بصائر ورسائل فقهية
وكذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَن نَذَرَ أَن يُطِيعَ اللهَ فليُطِعه، ومَن نَذَرَ أَن يَعصِيَه فلا يَعصِه».
ودليل ذلك حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّه لا يَرُدُّ شَيئًا، وإنَّما يُستَخرَجُ به مِن البَخِيلِ». وقد حمل المحققون هذه الكراهة على "نذر المجازاة"، وهو النذر المعلق على حصول نعمة أو دفع بلية، حيث لا تتمحض فيه نية التقرب إلى الله، بل يشوبه معنى المعاوضة. أما نذر التبرر المطلق أو نذر الابتداء، فليس مكروهًا بل هو قربة محضة.
1. نذر الطاعة والتبرر: يجب الوفاء به إذا كان مقدورًا، كأن يقول: "لله علي أن أصوم كذا من الأيام".
2. نذر المعصية:لا يجوز الوفاء به إجماعًا، وتجب فيه كفارة يمين عند الجمهور.
3. النذر المبهم:كأن يقول: "لله علي نذر"، تجب فيه كفارة يمين عند أكثر العلماء.
4. نذر اللجاج والغضب: وهو الذي يخرجه مخرج اليمين للحث على فعل شيء أو المنع منه، فإذا لم يوف به لزمته كفارة يمين.
5. نذر المباح:كأن ينذر فعل أمر مباح، لا يلزمه الوفاء به عند الشافعية والمالكية والحنفية، بينما يخير الحنابلة بين الوفاء به أو كفارة يمين.
6. نذر المستحيل:كأن ينذر صوم أمس، لا ينعقد ولا يوجب شيئًا.
تثار المسألة الفقهية عند عجز الناذر عن الوفاء بنذره، خاصة إذا كان النذر صومًا لوقت معين.
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على عدة أقوال:
يرون أن تعيين الزمان في النذر لا يتعين، بمعنى أنه إذا نذر صوم وقت معين وعجز عنه، فإنه يجزئه أن يصوم أيامًا أخرى بدلاً عنها، ولا يلزمه الوفاء بالصوم في نفس الوقت المعين.
فالنذر عندهم إيجاب الفعل في الذمة من حيث هو قربة، لا باعتبار وقوعه في زمان معين.
يرون أن الوقت المعين للصوم يتعين، ويلزمه الوفاء بالنذر على الوجه الذي نذره. فإن أفطر من هذا الشهر يومًا، فلا يلزمه الاستئناف، ولا يلزمه التتابع في قضائه كما في قضاء رمضان، بناءً على أن الواجب بالنذر لا يزيد على الواجب بالشرع.
يتعين النذر عندهم بالتعيين، فيلزمه صيامه كما نذره.
وإن أفطر قضى عندهم متتابعًا، فالقضاء عندهم كالأداء.
وإذا عجز عن أدائه عجزًا لا يرجى زواله (لكبر أو مرض لا يرجى برؤه)، فقد اختلفوا:
* القول الأول (الجمهور والمذهب): يوجبون عليه الفدية (إطعام مسكين عن كل يوم) كما هو الحال فيمن عجز عن صيام شهر رمضان، ويزيدون عليه كفارة يمين.
* ويستدلون بحديث: «كَفَّارةُ النَّذرِ كَفَّارةُ اليَمِينِ»، وبحديث ابن عباس: «مَن نَذَرَ نَذرًا لم يُسَمِّه فكَفَّارَتُه كَفَّارةُ يَمِينٍ، ومَن نَذَرَ نَذرًا في مَعصِيةٍ فكَفَّارَتُه كَفَّارةُ يَمِينٍ، ومَن نَذَرَ نَذرًا لا يُطِيقُه فكَفَّارَتُه كَفَّارةُ يَمِينٍ».
* القول الثاني (رواية أخرى): لا يلزمه إلا الكفارة فقط.
يسقطون عنه وجوب أداء النذر عند العجز الذي لا يرجى زواله، ولا يلزمونه بكفارة ولا فدية.
تُعد كفارة اليمين (إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) هي الأصل في كفارة النذر الذي لا يطاق.
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن هذا الحكم يشمل جميع أنواع النذر، فيكون الناذر مخيرًا بين الوفاء بما التزمه وبين كفارة يمين.
إن الناظر في اختلاف المذاهب الفقهية يلحظ سعة الشريعة ويسرها، حيث تهدف هذه الاختلافات إلى التخفيف على المكلفين.
وبناءً على ما سبق، إذا نذر شخص نذرًا وعجز عن الوفاء به عجزًا لا يرجى زواله (كالكبر أو المرض المزمن)، فإنه يتدرج في الحكم كما يلي:
1. الفدية:إذا كان النذر صومًا وعجز عن أدائه أو قضائه، فعليه أن يخرج فدية إطعام مسكين عن كل يوم تركه، إن كان موسرًا.
2. كفارة يمين: فإن عسر عليه إخراج الفدية، أو كان النذر من جنس ما لا يطاق عمومًا، فيمكنه الخروج من نذره بكفارة يمين. وهذا قول بعض الحنابلة وبعض فقهاء أصحاب الحديث.
3. لا شيء عليه: فإن عسر عليه ذلك أيضًا، فيمكنه تقليد مذهب المالكية الذين لا يوجبون عليه شيئًا (لا فدية ولا كفارة) عند العجز الذي لا يرجى زواله.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ا. د. محمد طه حمدون
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق