الاثنين، 4 سبتمبر 2023

أقوال علماء أهل السنة في جواز عمل المولد النبوي الشريف

 أدلة جواز الاحتفال بمولد النبي صلّى الله عليه وسلّم


وأقوال أهل السنة في جواز عمل المولد النبوي الشريف
للعلامة السيد الدكتور محمد المالكي
فقد كثر الكلام عن حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وما كنت أود أن أكتب شيئاً في هذا الموضوع وذلك لأن ما شغل ذهني وذهن العقلاء من المسلمين اليوم هو أكبر من هذه القضية الجانبية التي صار الكلام عنها أشبه ما يكون بالحولية التي تُقرأ في كل موسم وتُنشر في كل عام حتى ملّ الناس سماع مثل هذا الكلام، لكن لما أحب كثير من الإخوان أن يعرفوا رأيي بالخصوص في هذا المجال، وخوفاً من أن يكون ذلك من كتم العلم أقدمت على المشاركة في الكتابة عن هذا الموضوع سائلين من المولى عزوجل أن يلهم الجميع الصواب آمين .
وقبل أن أسرد الأدلة على جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والاجتماع عليه أحب أن أبين المسائل الآتية:
الأولى: أننا نقول بجواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والاجتماع لسماع سيرته والصلاة والسلام عليه وسماع المدائح التي تُقال في حقه، وإطعام الطعام وإدخال السرور على قلوب الأمة .
الثانية: أننا لا نقول بسنية الاحتفال بالمولد المذكور في ليلة مخصوصة بل من اعتقد ذلك فقد ابتدع في الدين، لأن ذكره صلّىالله عليه وسلّم والتعلق به يجب أن يكون في كل حين، ويجب أن تمتلئ به النفوس .
نعم: إن في شهر ولادته يكون الداعي أقوي لإقبال الناس واجتماعهم وشعورهم الفياض بارتباط الزمان بعضه ببعض، فيتذكرون بالحاضر الماضي وينتقلون من الشاهد إلى الغائب .
الثالثة: أن هذه الاجتماعات هي وسيلة كبرى للدعوة إلى الله، وهي فرصة ذهبية لا تفوت، بل يجب على الدعاة والعلماء أن يذّكروا الأمة بالنبي صلّىالله عليه وسلّم بأخلاقه وآدابه وأحواله وسيرته ومعاملته وعبادته، وأن ينصحوهم ويرشدوهم إلى الخير والفلاح ويحذّروهم من البلاء والبدع والشر والفتن، وإننا دائما ندعو إلى ذلك ونشارك في ذلك ونقول للناس: ليس المقصود من هذه الاجتماعات مجرد الاجتماعات والمظاهر، بل هذه وسيلة شريفة إلى غاية شريفة وهي كذا وكذا، ومن لم يستفد شيئا لدينه فهو محروم من خيرات المولد الشريف .
أدلة جواز الاحتفال بمولد النبي صلّىالله عليه وسلّم
الأول: أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى صلّىالله عليه وسلّم، وقد انتفع به الكافر .
وسيأتي في الدليل التاسع مزيد بيان لهذه المسألة، لأن أصل البرهان واحد وإن اختلفت كيفية الاستدلال وقد جرينا على هذا المنهج في هذا البحث وعليه فلا تكرار
فقد جاء في البخاري أنه يخفف عن أبي لهب كل يوم الاثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لما بشّرته بولادة المصطفى صلّىالله عليه وسلّم .
ويقول في ذلك الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي
إذا كان هذا كافـراً جاء ذمـه بتبّت يداه في الجحيم مخلّدا
أتى أنه في يوم الاثنين دائـمـا يُخفّف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي كان عمره بأحمد مسرورا ومات موحّدا
وهذه القصة رواها البخاري في الصحيح في كتاب النكاح مرسلة ونقلها الحافظ ابن حجر في الفتح ورواها الإمام عبدالرزاق الصنعاني في المصنف والحافظ البيهقي في الدلائل وابن كثير في السيرة النبوية من البداية ومحمد ابن عمر بحرق في حدائق الأنوار والحافظ البغوي في شرح السنة وابن هشام والسهيلي في الروض الأُنُف والعامري في بهجة المحافل، وهي وإنْ كانت مرسلة إلا أنها مقبولة لأجل نقل البخاري لها واعتماد العلماء من الحفاظ لذلك ولكونها في المناقب والخصائص لا في الحلال والحرام، وطلاب العلم يعرفون الفرق في الاستدلال بالحديث بين المناقب والأحكام، وأما انتفاع الكفار بأعمالهم ففيه كلام بين العلماء ليس هذا محل بسطه، والأصل فيه ما جاء في الصحيح من التخفيف عن أبي طالب بطلب من الرسول صلّىالله عليه وسلّم .
الثاني: أنه صلّىالله عليه وسلّم كان يعظّم يوم مولده، ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه، وتفضّله عليه بالجود لهذا الوجود، إذ سعد به كل موجود، وكان يعبّر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في الحديث عن أبي قتادة: أن رسول الله صلّىالله عليه وسلّم سُئل عن صيام يوم الاثنين ؟ فقال (فيه وُلدتُ وفيه أُنزل عليَّ ) رواه الإمام مسلم في الصحيح في كتاب الصيام .
وهذا في معنى الاحتفال به، إلاّ أن الصورة مختلفة ولكن المعنى موجود سواء كان ذلك بصيام أو إطعام طعام أو اجتماع على ذكر أو صلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم أو سماع شمائله الشريفة .
الثالث: أن الفرح به صلّى الله عليه وسلّم مطلوب بأمر القرآن من قوله تعالى ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ) فالله تعالى أمرنا أن نفرح بالرحمة، والنبي صلّى الله عليه وسلّم أعظم الرحمة، قال الله تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) .
الرابع: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت، فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لتذكّرها وتعظيم يومها لأجلها ولأنه ظرف لها .
وقد أصّل صلّى الله عليه وسلّم هذه القاعدة بنفسه كما صرح في الحديث الصحيح أنه صلّىالله عليه وسلّم: لما وصل المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء سأل عن ذلك فقيل له: إنهم يصومون لأن الله نجّى نبيهم وأغرق عدوهم فهم يصومونه شكرا لله على هذه النعمة، فقال صلّى الله عليه وسلّم: نحن أولى بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه .
الخامس: أن المولد الشريف يبعث على الصلاة والسلام المطلوبين بقوله تعالى: ( إن الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما ) .
وما كان يبعث على المطلوب شرعاً فهو مطلوب شرعاً، فكم للصلاة عليه من فوائد نبوية، وإمدادات محمدية، يسجد القلم في محراب البيان عاجزاً عن تعداد آثارها ومظاهر أنوارها .
السادس: أن المولد الشريف يشتمل على ذكر مولده الشريف ومعجزاته وسيرته والتعريف به، أولسنا مأمورين بمعرفته ومطالبين بالاقتداء به والتأسّي بأعماله والإيمان بمعجزاته والتصديق بآياته ؟ وكتب المولد تؤدي هذا المعنى تماما .
السابع: التعرّض لمكافأته بأداء بعض ما يجب له علينا ببيان أوصافه الكاملة وأخلاقه الفاضلة، وقد كان الشعراء يفدون إليه صلّىالله عليه وسلّم بالقصائد ويرضى عملهم، ويجزيهم على ذلك بالطيبات والصلات، فإذا كان يرضى عمن مدحه فكيف لا يرضى عمن جمع شمائله الشريفة، ففي ذلك التقرب له عليه السلام باستجلاب محبته ورضاه .
الثامن: أن معرفة شمائله ومعجزاته وإرهاصاته تستدعي كمال الإيمان به عليه الصلاة والسلام، وزيادة المحبة، إذ الإنسان مطبوع على حب الجميل، ولا أجمل ولا أكمل ولا أفضل من أخلاقه وشمائله صلّىالله عليه وسلّم، وزيادة المحبة وكمال الإيمان مطلوبان شرعاً، فما كان يستدعيهما فهو مطلوب كذلك .
التاسع: أن تعظيمه صلّىالله عليه وسلّم مشروع، والفرح بيوم ميلاده الشريف بإظهار السرور وصنع الولائم والاجتماع للذكر وإكرام الفقراء من أظهر مظاهر التعظيم والابتهاج والفرح والشكر لله بما هدانا لدينه القويم وما منّ به علينا من بعثه عليه أفضل الصلاة والتسليم .
العاشر: يؤخذ من قوله صلّىالله عليه وسلّم في فضل يوم الجمعة وعدِّ مزاياه: ( وفيه خُلق آدم ) تشريف الزمان الذي ثبت أنه ميلاد لأي نبيٍّ كان من الأنبياء عليهم السلام، فكيف باليوم الذي وُلد فيه أفضل النبيين وأشرف المرسلين .
ولا يختص هذا التعظيم بذلك اليوم بعينه بل يكون له خصوصاً، ولنوعه عموماً مهما تكرر كما هو الحال في يوم الجمعة شُكراً للنعمة وإظهاراً لمزية النبوة وإحياءً للحوادث التاريخية الخطيرة ذات الإصلاح المهم في تاريخ الإنسانية وجبهة الدهر وصحيفة الخلود، كما يؤخذ تعظيم المكان الذي وُلد فيه نبيٌّ من أمر جبريل عليه السلام النبيَّ صلّىالله عليه وسلّم بصلاة ركعتين ببيت لحم، ثم قال له: ( أتدري أين صلّيت ؟ قال: لا، قال: صلّيتَ ببيت لحم حيث وُلد عيسى ) كما جاء ذلك في حديث شداد بن أوس الذي رواه البزّار وأبو يعلى والطبراني . قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: ورجاله رجال الصحيح، وقد نقل هذه الرواية الحافظ ابن حجر في الفتح وسكت عنها .
الحادي عشر: أن المولد أمرٌ استحسنه العلماء والمسلمون في جميع البلاد، وجرى به العمل في كل صقع فهو مطلوب شرعاً للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود رضي الله عنه الموقوف ( ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح ) أخرجه أحمد .
الثاني عشر: أن المولد اشتمل على اجتماع وذكر وصدقة ومدح وتعظيم للجناب النبوي فهوسنة، وهذه أمور مطلوبة شرعاً وممدوحة وجاءت الآثار الصحيحة بها وبالحثّ عليها .
الثالث عشر: أن الله تعالى قال: ( وكلاًّ نقصُّ عليك من أنباء الرسل ما نثبّت به فؤادك ) فهذا يظهر منه أن الحكمة في قصّ أنباء الرسل عليهم السلام تثبيت فؤاده الشريف بذلك ولا شك أننا اليوم نحتاج إلى تثبيت أفئدتنا بأنبائه وأخباره أشد من احتياجه هو صلّىالله عليه وسلّم .
الرابع عشر: ليس كل ما لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول فهو بدعة منكرة سيئة يحرم فعلها ويجب الإنكار عليها بل يجب أن يعرض ما أحدث على أدلة الشرع فما اشتمل على مصلحة فهو واجب، أو على محرّم فهو محرّم، أو على مكروه فهو مكروه، أو على مباح فهو مباح، أو على مندوب فهو مندوب، وللوسائل حكم المقاصد، ثم قسّم العلماء البدعة إلى خمسة أقسام:
واجبة: كالرد على أهل الزيغ وتعلّم النحو .
ومندوبة: كإحداث الربط والمدارس، والأذان على المنائر وصنع إحسان لم يعهد في الصدر الأول .
ومكروه: كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف .
ومباحة: كاستعمال المنخل، والتوسع في المأكل والمشرب .
ومحرمة: وهي ما أحدث لمخالفة السنة ولم تشمله أدلة الشرع العامة ولم يحتو على مصلحة شرعية .
الخامس عشر: فليست كل بدعة محرّمة، ولو كان كذلك لحرُم جمع أبي بكر وعمر وزيد رضي الله عنهم القرآن وكتبه في المصاحف خوفاً على ضياعه بموت الصحابة القراء رضي الله عنهم، ولحرم جمع عمر رضي الله عنه الناس على إمام واحد في صلاة القيام مع قوله ( نعمت البدعة هذه ) وحرم التصنيف في جميع العلوم النافعة ولوجب علينا حرب الكفار بالسهام والأقواس مع حربهم لنا بالرصاص والمدافع والدبابات والطيارات والغواصات والأساطيل، وحرم الأذان على المنائر واتخاذ الربط والمدارس والمستشفيات والإسعاف ودار اليتامى والسجون، فمن ثَم قيّد العلماء رضي الله عنهم حديث (كل بدعة ضلالة ) بالبدعة السيئة، ويصرّح بهذا القيد ما وقع من أكابر الصحابة والتابعين من المحدثات التي لم تكن في زمنه صلّىالله عليه وسلّم، ونحن اليوم قد أحدثنا مسائل كثيرة لم يفعلها السلف وذلك كجمع الناس على إمام واحد في آخر الليل لأداء صلاة التهجد بعد صلاة التراويح، وكختم المصحف فيها وكقراءة دعاء ختم القرآن وكخطبة الإمام ليلة سبع وعشرين في صلاةالتهجد وكنداء المنادي بقوله ( صلاة القيام أثابكم الله ) فكل هذا لم يفعله النبي صلّىالله عليه وسلّم ولا أحد من السلف فهل يكون فعلنا له بدعة ؟
السادس عشر: فالاحتفال بالمولد وإن لم يكن في عهده صلّى الله عليه وسلّم فهو بدعة، ولكنها حسنة لاندراجها تحت الأدلة الشرعية، والقواعد الكلية، فهي بدعة باعتبار هيئتها الاجتماعية لا باعتبار أفرادها لوجود أفرادها في العهد النبوي عُلم ذلك في الدليل الثاني عشر .
السابع عشر: وكل ما لم يكن في الصدر الأول بهيئته الاجتماعية لكن أفراده موجودة يكون مطلوباً شرعاً، لأن ما تركّب من المشروع فهو مشروع كما لا يخفى .
الثامن عشر: قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: ما أحدث وخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً فهو البدعة الضالة، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئاً من ذلك فهو المحمود .ا.هـ .
وجرى الإمام العز بن عبد السلام والنووي كذلك وابن الأثير على تقسيم البدعة إلى ما أشرنا إليه سابقاً .
التاسع عشر: فكل خير تشمله الأدلة الشرعية ولم يقصد بإحداثه مخالفة الشريعة ولم يشتمل على منكر فهو من الدين .
وقول المتعصب إن هذا لم يفعله السلف ليس هو دليلاً له بل هو عدم دليل كما لا يخفى على مَن مارس علم الأصول، فقد سمى الشارع بدعة الهدى سنة ووعد فاعلها أجراً فقال عليه الصلاة والسلام: ( مَنْ سنّ في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كُتب له مثل أجر مَن عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ) .
العشرون: أن الاحتفال بالمولد النبوي إحياء لذكرى المصطفى صلّىالله عليه وسلّم وذلك مشروع عندنا في الإسلام، فأنت ترى أن أكثر أعمال الحج إنما هي إحياء لذكريات مشهودة ومواقف محمودة فالسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والذبح بمنى كلها حوادث ماضية سابقة، يحيي المسلمون ذكراها بتجديد صُوَرِها في الواقع والدليل على ذلك قوله تعالى: ( وأذِّن في الناس بالحج ) وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ( وأرنا مناسكنا ) .
الحادي والعشرون: كل ما ذكرناه سابقا من الوجوه في مشروعية المولد إنما هو في المولد الذي خلا من المنكرات المذمومة التي يجب الإنكار عليها، أما إذا اشتمل المولد على شئ مما يجب الإنكار عليه كاختلاط الرجال بالنساء وارتكاب المحرمات وكثرة الإسراف مما لا يرضى به صاحب المولد صلّىالله عليه وسلّم فهذا لاشك في تحريمه ومنعه لما اشتمل عليه من المحرمات لكن تحريمه حينئذ يكون عارضيا لا ذاتيا كما لايخفى على مَن تأمّل ذلك
رأي الشيخ ابن تيمية في المولد
يقول: قد يُثاب بعض الناس على فعل المولد، وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام وإما محبة للنبي صلّىالله عليه وسلّم وتعظيما له، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع .
ثم قال: واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير لاشتماله على أنواع من المشروع، وفيه أيضاً شر من بدعة وغيرها فيكون ذلك العمل شراً بالنسبة إلى الإعراض عن الدين بالكلية كحال المنافقين والفاسقين .
وهذا قد ابتلي به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة، فعليك هنا بأدبين:
أحدهما: أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطناً وظاهراً في خاصتك وخاصة من يطيعك واعرف المعروف وأنكر المنكر .
الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان، فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه فلا تَدْعُ إلى ترك المنكر بفعل ما هو أنكر منه أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه، ولكن إذا كان في البدعة نوع من الخير فعوّض عنه من الخير المشروع بحسب المكان، إذ النفوس لا تترك شيئاً إلا بشئ ولا ينبغي لأحد أن يترك خيراً إلا إلى مثله أو إلى خير منه .
ثم قال: فتعظيم المولد واتخاذه موسماً قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلّىالله عليه وسلّم كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد، ولهذا قيل للإمام أحمد عن بعض الأمراء إنه أنفق على مصحف ألف دينار ونحو ذلك فقال: دعه فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب، أو كما قال، مع أن مذهبه: أن زخرفة المصاحف مكروهة، وقد تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجديد الورق والخط، وليس مقصود الإمام أحمد هذا وإنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة وفيه أيضاً مفسدة كُره لأجلها .
مفهوم المولد في نظري
إننا نرى أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ليست له كيفية مخصوصة لابد من الالتزام أو إلزام الناس بها، بل إن كل ما يدعو إلى الخير ويجمع الناس على الهدى و يرشدهم إلى ما فيه منفعتهم في دينهم ودنياهم يحصل به تحقيق المقصود من المولد النبوي .
ولذلك فلو اجتمعنا على شئ من المدائح التي فيها ذكر الحبيب صلّىالله عليه وسلّم وفضله وجهاده وخصائصه ولم نقرأ القصة التي تعارف الناس على قراءتها واصطلحوا عليها حتى ظن البعض أن المولد النبوي لا يتم إلا بها، ثم استمعنا إلى ما يلقيه المتحدثون من مواعظ وإرشادات وإلى ما يتلوه القارئ من آيات .
أقول: لو فعلنا ذلك فإن ذلك داخل تحت المولد النبوي الشريف ويتحقق به معنى الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وأظن أن هذا المعنى لا يختلف عليه اثنان ولا ينتطح فيه عنـزان .
القيام في المولد
أما القيام في المولد النبوي عند ذكر ولادته صلّى الله عليه وسلّم وخروجه إلى الدنيا، فإن بعض الناس يظن ظناً باطلاً لا أصل له عند أهل العلم فيما أعلم بل عند أجهل الناس ممن يحضر المولد ويقوم مع القائمين، وذاك الظن السيء هو أن الناس يقومون معتقدين أن النبي صلّىالله عليه وسلّم يدخل إلى المجلس في تلك اللحظة بجسده الشريف، ويزيد سوء الظن ببعضهم فيرى أن البخور والطيب له وأن الماء الذي يوضع في وسط المجلس ليشرب منه .
وكل هذه الظنون لا تخطر ببال عاقل من المسلمين، وإننا نبرأ إلى الله من كل ذلك لما في ذلك من الجراءة على مقام رسول الله صلّىالله عليه وسلّم والحكم على جسده الشريف بما لايعتقده إلا ملحد مفتر وأمور البرزخ لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى .
والنبي صلّىالله عليه وسلّم أعلى من ذلك وأكمل وأجل من أن يُقال في حقه إنه يخرج من قبره ويحضر بجسده في مجلس كذا في ساعة كذا .
أقول: هذا افتراء محض وفيه من الجراءة والوقاحة والقباحة ما لا يصدر إلا من مبغض حاقد أو جاهل معاند .
نعم إننا نعتقد أنه صلّىالله عليه وسلّم حيٌّ حياة برزخية كاملة لائقة بمقامه، وبمقتضى تلك الحياة الكاملة العليا تكون روحه صلّىالله عليه وسلّم جوّالة سيّاحة في ملكوت الله سبحانه وتعالى ويمكن أن تحضر مجالس الخير ومشاهد النور والعلم، وكذلك أرواح خُلّص المؤمنين من أتباعه، وقد قال الإمام مالك: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت .
وقال سلمان الفارسي: أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت . (كذا في الروح لابن القيم )
إذا علمت هذا فاعلم أن القيام في المولد النبوي ليس بواجب ولا سنة ولا يصح اعتقاد ذلك أبداً، وإنما هي حركة يعبّر بها الناس عن فرحهم وسرورهم فإذا ذكر أنه صلّى الله عليه وسلّم ولد وخرج إلى الدنيا يتصور السامع في تلك اللحظة أن الكون كله يهتز فرحاً وسروراً بهذه النعمة فيقوم مظهراً لذلك الفرح والسرور معبّراً عنه، فهي مسألة عادية محضة لادينية، إنها ليست عبادة ولا شريعة ولا سنة وما هي إلا أنْ جرت عادة الناس بها
استحسان العلماء لقيام المولد وبيان وجوهه
واستحسن ذلك من استحسنه من أهل العلم، وقد أشار إلى ذلك البرزنجي مؤلف أحد الموالد بنفسه إذ قال بالنّص: ( وقد استحسن القيام عند ذكر مولده الشريف أئمةٌ ذوو رواية ورويّه، فطوبى لمن كان تعظيمه صلّىالله عليه وسلّم غاية مرامه ومرماه )، ونعني بالاستحسان للشئ هنا كونه جائزاً من حيث ذاته وأصله ومحموداً مطلوباً من حيث بواعثه وعواقبه، لا بالمعنى المصطلح عليه في أصول الفقه، وأقل الطلاب علماً يعرف أن كلمة (استحسن) يجري استعمالها في الأمور العادية المتعارف عليها بين الناس فيقولون: استحسنت هذا الكتاب وهذا الأمر مستحسن واستحسن الناس هذه الطريقة، ومرادهم بذلك كله هو الاستحسان العادي اللغوي وإلا كانت أمور الناس أصولاً شرعية ولا يقول بهذا عاقل أو مَن عنده أدنى إلمام بالأصول .
وجوه استحسان القيام
الوجه الأول: أنه جرى عليه العمل في سائر الأقطار والأمصار واستحسنه العلماء شرقاً وغرباً، والقصد به تعظيم صاحب المولد الشريف صلّىالله عليه وسلّم، وما استحسنه المسلمون فهو عند الله حسن، وما استقبحوه فهو عند الله قبيح كما تقدم في الحديث .
الوجه الثاني: أن القيام لأهل الفضل مشروع ثابت بالأدلة الكثيرة من السنة، وقد ألف الإمام النووي في ذلك جزءاً مستقلاً وأيّده ابن حجر وردّ على ابن الحاج الذي ردّ عليه بجزء آخر سّماه رفع الملام عن القائل باستحسان القيام .
الوجه الثالث: ورد في الحديث المتفق عليه قوله صلّى الله عليه وسلّم للأنصار ( قوموا إلى سيدكم ) وهذا القيام كان تعظيماً لسيدنا سعد رضي الله عنه ولم يكن من أجل كونه مريضاً وإلا لقال قوموا إلى مريضكم ولم يقل إلى سيدكم ولم يأمر الجميع بالقيام بل كان قد أمر البعض .
الوجه الرابع: كان من هدي النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يقوم تعظيماً للداخل عليه وتأليفاً كما قام لابنته السيدة فاطمة وأقرّها على تعظيمها له بذلك، وأمر الأنصار بقيامهم لسيدهم فدلّ ذلك على مشروعية القيام، وهو صلّىالله عليه وسلّم أحق من عظّم لذلك .
الوجه الخامس: قد يقال إن ذلك في حياته وحضوره صلّى الله عليه وسلّم، وهو في حالة المولد غير حاضر، فالجواب عن ذلك أن قارئ المولد الشريف مستحضر له صلّى الله عليه وسلّم بتشخيص ذاته الشريفة، وهذا التصور شئ محمود ومطلوب بل لابد أن يتوفر في ذهن المسلم الصادق في كل حين ليكمل اتباعه له صلّى الله عليه وسلّم وتزيد محبته فيه صلّى الله عليه وسلّم ويكون هواه تبعاً لما جاء به .
فالناس يقومون احتراماً وتقديراً لهذا التصور الواقع في نفوسهم عن شخصية ذلك الرسول العظيم مستشعرين جلال الموقف وعظمة المقام وهو أمر عادي – كما تقدم – ويكون استحضار الذاكر ذلك موجباً لزيادة تعظيمه صلّى الله عليه وسلّم .
الكتب المصنفة في هذا الباب
الكتب المصنفة في هذا الباب كثيرة جداً، منها المنظوم ومنها المنثور ومنها المختصر والمطول والوسط، ولا نريد في هذه العجالة الموجزة أن نستوعب ذكر ذلك كله لكثرته وسعته، وكذلك لا نستطيع أن نقتصر على ذكر شئ من ذلك على وجه الإجمال، لأنه ليس مصنف أولى من مصنف في تقديم ذكره، وإن كان لابد أن يكون بعضها أفضل وأجلّ من بعض، ولذلك فإني سأقتصر هنا على ذكر كبار علماء الأمة من الحفّاظ الأئمة الذين صنّفوا في هذا الباب وظهرت لهم موالد مشهورة معروفة
فمنهم الحافظ محمد بن أبي بكر بن عبدالله القيسي الدمشقي الشافعي المعروف بالحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي المولود سنة (777 هـ) والمتوفَّى سنة (842 هـ) قال عنه الحافظ ابن فهد في لحظ الألحاظ ذيل تذكرة الحفاظ صفحة 319: هو إمام حافظ مفيد مؤرخ مجيد له الذهن الصافي السالم الصحيح والخط الجيد المليح على طريقة أهل الحديث، وقال: كتب الكثير وعلّق وحشّى وأثبت وطبق وبرز على أقرانه وتقدم وأفاد كل مَن إليه يمّم .
وقد تولّى مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق، وقال عنه الإمام السيوطي: صار محدّث البلاد الدمشقية، وقال الشيخ محمد زاهد في تعليقه على ذيل الطبقات: قال الحافظ جمال الدين بن عبدالهادي الحنبلي في الرياض اليانعة لما ترجم لابن ناصر الدين المذكور: كان معظِّماً للشيخ ابن تيمية محباً له مبالغاً في محبته .ا.هـ . قلت: وقد ذكر له ابن فهد مؤلفاً يُسمى ( الرد الوافر على مَن زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الاسلام كافر ) قلت: هذا الإمام قد صنف في المولد الشريف أجزاء عديدة، فمن ذلك ما ذكره صاحب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون صفحة 319 وجامع الآثار في مولد النبي المختار في ثلاث مجلدات واللفظ الرائق في مولد خير الخلائق وهو مختصر .ا.هـ. وقال ابن فهد وله أيضاً مورد الصادي في مولد الهادي .
ومن أولئك الحافظ عبدالرحيم بن الحسين بن عبدالرحمن المصري الشهير بالحافظ العراقي المولود سنة 725 هـ والمتوفَّى سنة 808 هـ .
وهو الإمام الكبير الشهير أبو الفضل زين الدين وحيد عصره وفريد دهره حافظ الإسلام وعمدة الأنام العلاّمة الحجة الحبر الناقد مَن فاق بالحفظ والاتقان في زمانه وشهد له بالتفرد في فنه أئمة عصره وأوانه، برع في الحديث والإسناد والحفظ والإتقان، وصار المشار إليه في الديار المصرية بالمعرفة، وماذا أقول في إمام كهذا وبحر خضم وفحل من فحول السنة وطود عظيم من أركان هذا الدين الحنيف، ويكفينا قبول الناس لقوله في الحديث والإسناد والمصطلح ورجوعهم إليه إذا قيل العراقي، وألفيته في هذا الباب عليها الاعتماد ويعرفه فضلاً وعلماً كل مَن له أدنى معرفة وصِلة بالحديث، إن هذا الإمام قد صنّف مولداً شريفاً أسماه (المورد الهني في المولد السني ) ذكره ضمن مؤلفاته غير واحد من الحفاظ مثل ابن فهد والسيوطي في ذيولهما على التذكرة .
ومن أولئك الحافظ محمد بن عبدالرحمن بن محمد القاهري المعروف بالحافظ السخاوي المولود سنة 831هـ والمتوفَّى سنة 902هـ بالمدينة المنورة، وهو المؤرخ الكبير والحافظ الشهير ترجمه الإمام الشوكاني في البدر الطالع وقال: هو من الأئمة الأكابر، وقال ابن فهد: لم ارَ في الحفاظ المتأخرين مثله، وهوله اليد الطولى في المعرفة وأسماء الرجال وأحوال الرواة والجرح والتعديل وإليه يُشار في ذلك، حتى قال بعض العلماء: لم يأتِ بعد الحافظ الذهبي مثله سلك هذا المسلك وبعده مات فن الحديث، وقال الشوكاني: ولو لم يكن له من التصنيف إلا الضوء اللامع لكان أعظم دليل على إمامته، قلت: وقد قال في كشف الظنون: إن للحافظ السخاوي جزءاً في المولد الشريف صلّىالله عليه وسلّم .
ومن أولئك الحافظ المجتهد الإمام ملا علي قاري بن سلطان بن محمد الهروي المتوفى سنة 1014هـ صاحب شرح المشكاة وغيرها .
ترجمه الشوكاني في البدر الطالع وقال: قال العصامي في وصفه هو الجامع للعلوم النقلية والمتضلّع من السنة النبوية أحد جماهير الأعلام ومشاهير أولي الحفظ والأفهام، ثم قال: لكنه امتحن بالاعتراض على الأئمة لاسيما الشافعي ا.هـ. ثم تكلف الشوكاني وقام يدافع وينافح عن ملا علي قاري بعد سوقه كلام العصامي، فقال: أقول هذا دليل على علو منـزلته فإن المجتهد شأنه أن يبين ما يخالف الأدلة الصحيحة ويعترضه سواء كان قائله عظيماً أو حقيراً، تلك شكاة ظاهر عنك عارها
قلت: هذا الإمام المحدّث المجتهد الذي ترجم له الشوكاني الذي قالوا عنه إنه مجتهد ومحدّث قد صنّف في مولد الرسول صلّىالله عليه وسلّم كتاباً قال صاحب كشف الظنون: واسمه ( المورد الروي في المولد النبوي) قلت: وقد حقّقتُهُ بفضل الله وعلّقتُ عليه وطبعته لأول مرة .
ومن أولئك الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير صاحب التفسير .
قال الذهبي في المختص: الإمام المفتي المحدّث البارع ثقة متفنن محدّث متقن .ا.هـ . وترجمه الشهاب احمد بن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة في صفحة 374 جاء منها: أنه اشتغل بالحديث مطالعة في متونه ورجاله، وقال: وأخذ عن ابن تيمية ففتن بحبه وامتحن لسببه، وكان كثير الاستحضار حسن المفاكهة، سار تصانيفه في البلاد في حياته وانتفع بها الناس بعد وفاته سنة 744هـ وقد صنّف الإمام ابن كثير مولداً نبوياً طُبع أخيراً بتحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد .
ومن أولئك الحافظ وجيه الدين عبدالرحمن بن علي بن محمد الشيباني اليمني الزبيدي الشافعي (المعروف بابن الديبع، والديبع بمعنى الأبيض بلغة السودان هو لقب لجده الأعلى علي بن يوسف) ولد في المحرم سنة 866هـ وتوفي يوم الجمعة ثاني عشر من رجب الفرد سنة 944هـ وكان رحمه الله أحد أئمة الزمان، إليه انتهت مشيخة الحديث، حدّث بالبخاري أكثر من مائة مرة وقرأه مرة في ستة أيام .
وقد صنّف مولداً نبوياً مشهوراً في كثير من البلاد وقد حقّقناه وعلّقنا عليه وخرّجنا أحاديثه بفضل الله . —

الأحد، 3 سبتمبر 2023

تكفير صريح واضح من ربيع المدخلي لجميع حكام المسلمين باستثناء حكام المملك...





تكفير صريح واضح من ربيع المدخلي لجميع حكام المسلمين باستثناء حكام المملكة المسعودة... كل حكام الاسلام الان اما رافضي أما باطني إما علماني ... تكفير صريح واضح من ربيع بن هادي المدخلي لجميع حكام المسلمين باستثناء حكام المملكة المسعودة... ردوها على ربيع إن استطعتم ...!!! ماذا لو قالها غير ربيع من الدعاة و المشايخ هل كنتم لتسكتوا عنه...؟؟؟ اليس هذا الكلام هو عين الخارجية والتkفير؟؟ ولا كلام ربيع هذا صحيح وبالتالي لا داعي للانكار على مخالفيكم بصفة عامة ودوAعش وووو...؟؟؟ ما الفرق بين كلام ربيع هذا وكلام دوAعش ؟؟؟ نبئوني بعلم إن كنتم صادقين .... (ﺇِﺫَﺍ ﺳَﺮَﻕَ ﻓِﻴﻬِﻢُ ﺍﻟﺸَّﺮِﻳﻒُ ، ﺗَﺮَﻛُﻮﻩُ ، ﻭَﺇِﺫَﺍ ﺳَﺮَﻕَ ﻓِﻴﻬِﻢُ ﺍﻟﻀَّﻌِﻴﻒُ ، ﺃَﻗَﺎﻣُﻮﺍ ﻋَﻠَﻴْﻪِ ﺍﻟْﺤَﺪَّ) ! يا ويله ثم يا ويله ثم يا ويله لو كان قد صدر -عشر معشاره- من غير الشيخ ربيع !!!! أسأل الله أن يطهر الأرض من هذا الفكر الدخيل، ويريح الأمة الإسلامية من فتنته! https://www.facebook.com/fatwa0/posts/pfbid02GFVCmeFjjGpHKa5v63uFruNNTaCS7hnqKHTWHcn5jamgmxaHkSZtUKgy9NC5dEFsl


السبت، 2 سبتمبر 2023

نصوص تكفير الوهابية في الدرر السنية :

 أفيقوا



د مصطفى القليوبي
نصوص تكفير الوهابية في الدرر السنية :
جاء في (الدرر السنية 1/158-160, 266) :
(حتى قلع –أي ابن عبد الوهاب- الشرك من نجد بعد أن شاد، وأطد الإسلام فاستضاء به الحاضر والباد ....
فاعلم أرشدك الله أن الشرك هو الذي ملأ الأرض، ويسمونه الناس: الاعتقاد في الصالحين....
وعلمت ما عليه أكثر الناس: علمت أنهم أعظم كفرا وشركا من المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.....
وإلا فنحن قبل ذلك على ما عليه غالب الناس من الشرك بالله..... )
ومعنى الاعتقاد في الصالحين هو التبرك والتوسل بهم
- أكثر المسلمين ارتدوا عن الإسلام! :
قال عبد الله بن حميد (الدرر 15/471) :
( لكن لما رأيت ما عم وطم، من انقلاب الأكثرين عن دين الإسلام، وموالاتهم لعبدة الأوثان...)
- ردّة كثير من المسلمين :
قال عبد الله بن حميد (الدرر 15/ 478) :
(تبين لك انحراف كثير من أهالي هذا الزمان عن الدين، وردتهم الصريحة..)
- تكفير الوهابية لمن دارى خصومهم خوفاً من القتل!
قال حفيد ابن عبد الوهاب سليمان بن عبد الله في الدرر (8/121) :
(أن الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم، خوفاً منهم ومداراة لهم، ومداهنة لدفع شرهم، فإنه كافر مثلهم، وإن كان يكره دينهم ويبغضهم، ويحب الإسلام والمسلمين )
ومقصوده بالمشركين هنا خصوم الوهابية من علماء البلاد الإسلامية , فمن قام بمداراة خصوم الوهابية خوفاً منهم فهو كافر , حتى وإن كان يُبغض دينهم ويحب الوهابية ودينهم!
- تكفير الوهابية للخلافة العثمانية حيث كانت تعاني من مؤامرات الاستعمار! :
قال عبد اللطيف بن عبد الرحمن (الدرر السنية 8/322) :
(عرف ضرر الفتن الواقعة في هذه الأزمان، بالعساكر التركية، وعرف أنها تعود على هذا الأصل الأصيل بالهدّ والهدم، والمحو بالكلية، وتقتضي ظهور الشرك والتعطيل، ورفع أعلامه الكفرية ، وأن مرتبتها من الكفر، وفساد البلاد والعباد، فوق ما يتوهمه المتوهمون، ويظنه الظانون ) .
وهذا تكفير صريح للخلافة العثمانية , التي كانت تعاني آنذاك من خنجر الغرب المسموم , ومن مآمرات الدول الأوروبية , التي كانت تعمل ليل نهار في تقويض تلك الخلافة وهدمها , وقد كان للاستعمار دور كبير في تحريك رؤوس الوهابية ضد الخلافة العثمانية .
- وصفهم جنود الخلافة العثمانية بالمشركين! :
جاء في الدرر السنية (8/347) :
(من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الابن الأخ: حسن بن عبد الله، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، يذكر لي ما كتب إليك عبد الرحمن الوهيبي من الشبهة لما ذكرت له قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [سورة النساء آية: 97] ، ونصحته عن الإقامة بين أظهر العساكر التركية، وأنه احتج عليك بأن الآية فيمن قاتل المسلمين، وقال: تجعلون إخوانكم، مثل من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ وهذا جهل منه بمعنى الآية وصريحها، ومخالفة لإجماع المسلمين وما يحتجون به، على تحريم الإقامة بين أظهر المشركين، مع العجز عن القدرة على الإنكار والتغيير) .
فهو يراهم مشركين , ويرى أن الإقامة في الديار العثمانية –وهي غالب ديار الإسلام- إقامةٌ بين أظهر المشركين!
- تكفيرهم العثمانيين , ووصف ديار الوهابية بديار المسلمين! :
( وكذلك: سبب تصنيف الشيخ حمد بن عتيق "سبيل النجاة" هو لما هجمت العساكر التركية على بلاد المسلمين، وساعدهم من ساعدهم، حتى استولوا على كثير من بلاد نجد... )
ومعلوم أن العساكر التركية هاجمت البلاد الوهابية , فانظر كيف عبّر عنها ببلاد "المسلمين"! وذلك لأنهم يرون أنّ معظم البلاد الإسلامية ليس إلا بلاد المشركين .
- تكفيرهم الدولة العثمانية , وأهل مكة المكرّمة! , وتكفير من لم يكفّرهم!! :
جاء في الدرر السنية (9/291) :
(فمن لم يكفر المشركين من الدولة التركية، وعباد القبور، كأهل مكة وغيرهم، ممن عبد الصالحين، وعدل عن توحيد الله إلى الشرك، وبدّل سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم بالبدع، فهو كافر مثلهم، وإن كان يكره دينهم، ويبغضهم، ويحب الإسلام والمسلمين ; فإن الذي لا يكفر المشركين، غير مصدق بالقرآن، فإن القرآن قد كفر المشركين، وأمر بتكفيرهم، وعداوتهم وقتالهم ) .
- تكفيرهم العساكر العثمانية والمصرية :
قال محمد بن عبد اللطيف (الدرر 10/451) :
(والفتنة التي حلت بهم، هي فتنة العساكر التركية، والمصرية، فانتثر نظام الإسلام، وشتت أنصاره وأعوانه، وارتحلت الدولة الإسلامية; وأعلن أهل النفاق بنفاقهم، فرجع من رجع إلى دين آبائه، وإلى ما كان عليه سابقا من الشرك والكفر..)
ومقصوده بالدولة الإسلامية هو الدولة الوهابية , إذ إنهم لا يعتبرون الخلافة العثمانية إسلامية , بل يرون أنّ كلّ الدول حولهم ديارٌ شركية .
- معظم المسلمين تركوا أصل الإسلام! :
قال عبد اللطيف بن عبد الرحمن (الدرر 14/189) :
(مع أنه قد اطرد القياس بفساد أكثر الناس، وتركهم من الإسلام أصله الأعظم والأساس، وكثر الاشتباه في أبواب الدين والالتباس؛ وجمهورهم عكس القضية، في مسمى الملة الإسلامية، ولم يميزوا بينها وبين الملة القرشية، والسنة الجاهلية، فهم كما وصفهم الله تعالى، بقوله:: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} [سورة الفرقان آية: 44] )
- تكفيرهم بُرَيْدة والبوادي والأعراب! :
قال عبد اللطيف بن عبد الرحمن (8/385) :
(واعلم أن الإمام سعود، قد عزم على الغزو والجهاد، وكتبت لك خطاً، فيه الإلزام بوصول الوادي، وحث من فيه من المسلمين على الجهاد في سبيل الله، واستنقاذ بلاد المسلمين من أيدي أعداء الله المشركين. وقد بلغك ما صار من صاحب بريدة، وخروجه عن طاعة المسلمين، ودخوله تحت طاعة أعداء رب العالمين، ونبذ الإسلام وراء ظهره; كذلك حال البوادي والأعراب، استخفهم الشيطان وأطاعوه، وتركوا ما كانوا عليه من الانتساب إلى الإسلام ) .
يقصد من بلاد المسلمين البلاد التي احتلها الوهابية , ويقصد بالمشركين خصومهم من المسلمين الذين يدافعون عن إسلامهم .
- تكفيرهم أهل حايل والقول بأن جهادهم من أفضل الجهاد :
جاء في (الدرر السنية 9/292) :
(وبهذا يتبين لك: أن جهاد أهل حائل، من أفضل الجهاد، ولكن لا يرى ذلك إلا أهل البصائر..) .
- تكفيرهم من يقول أنه ما زال تحت رعية العثمانيين :
جاء في الدرر السنية (9/210) :
(وأما قول السائل: إنهم يدعون أنهم رعية الأتراك، ومن الأتراك السابقين، وأنهم لم يدخلوا تحت أمر ابن سعود وطاعته، إلا مغصوبين، فهذا أيضا من أعظم الأدلة على ردتهم، وكفرهم ) .
- وجوب الهجرة إلى بلاد نجد –التي يسمونها بلاد المسلمين- :
قال حفيد ابن عبد الوهاب سليمان بن عبد الله (الدرر 8/426) :
(الهجرة من بلاد المشركين إلى بلاد الإسلام ، فرض واجب بنص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة؛ وقد فرضها الله على رسوله وأصحابه، قبل فرض الصوم والحج، كما هو مقرر في الأصول والفروع )
وقد سبق بيان أن مقصودهم بالمشركين خصومهم من المسلمين , وبالموحدين أنفسهم , ومما سبق نقله يتبيّن أن معظم البلاد الإسلامية هي عندهم بلاد المشركين , وبلادهم التي احتلوها هي بلاد المسلمين , فتجب الهجرة من جميع بلاد الإسلام -التي هي بلاد مشركين- , إلى بلاد نجد التي احتلوها -والتي هي عندهم بلاد المسلمين- , ويتّضح هذا من النقل التالي :
- وجوب الهجرة إلى ديار الوهابية :
قال محمد بن عبد اللطيف (الدرر السنية في الأجوبة النجدية 8/428) :
(من محمد بن عبد اللطيف، إلى عبد الله بن علي الزحيفي، سلام على عباد الله الصالحين. أما بعد، فقد بلغنا عنك شبهة عظيمة، وزلة وخيمة، لا تكاد تصدر ممن يدعي أنه من المسلمين، وذلك أنك تزعم أن الهجرة ليست بواجبة بل هي مستحبة، أو أنها منقطعة على الدوام، مستدلاً على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية". فليس الأمر كما زعمت، ولا ما إليه جنحت وقصدت، بل لم تفهم المراد من الحديث، والمقصود منه؛ ولكن لما غلب على قلبك من الهوى ومخالفة الحق، وما طبع عليه من الرين، بعدم الفرق بين القبيح والشين، واستحباب الحياة الدنيا وإيثارها على الآخرة، نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهدى.
فإن معنى الحديث: أن مكة لما صارت بلد إسلام، ومعقل إيمان، لم تكن الهجرة منها واجبة; وأما إذا كانت البلاد مكة فما دونها، بلاد كفر ومحل شرك، فالهجرة منها واجبة متعينة، على كل من له قدرة، بنص الكتاب والسنة، وإجماع أهل الحنيفية والملة .....
وقال الشيخ حسين بن غنام الأحسائي، رحمه الله، في العقد الثمين: وقد زعم قوم أن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام والإيمان، ليست واجبة، ولا متعينة في هذه الأزمان، وأن محكم عقدها مفسوخ، ووجوبها المستمر منسوخ، متمسكين من الدليل بما لا يروي الغليل، ولا يشفي القلب العليل ...... وليس الأمر كما زعموا، ولا المعنى كما فهموا ........
وكذلك تزعم أيضاً أنك تظهر دينك وتسب المشركين، فهذه طامة كبرى ومصيبة عظمى، قد دهى بها الشيطان كثيراً من الناس، من أشباهك وأمثالك؛ فغلطتم في إظهار الدين، وظننتم أنه مجرد الصلوات الخمس، والأذان والصوم وغير ذلك، وأنكم إذا جلستم في بعض المجالس الخاصة، قلتم: هؤلاء كفار، هؤلاء مشركون، وليس معهم من الدين شيء، وأنهم يعلمون أنا نبغضهم، وأنا على طريقة الوهابية، وتظنون أن هذا هو إظهار الدين، فأبطلتم به وجوب الهجرة , فليس الأمر كما زعمتم ......
وأنت لم تكتف بمجرد إقامتك بين أظهر المشركين، وانتقالك إليهم، بل آل بك الأمر إلى المجادلة والمخاصمة....
فتب إلى ربك واستغفر من ذنبك، وهاجر إلى الله والدار الآخرة، بالأجر العظيم والفضل العميم) .
ففي هذه الرسالة يردّ محمد بن عبد الطيف على أحد الوهابية وهو: "عبد الله بن علي الزحيفي" , في دعواه أنّ الهجرة ليست واجبة الآن , ليقررّ أن الهجرة واجبة في هذا الزمان , ولك أن تتساءل: إلى أي البلاد تجب الهجرة في ذلك الوقت.. هل هي إلى تركيا الكافرة عند الوهابية؟ أم إلى الشام التي يعبد أكثر أهلها ابن عربي؟ أم إلى الحرمين الشريفين اللذين طمّ الشرك عليهما وعمّ , وزعم ابن عبد الوهاب أن علمائهما كتبوا : "أن من أقر بالتوحيد كفر"؟ إلى أيّ الديار تجب الهجرة؟!! أليست إلى ديار ابن عبد الوهاب؟
وتأمل قوله : " وأما إذا كانت البلاد مكة فما دونها، بلاد كفر ومحل شرك، فالهجرة منها واجبة متعينة" , ففي أي وقت أصبحت مكة بلاد شرك بعد أن فتحها النبي –ص-؟ لتصبح الهجرة منها واجبة مرة أخرى؟! أليس هذا دليل ساطع على تكفيرهم أهل مكة؟ وعدّهم إياها بلاد شرك لا إسلام؟!
ومن المعلوم أنّ " عبد الله بن علي الزحيفي" الذي يردّ عليه محمد بن عبد اللطيف في هذه الرسالة , يسكن في الجزيرة العربية , فانظر كيف صرّح ابن عبد اللطيف بأن الزحيفي يقيم بين أظهر المشركين!! , وكيف أمر الزحيفي بالهجرة من بلده , فإلى أي بلاد يهاجر إذا كانت بلاد الزحيفي بلاد مشركين؟!
-مقتطفات من رسالة عبد العزيز بن سعود إلى أهل المخلاف السليماني , وما فيها من تكفير:
جاء في الدرر السنية (1/265) :
( رسالة الأمير عبد العزيز بن سعود إلى أهل المخلاف السليماني يعرفهم بدين الإسلام!
من عبد العزيز بن سعود إلى من يراه من أهل المخلاف السليماني، وفقنا الله وإياهم إلى سبيل الحق والهداية، وجنبنا وإياهم طريق الشرك والغواية ....
فلما من الله علينا بمعرفة ذلك، وعرفنا أنه دين الرسل، اتبعناه ودعونا الناس إليه، وإلا فنحن قبل ذلك على ما عليه غالب الناس، من الشرك بالله .....
حتى أظهر الله تعالى الحق بعد خفائه، وأحيا أثره بعد عفائه، على يد شيخ الإسلام، فهدى الله تعالى به من شاء من الأنام. وهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب .....
فحين كشف لنا الأمر، وعرفنا ما نحن عليه من الشرك والكفر، بالنصوص القاطعة، والأدلة الساطعة، من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلام الأئمة الأعلام الذين أجمعت الأمة على درايتهم، عرفنا أن ما نحن عليه، وما كنا ندين به أولا، أنه الشرك الأكبر، الذي نهى الله عنه وحذر، وأن الله إنما أمرنا أن ندعوه وحده لا شريك له.... ) .
تكفير واضح فاضح!
- تكفيرهم أهل عسير وكافة الحجاز واليمن :
جاء في الدرر (1/577) :
( من محمد بن عبد اللطيف، إلى من يراه، من عسير، وكافة الحجاز، واليمن، هداهم الله لدين الإسلام. وبعد: فاعلموا أن الذي نعتقده، وندين الله به، وندعو الناس إليه، ونجاهدهم عليه، هو دين الإسلام، الذي أوجبه الله على عباده )
ومعلوم أنّهم لم يقاتلوا ويقتلوا الانجليز ولا الفرنسيين , بل كان قتالهم وجهادهم ضد أهل الجزيرة العربية ومكة والمدينة واليمن والشام .

ظاهرة علماء السلطان في الميزان

 ظاهرة «علماء السَّلاطين» من أسباب تمكين الظَّلمة وتخلُّف الأمة، ومع أنَّ ظهورها قديم إلا أنَّ أثرها الكبير قد استفحل في هذا العصر بما لم يكن سابقًا، وللحدِّ من هذه الظاهرة لا بد من التَّعرف على تموضعها في بُنيان الطغيان، وبيان أسبابها وآثارها السلبية على الأمّة، لنستنبط من معرفتنا تلك أهم الآليات للحدِّ من ظهورها.

مدخل:

لا شكَّ أن شرفَ العلمِ لا يعلوه شرف، وأنَّ مكانة العالِم لا يعلوها مكانة، وقد ذكر ذلك الحقُّ سبحانه وتعالى حيث قال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]، وقال رسول الله ﷺ: (فضلُ العالِم على العابد كَفَضلي على أدناكُم)[1].

إلا أنَّ هذا الشرف قد يَضيع، وهذه المكانة قد تهوي -والعياذ بالله- إذا ابتغى العالم بعِلمِه هذا غيرَ وجهِ الله تعالى، أو جعل مِن عِلمِه هذا وسيلةً للحصول على المكاسب الدنيوية الزائلة، كالمال والجاه وغيرهما، وهذا ما يفعله علماء السلاطين.

والمقصود بعلماء السلاطين: فئة من علماء الدِّين جعلوا مِن أنفسهم مطيَّة للحاكم الظَّالم، يُعطونه الشرعية لحُكمه الظالم هذا، ويمنحونه الفتوى التي يريد، في الوقت الذي يريد.

هل هي ظاهرة حديثة؟

إنَّ ظاهرة علماء السلطان ليست حديثة، ولا وليدة هذا الزّمان، بل هي قديمة قِدَمَ التّاريخ، كما أنّها ليست حكرًا على هذه الأمة، بل موجودة في جميع الأمم، لأنّ علماء السلاطين -في كلّ زمانٍ ومكانٍ- هم ركنٌ أساسٌ من الأركان التي يقوم عليها الطُّغيان، إذ كلّ طاغيةٍ ومستبدٍ يقوم حُكمه على أركانٍ خمسةٍ[2]:

  • فالركن الأول: هو القائد الرَّمز الذي ليس له مثيل!.
  • والثاني: الجيش القوي الضارب والقبضة الحديدية.
  • والثالث: الذراع الاقتصادي الذي يعتمد عليه ويتحكم به هذا القائد.
  • والرابع: الفريق الإعلامي الذي يُلمّع هذا الحاكم ويُزَيِّنُه.
  • والخامس: المرجعية الدينية التي تعطي الشرعية لهذا الحاكم في حكمه وتصرفاته.

وأوضحُ مثال يمكن أن يُذكر في هذا المقام: دولة فرعون التي تتمثل هذه الأركان الخمسة؛ ففرعون هو القائد الرمز الذي لا يخطئ، وجيشه هو القوة الضاربة، وقارون يمثل قوته الاقتصادية، والسَّحَرة -قبل إيمانهم- هم المرجعية الدينية، والحاشرون الذين قالوا للناس: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ﴿٣٩﴾ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٣٩-٤٠] هم ذراعه الإعلامية.

أما الكهنة والرُّهبان فقد تسلّطوا على العباد واستعبدوهم، ومَكَّنوا للحاكم المُستبدّ، وإن لم يذكرهم القرآن الكريم على سبيل الخصوص، إلا أنّ هذا الدور للكهنة والرهبان كان شائعًا في الأمم السابقة. قال تعالى فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].

لم تسلم مدرسةٌ ولا تيارٌ من ظاهرة علماء السلاطين، ولم ينجُ منها الأكاديميون ولا التقليديون ولا المستقلون، ولم يخلُ منها زمان ولا مكان.

واللافت في زماننا هذا أنّ ظاهرة علماء السلاطين انتشرت أكثر من المعتاد، وزاد الأمر وتفشَّى، فالنظر في بلاد المسلمين -إلا ما رحم الله- يكشف عن اتخاذ حُكامها «جَوقةً» من العلماء الذين يُسبِّحون بحمدهم ليلَ نهار، يحبون إذا أحبَّ، ويكرهون إذا كره، يوالون مَن وَالَى، ويعادون مَن عادى. وقد زاد اهتمام الناس بهم والتعرف عليهم بسبب وسائل الإعلام سواء الموالية التي تظهر نفاقهم، أو المعادية التي تنشر فضائحهم.

كما أنَّ اللافت أيضًا أنَّ هذه الظاهرة المَقِيتة لا تكاد تسلم منها مدرسةٌ ولا تيارٌ، ولم ينجُ منها الأكاديميون ولا التقليديون ولا المستقلون، نسأل الله العفوَ والعافية.

أسباب انتشار ظاهرة علماء السلطان:

أسباب انتشار هذه الظاهرة عديدة متضافرة، ولعل معظمها أمور متعلقة بالشخص ذاته:

السبب الأول: الخَلل في التربية والتنشئة؛ فلعل بعض المدارس الدينية والمعاهد والجامعات الشرعية لم تُفلح في غرس القيم والمبادئ التي تصون العالِم حين تُسوِّدُه، وتحفظه من الانزلاق في مثل هذه المزالق الخطيرة، فكان تركيز هذه المؤسسات منصبًّا على حشو المعلومات في أذهان الطلاب دون الانتباه إلى الجانب القِيَميّ والأخلاقي الذي يحتاجه هذا الطالب في مستقبل حياته ليكون عالمًا ربّانيًا؛ فالعلماء الربانيون لا يمكن أن يكونوا علماءَ سلاطين، لأنهم لا يخافون بأسَهم، ولا تُغريهم أموالُهم ولا وظائفُهم ومناصبُهم. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].

قال ابن كثيرٍ رحمه الله في تفسير هذه الآية: “فالجَهَلةُ مِن الأحبار والرهبان ومشايخ الضَّلال يَدخلون في هذا الذمِّ والتوبيخ، بخلاف الرسل وأتباعهم مِن العلماء العاملين، فإنما يأمرون بما أمر الله به وبلغتهم إياه رسله الكرام، إنما ينهونهم عما نهاهم الله عنه وبلغتهم إياه رسلُه الكرام”[3].

السبب الثاني: تعظيمُ النَّفْس الذي يجعل صاحبه مُعتزًا بنفسه لا يقبل رأيَ غيره؛ فيرى في الحاكم ذلك الشخص المعصوم الملهم ولا يقبل نَقدَ الناس فيه، أو يشير على الحاكم برأيه وإن كان خطأ دون التفات لآراء غيره من العلماء. أو يكون تعظيمُ النفس لديه دافعًا للظنّ بأنّ نُصرة الدين محتاجةٌ إليه وإلى مَنْ معه؛ فيسوّغ لنفسه الوقوفَ مع الحاكم بغير حقّ؛ لأجل المحافظة على مركزه وقوّة جماعته.

السبب الثالث: الجبن والخوف من السلاطين، فيوافقهم على جرائمهم، تقديمًا لسلامته على مصلحة الأمة، ولذلك لمّا مدح الله تعالى الأنبياء وأتباعهم، ذكر صفةً مهمةً مِن صفاتهم وهي أنهّم لا يخشون أحدًا إلا الله، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩].

ممَّا ساعد في انتشار الفهم السَّقيم للنصوص التي تأمر بطاعة وُلاة الأمر؛ الخللُ في فهم نصوص السياسة الشرعية، ومنزلة ولي الأمر، ومهمّته، وحقوقه، وواجباته. وكذلك ضعف الوعي والافتتان بالسلاطين.

السبب الرابع: القُرب مِن السلطان، والدخولُ عليه، ومِن ثمَّ الافتتان به والوقوع في شباكه، وقد وردت بعض النصوص والآثار التي تحذر من ذلك، منها:

حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (سيكونُ أمراءُ يغْشاهم غَوَاشٍ، أو حَواشٍ من النّاس يَظلمون ويكذِبون، فمن أعانهم على ظُلمهم وصدَّقهم بِكَذبهم، فليس منّي ولا أنا مِنه، ومن لم يُصدِّقهم بِكذبهم، ولم يُعنهم على ظُلمهم، فأنا منه وهو مِنّي)[4].

وعَن حذيفةَ بنِ اليمان رضي الله عنه قال: “إيَّاكم ومواقِف الفِتن”، قيل: وما مواقِفُ الفِتن يا أبا عبدِ الله؟ قال: “أبوابُ الأمراء؛ يدخلُ أحدكم على الأمير فيصدّقه بالكذب، ويقول له ما ليس فيه”[5].

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنّه قال: “إنَّ على أبوابِ السُّلطان فتنًا كمَبَارِك الإبل، والذي نَفسي بيده لا تُصيبونَ مِن دُنياهم إلا أصابوا من دِينكم مثله”[6].

ويمكن القول إنَّ ممَّا ساعد في انتشار الفهم السقيم للنصوص التي تأمر بطاعة وُلاة الأمر؛ الخللَ في فهم السياسة الشرعية، بضوابطها الشرعية الصحيحة، ومنزلة ولي الأمر، ومهمّته، وحقوقه، وواجباته. وكذلك ضعف الوعي وسهولة الانخداع مِن قِبَل هؤلاء العلماء.

السبب الخامس: انتشارُ الطغيان المادي بين فئات المجتمع، فقد أصبح همُّ جمع المال من أجل التنعم بالترف الذي تنتجه الحضارة المادية مطلبًا للكثير من النَّاس، ومِن هؤلاء: بعض العلماء. فمن أراد أن يتنعم هو وعياله بأفضل المساكن والسيارات… وغيرها، فهو بحاجة إلى دخلٍ ماليٍ كبير، ممّا أدى إلى انزلاق بعضِ العلماء في ركب السلاطين ليستطيع تأمين متطلبات رفاهيته، وربما كان ذلك تحت ضغط الزوجة والأولاد.

ولذلك حذرنا الحقُّ سبحانه وتعالى من الركون إلى الدنيا، والتعلق بها، فقال سبحانه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ١٧٥ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥- ١٧٦].

السبب السادس: حاجةُ السلاطين لعلماء يُرَقِّعون لهم مواقفَهم وقراراتِهم، ويعطونهم الشرعية لاستمرارهم في حكمهم الظالم، فيعمدون إلى تقريب مَن باع علمَه وآخرتَه بدنياه مقابل حُطامٍ مِن الدنيا قليلٍ، وربما أسسوا لهم مجالس وهيئات، يزعمون أنها مستقلة وهي تأتمر بأمرهم، كبعض الجماعات أو المجالس العلمية الإفتائية لحكوماتهم في زماننا المعاصر.

وحكام هذا الزمان أتقنوا فنَّ اصطياد فرائسهم مِن العلماء أكثر مِن غيرهم، بل مِن هؤلاء العلماء مَن يُصنَعُ صناعةً، ويتربى على يدي الحاكم صغيرًا حتى ينتفع به كبيرًا، ولذلك سيطر الحكام -في كثيرٍ من بلادنا العربية- على المدارس والمؤسسات التعليمية الدينية سيطرةً شبه كاملة، وتحكموا في منهاجها، وتوجهاتها، وسياساتها، وفي القائمين عليها.

وربما أنشؤوا لهؤلاء العلماء مدارس ارتبطت بأسمائهم ارتباطًا وثيقًا، وغُرس في نفوس طلابها التعلّقُ بهذا الشيخ، وعدمُ مخالفته، وهو بدوره لن يخالف الدولة التي منحته «بكرمها» مساحةً كافيةً للعمل التعلمي والدعوي.

«و(أولو الأمر): أصحابُ الأمرِ وذَوُوه، وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشتركُ فيهِ أهلُ اليَدِ والقُدرةِ وأهلُ العِلم والكلام، فلهذا كان أُولُو الأمرِ صنفَين: العلماءُ، والأمراءُ، فإذا صلَحوا صلَحَ الناسُ، وإذا فسَدوا فسَد الناسُ»

ابن تيمية رحمه الله

حُجَجٌ يستند إليها علماء السلطان ويجعلون منها أدلَّة لما يذهبون إليه:

يعتمد علماء السلطان على عدد مِن الحُجَجِ الواهية ليُبَرِّروا دعوتهم الناسَ إلى الطاعة العمياء، والتسليم للحاكم في كل ما يأمر به، واستقصاءُ شُبُهاتِهِم يطول، لذا سيقتصر المقال على حُجتين فحسب لبيان أسلوب تعاملهم مع النصوص الشرعية بالانتقاء والتضليل:

يستدلون بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، ويقولون: الآية تدلّ صراحةً على وجوب طاعة وليّ الأمر وعدم مخالفته. ويحشدون إلى جانب ذلك العديدَ مِن الأدلة التي توجب طاعةَ الحاكم، وتحذر مِن مخالفته وشقِّ عصا الطاعة.

والجواب عنها من وجهين:

الأول: أن كثيرًا من العلماء لم يفسّر ولي الأمر المذكور في الآية بأنهم الولاة فقط، بل جعلوا اللفظ شاملاً للعلماء أيضًا، قال ابن تيمية رحمه الله في هذه الآية: “و(أولو الأمر) أصحابُ الأمرِ وذَوُوه، وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشتركُ فيهِ أهلُ اليَدِ والقُدرةِ وأهلُ العِلم والكلام، فلهذا كان أُولُو الأمرِ صنفَين: العلماءُ، والأمراءُ، فإذا صلَحوا صلَحَ الناسُ، وإذا فسَدوا فسَد الناسُ”[7].

فولاةُ الأمرِ هم العلماء والحُكّام معًا، وبالتالي فإن وجوب الطاعة ليس محصورًا بالحكام، “فإن العلماءَ وُلاتُه حِفظًا وبيانًا وذبًّا عنه وردًا على من ألحَدَ فيه وزاغَ عنه، والأمراءُ وُلاتُه قيامًا وعنايةً وجهادًا وإلزامًا للناس به”[8].

فطاعةُ الحكام ليست الوحيدةَ المنصوص عليها في الشرع، فضلاً عن أن تكون طاعةً مُطلقةً من أي شرط أو قيد، كما سيتبين في الفقرة التالية.

الوجه الثاني: أنَّ هذه الطاعة ليست مطلقةً بل هي مقيدة بطاعة الله سبحانه وتعالى، قال النبي ﷺ: (لا طاعةَ في معصية، إنَّما الطَّاعةُ في المعروف)[9]، وقال أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه عندما خطب في الناس بعد توليته: “أطيعوني ما أطعتُ اللهَ ورسولَه، فإذا عصيتُ الله ورسولَه فلا طاعةَ لي عليكم”[10].

الاستدلالُ بحديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قلت: “يا رسول الله، إنا كنا بِشَرٍّ، فجاء اللهُ بخير، فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شرُّ؟” قال: (نعم)، قلت: “هل وراء ذلك الشرِّ خيرٌ؟” قال: (نعم)، قلت: “فهل وراء ذلك الخيرِ شرٌّ؟” قال: (نعم)، قلت: “كيف؟” قال: (يكون بعدي أئمةٌ لا يهتدون بِهُداي، ولا يَستنُّون بِسُنتي، وسيقوم فيهم رجالٌ قلوبُهم قلوبُ الشياطين في جُثمانِ إِنسٍ)، قال: قلت: “كيف أصنع يا رسول الله، إن أدركتُ ذلك؟” قال: (تَسمع وتطيع للأمير، وإن ضربَ ظهرك، وأخذَ مالك، فاسمع وأَطِعْ)[11].

ويقولون: هذا الحديث يأمر فيه رسول الله ﷺ بطاعة الحاكم والتزامِه وإن كان ظالمًا، ويضيفون له العديد من النصوص التي تأمر بالصبر على الحاكم وظلمِه وجَوره، وعدم نزع اليد من طاعته.

والرد على هذا الاستدلال بعدّة أوجه:

الأوّل: أن زيادة (وإن جلد ظهرَك وأخذ مالَك) ضعفها العديد من أهل العلم[12]، قال الإشبيلي في الأحكام الوسطى: “هذا يرويه مسلم من حديث أبي سلام عن حذيفة، وأبو سلام لم يسمع من حذيفة، قاله الدارقطني”[13].

الثاني: الحديث محمولٌ –لو صحَّ- على الصبر على أئمة الجَور من المسلمين، وعدم الخروج عليهم بالسيف، لا أن يكون هذا مبررًا لطاعتهم طاعةً عمياء دون قيد أو شرط، وتأييدهم على الباطل، أو ترك الإنكار عليهم بغير السيف، كالجهاد باللسان واليد، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (ما مِن نبيٍّ بعثه الله في أمة قَبلي إلا كان له مِن أمته حَوارِيُّونَ، وأصحاب يأخذون بِسُنَّتِهِ ويقتدون بأمره، ثم إنها تَخلُفُ مِن بعدِهم خُلوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمرون، فمَن جاهدَهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراءَ ذلك من الإيمان حبةُ خردلٍ)[14].

الثالث: بِضَمِّ النصوصِ الشرعية مع بعضها، والنظر في أقوال أهل العلم يتضح أن المقصود من هذا الحديث الحفاظُ على جماعة المسلمين وتقديم المصلحة العامة إذا كان الحاكم على درجة مقبولة من العدل وإقامة الدين، ارتكابًا لأخفِّ الضَّرريْنِ، واحتمالاً لأدنى المفسدتين، ويشهد لذلك العديدُ مِن النصوص الشرعية، ومنها مثلاً:

  • حديث عَوف بن مالك، عن رسول اللهِ ﷺ قال: (خِيارُ أئمَّتِكُم الذين تُحبونهم ويُحبونكم، ويُصلُّون عليكُم وتُصلُّون عليهم، وشِرارُ أئمَّتكم الذين تُبغضونهم ويُبغضُونكم، وتَلعنونهم ويلعنونكم)، قيل: يا رسول الله، أفلا نُنَابِذُهُم بالسيف؟ فقال: (لا، ما أقاموا فِيكُم الصلاة، وإذا رأيتُم مِن وُلاتكم شيئًا تَكرهونه، فاكرهوا عَمَلَه، ولا تَنزِعوا يَدًا من طاعة)[15].
  • وحديث ابن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: (ستكونُ أَثَرَةٌ وأمورٌ تنكرونها) قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: (تُؤدُّون الحقَّ الذي عليكم، وتسألون اللهَ الذي لكُم)[16].

ولا يعني هذا السكوتَ عن ظلمه وعدمَ الإنكار عليه، فضلاً عن المطالبة بالخنوع له.

الرابع: حَمَلَ بعضُ أهل العِلم الحديثَ على أن يكون الإمام على حقٍّ لا على باطل، قال ابن حزم رحمه الله تعالى: “أما أمرُهُ ﷺ بِالصبرِ على أَخذ المَال وَضربِ الظّهر فإِنما ذلك بلا شكٍّ إِذا تولى الإِمام ذلك بحق، وهذا ما لا شكَّ فيه أنه فرض علينا الصَّبر لَه،ُ … وأما إِن كان ذلك بباطلٍ فمعاذ الله أَن يأمر رسول الله ﷺ بالصبر على ذلك، برهان هذا قول الله عز وَجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]”[17].

من النظر في أقوال أهل العلم يتضَّح أن المقصود من حديث: (وإن ضربَ ظهرك، وأخذَ مالك) على فرض صحة هذه الزيادة: الحفاظُ على جماعة المسلمين وتقديم المصلحة العامة على الخاصة إذا كان الحاكم على درجة مقبولة من العدل وإقامة الدين، لا تركيع الأمة للحاكم الظالم أو عدم الإنكار على ظلمه.

خَطَرُ ظاهرةِ علماءِ السُّلطان، وأثرُها السَّلبِيُّ على الأمّة:

إن هذه الظاهرة لهي أشدُّ خطرًا على الأمّة من أعدائها الذين يتربَّصون بها الدوائر، وذلك لما تركه من آثار خطيرة، منها:

1. تحريف الدّين والعبث بالشريعة الإسلامية، وهؤلاء العلماء يَلوُونَ أعناقَ النُّصوص، ويضعونها في غير مواضعها، مما يؤدي إلى تشويه صورةِ الشريعة في عيون عَوامِّ المسلمين، وهذا ما وقعت به الأمم السابقة، قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النّساء: ٤٦].

2. ظاهرةُ علماءِ السلطان تشجّع على ظهور النفاق في الأمة، لأنّهم سيكونون قدوةً لغيرهم من طلاب العلم المبتدئين، ومِن عوامِّ المسلمين، ومعلومٌ أنّ المنافقين أخطرُ على الأمة مِن أعدائها، فهم يَنخَرونَ في جسد الأمّة من الداخل والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧].

3. ظاهرة علماء السلطان تجعل عوامَّ المسلمين يفقدون الثقة بالعلماء، وينفرون منهم، بل قد ينفرون من الدين كلّه بسبب هذه النماذج السلبية التي يرونها[18]، ولذلك ما أكثر ما نسمع من سُخرية العوامّ من أمثال هؤلاء العلماء. كما أنّ أعداء الشريعة وعلمائها من العلمانيين وجدوا في ذلك ضالَّتهم، فما أسعدهم بسقوط العلماء، وبانفضاضِ النّاس عنهم. ولك أن تتخيَّل الآثار السلبية التي تعود على الأمّة في مثل هذه الحالة.

4. التمكينُ للطُّغاة وإعانتُهم على التسلُّط على رقاب العباد وسفك دمائهم وسَلب أموالهم، واستباحة بلادهم، وأيُّ شيءٍ أخطر على عموم المسلمين من ذلك؟! قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣].

وفي العصر الحالي ظهر خطر علماءِ السلطان كما لم يظهر من قبل، فقد انحازوا للطُّغاة الظَّلمة المُبدِّلين لدين الله، وسخَّروا منابرهم وعلمهم لتركيعِ الشُّعوب لهؤلاء الطُّغاة، وحرَّموا نقدهم أو الاعتراضَ عليهم بزعم أن هذا من الخروج عليهم، ثم منحوا الحكّام الفتاوى الدينية التي تُبيحُ قمع الشعوب بكل الوسائل، فقُتل بسبب ذلك وسُجن الآلاف، وشُرّدَ آخرون من بيوتهم وبلدانهم، وكلّ ذلك وعلماء السلطان يَدعونَ له على المنابر بالنّصر على أعدائه، وتمكينه من رقابهم!.

إن أئمة الجَور لا يَبنون أُممًا، ولا يُقيمون حضاراتٍ، بل إنّ بقاء سُلطانهم قائمٌ بالدرجة الأولى على نشر التخَلُّف بين أفراد المجتمع، وإشغال النّاس بالرَّكض وراء لقمة العيش، ومما يعينهم على ذلك علماء السلاطين الذين سخَّروا منابرهم وعلمهم لتركيعِ الشُّعوب.

5. التَّمكينُ للطُّغاة الظَّلَمة يؤدي بالأمة إلى التَّخلُّف والانحطاط؛ لأن هذا الحاكم لا همَّ له إلا السيطرةُ على البلاد والتحكّم بخيراتها، وتوريثُ الحُكم لذُرّيته من بعده، وتسخيرُ خيرات البلاد ومقدراتها البشرية والعلمية والاقتصادية لذلك، فلا تهمُّه نهضةُ الأمّة ولا رُقِيُّها، بل إن شُيوع الجهل والفقر بين العامة يُسهّلُ مهمة الاستيلاء على الحكم، ونظرةٌ إلى أغلب البلاد العربية تغني عن كثيرٍ من الشرح والتفصيل.

6. وسيلةٌ للتَّضيِيق على المصلحين والعلماءِ الصَّادقين بزعم أنَّ هؤلاء الحكام المستبدّين لا يُحاربون العلماء ولا المصلحين، وإنما يُحاربون المفسدين المخرِّبين، بدلالة أن هناك «علماء» آخرين مُعزَّزين مُكرَّمين يُمارسون الدعوة بحُرِّية!

7. زرع بُذور الفُرقةِ والاختلافِ بين أبناء الأمة، فهؤلاء لهم أتباعُهم، والعلماء الصادِعونَ بالحقّ لهم أتباعُهم كذلك، مما يؤدي إلى انقسامِ المجتمعِ إلى فريقين، ولا سيّما بين طلاب العلم، والأمة مِن بعدهم.

8. إسقاطُ الأمة سياسيًا، والتسبُّب في انهيار الدولة، والتخلّف الحضارِيّ للأمة بجميع جوانبه. لأن أئمة الجَور لا يَبنون أُممًا، ولا يُقيمون حضاراتٍ، بل إنّ بقاء سُلطانهم قائمٌ بالدرجة الأولى على نشر التخَلُّف بين أفراد المجتمع، وإشغال النّاس بالرَّكض وراء لقمة العيش.

طرق وآليات للحدِّ من ظاهرة علماء السُّلطان، والتصدي لها:

1. إنَّ أهمّ طريقةٍ للحدِّ مِن هذه الظاهرة الخطيرة هي غرس القيم والأخلاق في نفوس طُلَّابِ العلم منذ الصّغر، وأن يكون ذلك عن طريق وسائل أكثر نجاعةً من مجرّد دراسة الطُّلاب لمادة أو اثنتين عن الأخلاق، ومن ذلك القدوةُ الحسنة، والتطبيقُ العملي لهذه القيم من قِبل القائمين على هذه المؤسسات التعليمية والمدرسين فيها.

2. تربيةُ طلاب العلم الشرعي على إخلاص العمل لله تعالى، وأن يكون وَلاؤُهُم لله سبحانه وتعالى لا للشيخ ولا للمدرسة، حتى لا يَنجَرَّ الطالب في المستقبل وراءَ شيخه أو مدرسته إذا والَوا السلطان وعاونوه على الباطل.ولذلك مِن الضرورة بمكان: العملُ على بيانِ ألاعيب الشيطان وتلبيساته على طلبة العلم، وإبرازُ وسائلِ النَّجاة.

3. بيانُ عقوبة العالِمِ الذي ينافق للحاكم ويناصره في باطله.

وقد وردت العديد من النصوص الشرعية التي تُبيّن العقوبة الإلهية للعالم الذي ابتغى بعلمه غير وجه الله تعالى، ومنها قوله ﷺ: (إنَّ أولَ الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل… ورجل تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نِعمه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلم وعلَّمتُه، وقرأتُ فيكَ القرآن، قال: كذبتَ، ولكنك تعلَّمتَ العلم لِيُقال: عالم، وقرأتَ القرآن لِيُقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمر به فَسُحِبَ على وجهه حتى أُلقي في النار،…)[19].

ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: (يُجاء بالرَّجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فتَندَلِقُ أقتابُه في النار، فيدورُ كما يدورُ الحمارُ بِرَحاه، فيجتمعُ أهلُ النارِ عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليسَ كنتَ تأمُرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنتُ آمركُم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكُم عن المنكر وآتيه)[20].

كما أنَّ عالم السُّلطانِ الظالمِ شريكٌ له في ظلمه هذا، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [النساء: ١١٣] يقول الإمام البَغوي رحمه الله في تفسيره: «والرُكون: هو المحبة والميلُ بالقلب، وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم. قال السّدي: لا تُداهنوا الظَّلمة. وعن عكرمة: لا تُطيعوهم. وقيل: لا تسكنوا إلى الذين ظلموا. ﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾ فَتُصيبَكُم، ﴿النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: أعوانٍ يمنَعونكُم من عذابه، ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾»[21].

4. تحذير طلاب العلم من خطر الدخول على السلاطين الظلمة، وحثهم على الابتعاد عن هذه المواطن قدر المستطاع، إلا من علم من نفسه القدرة على نصحه في الله، وأمِن الفتنة على نفسه.

قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴿١٦٦﴾ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [هود: ١٦٦ – ١٦٧].

ومِن الوسائلِ النَّاجعة في ذلك: ذكرُ نماذج من هؤلاء العلماء المنافقين، وما آل إليه حالهم، من انتكاسةٍ وازدراءٍ من عموم المسلمين.

5. تنبيهُ عامة المسلمين إلى أهمية التَّمييز بين العلماء الربانيين الذين يُؤخذ عنهم العلم والفتوى، وعلماء السلاطين المأجورين الذين أوغلوا في الطّغيان وشاركوا السلطان في جرائمه بِحق الأمة وعقيدتها وثوابتها؛ فهؤلاء لا يُؤخذ منهم علم، ولا يُستفتَون، ولا يُقتدى بهم.

إنَّ أهمّ وسيلةٍ للحدِّ مِن ظاهرة علماء السلاطين الخطيرة هي غرس القيم والأخلاق في نفوس طُلَّابِ العلم منذ الصّغر، والتطبيقُ العملي لهذه القيم من قِبل القائمين على المؤسسات التعليمية والمعلمين فيها.

6. بيان خطورة هذا العمل على الفرد والأمة، في الدنيا والآخرة، عن طريق الدعاة المخلصين، ونشرُ الوعي المجتمعي في بيان خطر هذه الظاهرة التي تُمكن للحكام المستبدّين، حتى يغدو أفراد المجتمع رافضين للحاكم المستبد، يقفون للتَّصدي له إن ظهرت بوادره.

نسأله تعالى أن يُثبِّت العلماء والدعاة العاملين المخلصين، وأن يشدَّ من أزرهم، وأن يمنّ على الأمة بمزيدٍ من العلماء الربانيين، القوامين بالحق الذين لا يخافون في الله لومة لائم.


[1] أخرجه الترمذي (٢٦٨٥).

[2] مِن لقاء مع الشيخ محمد الحسن الددو في برنامج (مقابلة) على قناة الجزيرة، الجزء الأول بتاريخ ٢٠/٤/٢٠١٧م، في القسم الأخير منه. 

[3] تفسير ابن كثير: (٢/٦٦).

[4] أخرجه أحمد (١١٨٧٣).

[5] شرح السنة، للبغوي (١٤/٢٩٥).

[6] جامع معمر بن راشد (٢٠٦٤٤). وهذا الدخول الممنوع محمولٌ على دخولِ الطمع بما عندهم مِن دنيا، والمدح والموافقة على باطلهم. أما دخول النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح أحوال المسلمين: فهذا مما لا بدّ منه. والموفَّق مَن مَيَّزَ بين الموقفين فوازَنَ واعتدَل.

[7] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لابن تيمية، ص (٥٣).

[8] الرسالة التبوكية، لابن القيم، ص (٤١).

[9] أخرجه البخاري (٢٧٥٧).

[10] السيرة النبوية، لابن هشام (٢/٦٦٠) وصححه ابن كثير وغيره.

[11] أخرجه مسلم (١٨٤٧) وأحمد (٢٣٤٢٩).

[12] منهم الإمام مسلم الذي أخرج الحديث، فقد أشار إلى ضعفها بتأخيرها إلى آخر الباب، ورواها بإسناد فيه انقطاع، بعد روايته للحديث بإسناد متصل، ومن عادة الإمام مسلم أنه يبين علل بعض الأحاديث في صحيحه بهذه الطريقة، فيروي الصحيح، ثم يتبعه بما فيه علة أو خطأ، صرح بهذه العادة عند مسلم العلماء المطلعون على خبايا صحيحه، ومنهم على سبيل المثال الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في: الأنوار الكاشفة ص (٢٣٠). وقد قال مسلم في مقدمة صحيحه ص (٧): «وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحًا وإيضاحًا في مَواضعَ من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة، إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح، إن شاء الله تعالى». انتهى. ويدل قوله هذا على أنه يورد أحاديث فيها علل ليبين عللها، فإن كانت العلة واضحةً لا تحتاج لشرح تركه، وإن احتاج بيانها لشرح أتى به. وهذه الزيادة يرويها ممطور الحبشي أبو سلام عن حذيفة رضي الله عنه، ولم يسمع منه فهو منقطع.

[13] الأحكام الوسطى، لعبد الحق الإشبيلي، المعروف بابن الخراط (٢/٣٧٢).

[14] أخرجه مسلم (٨٠).

[15] أخرجه مسلم (١٨٥٥).

[16] أخرجه البخاري (٣٦٠٣).

[17] الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم الظاهري (٤/١٣٣).

[18] ومن أمثلة هذا التشويه لدى النصارى: ما قام به رجال الكنيسة في أوربا، فقد وقفوا مع الملوك الظلمة، وحاربوا العلماء ونكَّلوا بهم أيَّما تنكيل، حتى انقلب عامَّة الناس على الكنيسة واعتبروها سببًا في الظلم والتخلف الذي وصلت إليه المجتمعات، فانتشرت مقولة: (الدين أفيون الشعوب)، وفي الثورة الفرنسية انتشرت مقولة: (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس). وللأسف الشديد تسرَّبت بعض هذه الأفكار إلى عالمنا الإسلامي عبر العلمانيين العرب، والمنبهرين بالحضارة الغربية المزعومة، وممّا ساعد هؤلاء على نشر أفكارهم: علماء السلاطين الذين أعطوا أسوأ صورة عن الدين والمتدينين.

[19] أخرجه مسلم (١٩٠٥).

[20] أخرجه البخاري (٣٢٦٧). (فتندلق) تخرج وتنصَبُّ بسرعة. (أقتابه) جمع قَتَبٍ وهي الأمعاء والأحشاء. (برَحاه) حجر الطاحون التي يديرها.

[21] تفسير البغوي (٤/٢٠٣).


د. ياسين محمد علوش

دكتوراه في الفقه المقارن، مدرس في جامعة إدلب.