الثلاثاء، 18 ديسمبر 2018

موقف الاخوان المسلمين من البدع و البيعة


#شبهات_وردود

الموقف من البدع و البيعة

محتويات
١ مقدمة
٢ الذكر وأحكامه .. الشرعي والبدعى منه
٣ شبهة الأناشيد
٤ شبهة الملابس
٥ شبهة التصوير الفوتوغرافي
٦ شبهة البيعة للمرشد
٧ إقرأ المزيد
مقدمة


يقولون: الجماعة تساهلت في البدع الإضافية مثل: التزام المأثورات، والذكر الجماعي، والصيام الجماعي، ونحو ذلك، والبدع الإضافية هي ما له أصل في الشرع ولكن التزمت في هيئة معينة أو وقت معين لم يرد الشرع بخصوصه.
وهذه لا شك أنها أخف من البدع الحقيقية، وهل تدخل في مسمى البدع المنهي عنها في قوله صلي الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة" أو لا تدخل في ذلك ؟ محل خلاف بين أهل العلم، فبعض العلماء يري أنها لا تدخل في البدع المنهي عنها، ويستدل لذلك بقول عمر بن الخطاب: "نعمت البدعة هذه" ، وبإجماع الصحابة علي كتابة المصحف وتدوينه، وكذلك بكتابة العلم والرحلة فيه، ولاشك أن الانتقال في طلب العلم والحديث عبادة، ومع ذلك فإنما فعله الصحابة و التابعون وتابعوا التابعين، ولم يكن في عهد الرسول صلي الله عليه وسلم.
وأما الذكر الجماعي فقد ثبت تشريعه بالنص، ومن ذلك قوله صلي الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدراسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده"، وكذلك قول النبي صلي الله عليه وسلم: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض، فإذا رأوا حلقة من حلق الذكر حفوهم بأجنحتهم وتنادوا أن هذه طلبتكم" ، وفي هذا الحديث أنهم إذا ارتفعوا إلى ربهم سألهم وهو أعلم، فيخبرون أن هؤلاء الملأ كانوا يذكرونه ويسبحونه ويحمدونه ويهللونه، ويسألونه الجنة ويستعيذونه من النار، وكل هذا ذكر جماعي. وكذلك الصيام الجماعي فلاشك أن الجماعة الذين يراد تقارب وجهات نظرهم، وتقارب مستواهم فيما يتعلق بالتكوين والتربية وفي الإيمان يحتاجون إلف أن يتنافسوا في الخير، ويساعد بعضهم بعضأ، وقد كان كثير من السلف يتعاونون على هذا، فقد ثبت عن أيوب السخستياني أنه اجتمع مع عمرو بن عبيد قبل أن يفتن فطافا حتى أصبحا، فلما كان من العام القادم اجتمعا فطاف أيوب حتى أصبح، وتكلم عمرو حتى أصبح، ونظير هذا كثير.
وقد كان الرسول صلي الله عليه وسلم يوجه بعض الأسئلة إلي أصحابه، من ذلك أنه قال: "من أصبح صائما اليوم ؟ فقال أبو بكر: أنا، فقال: من اتبع جنازة؟ قال أبو بكر: أنا... إلى اخر الحديث" ، وهو تنبيه علي أهمية هذه المنافسة، وكذلك قول معاذ: "تعالوا بنا نؤمن ساعة".

الذكر وأحكامه .. الشرعي والبدعى منه

هذا وقد رد فضيلة الشيخ البنا علي ذلك في فتاواه بجريدة الإخوان فقال: الذكر قربة إلى الله تبارك وتعالي بنص الآيات والأحاديث الكثيرة المعلومة للخاص والعام، أما كيفيته فقد أشارت إليها الآية الكريمة:" واذكر ربك تضرعا وخيفة ودون الجهر بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين " (الأعراف: 205)، وهو مطلوب علي كل حال، كما قال تعالي:" يأ أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا " (الأحزاب: 41 - 42)، وكما قال تعالي  :" فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم " (النساء: 103).
وكل صيغة فيها ثناء علي الله تبارك وتعالى وترديد لاسمه الكريم، وتذكر لآلائه ونعمه وشكر له عليها فهي ذكر.. فالاستغفار ذكر والتسبيح والتهليل والتحميد والصلاة علي الرسول (صلي الله علية وسلم) كلها من أنواع الذكر.
فالاستغفار ذكر، والتسبيح والتهليل والتحميد والصلاة علي الرسول (صلي الله علية وسلم) كلها من أنواع الذكر.
بقيت الكيفية التي يذكر بها أبناء الطريق الآن من الاجتماع للذكر والاهتزاز فيه وغير ذلك، فهذه الكيفية إن صحبها محرم كالدف أو الشبابة أو وجود نساء كما يقع أحيانا، أو كانت في موضع لا يليق فيه الذكر، أو كانت الأسماء التي يذكرون بها غير صحيحة أو كان المقصود من الاجتماع الرياء والتفاخر وتزيين ليالي الأفراح بمنظر الذاكرين والتلهي بمشاهدتهم والتفرج برؤيتهم أو أخذ الأجر علي الذكر، أو الحصول علي الطعام والمغانم الدنيوية، فذلك كله حرام لا يقره الدين ولا يوافق عليه، ولم يكن علي عهد النبي (صلي الله علية وسلم) ولا أصحابه، ولا ثواب فيه ولا بركة، وهو منكر شرعي يجب الإنكار عليه والإقلاع عنه.
وإن كان الاجتماع للذكر في مكان مناسب كمسجد أو منزل وكان الذكر بألفاظ صحيحة ولا محرم فيه مع الخشوع وحضور القلب، والاشتغال بالله تبارك وتعالى ، والتأدب في حضرته والاعتدال في الصوت، بحيث يكون كما قال تعالي:" ودون الجهر من القول " (الأعراف:255)، مع مراعاة آداب الذكر التي قال فيها الشيوخ كثيرا، واختصره بعضهم في عشرين أدبا قبله وفي أثنائه وبعده، وكانت الغاية طاعة الله وحده، وتذكير الناس به، إذا كان كذلك فلا بأس بالاجتماع علي طاعة الله تبارك وتعالي والتقرب إليه بذكره.
نعم.. إن هذه الكيفية لم تكن علي عهد النبي (صلي الله علية وسلم) كل واحد يذكر
الله لنفسه واجتماعهم إنما كان علي مدارسة الحديث والعلم، ولكن لما قصرت الهمم، وكلت العزائم عن الطاعة، وكان الاجتماع منشطا علي العبادة والذكر، ولاسيما الاجتماع مطلوب في كثير من العبادات، ووردت في فضله أحاديث كثيرة، وفيه بركة عظيمة، لما كان الأمر كذلك، أوصي الشيوخ بالاجتماع علي الذكر، وهي وصية حسنة متقبلة، وعمل مشكور إن شاء الله تعالي، مادام قد خلا من المحرمات وروعيت فيه الآداب.
وهذا ما ورد في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله (صلي الله علية وسلم)، فقد روي معاوية - رضي الله عنه -:"أن رسول الله (صلي الله علية وسلم) خرج علي حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم، قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده علي ما هدانا للإسلام ومن به علينا، قال: الله ما أجلسكم إلا هذا، قالوا: الله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة" .
وروي أبو هريرة -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله (صلي الله علية وسلم): "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تناد؟ا: هلموا إلي حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلي السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم –وهو أعلم بهم -: ما يقول عبادي ؟ قال: يقولون: يسبحونك ويكبرونك، ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني ؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: كيف لو رأوني ؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدا، وأكثر لك تسبيحا، قال: فيقول: فما يسألون ؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة، قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا، وأشد لها طلبا، وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون ؟ قال: يتعوذون من النار، قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها، لال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا، وأشد منها مخافة، قال: فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان، ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقي جليسهم" (هذه رواية البخاري)
ورواية مسلم قال: ”إن لله تبارك وتعالى ملائكة سيارة فضلا يبتغون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم، حتى يملؤوا ما بجنهم وبين السماء والدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله عز وجل -وهو أعلم -: من أين جئتم ؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في ا لأرض، يسبحونك ويكبرونك، ويهللونك، ويحمدونك، ويسألونك، قال: فماذا يسألوني ؟ قالوا: يسألونك جنتك. قال: وهل رأوا جنتي ؟ قالوا: لا يا رب، قال: وكيف لو رأوا جنتي ؟ قالوا: ويستجيرونك، قال: ومما يستجير وني ؟ قم من: من نارك يا رب، قال: وهل رأوا ناري ؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري ؟ قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول: قد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، قال: يقولون: ربنا، فيهم فلان، عبد خطاء، إنما مر فجلس معهم، قال: فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقئ بهم جليسهم"أخرجه الترمذي نحو رواية مسلم عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري - بالشك - وفي ألفاظه تغيير وتقديم وتأخير.
أرسل أحد السائلين رسالة إلى الشيخ البنا تعليقا على ما سبق، يذكر كل طريقة يذكر لم ترد هيئتها عن السلف. رضوان الله عليهم. ويعد ذلك من البدع المحرمة المنهي عنها، فأجابه الأستاذ البنا بما يلي:
أخي السيد: فلان
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته..
وبعد فما أجمل أن تتلاقى نفوس المسلمين وأقلامهم حول البحث عن الحقيقة وتجليتها للأمة في صفاء وإنصاف وإخلاص ليس لها من دافع إلا حب الحق ومناصرته، ومرحبا يا أخي بمساجلتك ومناصحتك، وليس أحب إلى نفسي من أن يتبين لي الصواب فأعود إليه مطمئن النفس مثلج الصدر، لأني أعتقد أن كل مخلوق يؤخذ من كلامه ويترك إلا الرسل المعصومون صلوات الله وسلامه عليهم، فأدلي إليك بوجهة نظري علي هذه القاعدة راجيا أن تقنع بها نفسك أنت الاخر، لا أقولها اتهاما ولكن تذكيرا، فاسمع يا أخي:
أولاً: كل خطابك الكريم دائر حول التنفير من البدعة وبيان سوء أثرها في العقائد والعبادات وإيراد النصوص والأمثلة علي ذلك، وأنا معك في أن البدع والمبتدعين في النار، وكان لهم في الإسلام بل في كل دين أسوأ الآثار، وفي الأخذ بالسنة والسير علي نهجها الواضح هو أفضل منار يهتدي به المسلمون، ولكني أحب أن يلاحظ أن هذا البحث، بحث البدعة والسنة، من أعضل البحوث في أحكام الإسلام لا يقطع فيه ببادئ الرأي، بل لابد من نظر دقيق وإحكام تام في القواعد والتطبيق، وكم زلت فيه أقدام الفحول من السابقين واللاحقين.
ما تعريف البدعة الدقيق المضبوط ؟ وما أنواعها؟ وما حكم ما له أصل في الدين وأدي بكيفية لم ينص عليها؟ وما حكم فعل تركه النبي (صلي الله علية وسلم) وما الفرق الواضح بين البدعة الحقيقية والمصالح المرسلة؟ وهل لا يتغير حكم البدعة باختلاف ا
لظروف والمقتضيات ؟ كل هذه أبحاث تتناول البدعة والسنة، خاض فيها العلماء وتشعبت آراؤهم فيها تشعباً لابد أنك تعلمه وتحس ثقل وطأته، كما يحسه كل من عالج هذا الموضوع علاجا صحيحا، وبعد هذا فهل يكفي الاتفاق علي تحديد هذه الموازين لحسم الخلاف بين الناس في الحكم علي ما يحدث من الأمور؟ إن في كله لا يكفي فإن أنظار الناس تختلف في التطبيق أكثر مما تختلف في وضع القواعد والأصول. رأيت يا أخي كيف أن هذا البحث مضلة الأقوام، ومزلة العقول والأفهام، والناس فيه بين مفرط ومفرط، اللهم إنا نسألك العصمة من الزلل، والتسديد في القول والعمل. لقد قرأت كثيرا عن البدعة وقرأت ما كتب الشاطبي وابن الحاج وغيرهما، ولكن كل ذلك لم يلهم نفسي الطمأنينة إلى الحكم علي كثير مما يسميه الناس بدعا بهذه البدعية المطلقة وبهذا الوعيد الشديد، ولعلي أوفق في الأعداد القادمة إلى استيعاب هذه البحوث والكتابة عنها بما يزيل اللبس ويكشف الغموض -إن شاء الله تعالي.
وختام هذه النقطة أن أقول لأخي إن موضوعنا ليس تحرير أحكام البدعة من حيث هي، فإننا نكاد نكون متفقين في هذه الناحية، ولكن موضوعنا هو الحكم علي عمل خاص بالبدعية، فمن ثبت له وصف البدعية المحرمة ترتب علي ذلك ما ذكرتم في خطابكم، وهذا ما سأعرض له في النقطة الثانية.
ثانياً: لم يعرض الأخ –أيد الله به الحق - في خطابه إلى بيان وجه البدعية المحرمة في الذكر المقيد بالشروط التي ذكرتها في الفتوى إلا من حيث أنه لم يعمل به في عهد النبي مجلا!- ولا في عهد الخلفاء الراشدين وسلفنا الصالح، وهذا القدر نحن متفقان عليه فقد قلته في الفتوى بالنص تقريبا، ولكن أليست السنة تثبت بالقول كما تثبت بالعمل ؟ والجواب: نعم، لأن تعريف السنة عندهم فعل النبي (صلي الله علية وسلم) أو قوله أو تقريره، وألسنا قد أمرنا بالذكر في قول الله تعالي: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا" (أ لأحزاب: 41 – 42)، والجواب: نعم، وأليس الحق تبارك وتعالى قد أطلق لنا الكيفية في قوله تعالى : " فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم " (النساء: 103).
والمعلوم من ذلك أي علي كل حاله من حالاتكم، والجواب: نعم، و أليس قد ندبنا الرسول (صلي الله علية وسلم) إلى الاجتماع علي الذكر والتحلق له في مثل قوله (صلي الله علية وسلم): "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله ؟ قال: حلق الذكر"، وفي مثل قوله (صلي الله علية وسلم): "ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله عز وجل لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفورا لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات"، وفي مثل قوله (صلي الله علية وسلم): "لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة" ، والجواب: نعم..
وقد تقول: إن الذكر هنا معناه العلم، فأقول لك إن الذكر معني عام يشمل العلم وغيره، وقد ورد في بعض الأحاديث بمعني العلم، وفي غيرها بمعني التسبيح والتحميد، وفي غيرها بمعناه المطلق فقصره علي العلم تحكم، إذا تبين هذا كان الذى س الذي أعنيه ذكرا مأمورا به علي كيفية لا ينكرها الشرع ولا ينطبق عليه وصف البدعية المحرمة، وهو ما ورد في فتواك، وأرجو أن أكون بذلك قد وفقت.
ثالثاً: بقيت مسألة مهمة أحب أن تكون مسك الختام، وحبذا لو انضمت أصوات الفضلاء فيها إلى صوت هذا الضيف إذن لوجدت الأمة سبيلا مفيدا إلى الرجوع إلي هدي الدين الحنيف، هذه المسألة هي أنني أحب دائما أن يكون سبيلنا في الرجوع إلى السنة المطهرة، بحيث نوجه معظم العناية إلى دعوة الناس إلي السنة، ولا نسلك معهم سبل الجدل في إقناعهم بوجه الحق في محدثاتهم، وقد سبقني إلى ذلك بعض السلف فقال: "لا تجادلوا أهل المحدثات في محدثاتهم فإنهم قد أعدوا لكل سؤال جوابا، ولكن سلوهم عن السنة فإنهم لا يعرفونها، وبذلك نسد باب ندل والخلاف الذي لا يفتح علينا إلا كان سببا في دمارها، وتشعب أمرها، وفساد عقائدها"، وعلي هذه القاعدة الأخيرة، أقول لك إنه مما لا خلاف عليه أن أفضل أحوال الذكر ما كان عليه سلفنا الصالحون - رضوان الله عليهم -أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده .
رد السائل على الشيخ البنا:
ثم أرسل السائل برسالة أخرى تعليقا علي حديث الشيخ البنا، بنصوص عامة ومطلقة تنهي عن البدعة، ثم اتبع ذلك بصيغ مأثورة عن كيفية الذكر وردت عن السلف الصالح وهي الجلوس للذكر، أو الحلق، وأيد ذلك بحديث عن معاوية، وأنس، ثم تساءل فقال: هل غاب عن الشرع الحكيم تحديد صيغ الذكر، مثل تحديد الصلاة والصيام ؟
فأجابه الشيخ البنا. رحمه الله – بما يلي:
أخي الفاضل.. أيد الله به الحق..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أما بعد فقد قرأت خطابك وأحب قبل أن أعرض لإجابتك عنه، أن أعلن لك ولقراء جريدة الإخوان المسلمين كبير سروري وعظيم فرحي بمظهرين رائعين تجليا في خطابك:
أم
ا أولهما: فدقة بحثك في موضوع كسل عنه الباحثون من المتخصصين به فما بالك بالمستفيدين، وهي أمنية في النفس منذ القدم أن يلهم الله شباب الإسلام وبنيه أن يعنوا بالدراسة الدينية ويطلعوا علي البحوث الإسلامية ويتصلوا بأحكام الدين اتصالا قويا يفقههم فيها ويبصرهم بأسرارها: "ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين".
وأما ثانيهما: فهو شعورك بالتبعة الملقاة علي عاتق كل مسلم أن يصدع لكلمة الحق وينادي بأحكام الله، ولا يخشى في ذلك لومه لائم، ولا تلهيه المجاملة الكاذبة عن تأييد رأي يري فيه موافقة شريعة الله تبارك وتعالي علي حين ضعف هذا الشعور في نفوس المسؤولين ا لأول وكل مسؤول، ولو أن في المسلمين كثيرين ينصرفون إلي دراسة الدين ويصدعون بما يعتقدون أنه الحي في هذه الدراسة لكانت الحال الآن غير ما نراهم عليه، فالله نسأل لنا جميعا الهداية والتوفيق، ولا أشكرك فذلك واجب، ولكن أسأل الله أن يجعلك ممن أراد بهم الخير ففقهم في دينه.
وأعود بعد بيان هذه العاطفة التي أوحاها الوجدان الصادق إلى خطابك فأجيبك عن بعض ما غمض من نقاطه تبياناً لما أري أنه الحق، فاسمع أيها الأخ العزيز:
أولاً : عرضت للبدعة من حيث تحريمها وتحليلها، وليس ذلك محل خلاف بيننا، ولكن الخلاف بيننا حول البدعة في حقيقتها، وفي تطبيق ما يشبه أن محدث علي هذه الحقيقة، وإذن فلا داعي لطول القول في هذه النقطة، لأنه أمر له مجال آخر.
ثانياً: عرضت للإجابة عن أسئلتي في خطابي السابق، واستغربت أن أرئ ذلك لبساً أو غموضاً، أخذت تجيب عن كل سؤال منها فاعلم – يا عزيزي –أن الأمر أكبر من هذا، ولو كانت المسألة قاصرة علي مثل هذا الجواب لإرتاحت الضمائر، وانتهي الخلاف، وكثير من طلاب الحق المخلصين وقفوا أمام هذه البحوث وقفة المتمكن المتثبت حتى انفلق لهم صبح اليقين وأثلج الله صدورهم بمعرفة الحق فلا تعجل بالحكم، وبعض أجوبتك فيه سداد وتقريب، وبعضها فيها إيجاز وغموض، وبعضها فيه قصور يتضح أمام الاستيعاب، ولعل لك العذر في ذلك، فقد اعتذرت بما يقبل في صدر خطابك ولعلي أوفق إلى بحث هذه الموضوعات بحثا وافيا في الأعداد القادمة إن شاء الله تعالي، وقل" أن أترك هذه النقطة ألفتك إلي أمرين أري لهما من الفائدة ما يستوجب ا لذكر:
أ- التثبث في الفتوى وطول الأناة في الحكم: وأذكر أن عبدالله بن مسعود- وهو من أحبار هذه الأمة وأعلامها – سئل عن المتوفى عنها رجل قبل الدخول ولم يسم لها مهرا، فطلب إلى السائل أن يتركه حتى يجتهد شهرا، ثم أفتى بعد ذلك في حادثة معروفة، ولا أخالك إلا جد عليم بتحرج السلف الصالح في تقرير الأحكام.
ب -أن تنزه قلمك: وهو نزيه بحمد الله عن كل ما يشبه أن يكون لفظا جافيا أو وصفا نابيا أو عبارة جارحة، فلا لزوم لذكر العقل الضعيف، والبصر الكفيف، وسحائب الهوى في بحث شأن ديني بين أخوين كل منهما يطلب الحق للحق، وأذكر يا أخي محنة الأمة في كتابها الذين ولعوا بالمهاترة وبرعوا في الإقذاع حتى ضجت منهم الآداب الإسلامية العفيفة، ولا أشبه ما ورد في كتابك بهذا، ولكني أحب أن نتحامى كل ما يمت إلى هذه الناحية بصلة أو يشبه ألغ يكون منها قريبا.
ثالثا: عرضت أخي بعد ذلك إلي كيفية الذكر علي عهد السلف الصالح -رضي الله عنهم - وروي في ذلك حديث معاوية، وحديث أنس، ولنا أمام هذين الحديثين الشريفين وأمثالهما وقفة نستجلي فيها أمور عدة:
أولها: هل الكيفية التي وردت فيها محدودة يمكن تطبيقها تمام التطبيق ألان ؟ كيف كانوا يتحلقون ؟ وكيف كانوا يلفظون أفرادى أم جماعة؟ وما الألفاظ والصيغ التي كانوا يعظمون بها آلاء الله ويصلون بها علي نبيه (صلي الله علية وسلم) ويسألونه بها لأخرتهم ودنياهم ؟ كل هذه كيفيات لم يحددها الحديثان بل أطلقاها إطلاقا، وهو كما ترى مانع من التطبيق، وعلي فرض أن ذلك كله محدد فهل عمل هؤلاء الصحابة الكرام أمام حكم عبادة مطلق يحدد إطلاقها مع العلم بأن الصحابة - رضي الله عنهم -كانوا أنفسهم يختلفون في هذه الكيفيات، لست متعنتا يا أخي ولكني أري أن هذه نقاط تستحق التفكير، وقد بنيت علي ذلك حكمك علي الذكر بالطرق المعروفة، وأحب أن تفرق بين الذكر بالطرق المعروفة، وبين الذكر الذي رأيته جائزا في الفتيا، ولما كان الدليل السابق غير واضح في الدلالة كان بناء هذا الحكم عليه فيه نظر.
رابعاً: تساءلت كيف غاب عن الشارع الحكيم أن يشرع لنا أحوال الذكر كما شرع لنا القيام والركوع والسجود في الصلاة.. الخ ؟ وهذا أمر مهم أحب أن يلاحظه الأخ، وقد يكون فيه حسم الخلاف إن شاء الله تعالى ، وقد يكون مقياسا صالحاً يتضح لنا علي ضوئه كثير من مشتبهات الأحكام:
هذا الأمر هو أن العبادات تنقسم إلى نوعين:
1 - نوع حدده الشارع وقتاً وزماناً ومكاناً وكيفيةً وحكماً، ومثاله الحج مثلاً، وصلاة الجمعة مثلاً.
2 -ونوع أطلقه كالصدقة النافلة، فأنت فيها مخير في المقدار وفي الوقت بحسب وسعك، وظرفك، وكالدعاء مثلا فيه مخير ما لم يخالف هذا التخيير حكماً شرعياً ورد به النص.
نعم إن المأثور أفضل من غيره، ولكن هل يقول أحد إن الدعاء بغير المأثور وفي كل وقت غير جائز، والذكر من هذا القسم أمر به الشارع وأطلقه فأنت فيه مخير ما لم يخالف هذا التخيير حكماً شرعياً، ولإيضاح هذه النقطة أضرب لك هذين المثالين:
أ -رجل تعود أن يتصدق كل يوم لقرش في وقت محدد يقصد بذلك وجه الله تبارك وتعالى ، وامتثال أمره في الصدقة، أتراه مبتدعا؟ وهل يشترط لجواز مثل هذا العمل أن يكون قد عمل مثله السلف الصالح.
2 -رجل تعود صباح كل يوم ومساءه أن يدعو الله تبارك وتعالي بصيغة كهذه مثلا: "اللهم فرج كربتي، واغفر ذنبي، واجعلني عندك من المقبولين، وارزقني اتباع سنة نبيك (صلي الله علية وسلم) " ، أتري هذا الرجل مبتدعا؟
وهل يشترط لجواز مثل هذا العمل آن يكون وارداً مأثوراً ؟ أظنك معي في أن عموم الأمر بالدعاء والصدقة يجعل عمل هذين عبادة لا غبار عليها، وإذا تقرر هذا فاعلم - يا عزيزي -أن تقييد العبادة المطلقة هو البدعة، فما ورد مقيداً فالدين أن يؤتي به علي وجهه وما ورد مطلقاً بقي علي إطلاقه، فكل كيفية تدخل تحت هذا العموم ولا تتعارض مع الأحكام الشرعية جائزة.
وأخيرا أحب أن أقول لك إن الجائز لذاته قد يكون محرما لغيره سدا للذريعة إذا اتخذ وسيلة لمحرم وخير الحالات ما وافق السنة المطهرة واتباع المأثور أول وأسلم.. والله أسأل أن يلهمنا وإياك التوفيق والتسديد..
وسلام الله عليك ورحمته وبركاته.

شبهة الأناشيد

ينقمون علي الجماعة أنها في الأنشطة تعود بعض أفرادها علي سماع الأناشيد التي يقوم بها بعض الفرق من الأولاد الصغار غالبا.
والواقع أن الأناشيد في العمل سنة من سنن الرسول (صلي الله علية وسلم) ثابتة عنه، فقد ثبت عنه أنه يردد مع أصحابه النشيد في بناء المسجد وكذلك في حفر الخندق، وكان يقول:
هذا الحمال لا حمال خبير
هذا أعز ربنا وأطهر
وكذلك في إنشاده يوم حنين:
أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبدالمطلب
وكذلك قوله:
هل أنت إلا إصبع دميت
وفي سبيل الله ما لقيت
وكذلك كان أصحابه يرددون:
نحن الذين بايعوا محمدا
علي الجهاد ما بقينا أبدا
فكان يجيبهم( صلي الله علية وسلم) بقوله:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة
فاغفر للأنصار والمهاجرة
وكذلك ثبت عنه (صلي الله علية وسلم) أنه في حديث خيبر أنه أمر أصحابه يحرك الإبل بالحداء فانتدب لذلك عامر بن الأكوع فأنشد قولة ابن رواحة:
تاالله لولا الله ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا
إن الذين قد بغوا علينا
إن يسألونا خطة أبينا
فأنزلن سكينة علينا
وثبت الأقدام إن لاقينا
وفي صحيح البخاري أن النبي (صلي الله علية وسلم) كان ينشده فيقول: أبينا يرفع بها صوته.
وأمر أنجشة بالحداء، وكان صوته جميلا حتى حرك الإبل، حتى قال (صلي الله علية وسلم): "رفقا بالقوارير" يقصد النساء، فكان النساء نساء رسول الله (صلي الله علية وسلم) يسمعن نشيده، وابن الأكوع جميل الصوت أيضا، حتى لقد أثر صوته في البهائم والإبل، هذا يدل علي أن صوت النشيد من دون آلة مباح حتى للأجنبية أن تسمعه وهو أصل لمشروعية النشيد في العمل وتحريك النفوس به وأيضا هو بديل صالح عن الأغاني المحرمة التي لا تفيد وتضر.

شبهة الملابس

إن بعض الاخوة وبالأخص إذا كانوا في السفر يلبسون الملابس الغربية وكذلك كثير من الناس يعتنون بالشكل والمظاهر.
والواقع أن لبس الملابس الغربية الآن ليسر فيه أي حرج من الناحية الشرعية، فإن رسول الله (صلي الله علية وسلم) لم يرو عنه أنه خيط له ثوب ولا نسج له، وإنما كان يلبس ملابس الكفار التي ينتزعها منهم بالسلاح أو يأخذها منهم جزية، ولذلك ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله (صلي الله علية وسلم) في غزوة تبوك كانت عليه جبة رومية ضيقة، والروم في ذلك الوقت كانوا كلهم من المشركين من أهل الكتاب، فإذن كان الرسول مجي!و يلبس ملابس الكفار وكذلك أصحابه، وليس في ذلك تشبه بهم، والمنهي عنه من ناحية التشبه هو لبس ثوب الدين، وثوب الدين بالنسبة للنصارى هو الزنار الذي يشده علي وسطه، وكذلك القبعة بالنسبة لليهود، فهذه الملابس الدينية هي التي لا يحل للمسلم أن يلبسها، وإذا فعلها يكون ذلك تشبها بالكفار، مثل لبس الصليب، وهو إن قصد به التشبه كفر بالله تعالى ، وإن لم يقصد فإنه يكون محرما شنيعا، ويعزر صاحبه، أما مجرد لبس هذه الملابس التي لا يرختص بدين فهو راجع إلي الحسن والقبح، فإذا كانت حسنة تتوافر فيها المعايير المطلوبة في لبس الرجل، وهي ألا يكون حريرا، ولا ذهبا، وألا تكون متجاوزة للكعبين بقصد الخيلاء، وألا تكون محددة للعورة، ولا فيها تشبه بالنساء، ولا تدخل في ملابس الدين بالنسبة للكفار، هذه المعايير الستة إذا اجتمعت فحينئذ يكون اللباس شرعيا مباحا، بل قد تكون إذا كانت جميلة مظهرا محمودا، ومدعاة لاستجابة المدعوين، ولهذا يقول الله تعالى :" قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة " (الأعراف: 32). أما العناية بالشكل والمظهر: فأمر محمود شرعا، مرغوب فيه، لذلك كان الرسول (صل
ي الله علية وسلم) يعتني بمظهره، ومن ذلك خصال الفطرة التي حث عليها، كقلم الأظافر، وقص الشارب، وكذلك الإدهان والتطيب، وكان الرسول (صلي الله علية وسلم) يحب الطيب حبا شديدا، وكان لمج!نر يعتني بملابسه ويعتني بنظافتها، ويعتني بنظافة كل أموره حتى المسجد، لما رأي النخامة فيه اشتد غضبه واحمرت عيناه، وقام إليها وحكها بأظافره حتى أزالها، وأرسل إلي طيب وطيب موضعها، والعناية بالمظهر مدعاة لتقبل المدعوين وللدخول إلى المجتمع والتغلغل فيه، فإن البذاذة والتقلل بحيث يكون الشخص سمجا عند من يخاطبه ليس مقصدا شرعيا، بل المقصد الشرعي أن يكون الشخص الذي يقصد له التأثير في الآخرين مقبولا لديهم بشكله، ولذلك ذكر العلماء في آداب اللباس أن العلماء وأئمة المساجد والمؤذنين والقضاة ينبغي أن يكون لهم زي يميزهم.
فهؤلاء يندب لهم حسن اللباس، ولاشك أن الدعاة ممن يخالطون الناس فينبغي لهم تحسين الهيئة لمخالطة الناس، ولذلك ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما رأي حلة سيراء تباع علي باب المسجد فخاطب رسول الله (صلي الله علية وسلم): لو نشتريها لك حتى تلقي فيها الوفود، وكذلك جاء في صحيح البخاري أن رسول الله (صلي الله علية وسلم) كان يصلي في خميصة لما فرغ خلعها، وقال:”احملوا هذه إلي أبي جهم وأتوني بانبجانيته فإني نظرت في علمها في صلاتي فكادت تفتني عن صلاتي” .
فإذن: هذا يدل علي أن حسن المظهر إذا كان وفق الضوابط الشرعية المذكورة محمود ومرغوب فيه شرعا، بل هو من إبداء آثار النعم علي العبد، والله تعالى يحب إذا أنعم علي عبده أن يري عليه آثار نعمه،”إن الله يحب أن يري أثار نعمه على عباده”.

شبهة التصوير الفوتوغرافي

يقولون إن بعض أفراد الجماعة يعتنون بجمع الصور، وكذلك بتصوير بعض المشاهد، وتصوير بعض الحفلات، وتصوير بعض الأنشطة، وقد حذر الرسول (صلي الله علية وسلم) ونفر من التصوير.
والجواب عن هذه الشبهة أن التصوير الفوتوغرافي مباح ولا يدخل في معني التصوير الذي جاء في الأحاديث والنهي عنه والتنفير منه، فإن الألفاظ اللغوية لا تحمل إلا علي مسمياتها عند العرب، ولذلك فإن هذا التصوير لم يكن في عهد رسول (صلي الله علية وسلم) ولا في عهد الصدر الأول كله، ولا يمكن أن يحمل التصوير الموجود في كلامهم علي هذا التصوير الذي لم يعرفوه، وهذا من الاشتراك في الاسم الذي لا يقتضي الشبه في الحكم، ومجرد أن الناس يطلقون علي هذا تصويراً لا يقتضي دخوله في المنهي عنه ولا في دلالة النصوص التي ورد فيها تحريم التصوير والنهي عنه والتحذير منه، والتصوير الفوتوغرافي لا تتحقق فيه العلل المذكورة في التصوير الذي كان في عهد الرسول (صلي الله علية وسلم)، فليس مضاهاة لخلق الله تعالى بل هو نفس الخلق علي هيئته مثل الصورة في المرآة، ولا يمنع شرعا لأنه لا دليل علي منعه والأصل في الأشياء الإباحة، وكونه قد يؤدي إلي بعض الذرائع المسدودة مثل تعميم الصور وتعليقها في البيوت أو جعلها في البراويز المكبرة ونحو هذا، لا يقتضي إطلاق تحريمه، بل تمنع تلك الذرائع فقط.
فالصور الأخرى التي لا تكون معظمة ولا تكون في البراويز وإنما تقصد للذكري لأمر معين، لحفز الهمم علي بعض الأنشطة فهذا لا يمكن تحريمه، وأدلة الشرع متوافرة علي أن الوسائل إذا حققت المقاصد ولم يكن فيها محظور شرعي بعينها ولم يرد نهي بخصوصها أنها تبقي علي أصل الإباحة والجواز، والصور الفوتوغرافية نظير النظر في المرآة والنظر في الماء، وقد كان لرسول الله مرآة ينظر فيها، فلو كان التصوير الفوتوغرافي مثل التصوير الآخر لما نظر الرسول (صلي الله علية وسلم) في المرآة، إذ لا فرق بين النظر في المرآة والتصوير الفوتوغرافي، إلا في تثبيت الصورة فقط،
نكتفي بهذا القدر من الشبهات العملية.
هذا.. وقد رجع المعترضون عن هذه الشبهة، وفعلوا ما أنكروه بالأمس، وظهروا في التلفاز والسينما والبرامج، ونشرات ا لأخبار، وما أظنهم اليوم إلا نادمين علي التعجل في الإفتاء ولوم الآخرين بدون علم أو معرفة.. وكان بعض هؤلاء قد نسف التلفاز في بلده، وعطل البث التليفزيوني، ثم تراجع عن ذلك اليوم ولكن علي استحياء وما أظنه إلا سيتراجع في أمور كثيرة تسرع في الحكم عليها، والرجوع إلى الحق لاشك فضيلة، وهو خير من التمادي في الباطل والاستكبار المذموم.

شبهة البيعة للمرشد



الأستاذ محمد مهدي عاكف "المرشد العام السابق" يبايع الدكتور محمد بديع "المرشد العام الحالى"
كثير من الناس ينتقد البيعة للمرشد، ويري أن البيعة ينبغي أن تكون للحاكم فقط، وألا تتجاوز حدود ذلك.
ونقول: إن البيعة كانت معهودة منذ القدم وكانت معروفة في عهد الرسالات السابقة، وكان أصحاب الأنبياء يبايعونهم إما علي النصرة والحماية، وإما علي إعلاء كلمة الله تعالي، وتشير إلى هذا آية سورة الصف في قوله تعالى : " كما قال عيس ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين" (الصف:14).
وقد ورد في ذلك بعض الأحاديث عن رسول الله (صلي الله علية وسلم)، أما في شرعنا فإن رسول الله (ص) قد بايع الناس في مواقف متعددة واختلفت طرق البيعات اختلافا كثيرا، فمن أشهر البيعات السابقة علي الهجرة بيعة الأنصار ليلة العقبة، وقد بايعوه علي نحو بيعة النساء المذكورة في سورة الممتحنة في قوله تعالى : " يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك علي أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرفن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم" ( الممتحنة، 12).
ثم بايع الرسول (صلي الله علية وسلم) بعدها الأنصار بيعة أخرى حين قدم المدينة وآخي بين المهاجرين والأنصار، وآخن بين المهاجرين أنفسهم، وتلك البيعة كتب فيها كتاب، أمر الرسول بر!ص بكتابته ولم يرد كثير من تفاصيل الأمور فيها، ثم بايعهم بيعة أخرى عندما أراد غزوة بدر فبايعوه علي القتال، وكانوا قبل ذلك إنما بايعوه علي الحماية، مما يحمون منه أنفسهم وأهليهم، ثم من أشهر البيعات بعد هذا بيعة الرضوان التي بايع عليها أصحابه بالحديبية تحت الشجرة، وهذه البيعة التي خلدها الله تعالى في سورة الفتح في قوله: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " (الفتح: 18)، وكانت بيعة علي الموت حب ما جزم به كثير من أصحاب رسول الله (صلي الله علية وسلم) الذين بايعوه عليها، وقد أنكر ذلك ابن عمر وذهب إلي أنها فقط كانت علي القتال وألا يفروا عنه، ومعني ذلك أن ابن عمر أنكر من قال بايعناه علي الموت بزعم أن القائل لذلك أنهم سيبذلون أنفسهم حتى الموت، والمقصود أنهم لا يفرون عنه، وهذه هي البجعة علي الموت لأن الشخص إذا كان سيصبر مهما كلفه ذلك الأمر فمعناه أن سيستعد للموت وسيبذل نفسه في سبيل المبايع، وهذه البيعة هي التي أكدها الله في كتابه في قوله:" إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم" (الفتح: 10). وقد روي عن الرسول” بيعات غير هذه، من ذلك أنه بايع أبا بكر وتسعة من أصحابه آخرين بيعة خاصة، وهي ألا يسألوا أحدا شيئا، وكان أبو بكر وهو خليفة إذا سقطت عصاه لم يكن يأمر أحدا أن يناوله إياها بل ينزل إليها حتى يأخذها، لأنه بايع رسول الله (صلي الله علية وسلم) علي ألا يسأل أحدا شيئا.
وكذلك بايعه بعض أصحابه الذين أسلموا بدون قتال بايعوه بيعة خاصة من ذلك بيعة عمرو بن العاص التي هي في صحيح البخاري بايعه علي أن يغفر له ما تقدم من ذنبه، فقال له: "أما علمت أن الإسلام يجب ما قبله، والهجرة تجب ما قبلها". وكذلك بيعة خالد بن الوليد، ومن ذلك بيعة جرير بن عبدالله التي رواها البخاري ومسلم في صحيحيهما أنه قال: " بايعني رسول الله (صلي الله علية وسلم) علي إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فشرط علي والنصح لكل مسلم "، وكذلك بيعة ضمام بن ثعلبة الذي جاء من قبل نجد فقال بعد أن التزم ما علمه رسول الله (صلي الله علية وسلم) فقال: "وأنا رسول من ورائي" فكانت البيعة لنفسه وللذين أرسلوه بطريق النيابه.
وكذلك بايع النجاشي جعفر بن أبي طالب لرسول الله إلى بالنيابة عنه، وكتب إليه كتابا بذلك.
ومثل ذلك كثير من البيعات التي تكون منوعة فكل هذا التنوع يدلنا علي أن البيعة ليست ثابتة علي منهج موحد وأنها قابلة للتغيير بحسب الحال ،، بيعة النساء تختلف عن البيعة علي القتال، وتختلف عن البيعة علن الموت وهكذا.
فهذا التطور يدلنا علي أن البيعة ليست مثبتة علي وضع واحد لا يتغير، وأنها تتطور مع المصلحة، وإذا نظرنا إلي المصلحة المتوخاة من البيعة فإننا نعلم أنها رباط وعهد بين الشخصين، وأيضا يكون الحق المترتب عليها من السمع والطاعة والامتثال والالتزام بالأوامر يكون حقا ناشئا عن عقد، وهذا أثبت الحقوق وأوثقها، فإن الحقوق تنقسم إلى قسمين: حقوق غير ناشئة عن عقد، وهذه وإن كانت موكدة مثل حقوق الله علي عباده بأن يعبده ولا يشركوا به شيئا، ومثل حقوق الوالدين في برهما والسمع لهما وطاعتهما والدعاء لهما ونصيحتهما.
إلا أن القسم الثاني من الحقوق وهو الناشئ عن عقد أيضا تتعلق بمروءة الشخص، فإذا لم يف بها فإنه قد أخل بمروءته والتزامه، وكان كمن لا ذمة له ولا عقد، وهذه العقود منها مثلا عقد النكاح الذي سماه الله تعالى ميثاقا غليظا، وكذلك عقد البيع، وعقد الشركة، وعقد الحلف، التي فسر بها زيد بن أسلم - رحمه الله تعالى - قوله تعالي: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " (المائدة: 1).
فعلي هذا فإن تنوع البيعة يكون ناشئا عن المصلحة، فإذا كان المقصود بها الرباط الروحي الذي يربط المبايع والمبايع فكان ذلك مدعاة لعلاقة دنيوية سببها عقد، مع أن النسب غير موجود بين المبايع والمبايع، وإنما جاء الربط بسبب هذه البيعة والالتزام كان لذلك تسمي صفقة اليمين كما في قوله : "أيما رجل بايع أميرا فأعطاه سويداء قلبه وصفقة يمينه لا يبايعه إلا علي عرض من الدنيا إن عطاه رضي وإن منعه سخط، فقد برئت منه ذمة الله ورسوله” ، أو كما قال الرسول في ا
لحديث المعروف. فهذا يدل علي أن المقصود بالبيعة هو الرباط الروحي أساسا، ولهذا قال أعطاه سويداء قلبه، فالمقصود محبة وطاعة، وكذلك قوله صفقة يمينه تدل علي أن المقصود هنا انعقد حتى يكون الحق بين الطرفين ناشئا عن عقد، وعلي هذا فقد كان بعض الناس يشترط بعض الشروط فيه، وهذه الشروط تشترط في بعض الأحيان علي المبايع وتشترط على المبايع، فمثلا لما طالب يزيد بن معاوية أهل المدينة بالبيعة له في واقعة الحرة، شرط علي كل من يبايع له أن يبايع أنه يطيع لأمير المؤمنين، معناه أنه مطيع طاعة التابع إلا علي بن عبدالله بن العباس فقد قام أخواله بنو الحارث بن كعب فقالوا بل يبايع علي أنه ابن عم أمير المؤمنين، فبايع علي أنه ابن عم أمير المؤمنين.
وعلي هذا فإن تطور البيعة إذا أمر طبيعي وللنظر إلي واقعة البيعة عبر التاريخ، فلما مات رسول الله (صلي الله علية وسلم) ونقله الله إلي دار الكرامة لم يأمر ببيعة أحد من الصحابة ولا عهد بها لأحد بعده، فاتفق أن الأنصار قد اجتمعوا ورأوا أنه لا يمكن أن يترك الناس هملا دون إمام، وحاولوا أن ينصبوا إماما يبايعونه، فرشحوا لذلك سعد بن عبادة بن دليم، واجتمعوا لبيعته في سقيفة بني ساعدة، فكانت المبادرة لهم ولم تكن لقريش في ذلك الوقت مبادرة إلا بعض الآراء الفردية، فمثلا كان أبو سفيان بن حرب يميل إلى أن يبايع علي بن أبي طالب، وقال هذا لجبر خاطر بني هاشم وفيه إصلاح لقريش وهو أولى الناس بهذا لقرابته وصهارته وخالفه المهاجرون السابقون الأولون فلم يروا أن يبايعوا قبل دفن رسول الله (صلي الله علية وسلم) فلم يتفقوا علي أحد، وفي هذا يقول أحد شعراء قريش:
حمدا لمن هو بالثناء خليق
ذهب اللجاج وبويع الصديق
كنا نقول لها علي والرضا
عمرو أولاهم بتلك عتيق
فكانوا يرشحون هؤلاء الأشخاص الثلاثة: علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وأبا بكر الصديق، فلما علم المهاجرون بأن الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لبيعة سعد، انطلق إليهم ثلاثة من المهاجرين هم أبو بكر، وعمر، وعبيدة بن الجراح، فكلموهم بالكلام المشهور المعروف، ثم اتفق رأي الجميع أن يبايعوا أبا بكر الصديق، وقالوا رضيك رسول الله (صلي الله علية وسلم) لديننا أفلا نرضاك لدنيانا؟.. فانعقدت البيعة له وبايعه المهاجرون أيضا، ثم بايعه عموم الناس في المسجد ولم يتخلف عنه إلا نفر قليل من أصحاب رسول الله (صلي الله علية وسلم)، فلم يبايعه سعد بن عبادة لما كان في السقيفة وتأخر علي بن أبي طالب شهرا ولم يبايعه، ومع ذلك فقد استمرت إمامته منذ دفن رسول الله (صلي الله علية وسلم)، ولم يضره أن بعض الأفراد لم يبايعوه فانعقدت البيعة عليهم ببيعة الجميع.
ولما حضرت أبا بكر الوفاة عهد بالأمر إلى عمر، وكتب له كتابا بذلك وبايع الناس عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بيعة المسجد، ثم لما جرح عمر وحضره الموت عهد بالأمر إلي أهل الشورى الستة الذين توفى رسول الله (صلي الله علية وسلم) وهو عنهم راض، وعلي أن يختاروا أحدهم للخلافة وهم أول الناس بذلك، وهم الذين يدور عليهم الأمر، فتنازل ثلاثة لثلاثة وتنازل الثالث للاثنين بشرط أن يجعل الاختيار له وهو عبدالرحمن بن عوف، فاختار بيعة عثمان، وبقيت البيعة بعده لعلي، ثم لما قتل عثمان كانت البيعة من عهد عمر لعلي بن أبي طالب، بسبب تنازل إخوانه، ثم بعد علي كانت ستعود لبقية الستة فلم يكن أحد منهم حيا وقت قتل علي بن أبي طالب غير سعد بن أبي وقاص، فكان اللازم أن يبايع سعد، ولكن قدر الله وما شاء فعل، فتجدد نوع آخر من البيعة وبايع معاوية الناس علي شروط شرطها عليهم وأيمان يقسمونها، وكذلك كما ذكرنا طالب يزيد الناس علي بيعة أخرى ، فتطور الأسلوب عبر التاريخ.
وهكذا كانت تشترط الأيمان بالطلاق والعتاق، مع أن الرسول (صلي الله علية وسلم) نهي عن الحلف بهما وقال:”من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت”، وقال:”من حلف له بالله فليرض”، ومع هذا فقد جاء الملك العاض وأجبر الناس علي هذه الأيمان، وأفتي بعض العلماء بعدم لزوم هذه الأيمان، ورأي أن ذلك من الإكراه، ومن هؤلاء العلماء الإمام مالك أبو عبدالله رحمه الله تعالى .
وكل هذه التطورات عبر التاريخ في أسلوب البيعه وفي متضمنها وطريقتها، بالإضافة إلي بعض التطورات التي طويناها ولم نشر إليها، مثل تفريق الرسول (صلي الله علية وسلم) بين أصحابه في البيعة،كذلك في بيعة النساء فقد اختلفت الأساليب، فروي أنه كان يدخل يده في إناء فيه ماء ثم يغمس النساء أيديهن في ذلك الإناء، وروي أن عمر كان يبايع الناس بالنيابة عنه، وروي أنه كان يبايعهن من وراء ردائه، وكل هذه الأحاديث فيها مطعن لأهل العلم، والثابت عنه (صلي الله علية وسلم) أنه كان يبايعهن بالكلام، ولم يكن يبايعهن بصفقة اليد، ولذلك قال:”إني لا أصافح النساء، وإنما مقال لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة"، فهذه التطورات في البيعة كلها ترشدنا إلي أن البيعة ليست ثابتة علي منهج محدد فهي تدور مع المصلحة حيث دارت.
ولاشك أن كون القائد أو الأمير واحدا هو الأصل وهو
المطلوب الشرعي والموافق للمقصد في عدم التنازع وعدم التشاكس، ولكن اقتضت الضرورة قيام بيعات أخرى ، وأصل البيعة هي العهد علي الطاعة في المعروف شرعا. والأصل أن الإمام إذا أعطي بيعة قام بمصالح المسلمين وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر لأنه لابد من سلطة تتحمل عبء الدعوة إلي الله تعالى لتبليغها إلي آفاق الأرض، لابد من سلطة مؤمنة مجاهدة، ترتبط بحبل الله وحبل الأخوة في الله، سلطة تقوم على هاتين الركيزتين لتحقيق منهج الله في الأرض وإقراره في الحياة الإنسانية ومباشرة تنفيذه في الداخل والخارج.
والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقرار الخير بين الناس. تكليف شديد وليس بالأمر الهين أو اليسير، إذا نظرنا إلى طبيعته وإلى اصطدامه بشهوات الناس ونزواتهم وأهوائهم ومصالحهم ومنافعهم، وغرور بعضهم وكبرياء الآخر، وفيهم الجبار الغاشم، وفيهم الحاكم المتسلط وفيهم الهابط والمنافق الذي يكره الجد، وفيهم المسترخي الذي يكره الصعود، وفيهم المنحل الذي يكره الفضيلة، وفيهم الظالم الذي يمقت العدل، وفيهم المنحرف الذي يكره الاستقامة. وهؤلاء وأولئك يحتاجون إلى تكاتف ورعاية حتى تستطيع الدعوة أن تطوعهم للخير ويستطيع الدعاة أن يجدوا منهم آذانا صاغية وقلوبا مفتوحة تنقلهم نقلة كريمة إلى منهج الله وهديه. إن إقامة هذه السلطة ضرورة من ضرورات قيام المنهج ذاته، فمنهج الله في الأرض لا يقوم بمجرد الوعظ والإرشاد والبيان فقط وإن كان هذا يمثل شطرا من الدعوة أما الشطر الباقي فهو قيام سلطة وقيادة تحمل منهج الله في الأرض، وتقوم به وتبلغه للناس بما ترسمه من الوسائل والخطط وبما تنظمه من إمكانات وتدربه من دعاة وتبثه من إعلام، ثم تحيط كل ذلك بسياج وحماية ورعاية كما تقوم تلك السلطة بصيانة تقاليد الجماعة وحمايتها من أن يعبث بها كل ذي هوي وكل ذي شهوة وكل ذي مصلحة.
علي هذا قامت الجماعة الأول في المدينة، واستمرت به الدعوة الإسلامية بعد ذلك في العصور الإسلامية المجيدة، حيث كانت يتنفس في رحابها هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية، المعروف فيها هو الخير والفضيلة والعدل، والسيادة فيها لأوامر الله، والمنكر فيها هو الشر والرذيلة والباطل والظلم، عمل الخير فيها أيسر من عمل الشر، والحق فيها أقوي من الباطل والعدل أنفع من الظلم، فاعل الخير فيها يجد علي الخير أعوانا وصانع الشر يجد مقاومة وخذلانا.
للمحسن فيها أجر إحسانه، وللمسيء فيها جزاء بطلانه، تعطي للرجال منازلهم وللأبطال أماكنهم، ولأهل الحق درجاتهم، لا يضيع فيها أجر المحسنين أو ثواب العاملين، أو جزاء المخلصين، لهدا طوف الإسلام في أرجاء الأرض وشرق وغرب ودخل الناس في دين الله أفواجا.
ولكن إذا لم تكن هناك سلطة تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر أو منعت السلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
هل يستكين الناس، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فريضة لازمة؟
وهل ينتظرون سلطان ؟
وهل يشترط للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إذن الإمام أو الحاكم ؟
قال العلماء: ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات، بل ذلك جائز لأحاد المسلمين ولا يشترط له إذن الإمام أو الحاكم.
قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين، فإن غير الولاة في الصدر الأول، والعصر الذي يليه كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر مع تقرير المسلمين إياهم وترك توبيخهم علي التشاغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية إذن من الإمام .
قال الإمام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه في ذلك: واستمرار عادات السلف علي الحسبة علي الولاة أي أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر قاطع بإجماعهم علي الاستغناء عن التفويض أو الإذن في ذلك، بل كان من أمر بمعروف فإن كان الوالي راضيا به فذاك، وإن كان ساخطا له فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه فكيف يحتاج إلي إذنه في الإنكار عليه ويدل علي ذلك عادة السلف وما روي عنهم في الإنكار علي الأئمة”.
رأي الإمام محمد عبده في وجوب إقامة جماعة للدعوة إلى الله:
قال الإمام محمد عبده - رحمه الله -: الدعوة في الصدر الأول قد تيسر بغير تعليم صناعي ولا تأليف جمعيات معينة، أما في هذا الزمان فإنه يتوقف فهم الدين علي التعلم الصناعي، وتتوقف الدعوة إليه، والأمر بما جاء به من المعروف وما حظره من المنكر علي تعليم خاص وتأليف جمعيات خاصة تقوم بهذا العمل، ولا ينتشر الدين ولا يحفظ علي وجهه إلا بهذا كما تقدم التنويه به في قوله تعالى :"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير”، (السورة).
فالمراد التنويه به، فالمراد بالأمة التي ذ قيمها الأمة لذلك ما يعبر عنه في عرف هذا العصر بالجمعية. قال الأستاذ الإمام: ومن أعمال هذه الأمة الأخذ علي أيدي الظالمين، فإن الظلم أقبح المنكر، والظالم لا يكون قويا ولذلك اشترط في الناهين عن المنكر أن يكونوا أمة، لأن الأمة لا تخالف ولا تغلب كما تقدم، فهي التي تقوم عوج الحكومة والمعروف أن الحكومة الإسلامية مبنية علي أصل الشورى، وهذا صحيح والآية أدل دليل عليه ودلالتها أق وي من قوله تعالى : " وأمرهم شورى بينهم " (الشوري: 38)، لأن هذا وصف خبري لحال طائفة مخصوصة أكثر ما يدل عليه أن هذا الشيء ممدوح في نفسه محمود عند الله تعالي، وأقوي من دلالة قوله: " وشاورهم في الأمر" (آل عمران: 159)، فإن أمر الرئيس بالمشاورة يقتضي وجوبه عليه ولكن إذا لم يكن هناك ضامن يضمن امتثاله للأمر فماذا يكون إذا هو تركه ؟ وأما هذه الآية فإنها تفرض أن يكون في الناس جماعة متحدون أقوياء يتولون الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو عام في الحكام والمحكومين، ولا معروف أعرف من العدل ولا منكر أنكر من الظلم، وقد ورد في الحديث " لابد أن يأطروهم علي الحق أطرا".
ثم يقول الأستاذ الإمام محمد عبده –رحمه الله تعالي-: ما مثاله مع شيء من التفصيل: إذا كان كل فرد من أفراد المسلمين مكلفا الدعوة إلن الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمقتضى الوجه الأول في تفسير الآية، فهم مكلفون بمقتضى هذا الوجه الثاني أن يختاروا أمة منهم تقوم بهذا العمل لأجل أن تتقنه وتقدر علي تنفيذه إن لم يوجد ذلك بطبعه كما كان في زمن الصحابة، فإقامة هذه الأمة الخاصة فرض عين يجب علي كل مكلف أن يشترك فيه مع الآخرين، ولا مشقة في هذا علينا، فإنه يتيسر لأهل كل قرية أن يجتمعوا ويختاروا منهم من يرونه أهلا لهذا العمل، وعبارة الأستاذ: ويختاروا واحدا منهم أو أكثر، كأنه يريد بالواحد أن ينضم إلى من يختار من سائر القرى والبلاد لأجل الضرب في الأرض للدعوة إلى الإسلام في غير بلاده، أو لإقامة بعض الفرائض والشعائر، أو إزالة بعض المنكرات من بلد آخر من بلاد المسلمين، وإلا فالواجب علي أهل القرية أن يختاروا جماعة يصح أن يطلق عليهم لفظ ”الأمة" ويعملوا ما تعمله بالاتحاد والقوة ليتولوا إقامة هذه الفريضة فيها، كما يجب ذلك في كل مجتمع إسلامي سواء كان في الحواضر أو البوادي، فإن معني الأمة يدخل فيه معني الارتباط والوحدة التي تجعل أفرادها علي اختلاف وظائفهم وأعمالهم - حتى في إقامة هذه الفريضة عند تشعب الأعمال فيها -كأنهم شخص واحد كما هو ظاهر وصرح به الأستاذ في هذا المقام.
قال: وهذه الأمة يدخل في عملها الأمور العامة التي هي من شأن الحكام وأمور العلم وطرق إفادته ونشره، وتقرير ا لأحكام وأمور العامة الشخصية، ويشترط فيها العلم بذلك، ولذلك جعلت أمة، وفي معني الأمة القوة والاتحاد، وهذه الأمور لا تتم إلا بالقوة ؟الاتحاد، فالأمة المتحدة لا تقهر ولا تغلب من الأفراد، ولا تعتذر بالضف يوما ما، فشرك ما عهد إليها، وهو ما لو ترك لتسرب الفساد إلى مجموع المسلمين .
إلي أن قال: ثم إن كون القائمين بالأمر والنهي أمة يستلزم أن يكون لا رياسة تدبرها، لأن أمر الجماعة بغير رياسة يكون مختلا معتلا، فكل كون لا رياسة فيه فاسد، فالرأس هو مركز تدبير البدن وتصريف الأعضاء في أعمالها، وكذلك يكون رئيس هذه الأمة مصدر النظام وتوزيع الأعمال علي العاملين، فمنهم من يوجهون إلى دعوة غير المسلمين إلي الإسلام، ومنهم من يوجهون إلى إرشاد المسلمين في بلادهم، ومقام الرياسة يختار بالمشاورة لكل عمل، ولكل بلاد من يكونون أكفاء للقيام بالواجب فيها، لتكون أعمالهم مؤدية إلى مقصد الأمة العام، فإن معني الأمة أن يكون للأفراد الذين تتكون منهم وحدة في القصد من أعمالهم وسيرهم فإذا اختلفت المقاصد فسد العمل باختلاف الآراء وتنكيث القوي، ولذلك جاء بجد هذه الآية النهى عن التفرق والاختلاف.
إذن فالتعاهد علي الدعوة وعلي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبيعة عليه لازمة، لقوله تعالى :" وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " (المائدة: 2)، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.. هذا وقد أخذ الرسول (صلي الله علية وسلم) بيعات كثيرة علي الإسلام وعلي البر والتقوى منها:
1 - البيعة علي السمع والطاعة.
2 - البيعة ألا ننازع الأمر أهله.
3-البيعة علي قول الحق.
4 - البيعة علي القول بالعدل.
5 - البيعة علي الأثرة.
6-البيعة علي النصح لكل مسلم.
7-البيعة علي عدم الفرار.
8-البيعة علي الموت.
9 -البيعة علي الجهاد.
10 -البيعة علي الهجرة.
11 -البيعة فيما أحب الإنسان وكره.
12 -البيعة علي ألا ننوح.
13 -البيعة فيما يستطيعه الإنسان من الخير.
14 -البيعة علي الإسلام.
15 -البيعة علي الطاعة.
16 - البيعة علي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذه البيعات روتها كتب السنة الصحاح مثل البخاري ومسلم وابن ماجة والنسائي والإمام أحمد..
عن جابر بن عبدالله قال في البيعة: فقلنا يا رسول الله علام نبايعك قال: تبايعوني على السمع والطاعة فى النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومه لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت يثرب فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة.. فقمنا نبايعه فاخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعين، فقال رويدا يا أهل يثرب: إتا لم نضرب إليه أكباد المطى إلا ونحن نعلم أنه رسول الله إن إخراجه اليوم مفارت العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على السيوف إذا مشتكم وعلى قتل خياركم وعلى مفارقة العرب كافة فخذوه و أجركم على الله عز وجل، لم أما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر عند اسه، قالوا، يا أسعد بن زرارة أمط عنا يدك فو الله لانذر هذه البيعة ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلا رجلا يأخذ علينا بشرطة العباس ويعطينا على ذلك الجنه . أخبرنا الحسن بن أحمد قال: حدثنا أبو الربيع قال أنبأنا حماد قال حدثنا أيوب عن محمد عن أم عطية قالت: "أخذ علينا رسول الله البيعة على أن لا ننوح" .
بايع رسول الله (صلي الله علية وسلم) النسوة علي أن يتخلين عن النوح المحرم، وهذا شيء كان يكفي فيه الأمر، ولكنه حصلت فيه بيعة.
البيعة على النصح لكل مسلم:
أخرج أحمد عن جرير قال: بايعنا رسول الله (صلي الله علية وسلم)، علي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.
وهكذا وردت الأحاديث الكثيرة في كثير من البجعات ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر الإسلام، وتحمل التبعات الجسام في سبيل ذلك، ومنها الجهاد.
ولما كان الإسلام قد جعل التخلف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كبيرة وترك فريضة، ولم يجعل في هذا إذنا لأحد ولا للسلطة كما ذكرنا، فإن إقامة أحكام الإسلام وإعادة وحدة المسلمين فريضة علي كل مسلم، ولا يمكن أن يتحقق هذا إلا بتعاون المسلمين، وإقامة جماعة، ولهذا قال "من فارق الجماعة شبرا فمات مات ميتة جاهلية".
وقد أورد الشاطبي في الاعتصام أن الجماعة هنا إما جماعة أهل الإسلام، أو جماعه الإمام وأهل الحل والعقد، أو جماعة المجتهدين. ولما كانت القاعدة، أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فقد انتهي الإمام حسن البنا إلى أن إعادة الخلافة والوحدة الإسلامية، وحكم الإسلام لا سبيل له إلا عن طريق إقامة جماعة وتعاون من الجميع، حتى تكون عصبة للحق وسندا للدفاع عنه وتحقيقه في الأمة، ولهذا يقول عمر بن الخطاب ذاكرا فضل الجماعة في الإسلام: " لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بطاعة، ولا طاعة إلا ببيعة ".
فإذا كانت البيعة في المعروف وعلي نصرة الإسلام وإقامة حدوده أفلا يكون هذا هو صلب الإسلام وصلب دعوته، وهو الحق الذي لا مريه فيه في هذا الزمان وغيره.

رد شبهة ان الإخوان ( سيسوا الدين ) أو خلطوا الدين بالسياسة


#شبهات_وردود

الإخوان وتسييس الدين
بقلم الدكتور: يوسف القرضاوي

من التهم القديمة الجديدة التى وجهت إلى الإخوان : (سيسوا الدين) أو خلطوا الدين بالسياسة, أو أدخلوا الدين فى السياسة والسياسة فى الدين.

وقد قال أحد الحكام يوما: لا دين فى السياسة ولا سياسة فى الدين!!
وشاعت على الألسنة والأقلام فى السنوات الأخيرة هذه العبارة (الإسلام السياسى) يريدون به : الإسلام الذى يدعوا إلى الحكم بما أنزل الله, وإلى تحكيم شرعه فيمن آمن به, وإلى تحرير أرض الإسلام ومقاومة كل معتد عليها, والعمل على توحيد الأمة العربية والإسلامية – أو على الأقل – التقريب بينها بدل أن يجافى بعضها بعضا أو يضرب بعضها وجوه بعض.
وحين يشرح هؤلاء – من خصوم الإخوان – مضمون (الإسلام السياسى) لا يكتفون بما ذكرنا, بل يضمونه معنى العنف والقتل العشوائى ,وإرهاب الآمنين, والتعصب ضد الآخرين والانغلاق على الماضى والانقطاع عن الحاضر وإغفال المستقبل.
فإذا اعترفت بأن السياسة جزء من الإسلام إذا استمدت منه وسارت فى ضوئه : ألزموك بما لم تلتزم به, وحكموا عليك بأنك من أنصار العنف والإرهاب والدموية.
وأحب أن أقول هنا: إن الإخوان ليسوا هم الذين (سيسوا الدين) بل شارع هذا الدين – وهو الله جل جلاله – هو الذى (سيسه) حين شرع فيه من الأحكام ما يتعلق بالسياسة.
وأخبرنى بربك فى أى باب نحسب هاتين الآيتين من كتاب الله إذا لم نحسبهما فى السياسة [إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا. يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر]
إن الإمام ابن تيمية جعل هاتين الآيتين محورا لكتابه (السياسة الشرعية فى إصلاح الراعي والرعية).
وبعدها جاءت جملة آيات توجب الاحتكام إلى الله تعالى : ورسوله ختمت بقوله تعالى(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)
ومثلها فى سور النور, حيث يقول تعالى ( ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين....) إلى أن يقول(إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون)
أوليست هذه الآيات وأمثالها فى صميم السياسة بل أصول السياسة لأنها تتعلق بتحديد (المرجعية) العليا للأمة والدولة.
وماذا يقول هؤلاء الذين (يلتون ويعجنون) عن تسيس الدين فى هذه الآيات من سور المائدة (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون...ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون... ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)
سيقولون: إنها نزلت فى أهل الكتاب فى شأن تحكيم التوراة والإنجيل ونقول لهم: نعم هى كذلك ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثم هل ما أنزل الله على المسلمين دون ما أنزل على أهل الكتاب حتى إذا تركوا الحكم بما انزل الله كانوا كافرين أو ظالمين أو فاسقين, وإذا ترك المسلمون الحكم بما أنزل عليهم من القرآن, لم يوصفوا بكفر ولا ظلم ولا فسوق؟
أو: هل يكيل الله سبحانه بكيلين فإذا ترك أهل التوراة والإنجيل كتابهم حكم عليهم بما ذكر, وإذا ترك المسلمون قرآنهم لم يحكم عليهم بما حكم على من قبلهم فأين عدل الله على الناس؟!
وقد رددنا على ذلك فى كتبنا الأخرى بما يقطع كل شك؟
من قرأ القرآن وجد فيها كثيرا من الآيات التى تتعلق بالسياسة الداخلية والسياسة الخارجية, والعلاقة بالآخرين فى حالة الحرب,وفى حالة السلم وهذا لا يخفى على من له أدنى إلمام بالقرآن الكريم, وقد رأينا القرآن المكى يربط المسلمين – وهم قلة مستضعفة فى مكة – بالصراع السياسة والعسكرى العالمى من حولهم, وصارع الدولتين الكبريين اللتين تتنازعان السيادة على العالم : دولة الفرس فى الشرق ودولة الروم البيزنطية فى الغرب, ويتدخل فى الجدل الذى دار بين المشركين والمسلمين حول المستقبل ولمن يكون النصر فى النهاية فقد كان المسلمون ينتصرون للروم, ويؤمنون بأن الغلبة لهم باعتبارهم نصارى أهل كتاب فهم أقرب إليهم وكان المشركون ينتصرون للفرس لأنهم مجوس يعبدون النار فهم أقرب إلى عبدة الأوثان.
ونزل القرآن يؤيد المسلمين فى الآيات الأولى من سورة الروم [الم. غلبت الروم . فى أدنى ألأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فى بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله]
ومن قرأ السنة النبوية وجد فيها ذلك بتفصيل أكثر كما وجد ذلك واضحا فى سيرة الرسول (عليه الصلاة والسلام) العملية فقد كان هو الإمام الأعظم كما كان القاضي الحكم والمفتى الأعلم على حد تعبير الإمام القرافى رحمه الله.
و(الإمام الأعظم) يعنى الرئيس الأعلى للدولة وقد كان هو ذلك بلا نزاع فلم يكن بجواره ملك أو أمير يدير أمور السياسة على حين يتفرغ هو لشؤون الدين والدعوة بل كانت الدعوة والدولة فى يدي
ه كان هو الذى يؤم الناس فى الصلاة ويقودهم فى الحرب وفى السلم, ويعقد المعاهدات ويلقى الوفود ويعين الولاة والقضاء والمعلمين ويبعثهم إلى البلاد التى دخلت فى الإسلام.
ومن المعروف فى فقه السياسة الشرعية : أن هناك نوعا من التصرفات النبوية يطلق عليها الفقهاء أنها ( تصرف بمقتضى الإمامة ) أى بمقتضى الرئاسة العليا للدولة.
وهذه ليست مثل التصرفات التى تكون بمقتضى التبليغ عن الله تعالى وهذه كما قالوا فى حديث " من أحيا أرضا ميتة فهى له" إذ قال أبو حنيفة ومن وافقه. هذا قاله بمقتضى إمامته, فلا يملك أحد أرضا أحياها إلا بإذن الإمام.
وقرر الفقهاء من جميع المذاهب أن الشريعة حاكمة على جميع أفعال المكلفين لا يخرج فعل منها – فى أى مجال كان – عن دائرة الشريعة إذ لابد أن تعطيه حكما من الأحكام الشرعية الخمسة المعروفة.
والقرآن يؤكد هذه الشمولية حين يقول خطابا للرسول ( ونزلنا عليك الكتاب تبانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)
ويقول فى ختام سورة يوسف ( لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)
حتى قال ابن عباس ترجمان القرآن: لو ضاع منى عقال بعير لوجدته فى كتاب الله!
فإذا كان الإنجيل يقول:" (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) فإن القرآن يجعل قيصرا وما لقيصر لله الواحد الأحد ( قل الأمر كله لله) فلله ما فى السموات وما فى الأرض ومن فى السماوات ومن فى الأرض وهو الحاكم عليهم ومن واجبهم أن يطيعوه طاعة مطلقة تمثل عبوديتهم له وانقيادهم لأمره.
ولقد قرر الأصوليون : أن ( الدين) هو إحدى الضروريات الخمس أو الست التى قام عليها بنيان التكاليف الشرعية وهى : الدين والنفس والنسل والعقل والمال.. وزاد بعضهم : العرض.
فالذين يريدون أن يحصروا الإسلام فى (الدين) وحده ينسون هذه الحقيقى التى اجمع عليها الأصوليون.
إن (شمولية الإسلام) ليست من ابتداع الإخوان بل هى ما قرره القرآن والسنة وأجمعت عليه الأمة, وتأسست عليها ثقافة وحضارة وامتد به تاريخ وتراث.
وكل المصلحين الكبار الذين سطعت نجومهم فى آفاق الأمة, حاولوا النهوض بها فى العصر الحديث, كلهم أدخلوا السياسة فى الدين والدين فى السياسة: محمد عبد الوهاب, والسنوسي والمهدي والأمير عبدالقادر والأفغاني , والكواكبى , ومحمد عبده, ورشيد رضا وابن باديس, وغيرهم كلهم نظروا إلى الإسلام تلك النظرة الشاملة التى لا تفرق بين دين وسياسة فم جميعا مشتركون فى (تسييس الدين)
فليس حسن البنا بدعا فى المصلحين , ولا دعوته فى دعوات الإصلاح والتجديد.
والحاكم الذى أعلن أن لا سياسة فى الدين, ولا دين فى السياسة, كثيرا رأيناه وسمعناه, يتحدث باسم الدين,تأييدا لسياسته, ويطلب من علماء الدين إصدار الفتاوى تبريرا لموقفه.
والملتزمون بالإسلام شأنهم شأن سائر المواطنين,من حقهم أن يمارسوا السياسة وفق معتقداتهم ومفاهيمهم, ولا يحوز أن يحرموا منها لمجرد أنهم متدينون.
إن المسلم يستطيع أن يدخل فى أعماق السياسة وهو مستغرق فى عبادته لربه, وهذا ما نشاهده فيما يسمى (قنوت النوازل) فيجوز للمسلم أن يدعو فى صلاته على الصهاينة المعتدين على فلسطين, وعلى الصرب المعتدين على البوسنة والهرسك وكوسوفا أو على غيرهم ممن يعتدى على حرمات المسلمين. كما أن المسلم يمكنه أن يقرأ نم القرآن ما يشتمل على آيات فى ميادين الحياة المختلفة كالجهاد وإقامة العدل , والحكم بما أنزل الله وغيرها ولا يستطيع أحد أن يعترض عليه فى قليل أو كثير.
وبهذا تسقط تهمة (تسييس الدين) عن الإخوان كما تسقط غيرها من التهم (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)

رد شبهة عدم الإهتمام الاخوان المسلمين بدارسة العقيدة.!


#شبهات_وردود

عدم الاهتمام بدارسة العقيدة

محتويات
١ أولاً: طبيعة الفترة التي ظهر فيها أئمة الدعوة
٢ ثانياً: طبيعة النظرة إلى المجتمعات الحالية
٣ ثالثاً: طبيعة الدعوة في مكة
٤ رابعاً: وجوب التفرقة بين العقيدة وما أثير حولها من شبهات
٥ خامساً: وجوب التفرقة بين الثقافة الإيمانية والتربية الإيمانية
٦ سادساً: الإخوان المسلمون ودراسة العقيدة
٦.١ 1- ركن الإخلاص
٦.٢ 2- ركن التجرد
٦.٣ 3- الأصل الأول من ركن الفهم
٦.٤ 4- الأصل الرابع من ركن الفهم
٦.٥ 5– الأصل الرابع عشر من ركن الفهم
٦.٦ 6- منهج التغيير
٧ للمزيد عن الإخوان والعقيدة
أولاً: طبيعة الفترة التي ظهر فيها أئمة الدعوة



لم يغفل الإمام البنا جانب العقيدة فى دروسه وخطبه بل إنه خصص له رسالة كاملة هي رسالة العقائد
قبل الشروع في الرد على هذه الشبهة ، يجب أن نوضح بعض الأمور :
فالفترة التي كان فيها الإمام أحمد بن حنبل -رضي الله عنه -ظهرت فيها فتنة القول بخلق القران الكريم وغيرها من القضايا الفلسفية وعلم الكلام ، فتصدئ لها الإمام - رضي الله عنه -، وكانت محنته المشهورة مع القائلين بخلق القران .
والإمام ابن تيمية- رضي الله عنه - فقد ظهر في فترة كثر فيها الحديث عن الأسماء والصفات والتصوف والهجوم التتري على البلاد الإسلامية فتصدئ لها ، وكثر كلامه في الرد على هؤلاء .
والإمام محمد بن عبد الوهاب ، ظهر في فترة كثرت فيها الأضرحة والبدع ، فتصدي لها ، وكان جُل اهتمامه بها ، وللعلم فهذه الدعوات قد ظهرت في ظل دولة وخلافة إسلامية تطبق الشريعة الإسلامية ، قد تقترب أو تبتعد عنها ، ولكن على كل حال فهي قائمة .
أما الإمام البنا فقد جاء وكل شيء قد ذهب ( الخلافة الإسلامية ألغيت -احتلال أجنبي لأغلب البلاد الإسلامية - فرض القوانين الأجنبية على المسلمين واقصاء أحكام الشريعة الإسلامية ، انتشار البدع والأضرحة والجهل والتغريب ، والمطالبة بمتابعة الغرب في كل شيء ونبذ الإسلام بكل صوره )، ولذلك جاءت دعوته بهذه الشمولية للعودة بالأمة إلى كل ما هو إسلامي في شتى مجالات الحياة ، وعدم قصر الإسلام على جانب معين دون باقي الجوانب .

ثانياً: طبيعة النظرة إلى المجتمعات الحالية

هل المجتمعات الإسلامية الحالية مجتمعات كافرة مثل مجتمع مكة فنبدأ معهم من الصفر؟ أم المجتمعات إسلامية بها بعض الأخطاء يجب أن تصحح كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع من طلبوا منه أن يجعل لهم ذات أنواط ( سدرة ) كما للكفار ذات أنواط ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الله أكبر إنها السنن قلتم – والذي نفسي بيده –كما قالت بنو إسرائيل لموسى : ملأ اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ) ، لتركبن سنن من كان قبلكم ). وواصل بهم المسير إلى حنين ، ولم يكفرهم ، بل صحح لهم الخلل ، وانطلق بهم إلى الجهاد والعمل والإصلاح .

ثالثاً: طبيعة الدعوة في مكة

فالبعض يقارن المجتمعات الإسلامية الحالية بمجتمع مكة ، ويقول إن المجتمعات الحالية شبيهة بمجتمع الرسول بمكة فيجب أن نقتصر على دراسة العقيدة ( فقط ) وهذا فهم خاطئ ، وذلك لأن الإسلام قد اكتمل في حياة الرسول في س!ذ ولأن الرسول لمج!نه دعا الناس إلى الإسلام بكل جوانبه ، ومما يدل على هذا المعنى دلالة واضحة ما قاله جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه - وهو يحدث النجاشي عن حقيقة الدعوة الإسلامية حيث قال : (أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه ، وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ) .
ومعروف أن الهجرة إلى الحبشة كانت في منتصف العهد المكي تقريبا وواضح من خلال هذه الرواية أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتصر في دعوته بمكة على العقيدة فقط بل تعداها إلى الدعوة إلى الإصلاح في كل جوانب الحياة .

رابعاً: وجوب التفرقة بين العقيدة وما أثير حولها من شبهات

بعض طلاب العلم يخلطون بين العقيدة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم (قرآن وسنة) وبين الشبهات التي أثارها المتكلمون وتم الرد عليها من علماء الإسلام في وقتها وانتهت هذه الشبهات بموت أصحابها . فهل يجوز لنا أن نثير هذه الشبهات في الوقت الحاضر على أنها عقيدة رغم أنها ليست كذلك ؟ ، وإن جاز لنا أن ندرسها مع بعض طلاب العلم المنشغلين بهذا الأمر من باب العلم بها وكيف رد العلماء عليها ، فهل يجوز إثارتها مع العوام كما يحدث مع بعض المنتسبين إلى العلم الآن ؟ .
وهنا نترك الإجابة للإمام ابن تيمية-رضي الله عنه –حيث يقول : ( وأما قول القا
ئل لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام فأنا ما فاتحت عاميا في شيء من ذلك قط ). كما قال : (أنا ما بغيت على أحد ولا قلت لأحد وافقني على اعتقادي وإلا فعلت بك ، ولا أكرهت أحدا بقول ولا عمل ، بل ما كتبت في ذلك شيئا قط إلا أن يكون جواب استفتاء بعد إلحاح السائل واحتراقه وكثرة مراجعته ولا عادتي مخاطبة الناس في ذلك ابتداء).

خامساً: وجوب التفرقة بين الثقافة الإيمانية والتربية الإيمانية

فالثقافة الإيمانية هي مجموعة من الدروس والمحاضرات والخطب والكتب والنشرات والكتيبات والرسائل التي تتحدث عن العقيدة ، فهل هذه الأمور تحتاج إلى ثلاثة عشر عاما قضاها الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة؟ ! . أما التربية الإيمانية فهي التي ربى الله تعالى عليها رسوله صلى الله عليه وسلم في سورة المزمل (قيام الليل ) ، وربى عليها الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة رضوان الله عليهم في دار الأرقم ، بل واستمرت حتى بعد الهجرة ، وعلى سبيل المثال نزلت سورة الأنفال بعد غزوة بدر وكثير من آيات سورة العمران بعد غزوة أحد وسورة الأحزاب بعد الخندق وسورة التوبة بعد تبوك ، وكلها تربية للصحابة – رضوان الله عليهم جميعا - .
هذا ومما يجب الالتفات إليه هو الحذر من تحويل العقيدة إلى قضايا كلامية جدلية فلسفية ، فتفقد بذلك تأثيرها البناء في النفوس ، ومن ثم نقع فيما أنكرناه على ا لآخرين .

سادساً: الإخوان المسلمون ودراسة العقيدة

رغم أن منهج الإخوان هو التربية الإيمانية ، وليس مجرد الوقوف عند الثقافة الإيمانية فقط ، إلا أنهم لم يهملوا الجانب الثقافي في التربية العقائدية لأفرادهم فاعتمدوا بعض الكتب الموجودة مثل كتب الإمام ابن تيمية ، وكتب الإمام ابن عبدالوهاب إلى جانب ما ألفه بعض علماء الإخوانوالتي تستقي العقيدة من الكتاب والسنة بعيدا عن شبهات المتكلمين مثل : كتاب حقيقة التوحيد ، وكتاب "العبادة في الإسلام" للدكتور يوسف القرضاوي ، وكتاب العقائد الإسلامية للشيخ سيد سابق ، وكتاب الإيمان أركانه وحقيقته ونواقضه للدكتور محمد نعيم ياسين ، كما أن كتاب العقيدة الطحاوية والذي نال قبول الأمة يعتبر مرجعا أساسيا لدراسة العقيدة عند الإخوان المسلمين .
ومع هذا فهل أغفلت رسائل الإمام البنا والتي منها ( رسالة العقائد) هذا ا لجانب ؟
وللإجابة عن هذا التساؤل ، فإليك بعض ما كتبه الإمام البنا في هذا الجانب من خلال رسالة واحدة من رسائله ، وهي (رسالة التعاليم) :

1- ركن الإخلاص
يقول :
( وأريد بالإخلاص أن يقصد الأخ المسلم بقوله وعمله وجهاده كله وجه الله ، وابتغاء مرضاته وحسن مثوبته من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر ، وبذلك يكون جندي فكرة وعقيدة لا جندي غرر ومنفعة . " قل إن صلاتي و نسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك وبذلك أمرت " (الأنعام : 162 – 163 ).
وبذلك يفهم الأخ المسلم معنى هتافه (الله غايتنا ، والله أكبر ولله الحمد) . فهل يختلف هذا مع ما ذكره الإمام ابن عبد الوهاب في كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد الباب الثاني " فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب " ، والباب الثالث "من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب " ، والباب الرابع " الخوف من الشرك " ، والباب الخامس "الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله " ، والباب السادس والثلاثون "ما جاء في الرياء" ، والباب السابع والثلاثون "من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا"؟ .

2- ركن التجرد
حيث يقول الإمام البنا : ( وأريد بالتجرد أن تتخلص لفكرتك مما سواها من المبادئ والأشخاص لأنها أسمى الفكر وأجمعها وأعلاها : " صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة " (البقرة : 138) . " قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمئوا بالله وحدة " (الممتحنة : 4 ).
والناس عند. الأخ الصادق واحد من ستة أصناف : مسلم مجاهد ، أو مسلم قاعد ، أو مسلم اثم ، أو ذمي معاهد ، أو محايد ، أو محارب ، ولكل حكمه في ميزان الإسلام ، وفي حدود هذه الأقسام توزن ا لأشخاص والهيئات ، ويكون الولاء والبراء . وواضح من خلال السياق أن الركن يتحدث عن التجرد وعن الولاء والبراء ، فهل يختلف هذا مع ما أورده الإمام ابن عبد الوهاب في الباب السادس ( تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله ) والباب الحادي والثلاثون قوله تعالى : " ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا . . " (البقرة : 165 ) .

3- الأصل الأول من ركن الفهم
حيث يقول : ( الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا ، فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة ، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة ، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء ، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى ، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة ، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء). فهل يختلف هذا مع تعريف شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية للعبادة بقوله : ( هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال
الباطنة والظاهرة . ( رسالة العبودية ) ، ومع ما كتبه الإمام ابن عبد الوهاب في الباب الأول من كتاب التوحيد " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " (الذاريات : 56) .

4- الأصل الرابع من ركن الفهم
والذي يقول فيه الإمام البنا : ( والتمائم والرقي والودع والرمل والمعرفة والكهانة وادعاء معرفة الغيب وكل ما كان من هذا الباب منكر تجب محاربته ( إلا ما كان آية من قرآن أو رقية ثورة ).
لاحظ هنا قوله : ( منكر ) ولم يقل ( معروف ) ، وقوله : تجب محاربته - واجب بالمعنى الشرعي الذي يأثم تاركه - ومحاربته ، ولم يقل مهادنته - ثم رخص في الرقية إذا كانت شرعية من القرآن أو السنة ( رقية مأثورة ).
فهل يختلف هذا مع ما كتبه الإمام محمد بن عبد الوهاب في:
1 - الباب الثالث من كتاب التوحيد ( من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ).
2 - الباب السابع ( من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لدفع البلاء أو وقفه ).
3- الباب الثامن ( ما جاء في الرقئ والتمائم ) .
4 - الباب السادس عشر " حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير " (سبأ : 23) .
5 -الباب الرابع والعشرين ( ما جاء في السحر ) .
6 - الباب الخامس والعشرين ( بيان شيء من أنواع السحر ) .
7 - الباب السادس والعشرين ( ما جاء في الكهان ونحوهم ) .
8- الباب السابع والعشرين ( ما جاء في النشرة ) .
9 - الباب الثامن والعشرين ( ما جاء في التطير ) .
10 - الباب التاسع والعشرين ( ما جاء في التنجيم ) .
11 - الباب الثلاثين ( ما جاء في الاستسقاء بالأنواء ).
أما جواز الرقية المشروعة والتي استثناها الإمام البنا بقوله : إلا ما كان آية من قرآن أو رقية مأثورة ، فهذا ما قرره أيضا الإمام محمد بن عبد الوهاب في الباب الثالث (من حقق التوحيد دخل الجنة) المسألة 16 الرخصة في الرقية من العين والحمة والباب الثامن ( ما جاء في الرفى والتمائم ) المسألة أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك ، والمسألة الخامسة أن التميمة إذا كانت من القران فقد اختلف العلماء هل هي من ذلك أم لا؟ .

5– الأصل الرابع عشر من ركن الفهم
والذي يقول فيه الإمام البنا - رحمه الله - وزيارة القبور أيا كانت سنة مشروعة بالكيفية المأثورة ، ولكن الاستعانة بالمقبورين أيا كانوا ونداءهم لذلك وطلب قضاء الحاجات منهم عن قرب أو بعد والنذر لهم وتشييد القبور وسترها وأضاءتها والتمسح بها والحلف بغير الله ، وما يلحق بذلك من المبتدعات كبائر تجب محاربتها ولا نتأول لهده الأعمال سدا للذريعة . لاحظ كما بينا في الأصل السابق أنه وصفها بأنها مبتدعات - وكبائر - وأوجب محاربتها - وقال : ولا نتأول لهذه الأعمال سدا للذريعة .
والآن تعالوا معنا لنقارن هذا الأصل بما أورده الإمام عبد الوهاب في كتاب التوحيد:
1 - الباب التاسع ( من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما).
2-الباب العاشر ( ما جاء في الذبح لغير الله ).
3 - الباب الحادي عشر ( لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله ) .
4 - الباب الثاني عشر ( من الشرك النذر لغير الله ) .
5 - الباب الثالث عشر ( من الشرك الاستعاذة بغير الله ) .
6 - الباب الرابع عشر ( من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره ) .
7-الباب الخامس عشر : قول الله تعالى أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون " (الأعراف : 191 ) .
8- الباب التاسع عشر ( ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في ا لصا لحين ) .
9 - الباب العشرون ( ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده ) .
10 - الباب العشرون ( ما جاء في الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله ) .
11 - الباب الثاني والعشرون ( ما جاء في حماية المصطفى ( جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك ) .
12 - الباب الحادي والأربعون : قوله تعالى : * قلا تجعلوا يله أندادا وأنتم تعلمون (البقرة : 22 ) .
13 - الباب الثاني والأربعون ( ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله ) .
14 - الباب الثالث والأربعون ( قول ما شاء الله وشئت ).
فهل اختلفت هذه الأقوال مع الأصل ( الرابع عشر ) الذي ذكر آنفا ولكن صدق الله تعالى حيث يقول : " فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" (الحج : 46) .
ومع هذا الوضوح والشمول في عرض بعض ما يتعلق بقضايا لوحيد العبودية وعلاج ما يقع من البعض مخالفا لعقيدة أهل السنة والجماعة حتى رأينا أصلين من الأصول العشرين للإمام البنا ( الرابع والرابع عشر ) قد انتظما خمسة وعشرين بابا من أبواب كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب ، فضلا عن الكتب والمراجع التي سبق ذكرها ويدرسها الإخوانفي مجال العقيدة نجد من يتجرأ ويتهم الإخوان بعدم الاهتمام بدراسة العقيدة محتجين في ذلك بأن الإخوان لا يثيرون هذه القضايا في اللقاءات الجماهيرية العامة، وللرد على هؤلاء نقول : نحن نعيش في مجتمعات إسلامية قد تقترب أو تبتعد عن الإسلام وفيهم أخطاء فكيف نعالج هذه الأخطاء؟ ومنأين نبدأ معهم . . . فهل نبدأ معهم بنقا ط الاتفاق وبعد أن يطمئنوا إليك ويكونوا علي استعداد للتقبل منك تناقش معهم نقاط الخلاف أم نبدأ بنقاط الخلاف مباشرة .

6- منهج التغيير
يقول الإمام البنا: ( إن الناس يعيشون في أكواخ من العقائد البالية ، فلا تهدموا عليهم أكواخهم ، ولكن ابنوا لهم قصورا من العقيدة السمحة ، وعليه فسوف يهجرون هذه الأكواخ إلي هذه القصور ) .
والإمام البنا لم يأت بهذا من عنده بل من سيرة الرسول (صلي الله علية وسلم ) الذي لم يبدأ بهدم الأصنام إلا بعد أن حطمها في نفوس عبديها ، وظل يصلي عند الكعبة وحولها الأصنام ، إلي أن جاء النصر المبين فهدمها أصحابها بأنفسهم . فهل الإمام البنا متبع أم مبتدع فيما ذهب إليه ؟ !

الاثنين، 10 ديسمبر 2018

مس المصحف وقراءة القرآن ...

 جماهير العلماء يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم" لايمس القرآن إلا طاهر "
فيوجبون الوضوء على من يريد مس المصحف
فلايمسه ناقض للوضوء ولا جنب ولا حائض ولا نفساء
ويجوز القراءة من غير مس إن كان المسلم محدثا حدثا أصغر بدون وضوء
وهناك من قال بجواز مس المصحف للمسلم فهو طاهر في جميع أحواله وقالوا ليس هناك دليل صريح صحيح في المنع واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة
( إن المسلم أو المؤمن لاينجس ) لمّا كان جنبا وقد امتنع عن مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يغتسل وهذا استدلال قوي
وإن كان المسلم جنبا أو كانت المرأة المسلمة حائضا أو نفساء وأرادوا قراءة القرآن
فجماهير العلماء على حرمة قراءة القرآن للجنب
وهناك من قال بالجواز وهو مذهب جماعة من السلف
واستدلوا بقول عائشة رضي الله عنها :
( كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذكر الله على كل أحيانه ) رواه مسلم
واجاب عنه المحرمون أن هذا يشمل الذكر غير القرآن فالذكر إذا أطلق يقصد به الأذكار
والقول بالجواز قوي
أما الحائض والنفساء مع أن جماهير العلماء يقولون بحرمة القراءة عليهما أيضا إلا أن شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله ممن قال بالجواز وكلامه قوي من حيث الاستدلال فقال :
(( ليس في منع الحائض من القراءة نصوص صريحة صحيحة ، وقال : ومعلوم أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن ينههن عن قراءة القرآن ، كما لم يكن ينههن عن الذكر والدعاء .))
ولاتقاس الحائض على الجنب فالجنب غسله باختياره فتأخير الغسل تفريط منه أما الحيض والنفاس فتأخير الغسل أمر اضطراري لابد من انقطاع الدم ثم الغسل وكذلك طول المدة للحائض والنفساء بخلاف الجنب
وإن احتاجت الحائض أو النفساء الى القراءة في المصحف فلتقلبه بشيء منفصل عنه كمسطرة أو قلم عند من يقول بحرمة مس المصحف
قال النووي في شرح المهذب: ( يجوز للجنب والحائض النظر في المصحف وقراءته بالقلب دون حركة اللسان، وهذا لا خلاف فيه )
ويجوز في كل الأحوال للمحدث حدثا أكبر أو أصغر ذكر بعض الآيات على سبيل الذكر مثل: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين وانا لله وانا اليه راجعون ... وكذلك يجوز مس كتب التفسير
أما قراءة القرآن في الموبايل
فمن نعم الله تعالى وجود المصحف الشريف في أجهزة الإتصال ( الموبايل ... )
والقول الراجح أنه لايشترط للقراءة فيه الوضوء
فيمكن للمسلم كسب حسنات وهو في طريقه في سيارة أو طيارة أو جالس في بيته أو في انتظاره وخاصة إذا كان غير متوضيء...
ويجوز للمسلم أن يدخل بالموبايل الذي فيه برنامج القرآن الى الخلاء لأنه ليس له حكم المصحف
فائدة :
قال السيوطي في الإتقان 1 / 287 :
(( الْقِرَاءَةُ فِي الْمُصْحَفِ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مِنْ حِفْظِهِ لِأَنَّ النَّظَرَ فِيهِ عِبَادَةٌ مَطْلُوبَةٌ
قَالَ النَّوَوِيُّ هَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَالسَّلَفُ أَيْضًا وَلَمْ أَرَ فِيهِ خِلَافًا.
قَالَ: وَلَوْ قِيلَ إِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ فَيُخْتَارُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ لِمَنِ اسْتَوَى خُشُوعُهُ وَتَدَبُّرُهُ فِي حَالَتَيِ الْقِرَاءَةِ فِيهِ وَمِنَ الْحِفْظِ
وَيُخْتَارُ الْقِرَاءَةُ مِنَ الْحِفْظِ لِمَنْ يَكْمُلُ بِذَلِكَ خُشُوعُهُ وَيَزِيدُ عَلَى خُشُوعِهِ وَتَدَبُّرِهِ لَوْ قَرَأَ مِنَ الْمُصْحَفِ لَكَانَ هَذَا قَوْلًا حَسَنًا. ))
اللهم اجعلنا من أهل القرآن وانفعنا به يارب العالمين