الاثنين، 30 يوليو 2018

الضوابط الشرعية (أو التأصيل الشرعي) للتعايش.. مع الآخر

فقه العلاقة مع الآخر- بين التعايش والانغلاق
هل يدعو الإسلام إلى القطيعة مع الآخر واجتنابه والتمايز عنه في مواطن السكن وأنماط العيش وسلوكيات الحياة ليعيش المسلمون في مجتمع منعزل عن الآخرين؟

أم أنّه يدعو إلى التعايش مع الآخر والانفتاح عليه ونسج خيوط العلاقة معه 
بما يحفظ للمسلم هويّته ويَحُول دون انجرافه مع الآخر فكراً وسلوكاً؟

قد نجد في واقعنا من ينظّر لفقه القطيعة والتباعد عن الآخر
 وضرورة تقسيم البلاد إلى دارين: دار الكفر ودار الإسلام، ويرى هؤلاء 
أنّ ابتعاد المسلم عن غيره وتواجده في مجتمع المسلمين الخاص بهم،
 كفيل بحفظ هويته الدينية التي تميّزه عن الآخر إن من حيث العمق والمضمون وما يحمله من اعتقادات
 أو يقوم به من ممارسات، وإن من حيث الشكل والظاهر وما يختص به من طريقة لبسه وتزيّنه أو نحو ذلك، فهل إنّ هذا النمط من التفكير سليم من الناحية الشرعية وواقعي من الناحية العملية؟

لا إفراط ولا تفريط

إنّ الإسلام لا يريد للمسلم أن يعيش حبيس بيته منعزلاً عن الآخرين،
ولا يطلب منه أن يبني بينه وبين الآخر جُدراناً، ماديةً كانت أو نفسية،
وإنّما يدعو إلى الانفتاح على الآخر والتعايش معه، - أو قلْ إلى العيش معه، 
لأنَّ كلمة التعايش قد تحمل في مضمونها معنى تكلّف العيش-
 ولكنّه يريده تعايشاً يحفظ هوية المسلم من التلاشي والضياع.


الضوابط الشرعية ( أو التأصيل الشرعي ) للتعايش.. مع الآخر
1- الفرق بين التقييم والتعامل:
إن تقييمنا الإنسان ما يختلف عن التعامل معه، فالتقييم شيء والتعامل شيء آخر.فليس بالضرورة إذا كان تعاملك مع إنسان ما حسن وجيد أن يكون تقيمك له أيضاً حسن وجيد.
•فالله سبحانه قد قال عن اليهود – مثلاً ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ..[ وقال تعالى أيضاً *ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم..) فهذا هو التقييم.
أما عن التعامل معهم ، فقد كتب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الوثيقة في المدينة والتي هي الدستور في لغة العصر فجاء فيه(وان يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم،إلا من ظلم وأثم فانه يؤاخذ إلا نفسه وأهل بيته وأن ليهود بنى النجار مثل ما ليهود بني عوف ،وان ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف،و ..وان على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ،وان بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وان بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم :
وانه لم يأثم امرؤ بحليفه وان النصر للمظلوم ،وان اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين...).
وفي صحيح البخاري ( توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ودرعه مرهونة عند يهودي).
•وكذلك قال سبحانه وتعالى عن الوالدين المشركين ]وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً[.
فمن ناحية ( التقييم) :إن الوالدين هنا مشركين كفرة لا يرضى الابن عن دينهما ،أما من ناحية (التعامل) فيجب على الابن البار مصاحبتهما في الدنيا معروفاً.
فتعاملنا مع إنسان ما ليس معناه رضاؤنا عنه وعن دينه ومبادئه وإلا لما كنا نختلف معه.
•وكذلك قوله (صلى الله عليه وسلم) (بئس أخو العشيرة)
لقد وصف الله سبحانه وتعالى نفسه بالرحمن الرحيم ،وقال المفسرون:رحمن الدنيا ورحيم الآخرة.أي إن إحسان الله سبحانه يعم المسلمين والكافرين في الدنيا،أما في الآخرة فيخص المسلمين ولذلك نرى الله سبحانه يرزق أناسا مشركين كفرة وملحدين وعابدي الأوثان يسبون الله ورسوله ومع هذا يرزقهم ويحلم عنهم، أما في الآخرة فينتقم منهم ولا يرحمهم. قال تعالى ]ورحمتي وسعت كل شيء [ فهذه في الدنيا أما في الآخرة فسأكتبها للذين يتقون فهو تعالى (حليم في الدنيا) و(منتقم في ألآخرة).
وقال تعالى( لا إكراه في الدين )
فالدولة ألإسلامية ليست معناها دولة المسلمين . وذلك لأنه قد تعيش أجناس مختلفة تحت راية الدولة الإسلامية كاليهود والنصارى والمجوس وغيرهم كما رأينا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم.
فكما قال الشيخ القرضاوي (كل مسلم إسلامي وليس كل إسلامي مسلم)
2- التعاون على ماذا ؟ وليس التعاون مع من ؟
قد يعترض البعض فيقول :لماذا تتعاونون مع الأحزاب الشيوعية والآشورية ؟
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن (حلف الفضول) (ما شهدت من حلف إلا حلف المطيبين وما أحب أن انكثه وأن لي حمر النعم) ومن مرسل طلحة بن عوف نحوه وزاد (ولو دعيت به اليوم في الإسلام لأجبت).
وقال الله تعالى ] وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان[ وقد رأينا في (وثيقة المدينة) التي كتبها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيقول عن اليهود (وان بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وان بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم).
· التعاون في صد فيضان المدينة أو حريق عام أو ..
3- الفرق بين أحكام الباطن وأحكام الظاهر:
نحن علينا الظاهر وليس الباطن فـ (إنما الأعمال بالنبات) فهذا للآخرة أما في الدنيا (إنما النيات بالأعمال) وقد قالوا لاتصرف عنوان التصور وقد قال عمر بن الخطاب :اناالوحي قد انقطع فمن أظهر لنا الحسن عاملناه بالحسنى ومن أظهر لنا غير ذلك عاملناه حسب ذلك وليس علينا معرفة السرائر..أو كلاماً هذا معناه. وهناك المصالح المشتركة التي تربط بين الطرفين فيتعاونان معاً ليحقق كل منهما مصلحته الخاصة.
*مثال : دليل الهجرة حيث كان كافراً فعل ذلك مقابل المال وليس لله بخلاف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأبي بكر الصديق (رضي الله عنه) .
* وكذلك قول الله تعالى ]منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد ألآخرة[
يقول الأستاذ ألنورسي : ( أنت تحفر بئراً تريد الماء ، فيأتي شخص فيقول..أنت تبحث عن الذهب وسأساعدك بشرط أن يكون نصف الذهب لي). فإذا اخرج الذهب فليكن مناصفة حيث لا تخسر شيئاً .وإذا أخرج الماء إلى حال سبيله!.
4- أحكام الحرب وأحكام السلم :
إن أحكام الحرب تختلف عن أحكام السلم ،ويجب علينا أن نفرق بين الآيات التي نزلت أيام الحرب والآيات التي نزلت في زمن السلم فنضع كل آية في موضعها.
فمثلاً قال الله سبحانه وتعالى ] لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ..[ وقال الله تعالى ]ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم...[ .ومع كل هذا روى البخاري في صحيحة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) توفي ودرعه مرهونة عند يهودي ) وللمسلم ان يتزوج من اله الكتاب ان لم يكن هناك حرب بينهم وبين المسلمين وهي تبقى على دينها ولا يجبرها قال تعالى ] لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون[
وهناك اختلاف بين السلف في إبداء السلام مع اليهود والنصارى وجواب سلامهم ،وقد قيل :عدم إبداء السلام لهم وتضييقهم في الطريق كان ذلك حكماً خاصاً ببني قريظة عندما أنطلق المسلمون إليهم ،وكل ذلك زمن الحرب ،ذكر ذلك الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) عام الوفود.
ففي زمن الحرب لا يبدأون بالسلام .أما في زمن السلم فقد قال تعالى ]وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها[
5- هناك أحكام عمومية وأحكام جزئية:
يجب أن نفرق بين الأحكام الجزئية والأحكام العمومية ، فلا نسحب الأحكام الجزئية على الأحكام العمومية،فقد يأتي نص في حكم جزئي معين ،من الخطأ أن نجعله قاعدة فندخل تحتها كل الحالات والأشخاص.
على سبيل المثال (الكفر ملة واحدة) فهذا القول ليس بآية ولا حديث ،بل يقال انه قول الإمام الشافعي رحمه الله ، وهو رحمه الله لم يأت به ليتعامل المسلم مع الكافرين على ضوءه ، بل قال هذا القول في مسألة الميراث فقد (قال إبن الكثير) استدل الشافعي وغيره على أن الكفر ملة واحدة فورث اليهودي من النصراني وبالعكس بخلاف أحمد . فنحن نعلم أن الكافرين ليسوا كلهم سواء فيجب أن نفرق بينهم ،قال تعالى] ليسوا سواءٌ من أهل الكتاب امة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين _وما يفعلوا من خير فلن يكفروه _ والله عليم بالمتقين[وقال تعالى ] ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك[ وقال تعلى ] لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا....ولتجدن أقربهم مودةً[ ويقول تعالى ]لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ...إنما ينهاكم [ فهذه الآيات الكريمة تفرق بين الكافرين ولا تجعلهم في مرتبة واحدة.
وكذلك يجب في تعاملنا معهم أن نفرق بينهم فلا نجعل كلهم من أشد الناس عداوة وإلا كيف صح لنا زواج الكتابيات ومعاشرتهن وكيف صح لنا وأحل لنا طعامهم وزيارتهم ومصاهرتهم...؟
6- نفرق بين الكافر وصفاته والمسلم وصفاته !
يجب علينا أن نفرق بين الإنسان وصفاته فهناك صفات طيبة ومحمودة في بعض الكافرين لا يحملنا كفره على ذم تلك الصفات المحمودة فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأشج بن عبد قيس عندما وفدوا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (إن فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة).
وهناك صفات محبوبة محمودة مثل النضال والوقوف أما الظلمة والطغاة والمتجبرين ،والدفاع عن حقوق المظلومين ،ففي مدح الأحزاب الشيوعية –مثلاً- أو ألآشورية ينصب المدح على هذه الصفات وليس على أشخاصهم ،فنحن نمدح الأحزاب من أجل هذه الصفات الحميدة ولا نمدح الحركات الإسلامية التي تضرب أقوامهم وتقاتلهم لأنها غير حميدة ربما نقتدي بعبد الله بن أبي سلول من حيث لا تدري!
قد يتساءل بعض المسلمين فيقول (عن الله سبحانه وتعالى قال ]ولن نجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً[ والآن الكافرين هم الذين سيطروا على المسلمين وأمورهم بأيدي أولئك فكيف حدث ذلك؟فيقال في الجواب هؤلاء كفرة بصفات مؤمنة انتصروا على المسلمين الذين صفاتهم صفات الكفر والكفرة كالتحاسد والتفرقة ومحاربة بعضهم البعض والحقد والبغض و...الخ
قال ابن تيمية رحمه الله (إن الله لينصر الدولة العادلة وان كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة).
· ]ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاءه جهنم خالداً فيها[ من قتل مؤمناً من أجل إيمانه وليس من اجل ماله أو شيء آخر فتختلف ألأحكام حسب النيات والمقاصد.
فصل في هديه (صلى الله عليه وسلم) في السلام على اهل الكتاب:
صح عنه صلى الله عليه انه قال (لا تبدؤوهم بالسلام وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيق الطريق ،لكن قد قيل إن هذا كان في قضية خاصة لما ساروا إلى بني قريظة قال (لا تبدؤوهم السلام) فهل هذا حكم عام لأهل الذمة مطلقاً أو يختص بمن كانت حاله بمثل حال أولئك ؟ هذا موضع نظر ولكن قد روى مسلم في صحيحه من حديث إن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال(لا تبدؤو اليهود ولا النصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه)والظاهر أن هذا الحكم عام.
وقد أختلف السلف والخلف في ذلك فقال أكثرهم لا يبدؤون بالسلام وذهب آخرون إلى جواز ابتداءهم كما يرد عليهم ،روى ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة وابن محيريز وهو وجه في مذهب الشافعي رحمه الله ولكن صاحب هذا الوجه قال له السلام عليك فقط بدون ذكر الرحمة وبلفظ الإفراد ،وقالت طائفة يجوز الإبتداء لمصلحة راجحة من حاجة تكون له إليه أو خوف من أذاه او لقرابة بينهما أو لسبب يقتضى ذلك يروى ذلك عن إبراهيم ألنخعي وعلقمة،وقال ألأوزاعي ان سلمت فقد سلم الصالحون وان تركت فقد ترك الصالحون.
واختلفوا في وجوب الرد عليهم، فالجمهور على وجوبه وهو الصواب ،وقالت طائفة لا يجب الرد عليهم كما يجب الرد على أهل البدع وأولى فالصواب الأول ،والفرق أنا مأمورون بهجر أهل البدع تعزيزاً لهم وتحذيراً منهم بخلاف أهل الذمة.
فصل :
وثبت عنه (صلى الله عليه وسلم) انه مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود فسلم عليهم ،وصح عنه أنه كتب إلى هرقل وغيره،السلام على من أتبع الهدى._

من هم أدعياء السلفية وما هي خلاصة منهجم ؟!



الجواب :.... هم خليط ومزيج ، وأمر مريج ، من الأفكار
الوافدة ، من الفرق الضالة ، والمناهج المنحرفة ، والآراء الشاذة حتى تكونت في عقولهم خطة ومنهجاً مستقلاً عن غيرهم ، فشابهوا الفرق مع الفرق فهم :

أخذوا من الخوارج مبدأ الخروج ، فخرجوا على الدعاة والعلماء الذين لا يوافقونهم على أهوائهم، ولا ينزلون عند مرادهم بالحط من قدرهم ، ورميهم بق...ذائف من الألقاب القبيحة في أشخاصهم ، فتارة يقولون : ( هذا ضال ، وذاك مبتدع ، والآخر عنده شركيات وكفريات ) حتى فاهو بكلمة : (أضر علينا من اليهود والنصارى) ، وإن خففوا قالوا : ( هذا غامض ، أو متلون ، أو مميع لمنهج السلف ، أو غير واضح ، أو سلفي الظاهر مبتدع الباطن) فبئس ما قالوا وما فعلوا .

وأخذوا عن الأشاعرة طريقة التأويل ، فذهبوا إلى لوي أعناق النصوص ، حتى تعانق أهدافهم الدنيئة ، وقاموا بتأويل فتاوى العلماء حتى توافق مقاصدهم ومرادهم ، ونفوا عن كل فضل فضله .


وأخذوا عن المرجئة الذين قالوا : ( أنه لا يضر مع الإيمان معصية ) السكوت عن المنكرات جبناً ، وخيانة لأمانة النصيحة ، فلم ينكروا المنكرات العظام ، ولم يؤدوا حق النصيحة الذي أوجبه الله على المسلمين عامة .

ومن غلاة الصوفية أخذوا طريقة التقديس للسادات ، فهو المصيب وغيره الضال ، فلا يرد عليه، ولا ينتقد له مقال ، ورفعوهم فوق منزلتهم ، وكذا الحال عند هؤلاء الأدعياء الذين سكتوا عن معايب ومثالب شيوخهم في الوقت الذي يبحثون فيه عن الهفوات ، والزلات ، ويتصيدون الأخطاء لغيرهم .

 ومع بطش اليهود والنصارى بالمسلمين فلسان الحال والمقال
: هذا قدر الله ، ومشيئة الله ، لا نستطيع رد هذا الصنيع ، فهم لا يقدمون لنصرة الدين ، والأمة شيئاً ولا يحركون ساكناً ، في الوقت الذي لا يدعون داعية في دعوته آمناً .
 وفي باب النصيحة غلاة وجفاة ، فمع أخطاء الدعاة والعلماء
يغلون في حق النصيحة لهم ، حتى يقلبوا النصيحة إلى فضيحة ، ومع أخطاء غيرهم ممن شاكلهم جفاة عن القيام بواجب النصيحة. والحق والعدل في ذلك أن المصيب من يسلك طريق الوسطية في النصيحة وغيرها بين الغالي فيها والجافي عنها . فالوسطية مطلب شرعي يجب الأخذ به ، حتى لا نقع في إحدى السوءتين ، إما الإفراط أو التفريط . قال تعالى : (( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ....))


إنهم دعاة الفتنة الذين يتصيدون العثرات وسيماهم جعل
الدعاة تحت مطارق النقد ، وقوارع التصنيف ، موظفين لذلك :

الحرص على تصيد الأخطاء ، وحمل المحتملات على المؤاخذات ، والفرح بالزلات والعثرات ، ليمسكوا بها بالحسد ، والثلب واتخاذها ديناً . وهذا من أعظم التجني على أعراض المسلمين عامة وعلى الدعاة منهم خاصة . وسيماهم أيضاً : توظيف النصوص في غير مجالها ، وإخراجها في غير براقعها ، لتكثير الجمع ، والبحث عن الأنصار ، وتغرير الناس بذلك .

وهؤلاء الأدعياء الذين اشتغلوا بضلالة التصنيف وقعوا في مخالفة السلف ، وابتعدوا عن المنهج القويم ، فضلوا وأضلوا في هذا عن الحق والصواب ، فكان هم أحدهم وجل بضاعته التحذير والتنفير من العلماء الربانيين ، والدعاة المخلصين ، بحجة الدفاع عن الحق والعقيدة ، وما علموا أنه ضياع للحق وخداع للخلق ، وإشاعة للفاحشة بين المؤمنين ، وأذية لهم ، وهم بهذا قطاع طرق الإفادة من العلماء والدعاة ، وهم غزاة الأعراض بالأمراض .

أدعياء السلفية وتحريم النظر في أحوال الأمة ومعرفة أعدائها وفكرهم محرما شرعا كالنظر في التوراة المحرفة :

جعل هؤلاء النظر في أحوال أمة الإسلام ومعرفة مخططات أعدائها وفضح أساليب مكرهم بها أمرا محرما في الدين إلا من خلال الإعلام المرضي عنه والخاضع للحكومات الغربية ، وقاسوا ذلك على النظر في التوراة المحرفة وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد غضب على عمر بن الخطاب لما رآه ينظر في ورقة من التوراة ، والحال ان الرسول صلى الله عليه وسلم قد غضب على عمر وانه رآه قد استحسن ما في التوراة فقال له : ( لقد جأتكم بها بيضاء نقية والله لو كان موسى حيا لما وسعه إلا أن يتبعني) الدارمي 441.

شعار أدعياء السلفية لا عمل لنصر الإسلام :

الدعوة التي خصص هؤلاء أنفسهم لها وفرغوا أعمالهم من أجلها هي أن يهدموا الدعاة إلى الله ويشينوهم ويسبوهم ويجرحوهم ... هذا هو جهادهم وعملهم لنصر الدين وإعلاء كلمته في العالمين.ولا أخالي مخطأ إن قلت أن الحسد الدفين هو دافعهم لذلك كله ، إن لم يكن بريق الدينار والدرهم .

النميمة للسلطان أصل من أصول أدعياء السلفية :
فتراهم يستعينون بسوط السلطان لإسكات مخالفيهم بدلا من
الحجة والبرهان.لا يتورع القوم عن تأليب السلطان على مخالفيهم في القضايا الاجتهادية ، وذلك من خلال تصوير هؤلاء المخالفين بأنهم خطر على الدولة وبالتالي يجب اقتلاعهم ، ومن هؤلاء من كتب مؤلبا في صفحات الجرائد العامة. ومنهج السلف مع السلاطين معروف ، فهم يتجنبون أبواب السلطان ، وإن كان عادلا مقسطا إتباعا لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أتى أبواب السلطان افتتن ) ، فكيف إذا كان يعمل بالنميمة ويرسل التقارير والأشرطة المسجلة ، ليصطاد عبارة موهمة ، أو يتجسس على شيخ ليتقرب بدمه عند السلطان . وقال الثوري : ( إذا رأيت العالم يكثر الدخول على الأمراء فاعلم أنه لص ). وهؤلاء لا سلف لهم في أسلوبهم التحريضي إلا المعتزلة أيام المأمون والمعتصم حين استعانوا بسوط السلطان على أهل السنة ، وحكايتهم مع الإمام أحمد مشهورة معلومة .
 تقديم هدم دعاة السنة على أهل الفرق :

للطائفة التي اتخذت سب الدعاة إلى الله دينا : أن أهل البدع الكبرى كالرفض والتجهم والإرجاء واللادينيين، يقولون عنهم : هؤلاء معروف أمرهم ، ظاهر فعلهم ولذلك فلا يجوز أن ننشغل بهم بل يجب أن ننشغل بالدعاة إلى الله لنبين أخطاءهم لأنها تخفى على الناس . فنعوذ بالله من الخذلان عن طريق الحق ، نسأله جل وعلا ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا .فانظر كيف عمى هؤلاء عن حرب المحاربين للإسلام وانشغلوا بحرب أولياء الرحمن والدعاة إلى الله !! ونهش لحومهم وتفضيل جهادهم بدلا من مؤازرتهم والنصح لهم ، وتسديد أخطائهم .. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

إطلاق وصف الضال المضل على دعاة هدى :
استسهل هؤلاء إطلاق الألفاظ الكبيرة العظيمة ومن ألفاظهم التي تسهل على ألسنتهم إطلاق وصف " الضال المضل " و " الخبيث " على دعاة الهدى والخير من أهل السنة والجماعة . وإطلاق هذا الوصف على من لا يستحقه كبيرة من الكبائر ، ولا شك أن مثله يعود على قائله نعوذ بالله من الخذلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
سب الدعاة قربة إلى الله وعمل صالح أفضل من الصلاة والصوم:

الأصل التاسع والعشرون من أصول هذا الفكر هو التعبد لله بسب الصالحين وشتمهم ولعنهم . فالمسلم الداعية الذي يمكن أن يكون قد أخطأ تأولا أو جهلا يصبح وقوعه في هذا الخطأ الاجتهادي سببا في استحلال عرضه بل دمه . وقائمة السباب عند هؤلاء الجراحين طويلة فـ " الخبيث " ، و " الخنيث " ، و " الزنديق " ، و " المبتدع " وأوصاف سهلة على ألسن هؤلاء الجراحين يقولونها في كل مناسبة ، ويطلقونها على الصالحين من عباد الله دون أي تأثم أو مراجعة للنفس ، بل بصدر منشرح ، ويظنون أن هذا أرجى أعمالهم عند أعمالهم عند الله : ( إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ) [النور15[
إنزالهم الآيات النازلة في الكفار على المسلمين :
هذه الفئة التي اتخذت سب المسلمين دينا أرادت أن تستدل لمنهجها في تجريح أهل الإسلام وتبديعهم وتفسيقهم واستباحة أعراضهم ، ووجوب مفارقة الصالحين منهم وهجرهم ، وتعطيل دعوتهم ، أرادت أن تستدل لهذا المنهج الفاسد من القرآن، فاستدلت بالآيات النازلة في الكفار ، وأن الرسل جاءوا للتفريق بين الأب وأبيه والزوج وزوجته ، والأخ وأخيه ، ويستدل بعضهم في دروسه بأن محمدا صلى الله عليه وسلم قد جاء فرقا بين الناس أو قد فرق بين الناس ، ويجعلون هذا الحديث دليلا على وجوب التفريق بين المسلمين ، فالسلفي غير الإخواني غير التبليغي ... ويعقدون الولاء والبراء بين السلفيين وهؤلاء ، كما هو الولاء والبراء مع الكفار ..!! فلا حول ولا قوة إلا بالله . والحديث في التفريق بين المؤمن والكافر يحملونه على وجوب التفريق بين مسلم وآخر ، ويستدل بعضهم بقوله تعالى : ( ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون ) [النمل 45] أن صالحا جاء ليفرق بين قومه . ويرى هذا المستدل بهذه الآية أنه عندما يفرق بين مسلم و مسلم !! فهو تابع لصالح عليه السلام في تفريقه بين المؤمنين والكافرين . فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
الهم الأول لأدعياء السلفية جمع مثالب الدعاة من أجل التنفير الناس منهم :

جعل هؤلاء الجراحون همهم الأول في الدعوة إلى الله هو الوقوف على أخطاء الدعاة ، وجمع مثالبهم ، وحفظ سقطاتهم برقم الصفحة ، ونص كلامهم والاهتمام بنشر هذه المثالب والسقطات بقصد تنفير الناس منهم لا بقصد تحذير الناس من الوقوع فيها ، أو النصح لمن وقعوا فيها ، وإنما بقصد أن ينفروا الناس عن الداعي إلى الله ويبطلوا جميع جهاده وكل حسناته ، ويهدموا كل ما بناه ، ويحرموا المسلمين من جميع مؤلفاته وعلمه ولو كان نافعا صالحا . وهذا تخريب عظيم وسعي للإفساد في الأرض ، فلو أن ساعيا سعى في جميع مثالب الأئمة والفقهاء لوجد الكثير ، ولو أن جامعا جمع سقطات الفقهاء لجمع شيئا لا يحصى ، وقد قال سليمان التيمي :( لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله ) ، قال ابن عبدالبر معقبا : ( هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا ) [جامع بيان العلم وفضله 291-92[ ولا يوجد عالم لم يتكلم فيه ، ولو تذكر له جرحة أو سقطة إلا من رحم الله !! وهؤلاء الجراحون أنفسهم لو جمع جامع بعض سقطاتهم وزلاتهم من شريط أو شريطين أو كتاب أو كتابين أو محاضرة أو محاضرتين لكفت في إسقاط عدالتهم ، وتبديعهم وتكفيرهم على حسب أصولهم الفاسدة في التبديع والتفسيق والتجهيل والتكفير وهم يدعون أن الخطر الذي يتهدد الوجود الإسلامي في الأرض اليوم على أيدي هذه الفرق والطوائف الضالة أشد بكثير جدا من الخطر الذي يتهدده على أيدي الأعداء الصرحاء من اهل الشرك والمذاهب المادية ، إذ أن هذه الفرق والطوائف تدعي الإسلام ، ويحسبها غير المسلمين على الإسلام وهي في حقيقتها سوس مكين يسري في جذوع الإسلام وفروعه ، في الوقت الذي يتغافلون فيه عن أهل الكفر والبدع الظاهرة لعجزهم عن مواجهتهم .
اعتبار الدعاة أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى واللادينيين :
هذا وهو الوصف الذي يطلقه أصحاب هذا الفكر على الدعاة إلى الله ، وجماعات الدعوة والقائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والذين يأمرون بالقسط من الناس فهؤلاء المصلحون المجتهدون في إصلاح أحوال هذه الأمة يصفهم هؤلاء بأن دعوتهم وأمرهم بالمعروف وقيامهم بالحق أخطر على أمة الإسلام من اليهود والنصارى ، فلا حول ولا قوة إلا بالله ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .

يجب تقديم حرب الدعاة إلى الله على حرب اليهود :
لما كان هؤلاء يرددون ويعتقدون أن الدعاة إلى الله هم أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى فإنهم من أجل ذلك قدموا حربهم على حرب اليهود والنصارى وقالوا إن الواجب كشف عوار هذه الفرق - الجماعات - وبيان ضلالها والتحذير من آثامها وخطرها ، وتعرية دعاتها و رؤوسها ، وصرف قلوب الناس وعقولهم عنها ، بل رأوا أن التصدي لجماعات الدعوة مقدم على التصدي للكفار والمنافقين والعلمانيين واليساريين ، بجميع أشكالهم . وهذه هي علة الخوارج قديما وحديثا كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)البخاري 3344.

اتهام النيات بلا دليل :

عند هؤلاء أنهم لا يكتفون بالحكم على الظاهر ، فلقد أحرجهم الذين ظاهرهم الصلاح والدعوة إلى السنة والخير ، ولما اجتهدوا فلم يجدوا جرحة كبيرة يهدمون بها من يريدون هدمه فإنهم اتهموا نياتهم وقالوا " ما دعوا إلى السنة إلا لهدمها " و " ما التزموا بالسلفية إلا لحربها " . ومن أجل ذلك كان أخذ الناس بالظنة ، واتهامهم بلا بينة راجحة سمة من سمات منهجهم الكاسد .
 الأصل الخامس والثلاثون : جعلهم الخطأ في المسائل
العلمية التي يقع بها بعض الدعاة أعظم منه في المسائل العملية مطلقا :
لقد جعل هؤلاء الجراحون الخطأ في المسائل العلمية التي يقع بها بعض الدعاة أعظم من الخطأ في المسائل العلمية مطلقا . ولهذا فإنهم لا يعدون جرائم الحكام الطغاة في الشعوب الإسلامية ، وما يقترفونه من فساد وإفساد وصد عن سبيل الله، لا يعدون ذلك شيئا لظنهم أنه لا يعدو أن يكون فسقا عمليا ، بينما يعظمون الشنعة على داعية وقع في خطأ في مسألة علمية و يملئون الدنيا عويلا وتشهيرا . وربما استدلوا بقول بعض أهل العلم ( البدعة شر من المعصية ) وهو ليس على إطلاقه ، فإن الخطأ قد يكون نسبيا بحسب اختلاف الاجتهاد ، وقد يكون فاعله مثابا وإن كان مجتهدا وإن ظنه غيره بدعة ، وقد يكون متأولا . فلا يكون الداعي إلى إفساد المسلمين ونشر الربا والزنا وغيرها من كبائر الفواحش والعظائم بينهم بالدعوة إلى ذلك بالوسائل المرئية والمسموعة فضلا عن السماح بنشر بدع الإلحاد والضلال والمذاهب الهدامة عبر الصحافة وغيرها ، أهون ذنبا من داعية صالح وقع متأولا فيما يعد بدعة عند غيره .
لا يذكر للدعاة والمفلحين إلا سيئاتهم :
الأصل السابع والثلاثون من أصول البدعة عند هؤلاء هو أنهم لا يذكرون للدعاة والمصلحين ومن يريدون هدمهم من أهل الخير إلا سيئاتهم فقط ، وذلك بهدف التنفير منهم وإبعاد الناس عنهم وتحذير طلبة العلم منهم والملتزمين والعوام من الاستماع إليهم ، ويسمون منهجهم هذا منهج أهل السنة في النقد .وهذا على الحقيقة هو منهج المبتدعة والرافضة الذين لا يذكرون إلا ما يظنونه من أخطاء الصحابة أو مثالبهم ويتعامون عن حسناتهم وبلائهم وجهادهم ، ولا يذكرون لأهل السنة والجماعة إلا أخطائهم لقصد تنفير الناس عنهم ، وهؤلاء أخذوا منهج الروافض وشرعوا يحذرون الناس من الدعاة إلى الله والمصلحين وأهل الخير لتلمس أخطائهم والبحث عن هفواتهم وتصيد زلاتهم ، ومن ثم تحذير الناس منهم بدلا من النصح لهم والدعاء لهم بالخير وتنبيههم إلى ما أخطأوا فيه ليحذروه ويبتعدوا عنه و تأيدهم فيما قاموا به من نصرة الحق وعزة الدين ونشر الإسلام . بل هؤلاء الجراحون يبطلون جميع حسنات الدعاة حتى وإن كانت جهادا في سبيل الله ويرون أن صلاتهم وصيامهم وحجهم وعبادتهم لا تنفعهم عند الله لوقوعهم في هذه الأخطاء القليلة التي لا تخرج من الإسلام ولا تدخل في بدعة فإنا لله وإنا إليه راجعون .

اختراعهم قول " ليس على منهج السلف " أو " ليس على منهج أهل السنة والجماعة " وكأنهم ورثوا عرش السلفية دون غيرهم :
اخترع هؤلاء الجراحون هذه العبارة " ليس من منهج السلف " وهي عبارة مجملة ترقى عنهم إلى التكفير والإخراج من أهل السنة والجماعة ، والفرقة الناجية ويطلقون هذه الكلمة على مجرد مخالفة يسيرة في أمر اجتهادي يسوغ فيه الخلاف ، كالمشاركة في المجالس النيابية ، بقصد الإصلاح ودفع الشر ، وكالقول بأن وسائل الدعوة ليست توقيفية . وهذه الكلمة كلمة كبيرة ، واصطلاح خطير لأنه أدى بكثير من هؤلاء الجراحين إلى التكفير بغير مكفر ، والتبديع بغير مبدع للمسلمين الذين يؤمنون بالقرآن والسنة ولا يخرجون على إجماع الأمة ويعتقدون عقيدة السلف في الإيمان بالأسماء والصفات وسائر أمور الغيب ولا يقدمون قول أحد على قول الله ورسوله ، ولكنهم قد يخالفون هؤلاء في أمر فرعي اجتهادي يسوغ فيه الخلاف .فيطلق عليهم هؤلاء هذه الكلمة الكبيرة " ليس من منهج السلف " و " ليس من أهل السنة والجماعة " وهذه الكلمة لا تطلق إلا على من وضع أصولا تخالف أصول أهل السنة كإنكار السنة أصلا أو الدخول في بدعة عقائدية كالخروج والرفض والإرجاء والتجهم والقدر ، أو تقديم العقل والهوى على النصوص من القرآن والسنة ، أو الفصل بين الدين والسياسة ونحو ذلك من البدع العقائدية التي تهدم الدين أو جزءا منه .
استخدامهم سلاح هجر المبتدع ضد المسلمين المصلحين :
هجر المبتدع وسيلة شرعية للإصلاح تخضع للمصالح والمفاسد وهو من أصول أهل السنة والجماعة ، وقد استخدمه أهل السنة لمحاربة البدعة وتقليل ضررها وشرها والتحذير من أهلها ، وقد وضع أهل السنة والجماعة ضوابط لذلك ومنها : أن الحكم على المبتدع متروك للأمة الأعلام الذين يميزون بين السنة والبدعة فقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - أنفسهم يرجعون إلى العلماء منهم قبل الحكم على أمر جديد ، كما رجع أبو موسى الأشعري إلى ابن مسعود لما رأى في المسجد أناسا متحلقين وفي وسط كل حلقة كوم من الحصى ، وعلى رأس كل حلقة رجل يقول لهم سبحوا مائة فيسبحون كبروا مائة فيكبرون ، فلم يتعجل أبو موسى الحكم عليهم حتى سأل ابن مسعود في ذلك . [رواه الدارمي 208[. وكذلك رجع الناس إلى ابن عمر لما نشأ القدر ، ورجعوا إلى علي بن أبي طالب لما ظهر الخوارج وهكذا .ومن أصول أهل السنة أن الهجر للتأدب وأنه يختلف بحسب قوة الهاجر وضعفه وأنه لتحقيق مصالح شرعية وان المصلحة الشرعية إن كانت في المخالطة وجب المصير إليها .وبالجملة فالهجر الشرعي لا يكون إلا لتحقيق مصالح شرعية عظيمة . وهؤلاء الجراحون استخدموا الهجر سلاحا لقتل الإسلام ، وتفريق المسلمين فجعلوا كل صغير لم يصل الحلم جراحا وحاكما على الناس بالبدعة والسنة ، وأمروا بهجر كل الدعاة والجماعات ، وكل من أخطأ خطأ في نظرهم ... فلم يبق أحد من المسلمين من أهل السنة والجماعة - إلا من رحم الله - إلا استحق عندهم الهجر . ثم كروا على أنفسهم فبدع بعضهم بعضا وهجر بعضهم بعضا وهكذا ارتد سلاحهم عليهم ... وبهذا حول هؤلاء الجراحون سلاح هجر المبتدع الذي استعمله أهل السنة في محاربة البدعة إلى سلاح يحاربون به الإسلام والسنة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

حملهم أقوال السلف في التحذير من أهل البدع على الدعاة المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة :
 من عظائم هؤلاء أنهم أخذوا نصوص السلف في التحذير من أهل
البدع ووضعوها في غير مواضعها ، فقد أطلقوها على أناس صالحين من أهل السنة والجماعة . وعلى أساس منهجهم الفاسد في أن ( كل من وقع في البدعة فهو مبتدع ) فإنهم أخرجوا أناسا كثيرين من أهل السنة والجماعة لم يكونوا دعاة لبدعة وإن كانوا قد تلبس ببعضهم بها خطأ ، وتأولا كالحافظ ابن حجر والإمام النووي من الأئمة الأعلام رحمهما الله ، وغيرهما .ولما رأى بعضهم خطورة ذلك وأنهم ربما يبدعون بذلك عددا كبيرا من علماء الأمة رجعوا عن تبديع هؤلاء الأقدمين ، واستمروا في تبديع الدعاة المعاصرين ، علما أن هؤلاء الدعاة وقعوا في بعض الأخطاء التي لا تخرجهم من عموم أهل السنة والجماعة ، وهي أهون مما وقع فيه الحافظ ابن حجر والإمام النووي رحمهما الله . ومنهم من اتخذ التقية ، دينا فكان يبدع هؤلاء الأقدمين سرا أو أمام خاصته ، وينفي عنهم البدعة علنا . فنعوذ بالله من الخذلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالرحمن . فهلا اتبع هؤلاء قواعد أهل السنة والجماعة في التبديع بدل من اعتناقهم قواعد تصل بهم أن يبدعوا سلف الأمة جميعا ، بل لو طبقوا هم قواعد التبديع التي اخترعوها على أنفسهم حسب موازينهم لكانوا من شر أهل البدع !!!

امتحان الدعاة إلى الله بالموقف من بعض أهل العلم :

لما بدع هؤلاء جماعة من الدعاة وأهل العلم من غير مبدع حقيقي ، اضطروا بعد ذلك إلى امتحان الناس بتحديد الموقف ممن بدعوه ، فمن لم يقل بقولهم أخرجوه من السلفية ، ومن قال بقولهم فهو السلفي الحقيقي عند هؤلاء القوم . وبذلك أصبح للسلفية مقاييس خاصة عند هذه الطائفة ، مع العلم أن شيخ الإسلام قد حذر في رسالته لأهل البحرين من اتخاذ بعض المسائل - عن رؤية الكفار لربهم يوم القيامة - محنة وشعارا حيث قال في رسالته : ( ومنها أنه لا ينبغي لأهل العلم أن يجعلوا هذه المسألة محنة وشعارا يفصلون بها بين إخوانهم و أضدادهم فإن مثل هذا مما يكره الله ورسوله ).


اتهامهم مخالفيهم من الدعاة بالتكفير :
 
هذا الأصل يستخدمه أتباع هذه الطائفة سلاحا في محاربة من يخالفهم من الدعاة والمصلحين . فيتهمون الدعاة بالفئة الضحضاحة التي لا تجد راحة صدورها في إطلاق لقب الجاهلية أو كلمة الكفر على ألسنتها ، تحكم بهذه أو بتلك على مجتمع كل ملايينه مسلمون .ويتهمون أتباعهم بالتعطش للحكم على الناس بالتكفير والنفاق ، ووصف المجتمعات الإسلامية بالمجتمعات الجاهلية وبالانسلاخ الكامل من الدين .
تركهم الحق إذا جاء ممن خالفهم :

ومن أصولهم الفاسدة تركهم الحق ، لأن من يخالفهم يقول به أو يفعله ، ويجعلون ذلك دليلا على معرفة الحق ، ولهذا يحكمون على القول أو الفعل بأنه باطل لأن " الأخوان المسلمون " يفعلونه أو يقولونه أو " جماعة التبليغ " أو غيرهم . ولهذا يقول قائلهم هذا " منهج الأخوان " أو هذا " منهج التبليغ " إذا أراد أن يستدل على الخطأ في مسألة ما ، وهذا نظير فعل الرافضة مع أهل السنة ، فإنهم يقولون ( إذا لم تعرف دليلا على مسألة ما فخالف أهل السنة تصب الحق فيها ) ، وفعلهم هذا يدل على أن غيرهم لا يكون فيه خير ، والحق لا يكون إلا معهم ، فكأنهم هم فقط الذين جمعت فيهم خصال الخير وعلم الحق كله .

موقفهم المتناقض من فتاوى أئمة أهل السنة والجماعة :
 إذا وجد هؤلاء فتوى لأحد من علماء السنة - قديما وحديثا
- يشتم منها رائحة الموافقة لبعض آرائهم طاروا بها فرحا ، وألزموا الناس بها من باب توقير أهل العلم والرجوع إلى أقوالهم ، وربما ظهرت فتوى لبعض العلماء تخيء اجتهاد بعض المشايخ في مسألة ما لا تتفق مع مذهبهم ، وفي هذه الحال يلزمون ذلك الشيخ بالنزول عن رأيه والرجوع إلى رأي العلماء دونما نظر لأدلة الطرفين وحججهم وما يجب صنعه في مثل هذه الاختلافات . أما إذا جاءت الفتوى ناسفة لأصولهم الكاسدة كمشروعية العمل الجماعي ، أو المشاركة بالبرلمانات النيابية ، فإنهم يردونها ولو كانت من نفس العالم الذي طبلوا من قبل لفتاويه الأخرى . ويظهرون في هذا الموقف بوجه سلفي أثري يدعو إلى نبذ التقليد ، وعدم الجمود على أقوال العلماء ويحدثونك عن منهج الاستدلال عند السلف .. الخ من كلامهم المعهود ، فنعوذ بالله من اتباع الهوى .

تربية الصغار على الثلب والشتم والتجريح :
الأصل السادس والأربعون من أصول الابتداع عند هؤلاء هو تعليم صغار طلاب العلم والمبتدئين سب الناس وتجريحهم قبل أن يعرف الشاب المبتدئ أركان الأيمان ، وأصول الأخلاق ، وأحكام العبادات ... فهم يبدأون مع الشاب الذي بدأ في الالتزام والهداية فيعلمونه أن فلانا أخطأ في كذا ، وابتدع كذا ، وهذا العالم زنديق لأنه قال كذا ، وذاك ضال لأنه فعل كذا . وهذه أمور تضره في دينه وتقسي قلبه ، وهم مع ذلك يوهمونه أنه بذلك يكون كإمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل ، والناقد الخبير يحيى بن معين ، وأئمة الجرح والتعديل الذين جلسوا لتمييز الرواة ، وجرح المجروحين ، والذب عن الدين ... فلا حول ولا قوة إلا بالله رب العالمين . ما أفسد هذا القياس فعلماء الجرح والتعديل كان همهم تصنيف الرواة لمعرفة من يروي عنه ممن لا تجوز الرواية عنه ، أما هؤلاء فهمهم تجريح علماء الإسلام والدعاة لتنفير الناس عنهم . وإمام أهل السنة أحمد بن حنبل وغيره من الأعلام لم يجلسوا لتصنيف الرواة إلا بعد أن أصبحوا في مرتبة الأئمة الأعلام الذين يستطيعون وزن الناس وتصنيفهم ، أما حدثاء الأسنان هؤلاء فأغرار صغار لا يعرف كثير منهم الفرق بين سنة وبدعة ، ولا يستطيع ترجيح قول على قول ، ولا يميز بين ركن وواجب ، ولا يدري مصلحة من مفسدة فضلا عن أن يميز بين مفسدتين ، أو يفاضل بين مصلحتين.
إلغاء توحيد الحكم من التوحيد :

لما كانت حركة الابتداع الجديدة هذه تقوم في بعض جوانبها على مناصرة الحكام أيّا كانوا ، وإبطال فريضة الجهاد وبعض صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتشويه صورة كل داع إلى الحكم بشريعة الله . فإنهم عادوا المطالبة بتحكيم شرع الله في الأرض واعتبروا ما اصطلح على تسميته " بتوحيد الحاكمية " ابتداعا في الدين ، وأنه لا يوجد نوع من التوحيد يسمى " توحيد الحاكمية " ، وأن الأولى أن يدرج في أبواب الفقه . وجهل هؤلاء أن الصحابة أنفسهم لم يقسموا التوحيد اصطلاحا إلى ربوبية وألوهية والأسماء والصفات ، وإنما هذا اصطلاح حادث ، وهو حق لأن كفار قريش فرقوا في الإيمان بالله بين كونه سبحانه وتعالى ربا وخالقا ومدبرا للكون ، وبين كونه الإله الذي لا إله غيره سبحانه تعالى والذي لا يستحق سواه أن يعبد.فاصطلح على تسمية ما أقروه من الإيمان بالله " بالربوبية " ، وما أنكروه من مسائل الإيمان بالله " بالألوهية " ... ولما جاء من المسلمين من فرق بين صفة لله وصفة أخرى وآمن ببعض أسماء الله وصفاته وكفر ببعضها ، فإن علماء أهل السنة سموا الإيمان بكل أسماء الله وصفاته " توحيد الأسماء والصفات " وذلك ليبينوا أن هذا داخل في مسمى الإيمان بالله سبحانه وتعالى فأصبح الإيمان الحق بالله جل وعلى مشتمل على الإيمان بكل ما وصف به نفسه وكل ما وصفه به رسوله . والآن لما نشأ في المسلمين من قال نؤمن بالله ربا وإله ، ولا نؤمن به حاكما في شؤوننا الدنيوية ، بل ننظم أمورنا الدنوية كما نشاء ، ونادوا بفصل الدين عن الدولة كما يقولون ، وبفصل الدين عن الشؤون السياسية والاقتصادية ، فإن علماء الإسلام ردوا هذه البدعة الجديدة و التي سميت باللادينية أو العلمانية ، وبينوا أنه لا إسلام إلا لمن آمن بأن الله سبحانه وتعالى حاكما وأن الحكم له سبحانه وتعالى .وليس هذا بدعا في الدين أو ابتداعا في الإيمان والتوحيد ، بل إن من أركان التوحيد إفراد الله عز وجل للحاكمية وتقديم حكم الله ورسوله وطاعة الله ورسوله على طاعة وحكم كل أحد ، والإيمان بأن الحكم لله وحده وأن من رضي مختارا بحكم غيره في أي شأن من الشؤون فهو كافر بالله كما قال تعالى : ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ) [النساء 60 [ .وفي آخر هذه الآيات ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) [النساء 65[ .ولقد جاء من هؤلاء المبطلين من يزعم أن توحيد الحكم ليس من التوحيد ، وأن الحكم بغير ما أنزل الله إنما هو " كفر دون كفر " هكذا على إطلاقه ! دون تفريق بين من جعل حكم البشر أفضل من حكم الله أو مساويا لحكم الله ، ومن أخطأ أو تأول أو حكم بقضية واحدة بغير ما أنزل الله . وبإطلاقهم القول أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر دون كفر ، هونوا على الناس التحاكم إلى غير شريعة الله والرضا بغير حكم الله ، وأعطوا المبدلين لشرع الله صك شرعي في أن ما يفعلونه من حرب شريعة الله إنما هو معصية لا تخرجهم من الإسلام . فنعوذ بالله من الخذلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي المنان .
لا كفر إلا بالتكذيب :
وهو قول بعضهم أن الكفر لا يكون إلا بالتكذيب ، وهو بعينه قول جهم بن صفوان وبشر المريسي وابن الرواندي والصالحي ، وغيرهم من الجهمية ، ولهذا لما طبقوا هذا الأصل على الواقع صار حكم من نبذ الشرعية كلها وحكم بقوانين الكفار بحذافيرها وحارب من يدعو إلى تحكيم الشريعة وبالغ في أذاهم وتشويه دعوتهم أنه لا يكفر لأن الكفر لا يكون إلا بالتكذيب . وكذلك من فتح الباب للأحزاب العلمانية الكافرة وأنشئ لها هيئات ومؤسسات ومجالس ومؤتمرات وصحف تدعو بها إلى أفكارها وترغب الناس فيها وتسخر من الدين وتستهزأ بشعائره أنه لا يكفر . واعلم أن هؤلاء المساكين لما أرادوا تهوين جرائم كفرة الحكام وطمعوا أن يرضوهم تعلقوا بمذهب المرجئة الباطل في الإيمان و طبقوه على هؤلاء الحكام . ومذهب المرجئة هذا مبني على أن جنس الأعمال من كمال الإيمان ، وليس ركنا من أركانه كما تقول أهل السنة ، فأهل السنة جنس العمل عندهم يزول الإيمان بزواله ، ولا يزول بزوال بعض العمل كما تقول الخوارج والمعتزلة. أما المرجئة فلا يزول الإيمان وإن زال جميع العمل ، لأن الكفر لا يكون إلا بالتكذيب ، لأن الإيمان هو التصديق فيكون ضده هو التكذيب لا غير . وأهل السنة الإيمان عندهم هو التصديق والعمل والكفر يكون بالتكذيب وبغيره ، كالتولي عن الطاعة وترك العمل بالكلية ، وعند بعضهم ترك الصلاة بمنزلة ترك العمل بالكلية . قال ابن تيمية : ( وقد تبين أن الدين لابد فيه من قول وعمل وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه ولسانه ولم يؤد واجبا ظاهرا ولا صلاة ولا زكاة و لا صياما وغير ذلك من الواجبات ).وقال : ( ومن قال بحصول الإيمان الواجب دون فعل شيء من الواجبات سواء جعل فعل تلك الواجبات لازما له أو جزء منه - فهذا نزاع لفظي - كان مخطأ خطأ بيناً ، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها ، وقالوا فيه المقالات الغليظة ما هو معروف ) [مجموع الفتاوى 7/621.[
لا سبيل لإعادة الدين إلى الدولة :
لما ألغى هؤلاء اعتبار توحيد الحاكمية من أنواع التوحيد وعدوه بدعا في الدين صاروا إلى رفع شعار اللادينية " دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله " ... واعتبروها كلمة حكيمة تصلح لزماننا ، وذلكم أنهم يعتقدون أن الإنفصام بين الدين والدولة صار أمرا مقضيا لا مرد له ولا طاعن عليه ولا محيد عنه .ولعمر الله لا أدري ما أبقوا للعلمانية إذن !!.

وجوب السكوت عن انحراف الحكام :
من الأصول الفاسدة التي يتبعها هؤلاء إبراز أصل أهل السنة والجماعة في وجوب السمع والطاعة للإمام المسلم ما لم يأمر بمعصية والصبر على ظلم الحاكم مادام أنه مجاهد في سبيل الله ، مدافع للأعداء الإسلام ووجوب الصلاة خلفه وعدم الخروج عليه إلا في كفر بواح ، وهذا كله حق . ولكن الوجه الآخر كذلك هو وجوب النصح لهذا الإمام وقول كلمة الحق له ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه ، وجهاد الكفار ورعاية مصالح الأمة فرض عليه وقبل هذا وذاك ، فالحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى في الكبير والصغير فرض عليه . إن الحاكم والمحكوم طرفا عقد هو عقد البيعة ، فكما يجب على المحكوم السمع والطاعة للإمام ، فإن العدل ورعاية مصالح المسلمين وجهاد الكفار وتأمين الناس على أموالهم وأنفسهم فرض على الإمام كذلك . فإذا قصر الإمام في واجبه فيجب النصح له وإذا قصرت الرعية في واجبها وجب النصح لها كذلك .والدعوة إلى وجوب السمع والطاعة فقط وأن هذا هو أصل أهل السنة والجماعة تزييف لمنهج أهل السنة والجماعة الذي يقوم على النصح للأئمة المسلمين وعامتهم وليس النصح للعامة وترك الأئمة . والقوم لا يفرقون في ذلك بين من لم يحكم بالشرع في بعض فروعه وبين من نحى الشريعة كلها جانبا وأعلن العلمانية دينا ومنهجا وحارب الإسلام ودعاته وزج بهم في سجون التعذيب ونزع الحجاب عن المسلمات ... بل هذا في نظرهم ممن يجب له السمع والطاعة سواءا بسواء !

آخر الأصول وأعظمها إفسادا :

وأخيرا فإن أعظم أصولهم فسادا هو جعلهم تعلم هذه الأصول الفاسدة أهم وأولى وأعظم من تعلم أصول العلم في سائر الفنون بل أولى من الانشغال بحفظ القرآن ودراسة السنة.
طريق التوبة هو :طريق السلامة

كيف المخرج والنجاة من هذه الفتنة ؟

ج / وطريق السلامة والنجاة من هذه الفتنة يكون بما يلي

أولاً : فيما يتعلق بالتجريح والتحذير ينبغي مراعاة ما يلي :

1 – أن يتقي الله من أشغل نفسه بتجريح العلماء ، وطلبة العلم والتحذير منهم ، وأن ينشغل بالبحث عن عيوبه للتخلص منها بدلاً من الانشغال بعيوب الآخرين ، ويـحافظ على الإبقاء على حسناته فلا يضيق بها ذرعاً فيوزعها عللا من ابتلي بتجريحهم والنيل منهم. لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن
2 – أن يشغل نفسه – بدلاً من التجريح والتحذير – بتحصيل العلم النافع ، والجد والاجتهاد فيه ، وألاّ يُشغل نفسه بتجريح العلماء وطلبة العلم من أهل السنة ، وقطع الطرق الموصلة إلى الاستفادة منهم ، فيكون من أهل الهدم ، ومثل هذا المنشغل بالتجريح لا يخلف بعده إذا مات علماً يُنتفع به ، ولا يفقدون الناس بموته عالماً ينفعهم ، بل بموته يسلمون من شره .
3 – أن ينصرف الطلبة من أهل السنة في كل مكان إلى الانشغال بالعلم ، بقراءة الكتب المفيدة ، وسماع الأشرطة النافعة لعلماء أهل السنة ودعاتها ، بدلاً من انشغالهم بفلان أو فلان ، أو الاتصال والسؤال ( ما رأيك في فلان ؟ وما ذا تقول في قول فلان وفلان ) .
4 – عند سؤال طلبة العلم عن حال أشخاص من المنشغلين بالعلم ، ينبغي رجوعهم إلى مصدر موثوق ، وجهة رسمية كرئاسة الإفتاء بالرياض ، للسؤال عنهم ، ومن كان عنده علم بأحوال أشخاص معينين ، أو ملاحظات حولهم يمكنه أن يكتب إلى رئاسة الإفتاء ببيان ما يعلمه عنهم للنظر في ذلك ، بدلاً من أن يجعل نفسه قاضياً على نوايا الناس وتصرفاتهم ، فيحكم لهذا بالنجاة ،وعلى ذاك بالهلاك أو الضلال .
ثانياً : فيما يتعلق بالرد على من أخطأ ، ينبغي مراعاة ما يلي :
أن يكون الرد برفق ولين ، ورغبة شديدة في سلامة المخطيء من الخطأ . لا يجوز أن يمتحن أي طالب علم غيره ،بأن يكون له موقف من فلان المردود عليه أو الراد ، فإن وافق سلم ، وإن لم يوافق يبدع ويهجر، وليس لأحد أن ينسب إلى أهل السنة مثل هذه الفوضى في التبديع والهجر . وليس لأحد – أيضا – أن يصف من لا يسلك هذا المسلك الفوضوي بأنه مميع لمنهج السلف .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في مجموع الفتاوى ( 20 / 164 ) : " وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصاً يدعوا إلى طريقته ، ويوالي ويعادي عليها غير النبي ولا ينصب لهم كلاماً يوالي عليه ويعادي غير كلام الله – عز وجل – ورسوله ، وما اجتمعت عليه الأمة ، هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرقون به بين الأمة ، يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون " (1) .
 وقال ابن تيمية – رحمه الله – أيضاً ( 28 /15-16
) : " فإذا كان المعلم أو الأستاذ قد أمر بهجر شخص ، أو بإهداره وإسقاطه ، وإبعاده ، ونحو ذلك نظر فيه : فإذا كان قد فعل ذنباً شرعياً لم يجز أن يعاقب بشيء لأجل غرض المعلم أو غيره . وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ، ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء ، بل يكونوا مثل الإخوة المتعاونين على البر والتقوى ، كما قال الله تعالى : ... وتعاونوا على البر والتقوى و لا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب (2) .

نسال الله أن يتقبل منا هذا العمل ويكون سببا لدخولنا الجنة ويكون سببا لهداية الناس ومعرفة طريق الحق من الباطل

تنبيه !!!
" إن الذين يسخرون من العلماء يريدون أن يُفقدوا الأمة علماءها حتى ولو كانوا موجودين على الأرض ، ما دام أنها قد نزعت منهم الثقة فقد فقدوا ...

ولا حول ولا قوة إلا بالله .

الجمعة، 27 يوليو 2018

حكم الصلاة في مسجد فيها قبر وبناء الاضرحة على القبور ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم
أريد رداً شرعياً فقهياً وصريحاً لموضوع أضرحة الأولياء وأئمة أهل البيت، وحكم الصلاة في المساجد المرتبطة بها؟
أرجو الرد بالدليل من الكتاب والسنة وما أثر عن أي صحابي حول هذه الأمور، مع الرد على الدليل المقابل: كحديث علي:" ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله، ألا تدع قبرا مشرفا إلا سويته "، وحديث: { لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .. } (الحديث).

وجزاكم الله خيرا.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ذي الحمد المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير العبيد، ثم على المُبَشِّرين به وآله وصَحْبِه وخُلفائه وورثته إلى يوم المَزيد.
عزيزي ..، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته.
قال الله تعالى: { ولو ردّوه إلى الرسولِ وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم }[النساء:83].
وبعد: فاعلم أن سبب الخلاف في حكم بناء الأضرحة واتخاذ المساجد على القبور: الاختلاف في فهم النصوص الواردة في المسألة؛ إذ وردت على ضربين:
أحدهما: الجواز، ومنه:
1/ قول الله تعالى في قصَّة أصحاب الكهف: { قال الذين غلبوا على أمرهم لنتَّخذن عليهم مسجداً }[الكهف:21].
وهو ظاهر في تقرير اتخاذ المساجد على قبور الصالحين، ومِنَّة الله تعالى على أصحاب الكهف بذلك.
قال الإمام السيوطي في كتاب ( الدر المنثور ):" أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: دعا الملك شيوخا من قومه فسألهم عن أمرهم فقالوا: كان ملك يدعى دقيوس، وإن فتية فقدوا في زمانه، وأنه كتب أسماءهم في الصخرة التي كانت عند باب بالمدينة. فدعا بالصخرة فقرأها فإذا فيها أسماءهم، ففرح الملك فرحاً شديداً وقال: هؤلاء قوم كانوا قد ماتوا فبعثوا، ففشا فيهم أن الله يبعث الموتى. فذلك قوله: { وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها } فقال الملك: لأتخذن عند هؤلاء القوم الصالحين مسجداً، فلأعبدن الله فيه حتى أموت. فذلك قوله: { قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا }. "اهـ
فائدة: واتخاذ المسجد على القبر يندرج في قول الله تعالى: { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسولُ لوجدوا الله تواباً رحيما }[النساء:64]؛ لأن المقصود به: التوسل إلى الله تعالى بعباده الصالحين تقرباً وتبركاً.
وهذا يُعتبر دليلاً صريحاً في تساوي التوسل بالصالحين أحياء وأمواتاً، خلافاً لمن فرّق بين الحالتين بلا دليل أصلاً.
2/ تقرير سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم صاحبه أبا جندل رضي الله تعالى عنه على بناء مسجد على قبر أبي بصير رضي الله تعالى عنه، فيما يرويه عبد الرزَّاق وغيره عن الحديبية.
وهو ظاهر في بيان جواز اتخاذ المساجد على القبور، وأن صدر أمَّتنا الأول رصي الله تعالى عنهم فعلوه وأقِرُّوا عليه.
3/ صلاة سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم على قبر سيدنا إبراهيم عليه السلام؛ فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: { لما أسري بي إلى بيت المقدس مرَّ بي جبرائيل إلى قبر إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فقال: انزل صلِّ هاهنا ركعتين، فإن هاهنا قبر أبيك إبراهيم عليه السلام. ثم مرَّ بي إلى بيت لحم فقال: انزل صلِّ هاهنا ركعتين فإن هاهنا ولد أخوك عيسى عليه السلام }[ابن حبان].
وهو ظاهر في بيان جواز اتخاذ المساجد على القبور؛ فإن الأرض قد جُعلت لنا مسجداً، ثم إن سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم صلى على قبر سيدنا إبراهيم عليه السلام.
فائدة: وفي هذا الخبر زيادة: تدل على تشريف المقامات وتشريع التبرك بها؛ لطلب الصلاة على مهد سيدنا عيسى عليه السلام في بيت لحم.
4/ عدم هدم سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم المساجد والقِباب التي بنيت على القبور المُشَرَّفة، ولا أمر بهدمها؛ فقد روي أن جماعة من المرسلين والأنبياء عليهم السلام مدفونون في المسجد الحرام، ما بين زمزم والمقام، منهم أسيادنا نوح وهود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام:
قال الإمام القرطبي رضي الله تعالى عنه في الجامع لأحكام القرآن:" روى محمد بن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { كان النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق مكة فتعبد بها هو ومن آمن معه حتى يموتوا، فمات بها نوح وهود وصالح، وقبورهم بين زمزم والحجر }، وقال ابن عباس:" في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما: قبر إسماعيل، وقبر شعيب عليهما السلام، فقبر إسماعيل في الحجر، وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود "، وقال عبد الله بن ضمرة السلولي:" ما بين الركن والمقام إلى زمزم قبور تسعة وتسعين نبياً جاءوا حجاجاً فقبروا هنالك، صلوات الله عليهم أجمعين ". "اهـ
وروى الحاكم بإسناده عن أمنا السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعاً: { إن قبر إسماعيل في الحِجر }، قال الإمامِ المناوي في ‏فيض القدير:" ( الحِجر ) بالكسر: هو المحوط عند الكعبة بقدر نصف دائرة، فهو مدفون في ذلك الموضع بخصوصه، ولم يثبت أنه نقل منه لغيره "اهـ
كما ثبت أن قبور أسيادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام كانت موجودة في بيت المقدس، وقد ضربت عليها المساجد والقِباب، ثم إن سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر أصحابه رضي الله تعالى عنهم بهدمها رغم أنه بشرهم بفتح ذلك البلد.
وكذلك فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قد فتحوا بلاد الشام والعراق وغيرهما ولم يهدموا الأبنية المقامة على قبور من دفن فيها من الأنبياء عليهم السلام.
وهذا ظاهر في بيان الحكم السابق أيضاً.
فائدة: وفيه زيادة تبين مشروعية اتخاذ المقامات وما في معناها، وقد تقدم نحوه.
5/ اتخاذ المسجد على قبر سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك بعلمه وندبه إليه؛ فقد ثبت في الصحاح قوله: { ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنَّة }، وفي رواية: { ما بين بيتي ومنبري }، في الوقت الذي صرّح فيه بأن الأنبياء يُدفنون في الموضع الذي يموتون فيه؛ ما يفيد سبق معرفته بصفة قبره الشريف، ومن ثم أجمع التابعون رضي الله تعالى عنهم _ وهم خير القرون بعده _ على ضمّ القبر إلى المسجد بعد أن كان محاذياً له.
وهذا ظاهر أيضاً في بيان جواز بناء الأضرحة واتخاذ المساجد على القبور، بل لو لم يكن ثمة دليل سواه لكفى.
6/ دفن سيِّدَيْنَا أبي بكر الصّديق وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما مع سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذا ظاهر في بيان الحكم السابق أيضاً، لاسيما أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم ينكروا ذلك.
7/ وضع سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم صخرة عظيمة على قبر عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه، وقد ثبت في البخاري قول خارجة بن زيد:" رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان _ رضي الله عنه _ أن أشدنا وثبة: الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يُجاوزه ".
وهو ظاهر في بيان جواز رفع قبور الصالحين؛ فإن الشارع لم ينه عن الزيادة على الصخرة، ولا خصصها.
الضرب الثاني: التحريم، وهو يرجع إلى وجهين:
الوجه الأول: الذم لفعل المغضوب عليهم والضالين من الأمم السابقة، والنهي عن التشبه بهم، نحو خبر:" لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "[متفق عليه].
والجواب عليه: أن المقصود: " اتخذوا قبور أنبيائهم قِبلة يسجدون إليها "، وهو محظور باتفاق.
وهذا التأويل لازم؛ جمعاً بين هذا الخبر وما تقدم من تقرير الشارع وفعله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.
يؤكد ذلك: تعقيب أمّنـا السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها على هـذا الخبر بقولها:" فلولا ذلك أبْرِز قبرُه، غير أنه خُشِيَ أن يُتَّخذ مسجداً "، وفيه فوائد أخرى، أهمها:
*/ تأكيد أن الشارع لم ينص على حرمة ذلك مطلقاً، وهو ما فهمه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من خطابه، وبيّنته أمّنا السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها بقولها هذا.
*/ أن صفة نفس القبر كانت اجتهاداً للصحابة رضي الله تعالى عنهم، وذلك لا يفيد الوجوب، لاسيما مع تصريح أمّنا السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، كما أنه لا يُغيّر أصل الحكم.
الوجه الثاني: النهي عن رفع القبور، نحو خبر:" لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته "[مسلم وغيره].
والجواب عليه: أن المقصود:" لا تدع قبراً مشرفاً من قبور المشركين ومن في معناهم إلا سويته "؛ وهو ما يفيده سياق الحديث، ويوافق نصوص الجواز المتقدمة.
فائدة: والذي ينبغي اعتباره في هذه المسألة: أن الشارع راعا " سد الذرائع عند تيقّن الضرر "، فكان يفعل الشيء أو يتوقف فيه أو ينهى عنه حفظاً لدين الناس عند تيقن الضرر من العكس، كما في العطايا وبناء الكعبة المشرّفة.
ومن ثم، يصلح تعليل النهي بقرب عهد الأولين بالكفر، وهو ما يؤيده أدلة الجواز المتقدمة.
فالخلاصة: أن بناء أضرحة خواص الأولياء رضي الله تعالى عنهم واتخاذ المساجد عليها مندوب أصلاً.
وأما العامة: فيجوز رفع قبورهم، لكن السنة أن تسوى، ولا تُتّخذ عليها المساجد.
وما ورد من ( النهي عن اتخاذ القبور مساجد ) وما في معنى ذلك: فإنما يُراد به النهي عن عبادة صاحب القبر.
ثم نلفت عنايتك إلى مراجعتنا فيما ضاق فهمك عنه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.