لماذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «نِعْمَتِ البدعة هذه»؟
من أشهر النصوص التي تُثار في مسألة البدعة قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح:
«نِعْمَتِ البدعة هذه.»
وهنا يثور السؤال:
إذا كان النبي ﷺ يقول:
«كل بدعة ضلالة.»
فكيف يصف عمر شيئًا بأنه نعمت البدعة؟
لقد تعددت أجوبة العلماء، لكن المهم أن نفهمها قبل أن نجعلها سلاحًا في وجه المخالف.
أولًا: ما الذي فعله عمر رضي الله عنه؟
ثبت في الصحيح أن الناس في رمضان كانوا يصلون أوزاعًا؛ الرجل يصلي وحده، والرجل يصلي ومعه الرهط.
فرأى عمر رضي الله عنه أن يجمعهم على إمام واحد، فجمعهم على أُبيّ بن كعب رضي الله عنه.
فلما خرج إليهم ورآهم مجتمعين قال:
«نِعْمَتِ البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون.»
فهو يمدح صورةً جديدة لتنظيم عبادةٍ مشروعة، ولم يقل إنه شرع صلاة جديدة، ولا زاد ركعة، ولا غيّر هيئة الصلاة.
ثانيًا: لماذا سماها بدعة؟
هنا اختلف العلماء.
الرأي الأول: البدعة اللغوية
وهو الرأي الذي اختاره كثير من العلماء.
قالوا:
إن عمر قصد بالبدعة معناها اللغوي؛ أي الشيء الجديد.
فالصلاة نفسها ليست جديدة، وإنما الجديد هو جمع الناس عليها بهذه الصورة المستمرة.
وهذا تفسير قوي، وله وجاهته.
لكن هل ينتهي النقاش هنا؟
ليس تمامًا.
لأن السؤال يبقى:
لماذا وصفها بالبدعة أصلًا، مع أنها سنة؟
الجواب:
لأنها جديدة بالنسبة إلى الصورة العملية التي رآها الناس، وإن كانت قائمة على أصل شرعي.
وهنا تظهر فائدة التفريق بين:
- أصل العبادة.
- وكيفية تنظيمها.
الرأي الثاني
ذهب بعض العلماء إلى أن عمر أراد بالبدعة هنا ما استُحدث مما يوافق أصول الشريعة، ولذلك وصفها بالحسن.
وهذا الفهم هو الذي بنى عليه عدد من الأئمة تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة.
فهم لم يجعلوا كل جديد حسنًا، وإنما قالوا:
إن ما وافق الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة فهو حسن.
وما خالفها فهو مذموم.
ما الذي نتفق عليه مهما اختلفنا؟
سواء قيل:
إنها بدعة لغوية.
أو قيل:
إنها بدعة حسنة.
فالنتيجة واحدة.
وهي أن عمر رضي الله عنه لم يرَ أن كل ما استجد بعد النبي ﷺ يكون ضلالة بمجرد كونه مستحدثًا.
بل نظر إلى أصله الشرعي.
ولهذا لم ينكر عليه أحد من الصحابة.
بل استمر العمل بذلك في عهدهم، ثم أجمعت عليه الأمة.
هل كان عمر يخالف حديث النبي ﷺ؟
لا.
ومن المستحيل أن يُظن بعمر رضي الله عنه أنه يعارض حديثًا صحيحًا يعلمه.
بل هو من أشد الناس تعظيمًا للسنة.
إذن لا بد أن نفهم أن عمر لم يرَ تعارضًا بين قوله:
«نعمت البدعة.»
وبين قول النبي ﷺ:
«كل بدعة ضلالة.»
وهذا وحده يكفي ليدل على أن فهم الحديث يحتاج إلى جمع النصوص، لا إلى الاقتصار على ظاهر لفظ واحد.
قاعدة مهمة
الأحكام لا تُبنى على الألفاظ المجردة، وإنما على حقائقها.
فليس كل ما سُمّي بدعة في اللغة يكون بدعة في الشرع.
كما أن كثيرًا من الألفاظ الشرعية يختلف معناها اللغوي عن معناها الاصطلاحي.
ولهذا كان العلماء يميزون دائمًا بين:
- البدعة اللغوية.
- والبدعة الشرعية.
ولا يحكمون على شيء حتى ينظروا في حقيقته.
أين يقع الاحتفال بالمولد؟
هنا يعود الخلاف مرة أخرى.
فالمجيزون يقولون:
إن الاحتفال ليس إنشاء عبادة جديدة، وإنما تنظيم لوسيلة مشروعة للتذكير بالنبي ﷺ.
والمانعون يقولون:
بل هو تخصيص لعبادة لم يأت بها الشرع.
إذن فالنزاع ليس في حديث عمر، وإنما في تحقيق مناط المسألة: هل ينطبق عليها وصف البدعة الشرعية أم لا؟
ولهذا بقي الخلاف قائمًا بين العلماء.
الخلاصة
قول عمر رضي الله عنه:
«نِعْمَتِ البدعة هذه.»
ليس نصًا خارجًا عن الشريعة، ولا معارضًا لحديث النبي ﷺ.
بل هو شاهد على أن الصحابة كانوا يميزون بين المستحدث الموافق لأصول الشريعة، وبين المستحدث المخالف لها.
ومن هنا كان الواجب أن تُدرس كل مسألة بميزان الأدلة والقواعد، لا بمجرد اسمها أو حداثة صورتها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق