الجمعة، 13 مايو 2022

هل إطالة اللحية وتقصير الثوب من الامور الواجبة في الدين ؟!

 



فضيلة الشيخ العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله : هل إطالة اللحية وتقصير الثوب من الامور الواجبة في الدين ؟!




"
جمهور الفقهاء على إباحة إسبال الإزار بغير خيلاء
" إن القاعدة الأصولية هي حمل المطلق على المقيد وهي قاعدة مطردة في عموم نصوص الشريعة. والشارع الحكيم لم يقيد تحريم الإسبال – بالخيلاء – إلا لحكمة أرادها ولولا هذا لم يقيده. والأصل في اللباس الإباحة ، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . والشارع قصد من تحريم هذه اللبسة الخاصة قصد الخيلاء من الإسبال وإلا لبقيت اللبسة المذكورة على أصل الإباحة. وإذا نظرنا إلى عموم اللباس وهيئاته وأشكاله لم نجد منه شيئاً محرماً إلا وتحريمه له سبب وإلا فما معنى التحريم وما الغرض منه ، لذا فإن مفهوم الأحاديث أن من أسبل ولم يقصد بذلك الكبر والخيلاء ، فإنه غير داخل في الوعيد "ا.هـ .
وأضيف للفائدة بحث لأحد طلبة العلم حول نفس الموضوع :
جمهور الفقهاء على إباحة إسبال الإزار بغير خيلاء
أولا: الأحاديث التي فهم منها العلماء جواز الإسبال لغير خيلاء:
1-عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: “من جر ثوبه خيلاء لم ينظر اللَّه إليه يوم القيامة” ، فقال أبو بكر: يا رَسُول اللَّهِ إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: “إنك لست ممن يفعله خيلاء” رَوَاهُ البُخَارِيُّ تحت باب (من جر إزاره من غير خيلاء) فكأنه يرى الجواز، وروى مسلم بعضه.
2-وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ وَنَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ مُسْتَعْجِلاً حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ وَثَابَ النَّاسُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَجُلِّيَ عَنْهَا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا وَقَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئاً فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ حَتَّى يَكْشِفَهَا.(روا ه البخاري في باب من جر إزاره من غير خيلاء).
ثانيا: الآثار عن الصحابة والسلف التي تفيد جواز الإسبال لغير الخيلاء:
1-أخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود بسند جيد أنه كان يسبل إزاره فقيل له في ذلك فقال إني حمش الساقين.
2- وعن أبي إسحاق قال:رأيت ابن عباس أيام منى طويل الشعر، عليه إزار فيه بعض الإسبال، وعليه رداء أصفر.
قال الهيثمي:رواه الطبراني وإسناده حسن.‏
3-أخرج ابن أبي شيبة وعنه أبو نعيم في الحلية : (5/322) وابن سعد في الطبقات: (5/403) عن عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن عمرو بن مهاجر قال كان قميص عمر بن عبد العزيز ما بين الكعب والشراك.
4-قال البيهقي : وروينا عن عطاء بن أبي رباح أنه صلى سادلا وكأنه نسي الحديث أو حمله على أن ذلك إنما لا يجوز للخيلاء وكان لا يفعله خيلاء والله أعلم (سنن البيهقي الكبرى الجزء 2 ص 242).
5- إبراهيم بن يزيد النخعي – رحمه الله تعالى – :
أخرج ابن أبي شيبة في (( المصَنَّفِ )) (رقم :24845) قال : حدثنا ابن مهدي ، عن أبي عوانة ، عن مغيرة قال :” كان إبراهيم قميصُه على ظهر القدم” . إسناده صحيحٌ.
6- أيُّوب بن أبي تِميمَة السِّختِيَانيُّ – رحمه الله تعالى – :
أخرج الإمام أحمد في (( العلل )) – رواية ابنه عبد الله – ( رقم : 841 ) قال :حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدَّثنا حماد بن زيد ، قال :”أمرَنِي أيّوب أن أقطعَ له قميصاً قال : اجعلْه يضرِبُ ظَهْرَ القدم ، و اجعَلْ فَمَ كُمِّهِ شبراً “.
إسنادهٌ صحيحٌ .
ومن أقواله –رحمه الله- : “كانت الشهرة فيما مضى في تذييلها ، و الشهرة اليوم في تقصيرها“.
أخرجه معمر في (( جامعه )) (11/84) – و من طريقه عبد الرزاق في (( المصنف )) (11/84) ، و من طريقه أيضا : أخرجه ابن سعد في (( الطبقات ))(1) (7/248) و الدينوري في (( المجالسة )) ( 1919) و أبو نعيم في (( الحلية )) (3/7) و البيهقي في (( الشعب )) ( رقم :6243 ) – .
و لفظ الحلية : (( كان في قميص أيوب بعض التذييل فقيل له فقال : الشهرةُ اليومَ في التشمير )).
و لفظ ابن سعد : (( يا أبا عروة – هي كنيةُ معمرٍ – : كانت الشهرة فيما مضى في تذييلها ، فالشهرة اليوم في تشميرها )) .
و كما قال سفيان بن حسين لعمر بن علي بن مقدم : أتدري ما السمت الصالح ؟! ليس هو بحلق الشارب ! ، و لا تشمير الثوب ؛ و إنما هو: لزوم طريق القوم ، إذا فعل ذلك قيل : قد أصاب السَّمت ، وتدري ما الاقتصاد ؟! هو المشي الذي ليس فيه غلو ولا تقصير .
أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ( 21/68) و سنده صحيح .
ثالثا: فهم أهل الحديث في كتبهم لهذه المسألة:
1-كما سبق أن أشرنا فقد عقد البخاري بابا في صحيحه بعنوانمن جر إزاره من غير خيلاء) وجاء فيه بالحديثين السابقين فكأن هذا مذهبه وهو أنه لا إثم على من جر ثوبه لغير خيلاء.
2- وفي كتاب المنهيات للحكيم الترمذي ص 7 :
وعامة الأحاديث التى جاءت عن جر الإزار، إنما تدل على أن النهى مع الشرط، قال : (من جر الإزار خيلاء)؛ فدل هذا على أن النهى عن جر الإزار إذا كان خيلاء.
حدثنا قتيبة عن سعيد، حدثنا مالك بن أنس، عن نافع وزيد بن أسلم وعبد الله بن زبير، كلهم يخبر عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء).
وحدثنا قتيبة،عن مالك،عن أبى الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة،عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطراً).
فهذا الإسبال والجر للثوب إنما كره للمختال الفخور.
وروى عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة.
وقد كان في بدء الإسلام المختال يلبس الخز، ويجر الإزار ويسبله؛ فنهوا عن ذلك.
وقد كان فيهم من يلبس الخز ويسبل الإزار فلا يعاب عليه، منهم أبو بكر رضى الله عنه؛ حيث قال:يا رسول الله، إنى رجل قليل اللحم فإذا أبرزت سقط إزارى على قدمى وقد قلت ما قلت? قال: (لست منهم يا أبا بكر). حدثنا بذلك أبى، حدثنا أحمد بن يونس، عن زهير، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)؛ فقال أبو بكر رضى الله عنه: بأبى أنت يا رسول الله، إن أحد شقى إزارى يسترخى إلا أن أتعاهد ذلك منه? فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لست ممن يصنعه خيلاء).
……..
ثم قال:
حدثنا سفيان،حدثنا أبى،عن منصور، عن أبى وائل، قال: كان عبد الله يسبل إزاره، فقيل له؛ فقال: إني رجل حمش الساقين. قال سفيان: يعنى رقيق الساقين.
فقد وضح لنا أن سبب النهى إنما هو الخيلاء، فإذا علم من قلبه أنه مختال فليجتنب وكان في بدء الأمر رفع الإزار إلى أنصاف الساق تجنبا للخيلاء والمراءاة، وكذلك تشمير القميص، فلم يزل الناس في تبديل من سوء ضمائرهم، حتى صار ذلك تصنعا ومراءاة؛ فكان من شمر الإزار والقميص ممقوتا لسوء مراده.
وروى عن أيوب السختيانى رحمه الله: أنه طول قميصه له الخياط في ذلك؛ فقال: السنة اليوم في هذا الزى، أو كلاما هذا معناه.. كأنه ذهب إلى أنه إنما نهى عن طوله للخيلاء فشمروا. فاليوم صار التشمير مراءاة وتصنعا وتزيينا للخلق يختالون في الدنيا بالدين!! وروى أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان قميصه وجبته تضرب شراك نعليه.
3-وفي مسند أبي عوانة باب بعنوان بيان الأخبار الناهية عن جر الرجل إزاره بطرا وخيلاء والتشديد فيه والدليل على أن من لم يرد به خيلاء لم تكن عليه تلك الشدة.
4- وجاء في صحيح ابن حبان(2/281):
أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا سلام بن مسكين، عن عقيل بن طلحة، قال: حدثني أبو جري الهجيمي قال:
أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: يا رسول الله، إنا قوم من أهل البادية، فعلمنا شيئا ينفعنا الله به، فقال: ((لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تكلم أخاك، ووجهك إليه منبسط. وإياك وإسبال الإزار، فإنه من المخيلة، ولا يحبها الله. وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك، فلا تشتمه بما تعلم فيه، فإن أجره لك، ووباله على من قاله)) .
قال أبو حاتم: الأمر بترك استحقار المعروف أمر قصد به الإرشاد. والزجر عن إسبال الإزار زجر حتم لعلة معلومة، وهي الخيلاء، فمتى عدمت الخيلاء، لم يكن بإسبال الإزار بأس. والزجر عن الشتيمة، إذا شوتم المرء، زجر عنه في ذلك الوقت، وقبله، وبعده، وإن لم يشتم.
رابعا:أقوال شراح كتب الحديث في الأحاديث المطلقة بالوعيد والمقيدة له بقصد الخيلاء:
1- جاء في شرح صحيح مسلم للنووي:
‏هذا التَّقييد بالجرِّ خيلاء يخصِّص عموم المسبل إزاره، ويدلُّ على أنَّ المراد بالوعيد من جرّه خيلاء، وقد رخَّص النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- في ذلك لأبي بكر الصِّدِّيق -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وقال: لست منهم إذ كان جرّه لغير الخيلاء.
ويقول:
أمَّا الأحاديث المطلقة: بأنَّ ما تحت الكعبين في النَّار، فالمراد بها: ما كان للخيلاء، لأنَّه مطلق، فوجب حمله على المقيَّد، واللهُ أعلم.
2- وجاء في فتح الباري لابن حجر:
قال شيخنا في ” شرح الترمذي ” ما مس الأرض منها خيلاء لا شك في تحريمه.
قال: ولو قيل بتحريم ما زاد على المعتاد لم يكن بعيدا، ولكن حدث للناس اصطلاح بتطويلها، وصار لكل نوع من الناس شعار يعرفون به، ومهما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلا شك في تحريمه، وما كان على طريق العادة فلا تحريم فيه ما لم يصل إلى جر الذيل الممنوع.
ونقل عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة وعلى المعتاد في اللباس من الطول والسعة.
ويقول:
وفي هذه الأحاديث أن إسبال الإزار للخيلاء كبيرة، وأما الإسبال لغير الخيلاء فظاهر الأحاديث تحريمه أيضا، لكن استدل بالتقييد في هذه الأحاديث بالخيلاء على أن الإطلاق في الزجر الوارد في ذم الإسبال محمول على المقيد هنا، فلا يحرم الجر والإسبال إذا سلم من الخيلاء.
قال ابن عبد البر: مفهومه أن الجر لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد، إلا أن جر القميص وغيره من الثياب مذموم على كل حال.
وقال النووي: الإسبال تحت الكعبين للخيلاء، فإن كان لغيرها فهو مكروه، وهكذا نص الشافعي على الفرق بين الجر للخيلاء ولغير الخيلاء، قال: والمستحب أن يكون الإزار إلى نصف الساق، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين، وما نزل عن الكعبين ممنوع منع تحريم إن كان للخيلاء وإلا فمنع تنزيه، لأن الأحاديث الواردة في الزجر عن الإسبال مطلقة فيجب تقييدها بالإسبال للخيلاء انتهى.
والنص الذي أشار إليه ذكره البويطي في مختصره عن الشافعي قال: لا يجوز السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء، ولغيرها خفيف لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ا هـ، وقوله: ” خفيف ” ليس صريحا في نفي التحريم بل هو محمول على أن ذلك بالنسبة للجر خيلاء، فأما لغير الخيلاء فيختلف الحال، فإن كان الثوب على قدر لابسه لكنه يسدله فهذا لا يظهر فيه تحريم، ولا سيما إن كان عن غير قصد كالذي وقع لأبي بكر، وإن كان الثوب زائدا على قدر لابسه فهذا قد يتجه المنع فيه من جهة الإسراف فينتهي إلى التحريم، وقد يتجه المنع فيه من جهة التشبه بالنساء وهو أمكن فيه من الأول.انتهى ما ذكره الحافظ في الفتح.
3- وجاء في فيض القدير للمناوي:
(والمسبل إزاره) الذي يطوّل ثوبه ويرسله إذا مشى تيهاً وفخراً (خيلاء) أي يقصد الخيلاء بخلافه لا بقصدها ولذلك رخص المصطفى صلى اللّه عليه وسلم في ذلك لأبي بكر حيث كان جره لغير الخيلاء.
4- ويقول السندي في حاشيته على سنن النسائي في شرح حديث “ثلاثة لا يكلمهم الله… ومنهم المسبل“:
“المسبل” من الإسبال بمعنى الإرخاء عن الحد الذي ينبغي الوقوف عنده والمراد إذا كان عن مخيلة والله تعالى أعلم.
5-وفي الديباج للسيوطي (بتحقيق الحويني): (”المسبل إزاره” المرخي له الجار طرفيه “خيلاء” فهو مخصص بالحديث الآخر لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء وقد رخص صلى الله عليه وسلم في ذلك لأبي بكر حيث كان جره لغير الخيلاء) .
6- وقال الشوكاني في نيل الأوطار :-
الحديث يدل على تحريم جر الثوب خيلاء . والمراد بجره هو جره على وجه الأرض وهو الموافق لقوله صلى الله عليه وسلم : { ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار.
وظاهر التقييد بقوله : خيلاء , يدل بمفهومه أن جر الثوب لغير الخيلاء لا يكون داخلا في هذا الوعيد . قال ابن عبد البر : مفهومه أن الجار لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد إلا أنه مذموم .
قال النووي : إنه مكروه وهذا نص الشافعي . قال البويطي في مختصره عن الشافعي : لا يجوز السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء , ولغيرها خفيف , لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : إنك لست ممن يصنعه خيلاء حين رآه يتعاهد ثوبه برفعه عن الأرض.
وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث وعدم إهدار قيد الخيلاء المصرح به في الصحيحين .
وقد جمع بعض المتأخرين رسالة طويلة جزم فيها بتحريم الإسبال مطلقا , وأعظم ما تمسك به حديث جابر .
وأما حديث أبي أمامة الذي أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة قال : { بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة إزار ورداء قد أسبل , فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله عز وجل ويقول : عبدك وابن عبدك وأمتك حتى سمعها عمرو فقال : يا رسول الله إني أحمش الساقين , فقال : يا عمرو إن الله تعالى قد أحسن كل شيء خلقه , يا عمرو إن الله لا يحب المسبل } . والحديث رجاله ثقات وظاهره أن عمرا لم يقصد الخيلاء , فغاية ما فيه التصريح بأن الله لا يحب المسبل , وحديث أبي بكر مقيد بالخيلاء وحمل المطلق على المقيد واجب. وأما كون الظاهر من عمرو أنه لم يقصد الخيلاء فما بمثل هذا الظاهر تعارض الأحاديث الصحيحة . والله أعلم.
ويقول أيضا:
فلا بد من حمل قوله ” فإنها المخيلة ” في حديث جابر بن علي أنه خرج مخرج الغالب , فيكون الوعيد المذكور في حديث الباب متوجها إلى من فعل ذلك اختيالا , والقول بأن كل إسبال من المخيلة أخذا بظاهر حديث جابر ترده الضرورة , فإن كل أحد يعلم أن من الناس من يسبل إزاره مع عدم خطور الخيلاء بباله , ويرده قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : ” إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء ” ، والحديث رواه الجماعة حيث قال صلى الله عليه وسلم : من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة , فقال أبو بكر : إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه , فقال : إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء } ففيه تصريح بأن مناط التحريم الخيلاء , وأن الإسبال قد يكون للخيلاء , وقد يكون لغيره .ا.هـ بتصرف .
خامسا: أقوال الأئمة الأعلام أصحاب المذاهب المتبوعة:
*الأحناف:
1-قال صاحب المحيط من الحنفية وروي أن أبا حنيفة رحمه الله ارتدى برداء ثمين قيمته أربعمائة دينار وكان يجره على الأرض فقيل له أولسنا نهينا عن هذا ؟ فقال إنما ذلك لذوي الخيلاء ولسنا منهم .
ذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية وكذلك السفاريني في كتابه “غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب” وكلاهما حنبلي.
2- وقال النحلاوي في الدرر المباحة:” لا يجوز إسبال الثوب تحت الكعبين، إنْ كان للخيَلاء، والتكبر، وإلاّ جاز إلا أنّ الأفضل أن يكون فوق الكعبين..”.
*المالكية:
وممن ذكر ذلك من المالكية: سليمان بن خلف الباجي في كتابه المنتقى شرح الموطأ والنفرواي في الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني.
1- قال الباجي في المنتقى: وقوله صلى الله عليه وسلم الذي يجر ثوبه خيلاء يقتضي تعليق هذا الحكم بمن جره خيلاء، أما من جره لطول ثوب لا يجد غيره، أو عذر من الأعذار، فإنه لا يتناوله الوعيد.
2- وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
وفي المواهب(وهو أحد كتب المالكية) : ما كان من ذلك على سبيل الخيلاء فلا شكّ في تحريمه ، وما كان على طريق العادة فلا تحريم فيه ، ما لم يصل إلى جرّ الذّيل الممنوع منه .
3-وتقدم في شرح ابن حجر للأحاديث قول ابن عبد البر:
قال ابن عبد البر: مفهومه أن الجر لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد، إلا أن جر القميص وغيره من الثياب مذموم على كل حال.
4- وقد تعقب العراقي الشافعي ابن العربي المالكي حيث ذهب إلى تحريم الإسبال مطلقاً بخيلاء أو بغير خيلاء ، فقال العراقي : وهو مخالف لتقييد الحديث بالخيلاء.
*الشافعية:
1-ذكر البويطي في مختصره عن الشافعي قال: لا يجوز السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء، ولغيرها خفيف لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر :إنك لست ممن يصنعه خيلاء حين رآه يتعاهد ثوبه برفعه عن الأرض. ا هـ أفاده ابن حجر في الفتح.
2, 3, 4 – وقد قدمنا أقوال الإمامين النووي وابن حجر والسيوطي والمناوي –رحمهم الله-.
5, 6 ,7-وهناك أيضا من الشافعية غير هؤلاء من ذهب إلى ذلك منهم : شيخ الإسلام زكريا الأنصاري والإمام شهاب الدين الرملي والحافظ ابن حجر الهيتمي وغيرهم كثير.ذكر ذلك الدكتور عبد الله الفقيه المفتي في موقع الشبكة الإسلامية.
8- ويقول الحافظ العراقي في طرح التثريب :-
المستحب أن يكون الثوب إلى نصف الساقين ، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين ، فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع ، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم , وإلا فمنع تنزيه .
وأما الأحاديث المطلقة بأن ما تحت الكعبين في النار فالمراد به ما كان للخيلاء ; لأنه مطلق فوجب حمله على المقيد انتهى – يقصد أن النهي عن الإسبال جاء من غير تحديد لسبب الإسبال في الحديث ، إلا أننا وجدنا تقييد ذلك في حديث آخر بالخيلاء ، فيجب تقييد الحديث المطلق بهذا الحديث المقيد .ا.هـ بتصرف.
9- وجاء في سير أعلام النبلاء للذهبي:
أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ تَخْتَالُ فِي لُبْسِ الذَّهَبِ وَتَفْخَرُ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ، كَمَا فِيْمَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ.
قلت (الأزهري الأصلي): لا شك أن لبس الذهب للنساء حلال بين فمعنى كلام الذهبي هو جواز الإسبال لغير الخيلاء بمفهوم المخالفة.
*الحنابلة:
1-قال الإمام أحمد بن حنبل في رواية حنبل : جر الإزار إذا لم يرد الخيلاء فلا بأس به وهذا ظاهر كلام غير واحد من الأصحاب رحمهم الله .
وقال أحمد رضي الله عنه أيضا { ما أسفل من الكعبين في النار } لا يجر شيئا من ثيابه وظاهر هذا التحريم , فهذه ثلاث روايات .
ذكر ذلك ابن مفلح في الآداب الشرعية ونقله عنه السفاريني في غذاء الألباب.
2- جاء في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي(حنبلي):
يكره أن يكون ثوب الرجل إلى فوق نصف ساقه,نص عليه.ويكره زيادته إلى تحت كعبيه بلا حاجة,على الصحيح من الروايتين.وعنه” ما تحتهما في النار” وذكر الناظم:من لم يخف خيلاء لم يكره والأولى تركه ,هذا في حق الرجل.
3- وذكر الراويات في ذلك أيضا ابن مفلح في الآداب الشرعية والسفاريني في غذاء الألباب وهاك نصهما:
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية :-قال ابن تيمية : السنة في الإزار والقميص ونحوه من نصف الساقين إلى الكعبين فلا يتأذى الساق بحر وبرد ولا يتأذى الماشي ويجعله كالمقيد ، ويكره ما نزل عن ذلك أو ارتفع عنه نص عليه – يقصد نص عليه أحمد بن حنبل .
وقال – يقصد أحمد بن حنبل – في رواية حنبل : جر الإزار إذا لم يرد الخيلاء فلا بأس به وهذا ظاهر كلام غير واحد من الأصحاب رحمهم الله .
وقال أحمد رضي الله عنه أيضا { ما أسفل من الكعبين في النار } لا يجر شيئا من ثيابه وظاهر هذا التحريم , فهذه ثلاث روايات ، ورواية الكراهية منصوص الشافعي وأصحابه رحمهم الله .
قال صاحب المحيط من الحنفية وروي أن أبا حنيفة رحمه الله ارتدى برداء ثمين قيمته أربعمائة دينار وكان يجره على الأرض فقيل له أولسنا نهينا عن هذا ؟ فقال إنما ذلك لذوي الخيلاء ولسنا منهم .
واختار الشيخ تقي الدين رحمه الله عدم تحريمه ولم يتعرض لكراهة ولا عدمها . ا.هـ بتصرف .
,وقال السفاريني في كتابه “غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب“:
واستدل له برواية حنبل عن الإمام رضي الله عنه أنه قال عن جر الإزار : إذا لم يرد به خيلاء فلا بأس به , وهو ظاهر كلام غير واحد من الأصحاب كما في الآداب الكبرى للعلامة ابن مفلح . وقال صاحب المحيط من الحنفية : روي أن أبا حنيفة رحمه الله ارتدى برداء ثمين قيمته أربعمائة دينار , وكان يجره على الأرض , فقيل له : أولسنا نهينا عن هذا ؟ فقال : إنما ذلك لذوي الخيلاء , ولسنا منهم . قال في الآداب : واختار الشيخ تقي الدين عدم تحريمه , ولم يتعرض للكراهة , ولا عدمها .انتهى .
4- قال ابن قدامة : ويكره إسبال القميص والإزار والسراويل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برفع الإزار، فإن فعل ذلك على وجه الخيلاء حرام.
5- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في شرح العمدة 4/363 : وهذه نصوص صريحة في تحريم الإسبال على وجه المخيلة، والمطلق منها محمول على المقيد، وإنما أطلق ذلك ؛ لأن الغالب أن ذلك إنما يكون مخيلة.
ثم قال: ولأن الأحاديث أكثرها مقيدة بالخيلاء فيحمل المطلق عليه، وما سوى ذلك فهو باقٍ على الإباحة، وأحاديث النهي مبنية على الغالب والمظنة.
ثم قال: وبكل حال فالسنة تقصير الثياب، وحدِّ ذلك ما بين نصف الساق إلى الكعب، فما كان فوق الكعب فلا بأس به، وما تحت الكعب في النار.
ويقول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (22138): والفعل الواحد في الظاهر يثاب الإنسان على فعله مع النية الصالحة ويعاقب على فعله مع النية الفاسدة
وضرب عدة أمثلة ثم قال:
وكذلك اللباس فمن ترك جميل الثياب بخلا بالمال لم يكن له أجر ومن تركه متعبدا بتحريم المباحات كان آثما ومن لبس جميل الثياب إظهارا لنعمة الله واستعانة على طاعة الله كان مأجورا ومن لبسه فخرا وخيلاء كان آثما فإن الله لا يحب كل مختال فخور ولهذا حرم إطالة الثوب بهذه النية كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله يوم القيامة إليه فقال أبو بكر يا رسول الله إن طرف إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال يا أبا بكر إنك لست ممن يفعله خيلاء وفى الصحيحين عن النبي أنه قال بينما رجل يجر إزاره خيلاء إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة فهذه المسائل ونحوها تتنوع بتنوع علمهم واعتقادهم (أي بحسب النية).
6- وممن نص على ذلك من الحنابلة أيضا: الرحيباني في مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى حيث يقول:
( وَحَرُمَ ) ، – وَهُوَ ( كَبِيرَةٌ ) لِلْوَعِيدِ الْآتِي بَيَانُهُ فِي الْخَبَرِ – ( فِي غَيْرِ حَرْبٍ إسْبَالُ ) شَيْءٍ مِنْ ( ثِيَابِهِ خُيَلَاءَ وَلَوْ عِمَامَةً وَسَرَاوِيلَ ) ؛ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَى بَعْضَ أَصْحَابِهِ يَمْشِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ قَالَ : إنَّهَا لَمِشْيَةٌ يَبْغَضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ } وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْخُيَلَاءَ مَذْمُومٌ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ لِحَدِيثِ { مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . ( فَإِنْ أَسْبَلَ ) ثَوْبَهُ ( لِحَاجَةٍ : كَسِتْرِ ) سَاقٍ ( قَبِيحٍ ، وَلَا خُيَلَاءَ وَلَا تَدْلِيسَ ) عَلَى النِّسَاءِ : ( أُبِيحَ ) . قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ : جَرُّ الْإِزَارِ وَإِسْبَالُ الرِّدَاءِ فِي الصَّلَاةِ ، إذَا لَمْ يُرِدْ الْخُيَلَاءَ فَلَا بَأْسَ ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يُرِدْ التَّدْلِيسَ .
ومثله في كشف القناع عن متن الإقناع.
بل إنه في كثير من كتب الفقه الحنبلي ذكر أنه يكره إسبال ثوبه خيلاء وهو أحد الوجهين فما بالنا بغير الخيلاء؟!! . جزم به في الهداية ، و المذهب ، و المذهب الأحمد ، و المستوعب ، و الوجيز ، و الرعاية الصغرى ، و الحاويين ، و الفائق ، و إدراك الغاية ، و تجريد العناية ، وغيرهم . وقدمه في الرعاية الكبرى .
كتبها الشيخ عبدالله بن عبد الرحمن البسام رحمه الله في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" ( 6/246 ):
من هو الشيخ :
مواضيع ذات صلة ..
الإسبال غير حرام إلا على من أراد الخيلاء.
طرح العتاب في جواز إسبال الثياب.
إنك لست ممن يفعله خيلاء
حكم إسبال الإزار بغير خيلاء


الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : التصوير الفوتوفرافي حلال مالم يصور شيئأ محرما .








 الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : التصوير الفوتوفرافي حلال مالم يصور شيئأ محرما .








 

الشيخ عادل الكلباني: داعش ليست إخوانية ولا أشعرية وإنما نبتة سلفية وهم يحتجون بكتبنا ومشايخنا !!

 








(وشهد شاهد من أهلها )
الشيخ عادل الكلباني: "داعش ليست إخوانية ولا أشعرية وإنما نبتة سلفية وهم يحتجون بكتبنا ومشايخنا !!"
فهم يحرمون الغناء والموسيقى والمولد ويحرمون حلق اللحية وإسبال الثياب !
لتشويه صورة الاخوان - الاعلام يروجون لفكرة ان دا عش تنتمي الى اخوان وهنا يعترف الشيخ السعودي السلفي بأن داعش نبته سلفية ولا علاقة له بإخوان المسلمين او سيد قطب!
فهم يحرمون الغناء والموسيقى والمولد ويحرمون حلق اللحية وإسبال الثياب !
الشيخ عادل بن سالم بن سعيد الكلباني, السعودي السفي ويكنّى بأبي عبد الإله، هو إمام وخطيب جامع الملك خالد بالرياض وامام حرم الكي سابقا .





حكم الدعاء لغير المسلم بالرحمة والمغفرة؟!

 

الدعاء لغير المسلم بالرحمة والمغفرة - بقلم: د. معتز الخطيب(*)

في سنة 2005 توفي بابا الروم الكاثوليك يوحنا بولص الثاني، فدعا له الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله تعالى قائلا: "ندعو الله تعالى أن يرحمه ويثيبه؛ بقدر ما قدَّم من خير للإنسانية وما خلّف من عمل صالح أو أثر طيب". ولكن هذا الدعاء أثار ردودا غاضبة من بعض شيوخ السلفية وكثير من العامة ضد الشيخ القرضاوي، الأمر الذي لا يزال يثير النقاش في وقائع مشابهة حين يدعو بعض الناس للمتوفى إن كان من غير أهل الإسلام.

وقد سبق للشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى- أن نقل عن الإمام محيي الدين النووي (676 هـ) الإجماع على تحريم الدعاء بالمغفرة للكافر، ثم أردف قائلا: "ومن ذلك تعلم خطأ بعض المسلمين اليوم من الترحم والترضي على بعض الكفار، ويكثر ذلك من بعض أصحاب الجرائد والمجلات… ولا عجب من هذا؛ فقد يخفى عليهم مثل هذا الحكم، ولكن العجب من بعض الدعاة الإسلاميين أن يقع في مثل ذلك". ويبدو أن جمهور مواقع التواصل اليوم يتبنى موقف الشيخ الألباني، ففي كل حين يشتد النكير على من يترحمون على من مات على غير دين الإسلام.

لأجل ذلك، تحتاج مسألة الدعاء للكافر بالمغفرة والرحمة إلى مناقشة جدية ونقدية، نستعيد فيها النقاشات الفقهية الأصيلة التي سبقت نزعات التسلف والخطابات الدعوية التي تنزع إلى المفاصلة مع فقر في الزاد الفقهي، وهو ما سأحاوله في هذا المقال.

يتصل الدعاء للكافر بمسألة أخرى شديدة الأهمية، وهي الموقف من الأعمال الصالحة التي قام بها الكافر في حياته، وهل تعتبر أم تكون هباءً؛ لأجل كفره؟ وهل يثاب عليها في الآخرة أم أنها فقط تخفف عنه العذاب؟ وهي مسائل كلامية تستحق المناقشة لفهم تصورات متكلمي المسلمين، بعيدا عن التصورات الشعبية المهيمنة اليوم والتي تُشيع مزاجا عامّا غير متسامح، بل لا يراعي أحيانا أدنى درجات اللباقة في التعامل مع موتى غير المسلمين.

وترجع دعوى الإجماع المشار إليها في كلام الألباني إلى القاضي المالكي عياض اليحصبي (544 هـ) الذي نقل عنه النووي قوله: "وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، لكن بعضهم أشدُّ عذابا من بعض؛ بحسب جرائمهم"، أي إن الدعاء للكفار ليس يحرم فقط، بل لا يُجدي نفعا مع موتهم على الكفر.

وقد ناقش النووي الشافعي هذه المسألة في كتابين من كتبه، ففي كتابه الفقهي قال: "وأما الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة فحرام بنص القرآن والإجماع"، وقال في كتاب الأذكار: "ويحرمُ أن يُدعى بالمغفرة ونحوها لمن مات كافرا… وقد جاء الحديث بمعناه، والمسلمون مجمعون عليه". وقال أيضا: "اعلم أنه لا يجوز أن يُدعى له بالمغفرة وما أشبهها مما لا يُقال للكفار، لكن يجوزُ أن يُدعى بالهداية وصحةِ البدن والعافية وشبهِ ذلك".

والسؤال الذي على المدقِّق أن يبحثه هنا هو: من أين جاء هذا الإجماع؟ وهل المسألة إجماعية بالفعل كما ادعى القاضي عياض وتبعه النووي الذي ينقل عنه كثيرا في شرحه لصحيح مسلم؟ الواقع أن النووي نفسه ينقض هذا الإجماع بشكل غير صريح حين ينقل بعد كلام القاضي عياض مباشرة عن الإمام البيهقي الشافعي (458 هـ) أن القول بأن أعمال الكافر الصالحة لا تنفعه في الآخرة إنما هو قول "بعض أهل العلم والنظر"، أي إنه لا يعدو مجرد قول وليس إجماعا، بل إن النووي ينقل عن البيهقي أيضا أن الآيات والأحاديث الواردة في بطلان عمل الكافر الخيِّر إذا مات على الكفر، يمكن أن تُحمل على معنى إخراجه من النار وإدخاله الجنة، ومعنى ذلك أن هذه الأعمال الصالحة من الكافر يمكن أن تساعده في أن يُخفف عنه العذاب الذي استوجبه على جنايات ارتكبها غير الكفر.

وهذا الرأي ليس رأي البيهقي وحده، بل هو رأي كثيرٍ من العلماء من مختلف المذاهب الفقهية، وهو رأي قويّ ووجدته شائعا في المصادر المتعددة بعد البحث والتتبع، حتى إن الفقيه المالكي الكبير ابن الفرس الأندلسي (597 هـ) وهو معاصر للقاضي عياض، اكتفى بحكاية وجود قولين في المسألة ولم يرجح بينهما. ونجد حكاية هذين القولين أو الخلاف في كتب شروح الحديث والفقه والتفسير، وفي أزمنة مختلفة؛ فهو خلاف قويّ وإن كان القول بأن العمل الصالح من الكافر ينفعه هو القول الأقوى، حتى إن الفقيه الحنفي أحمد الكوراني (893 هـ) اكتفى بإيراده وحده وجزم به، وقد رجح هذا عدد من العلماء نقضوا دعوى الإجماع التي أطلقها القاضي عياض وقالوا إنها غير صحيحة، وللقاضي عياض مثل هذه الإطلاقات التي تحتاج إلى تروٍّ، وكثيرا ما ينقل عنه النووي. وممن رجحوا أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الآخرة الفقيه الحنفي والمحدث محمد أنور شاه الكشميري (1353 هـ) والعلامة شهاب الدين الخفاجي (1069 هـ) والعلامة شهاب الدين الآلوسي (1270 هـ) وغيرهم.

والكلام في انتفاع الكافر بعمله الصالح في الآخرة يطول، ولعلي أخصص له مقالا مستقلا؛ لأن غرضي في هذا المقال أن أوضح جواز الدعاء للكافر بالمغفرة والرحمة أو بأمر أخرويّ لا دنيوي فقط، سواءٌ في حياته أم بعد مماته؛ ولكن بشرط ألا يتناول ذلك ذنب الكفر أو الشرك الأكبر، وهذا مذهبٌ معتبرٌ بل هو مذهب الشافعية على خلاف ما أوهم كلام الإمام النووي السابق، وعلى خلاف إجماع عياض الذي لا أعرف أحدا سبقه إليه.

وإذا كنا سنتحدث عن الشافعية لبيان محل كلام النووي الشافعي، فإننا نجد أن كلامه أشكل على أئمة الشافعية اللاحقين، ويمكنني أن أميز هنا بين موقفين اثنين:

الموقف الأول: فهم من كلام النووي الإطلاق، وأنه يُحرّم مطلق الدعاء بالمغفرة والرحمة للكافر، سواءٌ كان ذنب الشرك أو غيره، ومن ثم انشغل بعض شيوخ المذهب ببيان أن المذهب أنه يجوّز الدعاء للكافر بالمغفرة؛ خلافا لكلام النووي. وقد نحا هذا المنحى شيوخ عدة في المذهب كما سيتضح لاحقا.

الموقف الثاني: حمل كلام النووي على أنه يريد حرمة الدعاء للكافر بمغفرة شركه أو كفره، أي وإدخاله الجنة، ويمثل هذا الموقف العلامة ابن عِلّان الشافعي؛ فقد فسر كلام النووي بأن المراد به "الرحمة أو دخول الجنة أو رضوان الله تعالى"، أي الاستغفار المُخرِج من النار والمُدخِل إلى الجنة.

وبعيدا عن دعوى الإجماع لدى عياض، إذا عدنا إلى كلام النووي في كتابيه نجد أن ظاهره يدل على أنه إنما أراد الشرك الأكبر فقط لا ما هو دونه، ويدل على ذلك 3 قرائن:

القرينة الأولى: أن النووي قرن بين الصلاة على الكافر والدعاء له، ثم إنه بعد أن قرر تحريم الدعاء له بالمغفرة، قرر أيضا أن المذهب جواز اتباع المسلم جنازةَ قريبه الكافر، وأن زيارة قبر الكافر جائزةٌ.

القرينة الثانية: أن النووي نفسه نقض إجماع القاضي عياض حين نقل عن الإمام البيهقي الشافعي أن عمل الكافر الصالح ينفعه في الآخرة وإن لم يُدخله الجنة.

القرينة الثالثة: استدلال النووي في هذا السياق بآية "ما كانَ لِلنَّبيّ والَّذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لهم أنهم أصْحابُ الجَحِيمِ" [التوبة: 113]، وهي تشير إلى الشرك، وأنه لا يُخرج أصحابه من الجحيم، ومن هنا أوضح ابن علان الشافعي أن في الآية دليلا على جواز الاستغفار للمشركين الأحياء؛ لأنه "طلبُ توفيقهم إلى الإيمان".

وبالإضافة إلى القرائن السابقة، لا بد من القول: إن المغفرة إذا أُطلقت تنصرف إلى الشرك الأكبر؛ فالدعاء بالمغفرة ينصرف إلى ألا تمس النارُ المدعوَّ له، وهو حقيقة الدعاء للموحِّدين، وخصوصا حين يقترن الدعاء للميت بالصلاة عليه؛ لأن المراد من الصلاة عليه الدعاء له بالمغفرة المُدخلة للجنة. فالإشكال في كلام النووي نابع من عدم تحرير محل النزاع؛ فكلامه يحتمل معنيين:

الاحتمال الأول: أن يريد الدعاء بمغفرة الشرك الأكبر، وتحريم هذا الدعاء محلّ إجماع بين الفقهاء؛ لأنه خلاف النص القرآني الصريح، وهو ظاهر كلام النووي حين قال: "بنص القرآن والإجماع"، فالذي ثبت بالنص الصريح هو "إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، وهو المعنى المُجْمَع عليه.

الاحتمال الثاني: أن النووي يريد تحريم مطلق الدعاء بالمغفرة؛ بما يشمل الشرك الأكبر وغيره من الذنوب، فإن أراد هذا المعنى فالراجح في مذهبه الشافعي هو خلاف هذا، وقد توارد على بيان هذا الراجح عدد من مشايخ المذهب.

وإذا عدنا إلى كتب المذهب، نجد بعض أئمة الشافعية ينصّون على أنه يجوز الدعاء للكافر بأمر أخرويّ وبالمغفرة والرحمة؛ خلافا لما أوهمه كلام النووي من إطلاق القول بالتحريم، كما نجد مثلا لدى الخطيب الشربيني (977 هـ)، وأحمد سلامة القليوبي (1069 هـ)، وإبراهيم البرماوي (1106 هـ)، وسليمان البجيرمي (1221 هـ).

وربما التبس هذا النص الصريح بنصوص أخرى في بعض كتب الشافعية يَرِد فيها إطلاق القول بحرمة الدعاء للكافر بالمغفرة، كما نجد عند الخطيب الشربيني وشهاب الدين الرملي مثلا؛ فقد عللا حرمة الصلاة على الكافر بأنه لا يجوز الدعاء له بالمغفرة، لقوله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به" [النساء: 48]. ولكن إطلاق التحريم في هذه النصوص إنما يرد مقرونا بحرمة الصلاة على الكافر صلاة الجنازة؛ وفي بعض النصوص يرد التعبير بأن "قضية كلامهم في الجنائز حرمة الدعاء للكافر بالمغفرة"، إلى جانب النص على جواز الدعاء للكافر بالمغفرة، وهو يدل على أن مرادهم في تحريم الصلاة عليه مع الدعاء له هو مغفرة ذنب الشرك الأكبر الذي يُشعر به هذا الاقتران بين الصلاة عليه والدعاء له، خصوصا أن حواشي كتب المذهب الشافعي تحكي أن ثمة خلافا بين الفقهاء في "استحباب الدعاء للكافر"، وإن كان الراجح هو جواز الدعاء. نجد ذلك لدى نور الدين بن علي الشبراملسي (1087 هـ) وسليمان بن منصور الجمل (1204 هـ) وعبد الحميد الشرواني (1301 هـ) مثلا.

بل إن الشبراملسي تعقب الكلام المطلق السابق الوارد عن الشربيني والرملي بأن آية "إن الله لا يغفر أن يشرك به" هي أخص من دعوى تحريم مطلق الدعاء للكافر؛ لأن الآية إنما تدل على معنى محدد هو عدم مغفرة الشرك الأكبر، وربما تدل على مغفرة غير الشرك؛ لعموم قوله تعالى: "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" [النساء: 48]. وهذا يدل على جواز الدعاء للكافر بمغفرةٍ غير الشرك؛ لأن ذنب الشرك لا يُغفر، فلا يجوز الدعاء له به، في حين يجوز الدعاء للكافر بمغفرة ما عدا الشرك وبالرحمة وبصحة البدن وكثرة المال والولد وبالهداية، بل "ويجوز التأمين على دعاء الكافر ويجوز طلب الدعاء منه أيضا" كما أوضح القليوبي وغيره.

وفي بعض كتب الشافعية يرد تقييد جواز الدعاء للكافر الحي بقيد "إن أسلم"، أو بنية أن يحصل للكافر سبب المغفرة وهو الإسلام، وهو ما دفعني سابقا في تعليق فيسبوكي إلى توهم التمييز في الدعاء للكافر بين حالتي الحياة والممات، ولكن اتضح لي بعد ذلك أن مدار الأمر كله إنما هو على التمييز بين الشرك الأكبر وغيره، وفي هذه الحالة فإن الدعاء محمول على طلب مغفرة الشرك في الدنيا إن أسلم؛ بناء على "إيمان الموافاة" الذي يقول به كثير من الأشاعرة، ومعناه أن العبرة في السعادة والشقاوة هي الحالة التي يموت عليها الشخص بغض النظر عن عمله السابق على هذه الحالة، فقد يرتد المسلم قبل موته وقد يؤمن الكافر عند موته، فالدعاء له بعموم المغفرة يترك مجالا لهذا الاعتبار بأن يوفقه الله للهداية قبل موته فيموت على الإسلام.

ولكن ماذا لو دعا المسلم للكافر بمغفرة ذنب الشرك في الآخرة، هل يكفر؟ انتقد بعض مشايخ الشافعية اعتبار ذلك كفرا، كما فعل الشبراملسي والجمل والشرواني، وأن صاحبه ارتكب محرما فقط.

وخلاصة الكلام، أن الدعاء للكافر بالمغفرة يشتمل على معنيين:

الأول: أن يريد بدعائه له مغفرة الشرك الأكبر، وهذا يحرم بالإجماع؛ لأن الشرك الأكبر لا يُغفر بنص القرآن.

الثاني: أن يريد مغفرة ما دون الكفر، والأصل في الأعمال التي هي دون الشرك أنها متروكة للمشيئة الإلهية بنص القرآن (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، فدعاء المسلم للكافر إنما هو دعاء من أجل تحقيق المشيئة الإلهية بالمغفرة للكافر ما دون الشرك، ولم يستبعد الآلوسي هذا المعنى، في حين أن غيره أثبته صراحة كما نجد لدى عدد من العلماء. وقد أوضح شهاب الدين الخفاجي والآلوسي وغيرهما أن العذاب الذي لا يُخَفَّف هو عذاب الكفر بحسب مراتبه، أما العذاب الذي دلت الأحاديث النبوية على تخفيفه فهو ما عدا الكفر. ومعنى إحباط أعمال الكفار التي ورد النص القرآني بها هو أنها لا تنجيهم من العذاب المخلِّد في النار، وهو معنى كونها سرابا وهباء، وسأزيد هذا الأمر تفصيلا في مقالي الذي سأخصصه لمنفعة العمل الصالح من الكافر في الآخرة بإذن الله.

ويرجع أصل هذا النقاش إلى مقدمات رئيسية، هي:

ثبوت تفاوت الكفار في الآخرة، وأنهم ليسوا سواءً، وأن النار دركات كما أن الجنة درجات، بل إن أنور شاه الكشميري قد نقل الإجماع على أن الكافر العادل أحسن حالا من الكافر الظالم في الآخرة.

أن الشرك الأكبر لا يُغفر بصريح القرآن، وهو مسألة إجماعية.

بقي النقاش في هل يجوز أن ندعو للكافر بمغفرة ما عدا الشرك الأكبر؟ وهو ما حررناه هنا وأنه يجوز، ولكن الكافر الذي ندعو له هنا إما أن يكون قد عمل عملا صالحا وإما عملا سيئا. فالدعاء لمن عمل صالحا يكون بأن يقبله الله تعالى منه لا بالمغفرة؛ لأن المغفرة إنما تكون للعمل السيئ، كما أن عدل الله تعالى يقتضي أن يكافئ الكافر على عمله الصالح إما في الدنيا بإكرامه، وإما في الآخرة بتخفيف العذاب عنه، ومعنى ذلك أن دعائي للكافر بخصوص عمله الصالح غير مؤثر في الواقع، والذي يؤثر هو دعائي للكافر بالتجاوز عن عمله السيئ فيما دون الشرك، وفي أحاديث تخفيف العذاب عن أبي طالب وأبي لهب وغيرهما شواهد على هذا، وإن كان أبو طالب وأبو لهب ليسا سواءً أيضا في الآخرة.

الكفر لا يقتضي أن كل عمل صدر من الكافر غير معتبر؛ لأجل كفره، فيمكن أن نميز بين الأعمال كما سنفصل في مقال لاحق بمشيئة الله.

توضح هذه الآراء رحابة النقاشات الفقهية الكلاسيكية، وأنها تجمع بين مسائل تأويلية نصية وأخرى أخلاقية وإنسانية، فحتى الذين أطلقوا القول بحرمة الدعاء للكافر تحدثوا عن جواز المشي في جنازته بل زيارة قبره إن كان قريبا، وتكفينه إن كان من أهل الذمة رعاية لذمته، ولكن النقاشات الشعبية الحالية تغيب عنها رعاية البعد الإنساني ويغلب عليها اتخاذ مواقف متوترة؛ فضلا عن أنها لا تعكس الموروث الفقهي نفسه، والله المستعان.

--------
(*) المصدر: الجزيرة نت، بتاريخ: 21 أبريل 2021م.

هل يجوز الدعاء لغير المسلم بالرحمة والمغفرة؟! وهل هناك إجماع على عدم جوازها ؟!

 

هناك من يدعى الاجماع على التحريم ولكن !

نتسائل : من أين جاء هذا الإجماع؟ وهل المسألة إجماعية بالفعل كما ادعى القاضي عياض وتبعه النووي الذي ينقل عنه كثيرا في شرحه لصحيح مسلم؟ الواقع أن النووي نفسه ينقض هذا الإجماع بشكل غير صريح حين ينقل بعد كلام القاضي عياض مباشرة عن الإمام البيهقي الشافعي (458 هـ) أن القول بأن أعمال الكافر الصالحة لا تنفعه في الآخرة إنما هو قول "بعض أهل العلم والنظر"، أي إنه لا يعدو مجرد قول وليس إجماعا، بل إن النووي ينقل عن البيهقي أيضا أن الآيات والأحاديث الواردة في بطلان عمل الكافر الخيِّر إذا مات على الكفر، يمكن أن تُحمل على معنى إخراجه من النار وإدخاله الجنة، ومعنى ذلك أن هذه الأعمال الصالحة من الكافر يمكن أن تساعده في أن يُخفف عنه العذاب الذي استوجبه على جنايات ارتكبها غير الكفر.

وهذا الرأي ليس رأي البيهقي وحده، بل هو رأي كثيرٍ من العلماء من مختلف المذاهب الفقهية، وهو رأي قويّ ووجدته شائعا في المصادر المتعددة بعد البحث والتتبع، حتى إن الفقيه المالكي الكبير ابن الفرس الأندلسي (597 هـ) وهو معاصر للقاضي عياض، اكتفى بحكاية وجود قولين في المسألة ولم يرجح بينهما. ونجد حكاية هذين القولين أو الخلاف في كتب شروح الحديث والفقه والتفسير، وفي أزمنة مختلفة؛ فهو خلاف قويّ وإن كان القول بأن العمل الصالح من الكافر ينفعه هو القول الأقوى، حتى إن الفقيه الحنفي أحمد الكوراني (893 هـ) اكتفى بإيراده وحده وجزم به، وقد رجح هذا عدد من العلماء نقضوا دعوى الإجماع التي أطلقها القاضي عياض وقالوا إنها غير صحيحة، وللقاضي عياض مثل هذه الإطلاقات التي تحتاج إلى تروٍّ، وكثيرا ما ينقل عنه النووي. وممن رجحوا أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الآخرة الفقيه الحنفي والمحدث محمد أنور شاه الكشميري (1353 هـ) والعلامة شهاب الدين الخفاجي (1069 هـ) والعلامة شهاب الدين الآلوسي (1270 هـ) وغيرهم.

والكلام في انتفاع الكافر بعمله الصالح في الآخرة يطول، ولعلي أخصص له مقالا مستقلا؛ لأن غرضي في هذا المقال أن أوضح جواز الدعاء للكافر بالمغفرة والرحمة أو بأمر أخرويّ لا دنيوي فقط، سواءٌ في حياته أم بعد مماته؛ ولكن بشرط ألا يتناول ذلك ذنب الكفر أو الشرك الأكبر، وهذا مذهبٌ معتبرٌ بل هو مذهب الشافعية على خلاف ما أوهم كلام الإمام النووي السابق، وعلى خلاف إجماع عياض الذي لا أعرف أحدا سبقه إليه.

وإذا كنا سنتحدث عن الشافعية لبيان محل كلام النووي الشافعي، فإننا نجد أن كلامه أشكل على أئمة الشافعية اللاحقين، ويمكنني أن أميز هنا بين موقفين اثنين:

الموقف الأول: فهم من كلام النووي الإطلاق، وأنه يُحرّم مطلق الدعاء بالمغفرة والرحمة للكافر، سواءٌ كان ذنب الشرك أو غيره، ومن ثم انشغل بعض شيوخ المذهب ببيان أن المذهب أنه يجوّز الدعاء للكافر بالمغفرة؛ خلافا لكلام النووي. وقد نحا هذا المنحى شيوخ عدة في المذهب كما سيتضح لاحقا.

الموقف الثاني: حمل كلام النووي على أنه يريد حرمة الدعاء للكافر بمغفرة شركه أو كفره، أي وإدخاله الجنة، ويمثل هذا الموقف العلامة ابن عِلّان الشافعي؛ فقد فسر كلام النووي بأن المراد به "الرحمة أو دخول الجنة أو رضوان الله تعالى"، أي الاستغفار المُخرِج من النار والمُدخِل إلى الجنة.

وبعيدا عن دعوى الإجماع لدى عياض، إذا عدنا إلى كلام النووي في كتابيه نجد أن ظاهره يدل على أنه إنما أراد الشرك الأكبر فقط لا ما هو دونه، ويدل على ذلك 3 قرائن:

القرينة الأولى: أن النووي قرن بين الصلاة على الكافر والدعاء له، ثم إنه بعد أن قرر تحريم الدعاء له بالمغفرة، قرر أيضا أن المذهب جواز اتباع المسلم جنازةَ قريبه الكافر، وأن زيارة قبر الكافر جائزةٌ.

القرينة الثانية: أن النووي نفسه نقض إجماع القاضي عياض حين نقل عن الإمام البيهقي الشافعي أن عمل الكافر الصالح ينفعه في الآخرة وإن لم يُدخله الجنة.

القرينة الثالثة: استدلال النووي في هذا السياق بآية "ما كانَ لِلنَّبيّ والَّذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لهم أنهم أصْحابُ الجَحِيمِ" [التوبة: 113]، وهي تشير إلى الشرك، وأنه لا يُخرج أصحابه من الجحيم، ومن هنا أوضح ابن علان الشافعي أن في الآية دليلا على جواز الاستغفار للمشركين الأحياء؛ لأنه "طلبُ توفيقهم إلى الإيمان".

وبالإضافة إلى القرائن السابقة، لا بد من القول: إن المغفرة إذا أُطلقت تنصرف إلى الشرك الأكبر؛ فالدعاء بالمغفرة ينصرف إلى ألا تمس النارُ المدعوَّ له، وهو حقيقة الدعاء للموحِّدين، وخصوصا حين يقترن الدعاء للميت بالصلاة عليه؛ لأن المراد من الصلاة عليه الدعاء له بالمغفرة المُدخلة للجنة. فالإشكال في كلام النووي نابع من عدم تحرير محل النزاع؛ فكلامه يحتمل معنيين:

الاحتمال الأول: أن يريد الدعاء بمغفرة الشرك الأكبر، وتحريم هذا الدعاء محلّ إجماع بين الفقهاء؛ لأنه خلاف النص القرآني الصريح، وهو ظاهر كلام النووي حين قال: "بنص القرآن والإجماع"، فالذي ثبت بالنص الصريح هو "إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، وهو المعنى المُجْمَع عليه.

الاحتمال الثاني: أن النووي يريد تحريم مطلق الدعاء بالمغفرة؛ بما يشمل الشرك الأكبر وغيره من الذنوب، فإن أراد هذا المعنى فالراجح في مذهبه الشافعي هو خلاف هذا، وقد توارد على بيان هذا الراجح عدد من مشايخ المذهب.

وإذا عدنا إلى كتب المذهب، نجد بعض أئمة الشافعية ينصّون على أنه يجوز الدعاء للكافر بأمر أخرويّ وبالمغفرة والرحمة؛ خلافا لما أوهمه كلام النووي من إطلاق القول بالتحريم، كما نجد مثلا لدى الخطيب الشربيني (977 هـ)، وأحمد سلامة القليوبي (1069 هـ)، وإبراهيم البرماوي (1106 هـ)، وسليمان البجيرمي (1221 هـ).

وربما التبس هذا النص الصريح بنصوص أخرى في بعض كتب الشافعية يَرِد فيها إطلاق القول بحرمة الدعاء للكافر بالمغفرة، كما نجد عند الخطيب الشربيني وشهاب الدين الرملي مثلا؛ فقد عللا حرمة الصلاة على الكافر بأنه لا يجوز الدعاء له بالمغفرة، لقوله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به" [النساء: 48]. ولكن إطلاق التحريم في هذه النصوص إنما يرد مقرونا بحرمة الصلاة على الكافر صلاة الجنازة؛ وفي بعض النصوص يرد التعبير بأن "قضية كلامهم في الجنائز حرمة الدعاء للكافر بالمغفرة"، إلى جانب النص على جواز الدعاء للكافر بالمغفرة، وهو يدل على أن مرادهم في تحريم الصلاة عليه مع الدعاء له هو مغفرة ذنب الشرك الأكبر الذي يُشعر به هذا الاقتران بين الصلاة عليه والدعاء له، خصوصا أن حواشي كتب المذهب الشافعي تحكي أن ثمة خلافا بين الفقهاء في "استحباب الدعاء للكافر"، وإن كان الراجح هو جواز الدعاء. نجد ذلك لدى نور الدين بن علي الشبراملسي (1087 هـ) وسليمان بن منصور الجمل (1204 هـ) وعبد الحميد الشرواني (1301 هـ) مثلا.

بل إن الشبراملسي تعقب الكلام المطلق السابق الوارد عن الشربيني والرملي بأن آية "إن الله لا يغفر أن يشرك به" هي أخص من دعوى تحريم مطلق الدعاء للكافر؛ لأن الآية إنما تدل على معنى محدد هو عدم مغفرة الشرك الأكبر، وربما تدل على مغفرة غير الشرك؛ لعموم قوله تعالى: "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" [النساء: 48]. وهذا يدل على جواز الدعاء للكافر بمغفرةٍ غير الشرك؛ لأن ذنب الشرك لا يُغفر، فلا يجوز الدعاء له به، في حين يجوز الدعاء للكافر بمغفرة ما عدا الشرك وبالرحمة وبصحة البدن وكثرة المال والولد وبالهداية، بل "ويجوز التأمين على دعاء الكافر ويجوز طلب الدعاء منه أيضا" كما أوضح القليوبي وغيره.

وفي بعض كتب الشافعية يرد تقييد جواز الدعاء للكافر الحي بقيد "إن أسلم"، أو بنية أن يحصل للكافر سبب المغفرة وهو الإسلام، وهو ما دفعني سابقا في تعليق فيسبوكي إلى توهم التمييز في الدعاء للكافر بين حالتي الحياة والممات، ولكن اتضح لي بعد ذلك أن مدار الأمر كله إنما هو على التمييز بين الشرك الأكبر وغيره، وفي هذه الحالة فإن الدعاء محمول على طلب مغفرة الشرك في الدنيا إن أسلم؛ بناء على "إيمان الموافاة" الذي يقول به كثير من الأشاعرة، ومعناه أن العبرة في السعادة والشقاوة هي الحالة التي يموت عليها الشخص بغض النظر عن عمله السابق على هذه الحالة، فقد يرتد المسلم قبل موته وقد يؤمن الكافر عند موته، فالدعاء له بعموم المغفرة يترك مجالا لهذا الاعتبار بأن يوفقه الله للهداية قبل موته فيموت على الإسلام.

ولكن ماذا لو دعا المسلم للكافر بمغفرة ذنب الشرك في الآخرة، هل يكفر؟ انتقد بعض مشايخ الشافعية اعتبار ذلك كفرا، كما فعل الشبراملسي والجمل والشرواني، وأن صاحبه ارتكب محرما فقط.

وخلاصة الكلام، أن الدعاء للكافر بالمغفرة يشتمل على معنيين:

الأول: أن يريد بدعائه له مغفرة الشرك الأكبر، وهذا يحرم بالإجماع؛ لأن الشرك الأكبر لا يُغفر بنص القرآن.

الثاني: أن يريد مغفرة ما دون الكفر، والأصل في الأعمال التي هي دون الشرك أنها متروكة للمشيئة الإلهية بنص القرآن (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، فدعاء المسلم للكافر إنما هو دعاء من أجل تحقيق المشيئة الإلهية بالمغفرة للكافر ما دون الشرك، ولم يستبعد الآلوسي هذا المعنى، في حين أن غيره أثبته صراحة كما نجد لدى عدد من العلماء. وقد أوضح شهاب الدين الخفاجي والآلوسي وغيرهما أن العذاب الذي لا يُخَفَّف هو عذاب الكفر بحسب مراتبه، أما العذاب الذي دلت الأحاديث النبوية على تخفيفه فهو ما عدا الكفر. ومعنى إحباط أعمال الكفار التي ورد النص القرآني بها هو أنها لا تنجيهم من العذاب المخلِّد في النار، وهو معنى كونها سرابا وهباء، وسأزيد هذا الأمر تفصيلا في مقالي الذي سأخصصه لمنفعة العمل الصالح من الكافر في الآخرة بإذن الله.

ويرجع أصل هذا النقاش إلى مقدمات رئيسية، هي:

ثبوت تفاوت الكفار في الآخرة، وأنهم ليسوا سواءً، وأن النار دركات كما أن الجنة درجات، بل إن أنور شاه الكشميري قد نقل الإجماع على أن الكافر العادل أحسن حالا من الكافر الظالم في الآخرة.

أن الشرك الأكبر لا يُغفر بصريح القرآن، وهو مسألة إجماعية.

بقي النقاش في هل يجوز أن ندعو للكافر بمغفرة ما عدا الشرك الأكبر؟ وهو ما حررناه هنا وأنه يجوز، ولكن الكافر الذي ندعو له هنا إما أن يكون قد عمل عملا صالحا وإما عملا سيئا. فالدعاء لمن عمل صالحا يكون بأن يقبله الله تعالى منه لا بالمغفرة؛ لأن المغفرة إنما تكون للعمل السيئ، كما أن عدل الله تعالى يقتضي أن يكافئ الكافر على عمله الصالح إما في الدنيا بإكرامه، وإما في الآخرة بتخفيف العذاب عنه، ومعنى ذلك أن دعائي للكافر بخصوص عمله الصالح غير مؤثر في الواقع، والذي يؤثر هو دعائي للكافر بالتجاوز عن عمله السيئ فيما دون الشرك، وفي أحاديث تخفيف العذاب عن أبي طالب وأبي لهب وغيرهما شواهد على هذا، وإن كان أبو طالب وأبو لهب ليسا سواءً أيضا في الآخرة.

الكفر لا يقتضي أن كل عمل صدر من الكافر غير معتبر؛ لأجل كفره، فيمكن أن نميز بين الأعمال كما سنفصل في مقال لاحق بمشيئة الله.

توضح هذه الآراء رحابة النقاشات الفقهية الكلاسيكية، وأنها تجمع بين مسائل تأويلية نصية وأخرى أخلاقية وإنسانية، فحتى الذين أطلقوا القول بحرمة الدعاء للكافر تحدثوا عن جواز المشي في جنازته بل زيارة قبره إن كان قريبا، وتكفينه إن كان من أهل الذمة رعاية لذمته، ولكن النقاشات الشعبية الحالية تغيب عنها رعاية البعد الإنساني ويغلب عليها اتخاذ مواقف متوترة؛ فضلا عن أنها لا تعكس الموروث الفقهي نفسه، والله المستعان.

--------
(*) المصدر: الجزيرة نت، بتاريخ: 21 أبريل 2021م.