الاثنين، 10 أغسطس 2026

ابن تيمية والمولد النبوي: ماذا قال حقًّا؟ وماذا قال تلامذته؟

 


ابن تيمية والمولد النبوي:

ماذا قال حقًّا؟ وماذا قال تلامذته؟

كثيرًا ما يُستدل على تحريم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وكأن موقفه من هذه المسألة لا يحتمل إلا قولًا واحدًا: التحريم المطلق.

لكن قراءة كلام ابن تيمية كاملًا، وفي سياقه، تكشف صورة أكثر تفصيلًا من ذلك.

ونحن هنا لا نجعل كلام ابن تيمية حجةً مستقلة في إثبات مشروعية المولد، وإنما ننقل نصوصه كما وردت، ثم نسأل سؤالًا بسيطًا:

هل يتفق ما نُقل عن ابن تيمية مع الصورة التي يقدمها بعض المتأخرين عن موقفه من المولد؟


أولًا: ماذا قال ابن تيمية عن تعظيم المولد؟

قال ابن تيمية في معرض حديثه عن المولد:

«فتعظيم المولد، واتخاذه موسمًا، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم؛ لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله ﷺ».

وهذا النص يستحق الوقوف عنده بهدوء.

فابن تيمية لم يقل فقط إن بعض الناس يفعلون ذلك، بل ذكر أن فاعله قد يكون له أجر عظيم، وربط ذلك بـ:

حسن القصد، وتعظيم رسول الله ﷺ.

وهنا يبرز سؤال مهم:

إذا كان الاحتفال بالمولد عند فاعله مجرد معصية محضة لا يُتصور فيها وجه من وجوه القربة، فكيف عبّر ابن تيمية عن إمكان حصول الأجر العظيم بسبب حسن القصد وتعظيم النبي ﷺ؟

هذه المسألة تحتاج إلى قراءة دقيقة، ولا يكفي فيها إطلاق عبارة:

«ابن تيمية حرّم المولد»

ثم تجاوز بقية كلامه.


ثانيًا: ابن تيمية يفرّق بين أصل القصد وبين صورة العمل

ويقول ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم عند حديثه عن بعض مظاهر الاحتفال بالمولد:

«وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاةً للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبةً للنبي ﷺ وتعظيمًا له، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع».

وهذا النص مهم؛ لأنه يبيّن أن ابن تيمية نفسه لاحظ وجود محبة وتعظيم للنبي ﷺ وراء فعل بعض المحتفلين، ولم يجعل كل ما يتعلق بالمولد في مرتبة واحدة من حيث القصد.

وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:

الحكم على صورة العمل من جهة البدعة أو السنة،

وبين:

الحكم على قصد الفاعل وما يحمله قلبه من محبة وتعظيم للنبي ﷺ.

وهذا التفريق ضروري لفهم كلام ابن تيمية بعيدًا عن الاختصار المخل.


ثالثًا: ماذا قال ابن عثيمين تعليقًا على كلام ابن تيمية؟

ومن اللافت أن الشيخ محمد بن صالح العثيمين لم يمر على كلام ابن تيمية دون مناقشة، بل علّق عليه في شرح وتعليق على اقتضاء الصراط المستقيم، فقال:

«كيف يكون لهم ثواب على هذا؟ وهم مخالفون لهدي رسول الله ﷺ ولهدي أصحابه؟ فإن قيل: لأنهم اجتهدوا فأخطأوا، فنقول: أي اجتهاد في هذا؟ وهل تركت نصوص العبادات مجالًا للاجتهاد؟ والأمر فيه واضح كل الوضوح، وما هو إلا غلبة الجاهلية وتحكم الأهواء».

وهنا تظهر بوضوح مساحة الخلاف في فهم كلام ابن تيمية.

فابن تيمية يذكر إمكان حصول الأجر على المحبة والاجتهاد وحسن القصد، بينما يناقش ابن عثيمين هذا الفهم ويرفض أن يكون ذلك اجتهادًا سائغًا في باب العبادات.

ومن هنا يمكن طرح السؤال:

هل من الإنصاف أن يُنقل كلام ابن تيمية مبتورًا عن سياقه، ثم يُقال إن عباراته لا تحتمل إلا التحريم المطلق؟

إن كان المراد الاستدلال بكلامه، فالأولى نقل كلامه كاملًا، ثم بيان وجه الاستدلال منه، ثم مناقشته.


رابعًا: لا تجعلوا عبارة «البدعة» نهاية النقاش

المسألة ليست مجرد خلاف على كلمة «بدعة».

فالفقهاء والأصوليون بحثوا طويلًا في معنى البدعة، وفي التفريق بين البدعة في اللغة والبدعة في الشرع، وبين ما له أصل عام في الشريعة وما لا أصل له.

ولهذا فإن مجرد قول:

«هذا لم يفعله النبي ﷺ، إذن هو حرام»

ليس كافيًا وحده لإغلاق البحث؛ لأن الترك لا يدل بذاته دائمًا على التحريم.

والسؤال الأصولي الصحيح هو:

هل ترك النبي ﷺ للفعل يدل على تحريمه؟ أم يحتاج إثبات التحريم إلى دليل آخر؟

وهذه قضية أوسع من المولد نفسه، وتتعلق بمنهج الاستدلال في مسائل العبادات والعادات والوسائل.


خامسًا: وماذا عن تلامذة ابن تيمية؟

إذا كان المولد من المسائل التي يُنسب فيها إلى مدرسة ابن تيمية موقف واحد لا يقبل التفصيل، فمن المفيد أن ننظر أيضًا إلى ما كتبه عدد من العلماء الذين عاصروا ابن تيمية أو جاؤوا بعده، ونرى كيف تعاملوا مع ظاهرة الاحتفال بالمولد.

1 ـ الإمام الذهبي

نقل الذهبي في سير أعلام النبلاء ترجمة الملك المظفر صاحب إربل، وذكر من صفاته:

«وكان محبًّا للصدقة... وكان متواضعًا، خيّرًا، سنيًّا، يحب الفقهاء والمحدثين...»

والملك المظفر هو الذي اشتهر عنه إقامة احتفال كبير بالمولد النبوي.

ومجرد نقل الذهبي لترجمته والثناء على صفاته لا يعني بالضرورة أنه يوافقه في كل تفصيل من تفاصيل عمله، ولذلك ينبغي أن نكون دقيقين هنا:

الثناء على شخص لا يساوي بالضرورة إقرار كل أفعاله.

لكن هذا النقل يبقى مهمًا عند دراسة الصورة التاريخية للمولد وموقف علماء ذلك العصر منه.


2 ـ ابن كثير

أما ابن كثير فقد ذكر الملك المظفر في البداية والنهاية، فقال عنه إنه:

«كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالًا هائلًا، وكان مع ذلك شهْمًا شجاعًا عالمًا عادلًا رحمه الله وأحسن مثواه».

ثم ذكر أن الشيخ أبا الخطاب ابن دحية صنّف له كتابًا في المولد سماه:

«التنوير في مولد البشير النذير».

وهذا النقل مهم تاريخيًا؛ لأنه يوثق أن الاحتفال بالمولد كان ظاهرة معروفة ومشهورة في البيئة الإسلامية في ذلك العصر، وأن عددًا من العلماء ألّفوا في المولد كتبًا مستقلة.


3 ـ أبو شامة المقدسي

ومن النصوص المشهورة في هذا الباب ما نقله العلماء عن أبي شامة المقدسي في الباعث على إنكار البدع والحوادث، حيث أثنى على ما كان يفعل في مدينة إربل في يوم المولد من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، وربط ذلك بمحبة رسول الله ﷺ وتعظيمه وشكر الله تعالى على بعثته.

وهنا تظهر نقطة مهمة:

ليس كل من تحدث عن المولد تعامل معه بالطريقة نفسها.

فمن العلماء من أنكره، ومنهم من قبله بشروط، ومنهم من استحسن ما اشتمل منه على الصدقة وإظهار السرور والمحبة للنبي ﷺ، مع إنكار ما قد يصاحبه من مخالفات.

وهذا التفصيل هو الذي ينبغي أن يصل إلى القارئ.


سادسًا: المشكلة ليست في المولد وحده، بل في المنهج

إذا كان بعض الناس يحتفلون بالمولد بأمور محرمة أو مخالفات شرعية، فنحن لا ندافع عن المخالفات.

الخطأ خطأ، سواء وقع في مولد أو في غيره.

لكن هل تتحول أخطاء بعض المحتفلين إلى دليل على تحريم أصل الاجتماع على قراءة السيرة والصلاة على النبي ﷺ والصدقة وإطعام الطعام وإظهار الفرح بمولده؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يناقش بالدليل.

فالعدل يقتضي أن نقول:

نرفض المنكر، ولا نحرم المعروف بسببه.

وننكر المخالفة، ولا نجعل المخالفة حجةً على أصل المناسبة.


سابعًا: وإذا اختلف العلماء، فلماذا يتحول الخلاف إلى تبديع وتضليل؟

المولد النبوي ليس قضية يمكن اختزالها في عبارة واحدة:

«لم يفعله النبي ﷺ، إذن هو بدعة محرمة»

ولا يصح في المقابل أن نقول إن كل صورة من صور الاحتفال صحيحة ومشروعة لمجرد أنها تسمى مولدًا.

بل المسألة تحتاج إلى تفصيل:

ما الذي يُفعل؟

وما الدليل عليه؟

وهل يتضمن محرمًا؟

وهل الاجتماع فيه على قراءة السيرة والصلاة على النبي ﷺ والصدقة وإطعام الطعام وإظهار الفرح بنعمة بعثته؟

إذا كانت هناك مخالفات، فإنها تُنكر بذاتها.

أما جعل أصل المحبة والفرح بمولد رسول الله ﷺ جريمةً شرعية، ثم تبديع المسلمين وتضليلهم بسببها، فهذه مسألة أخرى تحتاج إلى دليل مستقل.


الخلاصة

ليس المطلوب أن نجعل ابن تيمية حجةً على الناس، ولا أن نجعل الذهبي أو ابن كثير أو غيرهما معصومين من الخطأ.

العبرة بالدليل.

لكن إذا كان بعض الناس يستدلون بابن تيمية في هذه المسألة، فمن حق القارئ أن يعرف كلام ابن تيمية كاملًا، لا أن يسمع منه عبارة واحدة ويُترك ما قبلها وما بعدها.

وإذا كان في كلامه تفصيل، فمنهج البحث العلمي يقتضي عرض التفصيل.

وإذا كان العلماء قد اختلفوا في المولد، فمن الأمانة العلمية أن نعرض الخلاف كما هو، لا أن نقدم المسألة وكأنها محل إجماع لا خلاف فيه.

وأما نحن فنقول بوضوح:

نحب رسول الله ﷺ، ونفرح بذكر مولده، ونحيي سيرته، ونكثر من الصلاة والسلام عليه، ونشكر الله على بعثته رحمةً للعالمين.

ومع ذلك، ننكر كل مخالفة شرعية تقع في أي احتفال، ولا نجعل الخطأ في بعض صور الاحتفال دليلًا على تحريم كل صورة منه.

فالخلاف العلمي يُناقش بالدليل،
ولا يُحسم بالتبديع والتضليل.

🌿 هل الاحتفال بالمولد عبادةٌ مستحدثة أم وسيلةٌ مباحة لإظهار الفرح والمحبة؟ ﷺ

 🌿 هل الاحتفال بالمولد عبادةٌ مستحدثة أم وسيلةٌ مباحة لإظهار الفرح والمحبة؟




كثيرًا ما يصرّ مانعو الاحتفال بالمولد النبوي على اعتباره عبادةً مستحدثة لا أصل لها في الدين، ثم يبنون على ذلك الحكم بأنه بدعة محرمة.

لكن قبل إطلاق هذا الحكم، ينبغي أن نطرح سؤالًا أساسيًا:

هل الاحتفال بالمولد عبادةٌ مقصودة لذاتها، أم أنه عادة ووسيلة لإظهار الفرح بمولد رسول الله ﷺ والتعبير عن محبته؟

وهنا يقع أصل الخلاف.

فالعبادات المحضة التي يُتقرب بها إلى الله تعالى أصلها التوقيف، فلا يُشرع منها شيء إلا بدليل.

أما العادات والوسائل وطرق التعبير عن الفرح والمحبة، فالأصل فيها الإباحة، ما لم تشتمل على أمر حرّمه الشرع.

ومن هنا لا يصح أن يُقال لمجرد أن الناس اجتمعوا في يوم معين، وقرأوا القرآن، وصلّوا على النبي ﷺ، وذكروا سيرته وشمائله، وأطعموا الطعام، وأظهروا الفرح بمولده: إن هذه الأفعال أصبحت بمجرد اجتماعها في مناسبة معينة عبادةً مستقلة مخترعة!

فالقرآن عبادة، والصلاة على النبي ﷺ عبادة، وإطعام الطعام صدقة وقربة، وتعليم السيرة علم نافع، وشكر الله على نعمة إرسال رسوله ﷺ مشروع في أصله.

أما تخصيص مناسبة يتذكّر فيها الناس هذه المعاني ويجتمعون عليها، فهذه مسألة تحتاج إلى النظر في حقيقتها ومقصدها، لا إلى مجرد إطلاق لفظ «البدعة» عليها.

🔹 العبرة بحقيقة الفعل لا بمجرد اسم المناسبة

لو اجتمع المسلمون في يوم معين لتذكّر نعمة من نعم الله، فهل يصبح ذكر الله وقراءة القرآن والصلاة على النبي ﷺ محرمًا لأن الاجتماع وقع في ذلك اليوم؟

بالطبع لا.

فالممنوع هو أن يُجعل شيء عبادةً شرعيةً لازمةً بذاتها دون دليل، أما اتخاذ الوسائل والمناسبات التي تعين على التذكير بالخير وإظهار الفرح المشروع، فله باب آخر في الفقه.

ولهذا ينبغي التفريق بين:

العبادة المقصودة لذاتها
وبين
العادة أو الوسيلة التي يُقصد بها الوصول إلى معنى مشروع.

وهذا التفريق مهم جدًا؛ لأن الخلط بينهما هو الذي جعل بعض الناس يحكم على كل وسيلة جديدة بأنها «عبادة مبتدعة».

🔹 وهل الفرح بمولد النبي ﷺ ممنوع؟

السؤال الأهم:

هل الفرح بمولد رسول الله ﷺ ممنوع شرعًا؟

إن كان الجواب: لا، فالخلاف الحقيقي يصبح في الطريقة التي يُعبّر بها المسلمون عن هذا الفرح.

وقد فرح الصحابة برسول الله ﷺ عند قدومه، واستقبلوه وأظهروا سرورهم بوجوده بينهم، وثبتت صور متعددة من إظهار المحبة والفرح به ﷺ.

كما أن النبي ﷺ نفسه كان يذكر يوم مولده، فقد ثبت أنه لما سُئل عن صيام يوم الاثنين قال:

«ذلك يوم وُلدت فيه».

فأصل تذكّر نعمة المولد والفرح بها ليس أمرًا مذمومًا في ذاته.

ويبقى البحث في كيفية التعبير عن هذا الفرح، وما يصاحبه من أعمال: فما كان مشروعًا في نفسه فهو مشروع، وما كان محرمًا فهو محرم، ولا ينبغي أن تُحرم المناسبة كلها بسبب أخطاء بعض المحتفلين.

🔹 أخطاء بعض المحتفلين لا تحرّم أصل المناسبة

قد تقع في بعض احتفالات المولد مخالفات شرعية، كالإسراف أو الغلو أو بعض الممارسات المحرمة.

وهذا ننكره بلا تردد.

لكن إنكار المخالفة شيء، وتحريم أصل المناسبة شيء آخر.

فلو أساء بعض الناس استخدام مناسبة مباحة، فالحل هو إنكار الإساءة وتصحيح الخطأ، لا تحويل المناسبة كلها إلى محرّم شرعي بلا دليل صريح.

وكما لا نقول إن الاجتماع على الطعام حرام لأن بعض الناس قد يسرفون فيه، ولا نقول إن الأعراس محرمة لأن بعض الناس قد يرتكبون فيها مخالفات، فكذلك لا يصح أن تكون أخطاء بعض المحتفلين بالمولد دليلًا على تحريم أصل التذكير بمولد النبي ﷺ.

🔹 الخلاف يحتاج إلى علم لا إلى تخويف

ليس كل جديد في حياة المسلمين «عبادة جديدة».

فلو كان مجرد اجتماع الناس على أمر مشروع في مناسبة لم يفعلها النبي ﷺ كافيًا لتحريمه، للزم من ذلك تحريم صور كثيرة من الوسائل والتنظيمات التي لم تكن موجودة في عصر النبوة.

ولهذا فالمسألة تحتاج إلى تحرير محل النزاع:

هل نحن أمام عبادة مستقلة اخترعها الناس؟

أم أمام مناسبة اجتماعية دينية تُستعمل فيها أعمال مشروعة أصلًا لإظهار الفرح برسول الله ﷺ، وتعليم سيرته، والصلاة والسلام عليه، وإطعام الطعام، وشكر الله على نعمة بعثته؟

إذا كان الثاني هو المقصود، فلا ينبغي أن تُحسم المسألة بمجرد ترديد كلمة «بدعة».

فالبدعة ليست سيفًا يُشهر في وجه كل وسيلة أو عادة جديدة، وإنما لها ضوابطها وأحكامها، ولا بد من التفريق بين ما أُحدث في أصل العبادة، وما أُحدث من الوسائل والعادات لخدمة معنى مشروع.

وفي النهاية:

🌿 نحن لا نقول إن كل ما يقع في احتفالات المولد مشروع.
🌿 ولا نقول إن كل محتفل معصوم من الخطأ.
🌿 وإنما نقول: لا بد من التفريق بين أصل الفرح بمولد النبي ﷺ وبين المخالفات التي قد تقع في بعض صور الاحتفال.

فإن وُجدت مخالفة شرعية أُنكرَت المخالفة،
وإن وُجد غلو أُنكر الغلو،
أما أن تُجعل أخطاء بعض الناس دليلًا على تحريم أصل الفرح بمولد خير البرية ﷺ، فذلك يحتاج إلى دليل آخر غير مجرد إطلاق لفظ البدعة.

اللهم ارزقنا حب نبيك ﷺ، وتعظيم سنته، والفرح بنعمته ورسالته، واتباعه ظاهرًا وباطنًا. 🤍

#المولد_النبوي
#محبة_النبي
#الاحتفال_بالمولد
#البدعة
#الفرح_بمولد_النبي ﷺ

✦ هل الاحتفال بالمولد عبادةٌ مستحدثة أم عادةٌ مشروعة؟

 



✦ هل الاحتفال بالمولد عبادةٌ مستحدثة أم عادةٌ مشروعة؟

من أكثر الاعتراضات التي يكررها مانعو الاحتفال بالمولد قولهم:

«الاحتفال بالمولد عبادة مستحدثة لم يفعلها النبي ﷺ ولا أصحابه، وكل عبادة مستحدثة بدعة ضلالة».

ولكن قبل إطلاق هذا الحكم، يبقى سؤالٌ مهم ينبغي الإجابة عنه:

❖ هل الاحتفال بالمولد عبادةٌ مقصودة بذاتها أصلًا؟

فالعبادات مبناها على التوقيف، فلا يُتقرّب إلى الله بعبادةٍ مخصوصة إلا بدليل.

أما العادات والوسائل وأساليب التعبير عن الفرح والمحبة والتذكير، فالأصل فيها الإباحة، ما لم تتضمن أمرًا محرّمًا أو تخالف أصلًا من أصول الشريعة.

وهنا يكمن أصل المسألة:

هل مجرد اجتماع الناس، وإلقاء الكلمات، وقراءة السيرة، ومدح النبي ﷺ، وإطعام الطعام، وإظهار الفرح بمولده، عبادةٌ جديدة مستقلة؟ أم هي وسائل وعادات يُراد بها التعبير عن محبته وتعظيمه وذكر سيرته؟

إن مجرد اجتماع الناس في زمانٍ معين أو مكانٍ معين لإظهار الفرح أو التعبير عن المحبة لا يجعل هذا الفعل عبادةً مستقلة بمجرد حدوثه.

فالإنسان قد يفرح بنعمة، ويُظهر سروره بحدث عظيم، ويجتمع مع غيره للتذكير بمناسبةٍ مباركة، دون أن يكون قد اخترع عبادة جديدة.

❖ ألم يفرح المسلمون بقدوم النبي ﷺ؟

لقد كان المسلمون يفرحون برسول الله ﷺ، ويستقبلونه عند قدومه، ويُظهرون سرورهم بلقائه، وكان قدومه إلى المدينة حدثًا عظيمًا في حياة المسلمين.

والمقصود هنا ليس القول إن كل صورةٍ تاريخية للاحتفاء تصبح عبادةً سنّية واجبة الاتباع، وإنما المقصود إثبات أصلٍ واضح:

أن الفرح برسول الله ﷺ وإظهار السرور به وتعظيمه أمرٌ مشروع في أصله، وليس من البدع المذمومة لمجرد أن الإنسان عبّر عنه بصورةٍ لم تكن موجودة من قبل.

فصور التعبير عن الفرح والمحبة تختلف باختلاف الأزمنة والأعراف، ما دامت لا تتضمن مخالفة شرعية.

❖ المناسبة ليست هي العبادة

الخلط الكبير عند بعض المانعين هو اعتبار كل فعلٍ يُكرّر في وقتٍ معين عبادةً مستحدثة.

وهذا غير لازم.

فقد يتخذ الناس وقتًا معينًا لإقامة مؤتمر، أو درس، أو لقاء علمي، أو مناسبة اجتماعية، أو نشاط خيري، أو احتفاء بحدث تاريخي، ولا يصبح هذا التحديد عبادةً بمجرد وقوعه في تاريخ معين.

وكذلك من يرى مشروعية الاحتفال بالمولد لا يقول إن يوم المولد عيدٌ شرعي ثالث، ولا إن الاحتفال به عبادة مفروضة، ولا إن من تركه مذموم أو ناقص الإيمان.

وإنما يقول:

إن إظهار الفرح بمولد رسول الله ﷺ، وقراءة سيرته، والصلاة عليه، وإطعام الطعام، وتذكير الناس بمكانته ورسالته؛ من الأعمال المشروعة في أصلها، واجتماعها في مناسبة المولد لا يحولها تلقائيًا إلى عبادة محرمة أو بدعة ضلالة، ما دامت خالية من المخالفات الشرعية.

❖ وهل كل جديدٍ في الصورة جديدٌ في الدين؟

لو جعلنا كل وسيلة جديدة بدعةً محرمة، لتعذر على المسلمين استعمال كثير من الوسائل الحديثة في الدعوة والتعليم ونشر العلم.

فالكتب المطبوعة، والمؤتمرات، والإذاعات، والقنوات، ومواقع الإنترنت، وصفحات التواصل الاجتماعي، كلها وسائل لم تكن موجودة في القرون الأولى.

ولم يقل أحد إن الدعوة من خلالها عبادة جديدة لمجرد أن وسيلتها جديدة.

لذلك ينبغي التفريق بين:

إحداث عبادة جديدة يُتقرّب بها إلى الله دون دليل

وبين:

استخدام وسيلة أو عادة مباحة للتعبير عن أمرٍ مشروع ✔️

وهذا التفريق هو الذي يغيب عن كثير من الجدل حول المولد.

❖ أخطاء بعض المحتفلين لا تجعل أصل الفرح حرامًا

نعم، قد تقع بعض المخالفات في بعض الاحتفالات، وهذه المخالفات تُنكر وتُصحح.

لكن من الخطأ أن تتحول أخطاء بعض الناس إلى دليل على تحريم أصل المناسبة.

فهل إذا وقع الخطأ في مناسبة دينية أو اجتماعية حرّمنا المناسبة كلها؟

الواجب هو أن نقول:

نرفض المخالفة، ولا نحرّم الفرح المشروع.

فالاحتفال الذي يشتمل على محرمٍ يُنكر فيه المحرم، أما الاجتماع على الصلاة على النبي ﷺ، وقراءة سيرته، وذكر شمائله، وإطعام الطعام، وإظهار الفرح بمولده ﷺ؛ فلا يصح تحريمه بمجرد وصفه بأنه «بدعة» دون بيان: أين هي العبادة المستحدثة في ذات الفعل؟

✦ الخلاصة

ليس كل ما لم يفعله النبي ﷺ بنفس الصورة التي نفعله بها اليوم عبادةً محرمة.

وليس كل اجتماعٍ في مناسبة معينة بدعةً ضلالة.

فالاحتفال بالمولد ـ عند من يراه جائزًا ـ ليس إنشاءً لعبادة جديدة، ولا إضافةَ عيدٍ إلى أعياد الإسلام، وإنما هو وسيلة وعادة لإظهار الفرح والمحبة والتذكير بسيرة النبي ﷺ.

فإن اشتمل على خيرٍ أُقرّ خيره، وإن اشتمل على مخالفة أُنكرت مخالفته.

أما تحويل كل صورة من صور الفرح برسول الله ﷺ إلى «بدعة ضلالة» لمجرد أنها لم تقع بهذه الهيئة في عصر النبوة، فهو توسع في مفهوم البدعة يحتاج إلى مراجعة وتأمل.

نحن لا نعبد الله بطريقة جديدة، وإنما نفرح بمن بعثه الله رحمةً للعالمين ﷺ.

فالفرق كبير بين أن نُحدِث عبادةً في الدين، وبين أن نستعمل وسيلةً مباحة للتعبير عن محبة نبيّنا وتعظيمه.

#المولد_النبوي
#الفرح_برسول_الله
#محبة_النبي_ﷺ
#هل_الاحتفال_بالمولد_بدعة