الفقيرة. أما أولئك اليهود الأقوياء الذين يستقبلون في صالوناتهم أندادهم الواقعين في قبضات الاستغلال. بيد أنه تكفى إلى هنا مناقشة هذا الموضوع, فإنه من غير المعتقد أنني سوف أقنعك بوجاهة رأيي. ولكنني أتمنى أن تقنعني أنت بصحة رأيك".

هذا هو المقتطف الذي أردت تقديمه من الرسالة. وأرجح أن ألفت الأنظار إلى قسوة الهجوم ودرجة الحساسية الواردتين. وذلك قبل أن أرد على صاحب الرسالة (حيث أنني لا أريد أن يتهمني أحد بهذه التهمة الخطيرة) إنني يقينا لم أنشر خلال العام الذي صدرت فيه "اليوميات" مقالاً ضد اليهود له حجم ذلك الهجوم الذي ورد في تلك الرسالة ثانياً- لا نستطيع أن نغفل أن صاحب الرسالة الموقر حين تعترض في بضعة سطور للشعب الروسي, قد اتخذ من الشعب الروسي المسكين موقف الغطرسة والاستعلاء. وعلى أية حال فإن قسوة النبرة في صوت صاحب الرسالة يمكن أن تفصح بجلاء عن نظرة اليهود أنفسهم إلى الروس؟ وصاحب الرسالة إنسان متعلم وموهوب (ولست أوفن أنه حقأ تخلى عن الخرافات). فماذا ننتظر نحن إذن من اليهودي غير المتعلم؟ كيف تكون مشاعره نحو الروس؟ إني أقول هذا, ولا أوجه كلامي في قالب الاتهام, حيث أن كل هذا يعتبر شيئاً طبيعياً. وأود فقط أن أشير إلى أن الشعب الروسي ليس وحده هو المسئول عن خلافاتنا مع اليهود وأن دوافع الخلاف قد جعلت تتراكم من الناحيتين, فأصبحنا اليوم لا نعلم من أي ناحية كان التراكم أكثر؟ وعقب هذه الإشارة أود أن أقول كلمات لتبرئة نفسي, ولإيضاح موقفي من هذه القضية.


مع... وضد

فلنفترض أنه من العسير غاية العسر أن نعرف تاريخ اليهود على مدار أربعين قرناً. بيد أننا أعتقد أنه ليس هناك شعب آخر يواصل الشكلية من إذلاله وعذاباته ومصيره إلى هذا الحد وفي كل دقيقة. وبذلك يبدو الأمر كما لو أنهم ليسوا هم الذين يسودون أوربا. وكأنهم ليسوا هم الذين يديرون فيها البورصات المالية. ومن ثم, يتولون قيادة السياسية والشئون الداخلية والأخلاقية للدول. حقاً أن جولد شتاين استشهد في سبيل القضية السلافية. ولكن الفكرة اليهودية لو لم تكن قوية إلى هذا الحد لكانت القضية (السلافية) قد حلت منذ زمن بعيد لصالح السلافيين وليس لصالح الأتراك.
وأني على أهبة للاقتناع بأن اللورد بكيونسفيلد قد نسى أنه ينتسب إلى اليهود الاسبانيين (ربما لم ينس).

غير أنني لا أشك مثقال ذرة في أنه قاد سياسية المحافظين البريطانيين خلال السنة الأخيرة من وجهة نظر وموقف الإنسان "اليهودي".

إني أسلم أن هذا كله ليس من جانبي سوى كلام أجوف. ولكنني لا أستطيع أن أصدق صراخ اليهود الذين يدعون بأنهم مضطهدون ومعذبون ومهانون إلى هذا الحد الذي يزعمون. وفي رأيي أن الفلاح الروسي, بل أن أي فرد روسي بشكل عام, يتحمل من الأعباء أكثر مما يتحمله اليهودي. كتب لي صاحب الرسالة السابقة في رسالة أخرى يقول:

"ينبغي أن يحصل اليهود على جميع الحقوق المدنية (حيث إنهم محرومون حتى اليوم من حقهم الجوهري في الاختيار الحر لموقع إقامتهم. ولا ريب في أنه تنشأ من ذلك مشاكل عديدة لجماهير اليهود) كما ينبغي أيضاً منح هذه الحقوق لجميع الأقليات في روسيا. وفقط, بعد أن يحدث ذلك يصبح في الإمكان أن يطلب من أولئك النهوض بواجباتهم حيال الدولة والسكان الأصليين".

ولكن ألم تفكر يا صاحب الرسالة وأنت تخط لي في صفحة أخرى من ذات رسالتك, أنك تحب جماهير الشعب الروسي الكادحة أكثر مما تحب اليهود؟ (عبارة قوية للغاية بالنسبة لليهودي) ألم تفكر أنه كان هناك ثلاثة وعشرون مليوناً من الجماهير الكادحة الروسية تعاني من نظام الرق وأن تلك الوطأة كانت أشد ثقلاً على الكواهل من مسألة اختيار مكان الإقامة؟ ألم تفكر أنه قد حدث ذلك في الوقت الذي عانى فيه اليهود من مشكلة الاختيار الحر لمكان الإقامة؟ هل أبدى اليهود في ذلك الحين عطفاً على الروس؟ أنا لا أعتقد ذلك وتستطيع أن تجيب على هذا السؤال ظروف المعيشة والحياة في الأطراف الغربية لروسيا وفي جنوبها. إن اليهود في ذلك الحين كانوا يوالون الصراخ مطالبين بحقوق لم يحصل عليها الشعب الروسي نفسه. كانوا يوالون الصراخ ويملئون الدنيا بشكاوي من أنهم مضطهدون و شهداء ،يقولون (اطلبوا منا أن ننهض بواجباتنا حيال الدولة و السكان الأصليين بعد أن تمنحونا حقوقا أكثر ).

ثم أتى بعد ذلك من حرر السكان الأصليين من نظام الرق. و لكن ماذا أجرى بعد ذلك؟ من الذين كانوا أول من اقتص السكان الأصليين كما يقتنص الصائد الفريسة ، و استغلوا عيوبهم،و جروهم إلى المصائد بحبال ذهبية؟من الذين حلوا في كل موقع حيثما استطاعوا محل الإقطاعيين بعد أن تم إلغاء نظامهم ، مع فارق وحيدان الإقطاعيين بعد أن تم إلغاء نظامهم, مع فارق وحيدان الإقطاعيين كانوا يستغلون الناس استغلالاً شديداً ولكنهم مع ذلك حاولوا ألا يستهلكوا القوى العاملة.

أما اليهود فليس يعنيهم إلى أي حد تستهلك القوى العاملة الروسية. أنهم يحصلون على ما يبتغون . ثم ينصرفون! أعلم أن اليهود بعد مطالعاتهم هذه السطور سيدعون أن كل هذا ليس صحيحاً بل هو أقرب إلى الافتراء. سيزعمون أني شطت إذا أصدق جميع هذه الخرافات وإذ لا أعرف تاريخ أربعين قرناً لأولئك الملائكة الأطهار الذين هم أطهر أخلاقياً ليس فقط من القوميات الأخرى بل ومن الشعب الروسي الذي أعبده! دعهم يكونوا أطهر أخلاقياً من شعوب العالم جميعاً, ومن الشعب الروسي ضمناً بطبيعة الحال. بيد أنني طالعت في عدد مجلة "أخبار أوروبا" الصادر في شهر مارس أن اليهود في الولايات الجنوبية من أمريكا انقضوا على ملايين الزنوج المتحررين, وربطوهم بالتبعية لهم طريقتهم الخاصة ، أي بواسطة (مهنتهم الذهبية)المعروفة, مستغلين في ذلك عيوب أولئك القوم و نقص الخبرة لديهم. و حين طالعت ذلك، تذكرت أن ذات الخاطر خطر لي منذ خمسة أعوام, فقد تصورت أن الزنوج على الرغم من تحررهم من أصحاب العبيد سوف لا يكون هناك مغولهم من اليهود الذين سينقضون عليم كفريسة طازجة. و أذكر أنني سألت نفسي أكثر من مرة, بعد أن خطرت تلك الفكرة ببالي – لماذا لا ترد أية أنباء عن اليهود؟ لماذا لا تكتب الصحف شيئا يوضح الأم؟ كنت أطرح ذلك السؤال عن نفسي، لأنني كنت أعتقد أن أولئك الزنوج يمثلون كنزا لا يمكن لليهود أن يتركوه. و أخيرا وردت الأنباء و كتبت الصحف و طالعت عن هذا الذي يجري هناك . و قرأت منذ عشرة أيام في (العصر الحديث )العدد381 خبرا واردا من كوفنو (هي مدينة فليونس حاليا = المترجم) مؤدا أن اليهود هناك انقضوا على السكان اللتوانيين الأصليين وأوشكوا أن يقضوا عليهم باحتساء الفودكا. و أم يقذ هؤلاء السكان من الموت غير القساوسة الكاثوليك الذين أرهبوهم بعذاب الجحيم, و أقاموا لهم جمعيات لمقاطعة الخمر أسموها جمعيات (الصواب) و قد أبدى المراسل الذي كتب عن هذا الموضوع سخريته من أولئك ما زالوا يصدقون رجال الدين و عذاب الجحيم . و لكنه أضاف فيما بعد أن الاقتصاديين المثقفين راحوا بعد رجال الدين يشيدون بنوكا قروية لإنقاذ الشعب من الموابين اليهود. ثم أنشئوا أسواقا ريفية تجعل في استطاعة ( الجماهير الكادحة الفقيرة ) الحصول على لوازم الحياة الضرورية بالسعر الرسمي, و ليس بالسعر الذي يحدده اليهودي. لقد قرأت عن كل هذا ,و أعلم أن هناك من يدعى بأن كل هذا لا يعني شيئا و أن الداعي إليه هو أن اليهود أنفسهم قوم مضطهدون و فقراء و أن الأمر كله ليس غير صراع البقاء، و أن الأبله فقط هو الذي ليس بمقدوره أن يفهم تلك الحقيقة لو لم يكن اليهود أنفسهم فقراء إلى هذا الحد, و لو أصبحوا أغنياء لا شوقت من أنفسهم التواحى الإنسانية, ولا دهشوا بذلك الدنيا كبها. بيد أن أولئك الزنوج و هؤلاء اللتوانيين هم في الحقيقة أشد فقرا من اليهود الذين يعتصرونهم . و على الرغم من ذلك فان الزنوج و اللتوانيين لا ينزلون إلى أسواق التجارة التي يمارسها اليهود. ثانيا – ليس من العسير أن يكون المرء إنسانا ذا أخلاق عالية حين يحيا حياة غنية سعيدة . أما حين يدور الكلام عن صراع البقاء , فلا تقترب منه و ليست هذه في رأيي صفة يتسم بها الملائكة ! و ثالثا – أنى أنى لا أقدم هذه الأنباء من مجلتي ( أخبار أوروبا) ( و العصر الحديث ) على أنها حقائق أساسية و حاسمة و لو أن المرء شرع يكتب تاريخ هذه القبيلة العالمية , فبوسعه أن يجد على الفور مئة ألف حقيقة من هذا النوع. و لهذا لا تضيف شيئا إلى ما ذكرناه حقيقة واحدة أو حقيقتان. و لعله من المستغرب أنك إذا أعوزتك خلال الحديث أو المجادلة معلومات عن اليهودي و أعماله – ولن تجد نفسك بحاجة إلى التوجه للمكتبة, ولا بحاجة إلى تصفح الكتب القديمة أو تصفح مذاكرتك الخاصة. لن تجد نفسك بحاجة إلى بذل أي مجهود , و إنما يكفي – و أنت لم تترك مكانك – بل و دون أن تنهض من كرسيك – أن تمد يدك إلى أول جريدة تلمسها تنظر إلى الصفحة الثانية أو الثالثة منها. عندئذ ستجد بالحتم شيئا عن اليهود – ستجد ما يهمك بالذات, ستجد قصصا تروى عن نفس (المآثر) و سوف يكشف لك هذا بالطبع عن شئ ما, و إن كنت جاهلا جهلا مطلقا فيما يتعلق بتاريخ اليهود على مدى أربعين قرنا. و من الطبيعي أن هناك من سوف يرد علي قائلا – إن كل من يكتب في هذا الموضوع , ممتلئ النفس بالحقد, ولهذا يكذب. و من الطبيعي أيضا انه لا يمكن للأمر أن يحدث هكذا – أي أنه لا يمكن أن يكذب الجميع. و هنا على أية حال سؤال يطرح نفسه: ( إذا كان جميع الناس يكذبون لأنهم ممتلئون بالحقد؟ ذلك لأن هذا الحقد لابد أن يحمل معنى ما, كما قال( بيلينسكي ) ذات يوم (لأبد أن يكون هناك معنى لكل كلمة ).

و "الاختيار الحر لمكان الإقامة "! ... و لكن هل ترى أن الإنسان الروسي حر حرية مطلقة فيما يتصل باختيار مكان الإقامة ؟ أليست باقية حتى الآن تلك القيود المفروضة على حرية اختيار مكان الإقامة لدى المواطن الروسي, تلك القيود التي خلفها نظام الرق والتي التفتت إليها الحكومة منذ زمن؟ أما الأمر فيما يتعلق باليهود- فإن الجميع يرون أن حقهم في اختيار مكان الإقامة قد توسع توسعاً كبيراً في العشرين عاماً المنصرمة. لقد ظهر اليهود على كل حال في روسيا في المناطق التي لم يوهم فيها أحد من قبل. ومع ذلك فإن اليهود ما زالوا يواصلون شكواهم من الحقد والاضطهاد. واعترف بأني لا أعرف الحياة اليهودية معرفة جيدة. غير أني أعلم حق العلم أن شعبنا لا يضمر حقد دينياً غبياً على اليهود, حقداً منبثقاً من العبارة القائلة أن "يهودا باع يسوع المسيح" حتى لو سمعنا شيئاً من هذا القبيل على ألسنة الأطفال أو السكارى. إن شعبنا بالرغم من ذلك ينظر إلى اليهود بلا حقد. وإني أعرف ذلك منذ خمسين سنة مضت. لقد عشت مع الشعب بين جماهيره المختلفة بل وفي ذات العنابر وتقاسمت مع الناس ذات الأسرة. وكان هناك معنا بعض اليهود ولم يكن أحد يحقد عليهم ويطردهم, حين كان اليهود يقومون بالصلاة (واليهود حين يطلقون الهتافات ويرتدون أزياءً خاصة), لم يكن هناك أحد يرى أن هذا الأمر غريب, ولم يعرقل أحد صلاتهم, ولم يسخر منهم. ولعل ذلك حسب مفهومك كان هو المتوقع من شعب خشن مثل الشعب الروسي. بل الصحيح هو عكس ذلك. وقد كان الروس يقولون في مثل هذه الحالات: "هكذا هي ديانتهم, وهي تفرض عليهم أن يصلوا على هذا النحو ثم يمرون بهم في هدوء وهم يستحسنون صلاتهم تقريباً". وعلى الرغم من ذلك الموقف كان أولئك اليهود يتجنبون الروس ويرفضون أن يأكلوا معهم, ويتخذون منهم موقف الغطرسة والاستعلاء (وقع ذلك حين كنا في السجن!!) بل كان اليهود يعبرون بصورة عامة عن حقدهم على كل شأ روسي وعلى "الشعب الأصلي". ويمكن أن نجد ذات الشيء في مساكن الجنود. بل وفي كل مكان في روسيا. اذهب بنفسك واسأل هل يطارد أحد يهودياً في التنكة العسكرية لأنه يهودي, أي لانتمائه للدين اليهودي؟ هذا لم يحدث البتة. وهكذا الحال بين كل طوائف الشعب. وعكس ذلك صحيح فإن الإنسان الروسي يرى بعينه. (وذلك مالا يخفيه اليهود أنفسهم) أن اليهودي يرفض أن يؤاكله, ويتجنبه أبداً. وبدلاً من أن يغضب الروسي, يقول في هدوء ووضوح "هكذا" ديانته. وهي التي تفرض عليه ألا يؤاكلنا, وأن يتجنبنا" ثم يغفر الروسي لليهودي حين يدرك هذا السبب الاسمي, وأني أتخيل ما كان سيحدث لو أن روسيا كانت تضم ليس ثلاثة ملايين من اليهود وثمانين مليوناً من الروس, ولكن ثلاثة ملايين من الروس وثمانين مليوناً من اليهود؟ كيف كانت ستصبح علاقة اليهود بالروس ومعاملتهم إياهم في مثل تلك المجال؟ ترى هل كان اليهود سيمنحون الروس حقوقاً متساوية؟ هل كان اليهود سيسمحون للروس بأداء صلاتهم في حرية؟ أما كان اليهود يحولون الروس إلى عبيد لهم؟ بل ويصنعون معهم ما هو أسوأ من ذلك ويسلخون جلودهم؟ أما كانوا يضربونهم ويجلدونهم كما فعلوا ذلك في فجر تاريخهم مع القوميات الأخرى؟ إنني أؤكد لليهود أن الشعب الروسي لا يضمر حقداً عليهم, وأنه ربما لا يشعر بالتعاطف معهم, وقد يكون عدم التعاطف ذاك قوياً في بعض الأماكن. لاشك أن هذا أمر موجود. ولكن ليس سببه هو عدم التعاطف مع اليهودي لأنه يهودي, كذلك ليس سببه قبلياً ودينياً, وإنما تولد عدم التعاطف ذاك لأسباب أخرى.

ولا يعتبر الشعب الروسي مسئولاً عن ذلك, ولكن المسئولين بالدرجة الأولى هم اليهود أنفسهم.


أربعون قرناً من الوجود

يتهم اليهود السكان الأصليين بالحقد المؤسس على التحفظات. غير أنه ما دام الكلام يتناول التحفظات فماذا تحسبون: هل تعتبر تحفظات اليهود نحو الروس أقل من تحفظات الروس نحو اليهود, أم هي أكثر؟ لقد قدمت عدة أمثلة على موقف الروس البسطاء من اليهود. وأمام عيني رسائل الذين هم ليسوا من البسطاء وإنما من اليهود المتعلمين والمتثقفين. وكم من الأحقاد التي تنطوي عليها تلك الرسائل- الأحقاد على السكان الأصليين؟ وأهم من ذلك كله أنهم لا يلاحظون هذه الأحقاد. إن اليهود الممتلئين بالنشاط والقوة, والذين لا نظير لهم, لم يكن بوسعهم أن يعيشوا إلا في حالة "الجيتو".

كي يواصلوا الحياة غير أربعين قرناً من الزمان, أي خلال مرحلة تاريخ الإنسانية, في وحدة توثق عراهم. وقد خسر اليهود أرضهم, واستقلالهم السياسي, وقوانينهم, بل وحتى ديانتهم أكثر من مرة. فالسكان لا بد لهم كي يسترجعوا كل ذلك, المرة بعد الأخرى, أن يعيشوا في حالة "الجيتو" وهي الحالة التي حرصوا على الاحتفاظ بها في كل مكان, وخلال المطاردات والملاحقات والتبعثر. وإني حين أشير إلى تلك الحالة لا أرمي إلى توجيه تهمة ولكن كيف نلخص حالة "الجيتو"؟ وفيم تكمن فكرتها الأبدية التي لا تتبدد؟ وفيم يمكن جوهر هذه الفكرة؟
من المستحيل أن تعرض هذا الموضوع في مقالة قصيرة, ولعل أحد أسباب تلك الاستحالة أنه لم يحن الأوان المناسب بعد على الرغم من مرور الأربعين قرناً المنصرمة أن البشرية ستقول كلمتها الأخيرة عن هذه القبيلة العظيمة في المستقبل.

ومع ذلك فلنستطيع دون الدخول في جوهر الموضوع, أن نقوم بتصوير بعض ملامح حالة (الجيتو) أو على تصوير بعض ملامحها الظاهرة. من بين هذه الملامح نرى الاغتراب والعزلة في إطار العقيدة الدينية, وعدم اندماج اليهود بالآخرين, وإيمانهم بأنه لا توجد هنا غير شخصية تاريخية واحدة هي شخصية اليهودي. أما الناس الآخرون, وعلى الرغم من أنهم موجودون فلا بد من النظر إليهم كما لو أنهم غير موجودين.

"واطلع من بين الشعوب, وأتم تشكيل ذاتك. وعليك أن تعلم أنك الوحيد عند الله حتى الآن"..
"قم بقتل وتدمير الآخرين غيرك, أو فلتجعل منهم عبيداً لك, أو فلتقم باستغلالهم".

"ثق بانتصارك على العالم كله. ثق بأن كل شيء سيخضع لك".

"عليك أن تتجنب الكل ولا تختلط في حياتك بأحد. وثق بما أنت موعود به حتى حين".

"تفقد أرضك وشخصيتك السياسية- وحتى حين تتبعثر على وجه الأرض بين مختلف الشعوب".
"واستغل الآخرين... وعليك أن تنتظر, عليك أن تنتظر... ".
هذا هو جوهر فكرة (الجيتو) على أن هناك قوانين داخلية سرية سائدة تحمي هذه الفكرة.
وأنتم تدعون أيها السادة اليهود المتعلمون, بأن "كل هذا كلام باطل وبأنه حتى لو كان هناك حالة جيتو (لم تعد لها الآن سوى آثار ضئيلة إذا كانت فعلا عاشت في الماضي, فإن المطاردات الدينية في القرون الوسطى وما قبلها هي التي أدت إلى تلك الحالة وولدتها. وقد نشأت حالة (الجيتو) فيما مضى من إرادة البقاء. ولو أن تلك الحالة استمرت في روسيا. فإن السبب فيها أن اليهود غير متساويين في الحقوق مع السكان الأصليين".
يبدو أن الإشارة إلى المطاردات والرغبة في البقاء, لا تكفي لتفسير ميثاق الـ (الجيتو) ذلك لأن التصميم على البقاء لا يمكن أن يستمر طوال أربعين قرناً من الزمان. فكم من حضارات كانت أشمخ وأقوى لم تستطع الحياة نصف الأربعين قرناً. وفقدت قوتها السياسية ووجهها القبائلي. ليس حب البقاء إذن هو العامل الأساسي, وإنما السبب في نشوء حالة الجيتو, هو فكرة مسيطرة أو عنصر يمتد منبثقاً على مستوى العالم, ولعله شيء ذو أبعاد وأعماق, ليس بوسع البشرية حتى الآن أن تصدر عليه حكماً نهائياً كما ذكرت سلفاً, ومما لا ريب فيه أن الطابع الديني يشغل في هذه الفكرة المسيطرة مكان الصدارة. فمن الجلي أن يحيى مازال بعهده ومثله يقود شعبه إلى الهدف النهائي.

ومن المستحيل أن نتصور اليهودي بدون الله. إنني لا أصدق اليهود المتعلمين والمثقفين حين يزعمون بأنهم ملحدون- حيث إن اليهود جميعهم من أصل واحد. والله وحده يدرى ماذا يمكن أن ينتظر العالم من اليهود المتعلمين المثقفين! لقد طالعت في طفولتي أسطورة مؤداها أن اليهود ينتظرون حتى اليوم وصول المسيح المنتظر. ينتظرون على اختلاف درجاتهم بدءاً من اليهودي البسيط وانتهاء بالعالم الفيلسوف والحاخام أنهم جميعاً يؤمنون بأن المسيح المنتظر سيجمعهم مرة أخرى في القدس ويرمي بسيفه تحت أقدامهم جميع الشعوب. ولهذا السبب يفضل أغلب اليهود مهنة واحدة هي تجارة الذهب ذلك كي يتوجهوا بالذهب والمجوهرات إلى حيث يأتي المسيح المنتظر وعندما:


تبزغ أشعة الفجر.

وتعزف الآلات الموسيقية .

وتحمل الفضة, وخيراتنا, ومقدساتنا.

تحملها معنا إلى بيتنا القديم في فلسطين..


لقد سمعت هذا حين كنت طفلاً في صورة الأسطورة, غير أني أعتقد أن جوهر الموضوع موجود بالفعل. وبأن جماهير اليهود تحمله بالفعل وينعكس في صورة الرغبة التلقائية التي لا يمكن مقاومتها.

غير أنه لا بد للاحتفاظ بجوهر هذه الموضوع من الإبقاء على ميثاق الـ (الجيتو) ولهذا, فإن السبب في وجود هذا الميثاق أو الاحتفاظ بهذه الحالة ليس هو المطاردات وحدها وإنما فكرة أخرى أيضاً...

وإذا كان حقاً لليهود نظام داخلي خاص دقيق يربط فيما بينهم ويجعل منهم كتلة واحدة متكاملة- فإن هذا يبرر طرح مسألة المساواة بين حقوقهم وحقوق السكان الأصليين. ونحن بطبيعة الحال يجب أن نقدم لليهود كل ما تطلبه الاعتبارات الإنسانية والقانون المسيحي. ولكن إذا طالب اليهود بالمساواة الكاملة بين حقوقهم وبين حقوق السكان الأصليين- وهم قد تسلحوا بخصائص نظامهم- وبمكانتهم الاستثنائية وباغترابهم وعزلتهم الدينية والقبلية, وبمبادئهم المتنافية تماماً مع الفكرة التي تطور طبقاً لها في العالم الأوروبي حتى اليوم. ألا يحدث والحال هذه, أن يحصل اليهود على شيء أزيد وأعلى مما يمتلكه السكان الأصليون؟
هناك بالطبع من سوف يشير إلى الأجانب الآخرين المتساوين أو المتساوين تقريباً في الحقوق مع السكان الأصليين. وسوف يشير أيضاً "إلى أن حقوق اليهود أقل من حقوق أولئك الأجانب. وذلك لأن الناس يخشوننا –نحن اليهود- حيث أنهم يروننا أكثر ضرراً من مختلف الأجانب. ولكن بأي شيء ينزل اليهودي ضرره؟ لو كان لليهود مساوئ فالسبب في ذلك يعود إلى أن الشعب الروسي نفسه يساعد على نشأة تلك المساوئ, يساعد بجهلة وبعدم قدراته على الاستقلالية ويضعف تطوره الاقتصادي.إن الشعب الروسي بحاجة إلى الوسيط والمدير الوصي الاقتصادي والمرابي. وهو بنفسه يدعو أولئك ويسلم مقاليده, إليهم انظروا إلى أوروبا. إن شعوبها أقوى وأكثر استقلالية, وانضج تطوراً قومياً, وقد تعودت تلك الشعوب على ممارسة العلم والمهارة فيه. ولذلك لم تعد تخشى أن تمنح اليهود حقوقاً! هل تراهم في فرنسا يذكرون شيئاً عن الضرر الناجم من الـ (الجيتو) الذي يتجمع حوله يهود فرنسا؟
هذا كلام محبوك القوة –كما يبدو- بيد أنه يمكن اختتامه بملاحظة بين القوسين: أن كل هذا يدل على أن اليهود يحيون حياة أحسن, حيث مازال الشعب غير حر, أو جاهلاً أو متخلفاً من الناحية الاقتصادية. وبدلاً من أن يرفعوا مستوى التعليم بنفوذهم ومن أن يعززوا العلم, ومن أن يعملوا على توليد القدرة الاقتصادية لدى السكان الأصليين –يشرع اليهود أينما أقاموا في ممارسة إفساد الشعب وإذلاله. ومن ثم يتدهور مستوى التعليم, وينتشر الفقر أكثر فأكثر, وينمو معه اليأس فلا يكون للشعب منهما مفر. سلوا السكان الأصليين في أطراف بلادنا: ماذا يحرك اليهود اليوم وماذا حركهم طيلة القرون؟ وسوف ترون أن الرد بالإجماع سيكون: أن الذي حركهم ويحركهم هو عدم الرحمة, وهو رغبتهم في شرب عرقنا ودمائنا, والحقيقة أن نشاط اليهود في أطراف بلادنا يتركز فقط في أن يضعوا في حالة التبعية لهم سكان البلاد الأصليين وذلك عن طريق الاستفادة بالقوانين المحلية. وقد استطاع اليهود في مثل تلك الحالات أن يتحايلوا على إيجاد منافذ في استخدام القوانين لصالحهم, واستطاعوا بصورة دائمة أن يعقدوا الصداقات مع أولئك الذين يقع بأيديهم مصير الشعب. ولهذا فليس هم الذين ينبغي أن تنطلق شكواهم من ضآلة حقوقهم إذا قيست بحقوق الإنسان الأصليين- ويشهد التاريخ تاريخ أطراف البلاد الروسية بما جرى للشعب الروسي في المناطق التي استقر فيها اليهود خلال عشرات ومئات السنين. وبعد, هل بوسعكم أن تذكروا أية قومية من قوميات روسيا يمكن أن نقارنها باليهود من حيث تأثيرها ونفوذها للرهيبين؟ أنكم لم تجدوا مثل هذه القومية حيث إن اليهود من هذه الزاوية, يحتفظون باختلافهم عن الأجانب الآخرين في روسيا والسر وراء ذلك هوا ميثاق (الجيتو) الذي يطالب اليهود بعدم الرحمة مع جميع غير من هم غير يهود, كما يطالبهم بعدم تبجيل أي قوم آخرين وأية قبائل أخرى وأي مخلوق غير يهودي هي حجة مقنعة وهناك أن شعوب غرب أوروبا لم تمكن اليهود من السيطرة على مقدراتها وأن الشعب الروسي أضعف من الشعوب الأوروبية وبذلك يصبح هو نفسه مسئول عن كل ما يجري. في أطراف البلاد الروسية؟ (والسبب الوحيد في ذلك الوضع هو قسوة الظروف السياسية طيلة قرون) هل هي –حقاً- حجة مقنعة أنه بناء على هذا الأساس ينبغي قمع الشعب لاستغلاله – وليس بسط يد العون له ومساعدته؟ ولو كان هناك من يشير إلى فرنسا, فليس معنى ذلك أن الـ (الجيتو) كان غير ضاربها. من المسلم به أن انحلال المسيحية وفكرتها يجري هناك, لسبب غير اليهود. بيد أنه تنبغي الإشارة هنا إلى أن انتشار روح اليهودية في أوروبا قد استبدل الكثير من أفكارها بأفكار يهودية. ومما لاشك فيه أن الإنسان كان دائماً أميل إلى فهم الحرية على أنها تأمين حياته بالمال, وبأنها جمع ذلك المال بمختلف الوسائل, والعيش بعبادة المادة.

غير أن تلك المطامح لم تصبح مبدأً "سياسياً" مثلما حدث في قرننا التاسع عشر.
"كل إنسان من أجل نفسه فقط. ولا علاقة بين الفرد والمجتمع غير تلك التي تحقق مصلحة الفرد".

هذا هو المبدأ الأخلاقي الذي يطبقه أغلب الناس المعاصرين(1) وليس هذا المبدأ وقفاً فقط على أصحاب السوء, ولكنه مبدأ يطبقه أيضاً الكادحون الذين لا يمارسون السرقة والقتل. ومن المؤكد أن عدم الرحمة تجاه الطبقات الدنيا- وانهيار روح الأخوة, واستغلال الغنى للفقير, كان موجوداً كله في الماضي وبشكل دائم.

ولكن ذلك كله لم يكن يرتفع إلى مستوى الحقيقة العليا والعلم, بل كانت المسيحية تواصل إدانته. أما اليوم فيعتبر كل ذلك خيراً. ولهذا فليس صدفة كم الصدف, أن اليهود يسيطرون على البورصات المالية في كل مكان- يتحكمون في حركة رأس المال ويملكون الهيمنة على عمليات القروض- ليس كل ذلك صدفة من الصدف. لأن اليهود يتحكمون في السياسة العالية كلها. وعما قريب ستأتي مملكتهم, مملكتهم الكاملة(2), هما قريب يخل زمن انتصار الأفكار التي تذبل في ظلها مشاعر حب الإنسانية. وتتساقط الرغبة في البحث عن الحق, والمشاعر المسيحية والقومية والكرامة القومية للشعوب الأوروبية. عما قريب يحين زمن سيطرة المادة والمطامع العمياء, ويصبح كل شيء هو التأمين المادي الشخصي, وهو جمع المال بمختلف الوسائل. صار هذا,هدفاً أسمى, هدفاً معقولاً, صار هو معنى التحرر الذي حل مكان الفكرة المسيحية الخاصة بالخلاص عن طريق التوحيد الأخلاقي الأخوي وثيق العرى بين الناس.
ولعل هناك من سوف يسخر –قائلاً- ليس بسبب اليهود كل هذا.

ومن المسلم به أن هذا الوضع لا ينجم من اليهود وحدهم. غير أنه, مادام اليهود قد انتصروا وازدهروا في أوروبا, في الوقت الذي انتصرت فيه وازدهرت هذه الظواهر الجديدة, وكان انتصارها وازدهارها إلى الحد الذي ارتفع بها إلى مستوى المبدأ الأخلاقي, فلا بد من الاستنتاج بأن اليهود قد مارسوا تأثيرهم أيضاً.

وقد يعترض قائل بأن اليهود فقراء- وفقراء في كل مكان وبخاصة في روسيا, وأن قمة اليهود هي فقط التي تتألف من أصحاب البنوك وملوك البورصات, أما تسعة أعشار اليهود, فهم يجرون وراء "كوبيكات" يحصلون على لقمة خبز.

وقد يبدو هذا صحيحاً. ولكن ما هو المعنى الذي ينطوي عليه؟
أليس معنى ذلك أم شيئاً شاذاً وغير طبيعي يكمن في أعمال يمارسها اليهود, يمكن في استغلالهم لغيرهم من الناس, وبهذا يتأتى العقاب لهم على ذلك الشذوذ؟
إن اليهودي يعمل بالوساطة والسمسرة المالية, يتاجر بعمل غيره. وأن رأس المال هو تجسيد للعمل المتراكم. واليهود لا يحبون شيئاً قد حبهم للمتاجرة بعمل الآخرين, على أن هذا لا يبدل من الأمر شيئاً حتى الآن. أما قمة اليهود فهي تتسامى فوق البشرية, أعلى فأعلى, وتسعى إلى أن تخلع شكلها وجوهرها على الدنيا بأسرها.

ويزعم اليهود أنه يوجد بينهم قوم طيبون. مغفرة يارب. هل تنحصر قضيتنا في تلك الدائرة؟
إن حديثنا لا يدور حول أناس طيبون أو أناس أشرار. وهل ينقصنا الأشرار؟ ألا يوجد قوم طيبون بين أولئك؟ هل كان المرحوم جيمس روتشيرلد من باريس إنساناً سيئاً؟ نحن نتحدث هنا بصورة عامة, نتحدث عن الروح اليهودية, عن الفكرة اليهودية التي شملت العالم, وحلت محل المسيحية الفاشلة.


ولكن.. فلتعش الأخوة!

ترى ماذا أقول؟ ولماذا أتحدث؟ هل أنا حقاً عدو لليهود؟ هل صحيح أنني أناصب أولئك القوم "المساكين" أشد العدا, وأحمل عليهم كلما سنحت فرصة حملات قاسية؟ هل صحيح ذلك كما كتبت فتاة يهودية شريفة متعلمة (وهذا واضح من رسالتها العامرة بمشاعرها الحائرة المخلصة):

"واضح تمام الوضوح, حقدك على اليهود الذين لا يهتمون إلا بأنفسهم فقط, على حد قولك, على أولئك حقدك واضح تمام الوضوح".

كلا.. إنى أرفض هذا الوضوح , وأود أن أناقش الفتاة. لقد كتبت مطالباً بوجوب منع اليهود كل ما تتطلبه الاعتبارات الإنسانية والعدالة والقانون الإنساني والمسيحي, كما أسلفت. أود أن أضيف إلى ذلك, أني بغض النظر عن جميع الاعتبارات التي طرحتها أعلن تأييدي الواسع لتوسيع حقوق اليهود في التشريع, الرسمي, وتأييدي أيضاً للمساواة الكاملة بين حقوقهم وحقوق السكان الأصليين, إذا أمكن ذلك. (وإن كان لهم في بعض الأحيان حقوق أوسع أو إمكانيات أكبر للانتفاع بتلك الحقوق أكثر مما ينتفع بها السكان الأصليون) وأني لتخطر على بالي في ذات الوقت الفكرة التالية: ماذا يجري لو أنه حدث لأي سبب من الأسباب أن تخلخلت الجمعية الريفية التي تقوم بحماية الفلاح الفقير من مخاطر عديدة؟ ماذا يجري لو اجتاح اليهود أولئك الفلاحين المتحررين حديثاً من قيود العبودية وغير المتسلحين بأي خبرة, والعاجزين عن مقاومة ألوان الإغراء المختلفة تلك التي قامت بحمايتهم منها حتى الآن الجمعيات الريفية اعتقد أنه لو جرى ذلك, لوفاتهم نهاية للخلاص حيث إن جميع ما يمتلكون سينتقل على الفور في قبضة اليهود. وعند إذن تأتي الفترة التي يستحيل أن نقارنها لا بزمن نظام الرق فقط, وإنما تصعب مقارنتها بفترة الاحتلال التتاري أيضاً.

بيد أنني على الرغم من ذلك, أعتبر نفسي من دعاة المساواة الكاملة والنهائية, لأن ذلك يتواءم مع القانون والمبدأ المسيحيين.

غير أنني إذا كان الأمر كذلك- لماذا كتبت الصفحات السابقة؟ ماذا أردت أن أعبر عنه إذا كنت أتنافض مع نفسي ؟ لا: أنا أتنافض مع نفسي. أنا لا أمانع- من وجهة نظر روسية – من توسيع حقوق اليهود. ولكنني في ذات الوقت أشير إلى العوائق الحائلة دون توسيع هذه الحقوق إنما تأتي من جانب اليهود أكثر مما تأتي من جانب الروس. وإذا لم يتحقق حتى اليوم ما أصبر إلى تحقيقه من صميم قلبي- فإن ذنب الروس في هذا أقل بكثير من ذنب اليهود.
لقد أشرت فيما سلف إلى اليهود البسطاء, وكيف أنهم لا يريدون أن يتعاملوا مع الروس بل ولا يريدون أن يؤكلوهم مع ذلك لم يغضب الروس ذلك التصرف. لم ينتقموا من أحد, بل أنهم على العكس غفروا لهم وقالوا بأن ديانتهم اليهودية تفرض عليهم هذا السلوك. هذا عن اليهود البسطاء. أما المثقفون فنحن كثيراً ما نلحظ في اليهود المثقفين نفس التحفظ حيال الروس. هم يدعون بأنهم يحبون الشعب الروسي. ولقد كتب أحدهم أنه يؤسفه أن الشعب الروسي ليس له دين, وأن الشعب الروسي لا يفهم شيئاً في المسيحية. ويعتبر صدور مثل هذه العبارة كثيرة للغاية حين تصدر من يهودي. وهنا, يطرح نفسه هذا السؤال: ترى.. هل يفهم هذا اليهودي المتعلم نفسه شيئاً في المسيحية؟ ولكن ماذا بوسعنا أن نصنع, والاغترار والاستعلاء من صفات اليهود التي لا يحبها الروس؟ ترى.. من هو أقل قدرة على التفاهم الروسي أم اليهودي؟
أقسم أنني أكثر ميلاً إلى تبرير موقفي الروسي, لأنه على الأقل لا تنطوي جوانحه على كراهية دينية لليهود. أما التحفظات الأخرى, فعند أي من الجانبين هي أكثر؟ يزعم اليهود أنهم كانوا مضطهدين ومطاردين طوال القرون. وهذا شيء ينبغي على الروس أن يضعوه في اعتبارهم عند الحكم على الطابع اليهودي. حسناً.. فنحن نضع ذلك الأمر في الاعتبار. وكم من مرة ارتفعت أصوات المثقفين الروس تدافع عن اليهود. ولكن.. هل وضع اليهود في اعتبارهم شيئاً حين يتهمون الروس ويجأرون بالشكوى من قرون الملاحقات والاضطهاد, وهي أيضاً الملاحقات والاضطهاد التي عانى منها الشعب الروسي هو الآخر؟ هل يمكن الزعم بأن هذا الشعب الروسي عانى في تاريخه أقل مما عاناه اليهود؟ هل يمكن بالزعم بأن اليهودي ليس هو الذي كثيراً ما اتحد مع الظالمين بل كثيراً ما تحول هو نفسه إلى الظالم بعينه؟ لقد حدث هذا بالفعل. أنه التاريخ. أنها الحقائق التاريخية. ومع ذلك فنحن لم نسمع أبدا أن اليهود قد ندموا على ما ارتكبوه. ولكنهم في ذات الوقت يتهمون الروس بأنهم لا يحبونه.
كفى ذلك.. كفى.. فلتكن الوحدة الروحية الكاملة بين جميع الأقوام ولتقم المساواة في الحقوق.

ولذلك أرجو من المعارضين الذين يكتبون لي من اليهود أن يتخذوا منا نحن الروس موقفاً أكثر عدالة. وإذا كان استعلاؤهم على الشعب الروسي, وتقززهم منهم,يعودان فقط إلى (التحفظ) وبعض الرواسب التاريخية, إذا كان استعلاؤهم ذاك وتقززهم لا يكمنان في أسرار أعمق فوراً لقانونهم ونظامهم الخاص, فنرجو أن يتلاشى هذا بسرعة. ولنتحد في روح واحدة, وإخوة كاملة ولنتبادل المساعدات في سبيل القضية لخدمة أرضنا ووطننا ودولتنا! ولتختفي الاتهامات المتبادلة ولينطفئ هذا الحماس الدائم للاتهامات التي تمنع الرؤية الواضحة للأشياء. وأني أقطع فيما يتعلق بالشعب الروسي أنه يرحب بالإخوة مع اليهود " بغض النظر عن اختلافات الدين, وباحترام كامل منه لحقيقة هذا الاختلاف ولكنه من الضروري لإقامة هذه الأخوة بل لإقامة الأخوة الكاملة من عمل يقدمه الجانبان. فليقهم اليهودي بالتعبير الروسي عن بعض المشاعر الأخوية حتى يشجعه على الإقبال على نفس الشيء..
وأني لا أعلم إننا يمكن أن نجد بين الشعب اليهودي اليوم عدداً كبيراً من الأشخاص الذين يبحثون عن مواطن سوء تفاهم للقيام بإزالتها, وأن بينهم وكثيراً من المحبين للإنسانية. ولا أريد أن أسكت عن هذا, محاولة منا أن أخفي الحقيقة. وأني أرجو أن تتسع حقوق القبيلة اليهودية اتساعاً كبيراً وعلى الأقل بقدر الإمكان, وبقدر ما يثبت اليهود استطاعتهم الاستفادة بهذه الحقوق دون أن يحلقوا أضراراً بالسكان الأصليين. إني أرجو ذلك كي لا تفتر معنويات أولئك البعض النافعين من اليهود والمحبين للإنسانية, ولأضعاف تحفظاتهم –إلى حد ما- وكي يسجل لهم أن يشرعوا في العمل.

وبوسعنا من الجانب الروسي أن نقطع سلفاً خطوات أكثر إلى الأمام. وهنا يكمن أن تتخلص المسألة فقط فيما يلي: هل سوف يتسنى لأولئك البعض الجدد الطيبين من اليهود أن ينهضوا بأعمال كثيرة؟ وإلى أي حد هم قادرون على تحقيق القضية الرائعة الجديدة, قضية الاندماج الأخوي الحقيقي مع قوم مختلفين معهم في الدين والدم؟

-------------------------------------------------------------------

(*) جيد (بتعطيش الجيم)- تطلق على اليهود في روسيا بهدف التحقير.
(1) هذه هي الفكرة الأساسية للبورجوازية التي أحلت قيمتها محل النظام العالمي في نهاية القرن الماضي والتي غدت فكرة جوهرية لهذا القرن في العالم الأوربي بأسرة (تعليق دوستويفسكي)

(2) وهكذا توقع دوستويفسكي قيام دولة إسرائيل منذ مائة سنة. حيث كتب هذا المقال عام 1877.