الجمعة، 7 أغسطس 2026

هل فهم جميع العلماء حديث: «كل بدعة ضلالة» فهماً واحداً؟

 

هل فهم جميع العلماء حديث: «كل بدعة ضلالة» فهماً واحداً؟

من أكثر الأخطاء شيوعًا في هذا الباب، أن يُصوَّر للناس وكأن علماء الأمة جميعًا اتفقوا على تفسير واحد لمعنى البدعة، وأن كل من خالف هذا الفهم فقد خالف السنة.

والحقيقة التاريخية غير ذلك.

فقد اختلف كبار الأئمة في تصنيف البدعة، مع اتفاقهم جميعًا على تحريم كل ما يخالف القرآن والسنة.

وهذا فرق كبير.

أولاً: محل الاتفاق

قبل الحديث عن موضع الخلاف، ينبغي بيان ما اتفق عليه الجميع.

فكل العلماء متفقون على أن:

  • الزيادة في الفرائض بدعة محرمة.
  • تغيير هيئات العبادات الموقوفة بدعة.
  • تحليل الحرام أو تحريم الحلال بدعة.
  • اختراع عقائد تخالف الوحي بدعة.

فلا يوجد خلاف في هذا.

إنما وقع الخلاف فيما استُحدث مما له أصل عام في الشريعة، ولا يصادم نصًا شرعيًا.

وهنا بدأ الاجتهاد.

الإمام الشافعي

يُنقل عن الإمام الشافعي رحمه الله قوله المشهور:

"المحدثات من الأمور ضربان: فما أحدث يخالف كتابًا أو سنةً أو إجماعًا أو أثرًا، فهذه البدعة الضلالة. وما أحدث من الخير لا خلاف فيه، فهذه محدثة غير مذمومة."

وهذا النص يبين أن الإمام الشافعي لم يجعل كل جديد مذمومًا بإطلاق، بل فرّق بين ما يخالف الشريعة، وما ينسجم مع أصولها.

الإمام العز بن عبد السلام

وسار سلطان العلماء العز بن عبد السلام خطوة أبعد، فقسم البدعة - باعتبار حكمها الشرعي - إلى:

  • واجبة.
  • مندوبة.
  • مباحة.
  • مكروهة.
  • محرمة.

ولم يكن يقصد بذلك تغيير الدين، وإنما يقصد أن الأمور المستحدثة تُحكم عليها بالقواعد الشرعية؛ فما وافق مقاصد الشريعة أخذ حكمها، وما خالفها أخذ حكم المخالفة.

ولهذا ضرب أمثلة بعلوم العربية، وأصول الفقه، وغيرها من العلوم التي لم تكن مدونة في عهد النبوة، ثم أصبحت من أعظم وسائل حفظ الدين.

الإمام النووي

وعندما شرح الإمام النووي حديث:

«كل بدعة ضلالة»

بيّن أن المراد به غالب البدع أو البدع المذمومة، وأن ما وافق أصول الشريعة لا يدخل في الذم.

ولهذا استشهد بكلام الشافعي وغيره.

ابن حجر العسقلاني

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله عند كلامه على قول عمر رضي الله عنه:

«نعمت البدعة هذه.»

إن البدعة في اللغة تشمل كل ما أُحدث، ثم تُحكم بعد ذلك بحسب موافقتها أو مخالفتها للشرع.

فليست كل بدعة لغوية بدعة شرعية.

وهذا التفريق هو الذي يزيل كثيرًا من الإشكالات.

لماذا يهمنا هذا؟

لأن بعض الناس يصور المسألة وكأنها:

إما أن تقول:

"كل بدعة ضلالة على ظاهرها الحرفي."

وإما أنك ترد الحديث.

وهذا تصوير غير صحيح.

فالشافعي، والعز بن عبد السلام، والنووي، وابن حجر، والقرافي، وغيرهم، لم يردوا الحديث، وإنما اجتهدوا في بيان مدلوله، وجمعه مع بقية النصوص.

وهذا هو منهج أهل العلم في جميع أبواب الفقه.

إذن أين يقع الخلاف؟

الخلاف ليس في الحديث.

ولا في وجوب اتباع السنة.

ولا في حرمة الابتداع في الدين.

وإنما في وصف بعض الصور المستحدثة:

هل هي من البدع التي ذمها الحديث؟

أم من الوسائل أو المصالح التي شهدت لها أصول الشريعة؟

ومن هنا اختلفت أنظار العلماء.

الإنصاف قبل الانتصار

من الإنصاف أن نعترف بأن هذه المسألة قد اختلف فيها أئمة كبار، وأن كلا الفريقين استند إلى أدلة وقواعد أصولية.

فلا يجوز أن نجعلها مقياسًا للإيمان، ولا سببًا للطعن في نيات المسلمين.

ومن كان يوقر الشافعي، والنووي، وابن حجر، والعز بن عبد السلام، فلا ينبغي أن يتهمهم بأنهم يهوّنون من شأن السنة، لأنهم اجتهدوا في فهم النصوص، ولم يدعوا إلى مخالفتها.

الخلاصة

إن حديث «كل بدعة ضلالة» أصل عظيم في حفظ الدين، لكن تطبيقه على الوقائع يحتاج إلى فهم بقية النصوص، ومعرفة مقاصد الشريعة، والتمييز بين البدعة المخالفة والمستحدث الذي له أصل معتبر.

ولهذا بقيت بعض المسائل - ومنها الاحتفال بالمولد عند طائفة من العلماء - محل اجتهاد، لا محل إجماع.


يتبع...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق