هل وجود أصل عام في الشريعة يكفي لجواز المولد؟
وصلنا في المقال السابق إلى أن حديث:
«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»
لا يتحدث عن مجرد كل جديد، وإنما عن الإحداث في الدين بما ليس منه.
وهنا يطرح المانعون سؤالًا مهمًا:
إذا كانت قراءة السيرة والصلاة على النبي ﷺ والصدقة وإطعام الطعام أعمالًا مشروعة، فهل يكفي وجود هذه الأصول العامة للقول بجواز الاجتماع في المولد؟
والجواب يحتاج إلى تفصيل دقيق.
أولًا: وجود الأصل العام مهم، لكنه ليس نهاية البحث
من الخطأ أن نقول:
«هناك أصل عام، إذن كل صورة تدخل تحته جائزة.»
وفي المقابل، من الخطأ أن نقول:
«لا يوجد نص خاص باسم المولد، إذن لا يمكن أن يستند إلى أي أصل عام.»
كلا الأمرين غير دقيق.
فالأصول العامة في الشريعة لها أثر في الاجتهاد، لكن لا يجوز استخدامها لإثبات عبادة مخصوصة بزمان أو هيئة أو فضل خاص دون دليل.
ثانيًا: مثال الصدقة
الصدقة مشروعة بلا خلاف.
لكن لو قال شخص:
«خصصت يومًا معينًا من كل سنة للصدقة، وأعتقد أن الشريعة جعلت لهذا اليوم فضلًا خاصًا.»
فهذا يحتاج إلى دليل على خصوصية اليوم.
أما إذا قال:
«هذا اليوم يناسبني، وفيه أجمع الناس على حملة لإطعام الفقراء.»
فمجرد اختيار اليوم لا يعني بالضرورة أنه جعله يومًا ذا فضل شرعي.
إذن:
الأصل العام يجيز العمل، لكن لا يثبت وحده فضيلة خاصة للزمان.
ثالثًا: تطبيق ذلك على المولد
لدينا في المولد أعمال كثيرة لها أصل:
- الصلاة على النبي ﷺ.
- قراءة سيرته.
- ذكر شمائله.
- الصدقة.
- إطعام الطعام.
- الموعظة والتذكير.
كل هذه أعمال مشروعة في أصلها.
لكن السؤال ليس:
هل هذه الأعمال مشروعة؟
فهذا محسوم.
السؤال:
هل جمعها في يوم مولده ﷺ، وتكرار ذلك كل عام، يجعل المجموع عبادة جديدة؟
وهنا نحتاج إلى تحديد حقيقة هذا الاجتماع.
رابعًا: المجيز يقول: المجموع لا يغير حكم الأجزاء
يقول المجيزون:
إذا اجتمع عدد من الأعمال المباحة أو المشروعة، فلا تصبح محرمة لمجرد اجتماعها.
فمثلًا:
قراءة السيرة مشروعة.
الصلاة على النبي ﷺ مشروعة.
إطعام الطعام مشروع.
الصدقة مشروعة.
فجمع هذه الأعمال في مجلس واحد لا ينشئ بالضرورة عبادة جديدة.
ويضيفون:
نحن لا نقول إن النبي ﷺ شرع هذه الهيئة، وإنما نستخدم أعمالًا مشروعة للتعبير عن الفرح بمولده والتعريف بسيرته.
وهذا هو وجه استدلالهم.
خامسًا: المانع يجيب: الهيئة قد تكون مقصودة
يقول المانع:
ليست العبرة بالأجزاء منفردة، فقد تكون كل الأجزاء مشروعة، لكن جمعها في زمان معين على وجه متكرر قد يصنع شعيرة جديدة.
وهذا اعتراض مهم.
فقد تكون العناصر منفردة مشروعة، لكن التركيب والالتزام والتخصيص يحتاج إلى نظر.
ولهذا لا يكفي للمجيز أن يعدد الأعمال المشروعة، بل عليه أن يبين:
لماذا لا يجعل هذا الاجتماع عبادة مستقلة؟
سادسًا: هنا يظهر الفرق بين «المقصد» و«الهيئة»
إذا كان المقصد:
تعليم السيرة.
فالوسيلة يمكن أن تكون:
محاضرة.
أو:
كتابًا.
أو:
درسًا أسبوعيًا.
أو:
اجتماعًا في مناسبة معينة.
أما إذا اعتقد الإنسان أن:
الهيئة نفسها عبادة شرعية مخصوصة
فهذا أمر آخر.
إذن يمكن أن يكون:
المقصد مشروعًا، والوسيلة مباحة.
لكن لا يجوز تحويل الوسيلة إلى سنة شرعية مستقلة بلا دليل.
سابعًا: ماذا عن الفرح بمولد النبي ﷺ؟
هنا يوجد أصل آخر.
النبي ﷺ قال عن صيام الاثنين:
«ذاك يوم وُلدت فيه».
وهذا يدل على أنه استحضر نعمة مولده في عبادة.
كما أن محبة النبي ﷺ والفرح برسالته من أعظم ما ينبغي للمسلم.
لكن لا بد من التمييز:
أصل الفرح: مشروع.
تخصيص يوم المولد باحتفال معين: هو محل البحث.
اعتقاد أن الاحتفال نفسه سنة نبوية: يحتاج إلى دليل.
وهذا التفريق يمنع الخلاف من التحول إلى اتهامات متبادلة.
ثامنًا: هل يكفي الأصل العام مع عدم وجود مانع؟
هذه هي النقطة الأكثر دقة.
يقول المجيز:
إذا كان الفعل مكوّنًا من أعمال مشروعة، ولا يتضمن محرمًا، ولا يُعتقد أنه سنة نبوية مخصوصة، فالأصل في الوسائل والعادات الإباحة.
ويقول المانع:
لكن هذا ليس مجرد عادة؛ لأنه مرتبط بزمان ديني معين ويتكرر على هيئة واحدة، ولذلك يحتاج إلى دليل.
وهنا يصبح الخلاف متعلقًا بـ تكييف المولد:
هل هو:
عبادة؟
أم:
وسيلة وعادة اجتماعية ذات مقصد ديني؟
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن نجيب عنه بدل تكرار كلمة «بدعة» دون تحديد.
تاسعًا: لماذا لا يصح التوسع في دعوى «الأصل العام»؟
لأن القول بوجود أصل عام لا يعني أن كل شيء يصبح مشروعًا.
فلو قال شخص:
«الأصل هو محبة النبي ﷺ، ولذلك اخترعت صلاة خاصة بالمولد.»
فهذا لا يصح.
لأن الصلاة عبادة ذات هيئة مخصوصة، ولا يجوز اختراع صفة جديدة لها بمجرد الاستناد إلى محبة النبي ﷺ.
أما إذا قال:
«سأقرأ السيرة وأصلي على النبي ﷺ وأطعم الطعام.»
فهذه أعمال مشروعة أصلًا.
إذن:
الأصل العام يمكن أن يسند الأعمال الداخلة تحته، لكنه لا ينشئ عبادة جديدة من تلقاء نفسه.
عاشرًا: وماذا عن اجتماع هذه الأعمال؟
هنا نصل إلى جوهر المسألة.
يمكن أن نقول:
إذا كان الاجتماع مجرد تنظيم لأعمال مشروعة، دون اعتقاد فضيلة خاصة للهيئة نفسها، فحجة «العبادة الجديدة» تضعف.
أما إذا كان الاجتماع يُعتقد أنه:
شعيرة دينية مخصوصة شرعها الله أو رسوله، ولها ثواب خاص لكونها مولدًا،
فالحجة على المنع تصبح أقوى؛ لأن هذا يتضمن دعوى تشريع تحتاج إلى دليل.
إذن:
الاعتقاد المصاحب للممارسة له أثر كبير في التكييف.
الحادي عشر: هل نستطيع أن نحسم المسألة هنا؟
ليس بعد.
لأن هناك سؤالًا أخيرًا في هذه النقطة:
هل مجرد تخصيص يوم المولد وتكرار الاجتماع فيه يجعله عبادة، حتى لو لم يعتقد أصحابه أنه سنة؟
إذا قلنا نعم، اقتربنا من حجة المانعين.
وإذا قلنا لا، وكان الاجتماع مجرد وسيلة، اقتربنا من حجة المجيزين.
ولهذا ينبغي أن نبحث في معيار العبادة نفسه قبل إصدار الحكم.
الخلاصة
وجود أصول شرعية عامة مهم في الاستدلال على المولد، لكنه لا يكفي وحده لإثبات كل صورة من صوره.
فلا بد من التفريق بين:
أصل الفرح والمحبة والشكر والأعمال المشروعة.
وبين:
الهيئة الخاصة والتخصيص الزمني واعتقاد الفضيلة.
فإذا كان المولد عبارة عن عبادة مستقلة لها هيئة وفضل خاصان، فلا بد من الدليل.
وإذا كان اجتماعًا على أعمال مشروعة في مناسبة يتذكر فيها المسلمون مولد النبي ﷺ، دون اعتقاد أن الهيئة سنة نبوية، فهنا يجب إثبات أن مجرد هذا الاجتماع والتخصيص ممنوع شرعًا.
وبذلك نصل إلى السؤال التالي، وهو من أهم أسئلة السلسلة:
(44) ما الذي يجعل الفعل «عبادة» أصلًا؟
هل كل عمل يُفعل بقصد التقرب إلى الله يصبح عبادة تحتاج إلى نص خاص؟
أم أن هناك فرقًا بين العبادة المقصودة لذاتها وبين الوسائل التي يتقرب بها المسلم إلى الله؟
ومن خلال هذا الفرق سنحدد بدقة أكبر أين يقع المولد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق