وهل تجزئ القيمة عند ذلك؟ أم يجب أن نخرجها طعاماً ؟ ومتىٰ تجوز القيمة فيها ؟ وهل تجوز القيمة مطلقاً ؟ أم لعذر أو مصلحة ؟ وما هى أقوال الفقهاء فى المسألة ؟ وهل يمكن الجمع بين مذاهب العلماء بالجواز والمنع ؟
الحمد لله وحده لا شريك له والصلاة والسلام على من لا نبى بعده .... ثم أما بعد
إن مسألة إخراج القيمة فى زكاة الفطر وغيرها من الزكوات من المسائل المختلف فيها بين أهل العلم قديماً وحديثاً ولكن المشهور هو تكرار المسألة فى زكاة الفطر بصورة موسمية وكأن الناس يخرجون زكاتهم لأول مرة فى الإسلام ويتجدد التنازع والخلاف حول زكاة الفطر فى كل عام ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم .
وقبل أن أذكر أقوال الفقهاء فى المسألة يجب علينا أولاً أن نسلم بعدة أمور فى غاية الأهمية لكى نقف على فهم دقيق للمسألة .
أولاً... إن الشريعة الإسلامية قامت فى الأصل على التيسير على العباد بما يجلب المصلحة ويدرء المفسدة ويسد الذرائع ولا يخفىٰ علىٰ أحد أن إخراج زكاة الفطر طعاماً أو مالاً يحقق هذا الأصل العظيم لشريعة الإسلام الغراء .
ثانياً... أن القول بإخراج زكاة الفطر
طعاماً هو قول الجمهور وليس فى المسألة إجماع ولا يخفىٰ علىٰ طلاب العلم فضلاً عن العلماء أن الإنكار يكون فى المجمع عليه لا فى المختلف فيه بين فقهاء وعلماء الأمة .
ثالثاً... إن فى المسألة خلاف سائغ تحتمله النصوص والأدلة ومن قال بأنه لا مسوغ للخلاف فكأنه ينكر ويعطل مذهب السادة الحنفية بأكمله وكل من تبعهم فيه ولقد بلغت أدلة الحنفية على جواز القيمة ما يقرب من ثلاثين دليلا يقوى بعضها بعضا .
رابعاً... إن الأصل فى زكاة الفطر إخراجها طعاماً وإخراج القيمة متفرع عن هذا الأصل مطلقاً أو عند الحاجة أوالضرورة أو لمصلحة أو لعذر وحيث أن الطعام أو المال كلاهما ينفع الفقير وعلىٰ ذلك فالقيمة تجزئ كما يجزئ الطعام والمتعمق فى المسألة يجد أن الخلاف لفظى وغير حقيقى ومن ثم فالأصل فى الإختلاف فى مثل هذه المسألة أنه لا يفسد المودة بين المتنازعين فكل منهما محسن ولا تثريب عليه.
خامساً... إن البخارى عليه رحمة الله أخرج فى صحيحه أحاديث إخراج زكاة الفطر طعاماً وهو نفسه عليه رحمة الله أخرج من الأحاديث والآثار ما يدل على جواز إخراج القيمة واختار ذلك وبوب له باباً كاملاً فى صحيحه ومجرد وجود هذه الأدلة عند البخارى حجة على من يمنع جواز إخراج القيمة المالية فى زكاة الفطر.
سادساً... إن القول بتحريم القيمة وعدم إجزائها حكم شرعى خطير يترتب عليه بطلان زكاة كل من أخرجها ويخرجها قيمة أو مالاً ولا يخفىٰ علىٰ أحد أن الذين يخرجون زكاة الفطر مالاً هم أكثر الأمة الإسلامية والحق أنه ليس هناك دليل قطعى واحد على تحريم القيمة وعدم إجزائها فالذى يقول بتحريم القيمة وعدم إجزائها هو المطالب بالدليل على ذلك فالقول فى الحلال والحرام يحتاج إلى نص قطعى الثبوت والدلالة
سابعاً... إن الناظر إلى المعنى الحاصل من زكاة الفطر وغيرها من الزكوات يجد أن غايتها العظمىٰ سد حاجة الفقير فماذا لو لم يسد الطعام حاجته وقد تيقنا من وجود ذلك بين الناس حتىٰ بات أمراً يقينياً مشاهداً فإخراج القيمة عندئذ متجه لانعدام انتفاع الفقيربالطعام
ثامناً... إن الذين قالوا بجواز إخراج القيمة فى زكاة الفطر لم ينكروا القول بإخراجها طعاماً حاشاهم ذلك وإنما أجازوا القيمة وأقروا إخراج الطعام فيسروا على الأمة العمل بالقولين وبعضهم شرط القيمة بالحاجة والضرورة كما سوف أبين ذلك بإذن الله تعالى خلال طرحى .
وبعد هذا التقديم والتمهيد سوف أقوم بإذن الله تعالىٰ بعرض أقوال علماء الأمة فى المسألة ثم نقوم بالترجيح والتفصيل والجمع بين الأقوال من غير إفراط ولا تفريط .
ومن خلال مراجعة هذه المسألة من بطون كتب فقهاء الأمة من المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين تبين لى أن أقوالهم تدور على ثلاثة
مذاهب 1 منع القيمة 2 جواز القيمة
3 التوسط والتفصيل
وإليك عرض هذه الأقوال باختصار شديد من غير إخلال بالمادة العلمية بإذن الله تعالىٰ .
القول الأول (( جواز القيمة فى زكاة الفطر وفى غيرها من الزكوات ))
وهذا القول على رأسه الإمام أبو حنيفة عليه رحمة الله والصاحبان أبو يوسف ومحمد والإمامان اسحاق وأبو ثور ونقل ذلك عن معاوية وأكثر الصحابة فى عهده رضوان الله عليهم جميعاً والحسن البصرى وأبو اسحاق السبيعى وعمربن عبدالعزيز عليه رحمة الله والثورى وعطاء وهو اختيار الإمام البخارى رحمه الله وأحد الروايتين عن الإمام الشافعى عليه رحمة الله وقال به جماعة من فقهاء المالكية كابن حبيب وابن أبى حازم وابن دينار وابن وهب وبعض أئمة الزيدية وغيرهم الكثير من فقهاء الأمة عليهم جميعاً رحمة الله غير أن بعضهم جعل جواز القيمة مطلقاً وبعضهم قيده بالحاجة والضرورة وسوف أبين ذلك بإذن الله فى القول الثالث والجمع بين الأقوال .
قلت... وهذا المذهبهو المعتمد فى دار الإفتاء المصرية وعليه العمل والفتوىٰ فى مصرنا الحبيبة وأغلب الدول العربية والإسلامية فى شتىٰ الأمصار والأقطار .
ولقد استدل أصحاب هذا المذهب بأدلة كثيرة بلغت ما يقرب من ثلاثين دليلاً ذكرها الإمام أبو حنيفة عليه رحمة الله يقوى بعضها بعضاً ولا يتسع المقام لذكرها وسوف أكتفى بذكر دليلين كلاهما عند البخارى عليه رحمة الله حيث اختار الإمام البخارى جواز القيمة وذكر أدلة الجواز فى باب سماه (باب العرض فى الزكاة) قال ابن حجر عليه رحمة الله فى فتح الباري قال ابن رشيد وافق البخارى عليه رحمة الله الحنفية فى مسألة جواز إخراج القيمة مع كثرة مخالفته لهم ولكن قاده إلىٰ ذلك الدليل إلى مراعاة المصلحة........
قال النووى فى المجموع واحتج المجوزون للقيمة بحديث معاذ رضى الله عنه وهو عند البخارى حيث أخذ الثياب فى الصدقة مكان الشعير والذرة من أهل اليمن وكذلك بالحديث الصحيح عن أنس رضى الله عنه عند البخارى أن أبو بكر الصديق رضى الله عنه كتب له حين وجهه إلى البحرين ......... وفيه جواز إعطاء سن فى زكاة الإبل بدل سن آخر وفيه جواز أخذ العرض بدل الواجب قال ابن حزم رحمه الله وهذا الحديث فى نهاية الصحة وعمل أبي بكرٍ الصديق رضى الله عنه بحضرة جميع الصحابة رضوان الله عليهم ولا يعرف له منهم مخالف أصلاً قلت... ولو كان ذلك يخالف فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما أقدم عليه صاحبه فى الغار وصديق الأمة ولأن القيمة مال فاشبهت المنصوص عليه ولأنه لما جاز العدول عن العين إلى الجنس بالإجماع جاز العدول من جنس إلى جنس وعليه فيجوز العدول عن الطعام إلى القيمة فى زكاة الفطر .
... وغير ذلك من الأدلة وما أكثرها وإن ماذكرته يكفى فى بيان أن فى المسألة خلاف سائغ تحتمله الأدلة وعليه أجاز كثير من فقهاء الأمة القيمة مطلقاً وبعضهم قيدها بالحاجة .
القول الثانى (( لا يجوز إخراج القيمة ))
وهذا القول هو قول الجمهور من المالكية والمشهور من مذهب الشافعية والمنصوص عليه فى مذهب الإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله
قال النووى فى المجموع واحتج المانعون للقيمة أن النصوص وردت بإخراجها طعاماً ومنها ما هو فى الصحيحين من حديث ابن عمر وابن عباس وأبى سعيد الخدرى رضى الله عنهم جميعاً ولا يجوز العدول عن الطعام إلى القيمة واستدل بمثل ذلك صاحب الحاوى الكبير الماوردى وإمام الحرمين الجوينى فى الأساليب واختاره ابن حزم عليهم جميعاً رحمة الله .
قلت... ومع كون هؤلاء الفقهاء الأجلاء منعوا القيمة إلا أنه لم ينقل عن واحد منهم أنه صرح أو قطع بتحريم القيمة وعدم إجزائها وكل النصوص عنهم تحتمل المنع فحسب ولا تحتمل التحريم وعدم الإجزاء فى القيمة ومن عنده نص يصرح بذلك عن هؤلاء الأئمة الأعلام فليخرجه لنا .
وولله إنى لأتعجب من الذين يصرحون بالتحريم فى مسألة لم يصرح فيها من هو أكثر منهم علماً وفهماً وفقهاً وورعاً بل تجرأ بعض هؤلاء على من أخرج زكاة فطره مالاً ورموه بالفسق والإبتداع ولا حول ولاقوة إلا بالله
القول الثالث (( التوسط والتفصيل فى المسألة فلا تجوز القيمة مطلقاً ولا تمنع مطلقاً ولكن تدور مع الحاجة والضرورة والعذر ))
ونقل هذا القول النووى فى المجموع عن اسحاق ابن راهويه وأبو ثور عليهما رحمة الله وعليه جمع من علماء الشافعية.
وسفيان الثورى عليه رحمة الله ومذهب بعض فقهاء المالكية كابن دينار وابن وهب عليهما رحمةالله وهو قول للإمام أحمد عليه رحمة الله فى أحد الروايتين عنه واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية فى مجموع الفتاوىٰ ونقله ابن القيم رحمه الله فى الاختيارت الفقهية لابن تيمية رحمه الله
قلت والقول بأن هذا القول ليس من كلام ابن تيمية رحمه الله أمر لا يقبله عقل إذ كيف نشكك فى نسبته إليه وهو فى قلب مجموع الفتاوىٰ ونقله غير واحد من تلاميذه فى الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية لدىٰ تلاميذه أم أنهم ينتقون من مذهب ابن تيمية ما يؤيد قولهم ويردون ما لا يتوافق مع مذهبهم فيا للعجب العجاب !!!!!!!!؟؟؟؟؟؟؟
وأصحاب هذا القول جميعاً توسطوا بين الأدلة وفصلوا القول فى المسألة فأجازوا القيمة فى زكاة الفطر لمصلحة راجحة للفقير أو تحصيل منفعة للفقير بالقيمة والمال لا تتحقق بالطعام والقوت .
قلت... وتفاوت المصالح وتحصيل المنافع وتنوع الحاجات يختلف من فقير إلىٰ آخر فننظر لحال الفقير فإن كانت حاجته للطعام أكثر من حاجته للمال عندها تخرج زكاة الفطر طعاماً وإن كانت حاجته للمال أكثر من حاجته للطعام عندها تخرج زكاة الفطر مالاً .
قلت... وقد تتعارض مصلحة الفقير مع احتياجه فمثلاً يحتاج إلى المال ولكنه سينفقه فى محرم كخمر أو مخدرات أعزكم الله وعندئذ نعطيه الطعام ولا نعطيه المال لأن الطعام سيكون هو الأصلح له من المال
قلت... وقد يكون الطعام أنفع للفقير مثلاً عند ارتفاع أسعار الطعام وغالب القوت فعندها نخرج زكاة الفطر طعاماً من غالب القوت كالأرز والمكرونة مثلاً فهو أنفع للفقير من المال فى هذه الحالة وقد يكون المال أنفع له فمثلاً عنده طعام وافر ولا يجد ثمن الدواء أو الكساء سواء له أو لأهله فيكون المال أنفع له ولأهله .
قلت... والقول بأن زكاة الفطر لا تغنى الفقير بل هى لسد حاجته فى يوم العيد قول فيه نظر حيث أن الواقع يناقضه فنحن نشاهد الفقراء يرزقون من فضل الله بمال كثير من زكاة الفطر قد يسد حاجتهم لعدة شهور بل بعضهم يدخر هذا المال لينفقه علىٰ حاجة له أو لأهله ومع كون إغناء الفقير يكون بزكاة المال فى الأصل إلا أن المشاهد بين الناس أن من الفقراء من يأتيه من الأموال فى زكاة الفطر أضعاف ما يأتيه من زكاة المال بل من الفقراء من لا يأتيه شئ من زكاة المال أصلاً ومن ثم ينتظر زكاة الفطر من العام إلى العام ليأتيه من مال الله ما قدر الله له من رزق .
(( الخلاصة فى المسألة ))
أما عن خلاصة القول فى مسألة جواز القيمة فى زكاة الفطر فسوف تسطر على لسان علماء الأمة من الفقهاء والمحدثين من سلف الأمة وخلفها وسوف أكتفى فقط بالتعقيب أو التعليق على هامش أقوالهم .
قالا الإمامان اسحاق وأبوثور عليهما رحمة ونقل ذلك النووى فى المجموع (لا تجزئ القيمة فى الفطرة إلا عند الضرورة)
قلت... وما أكثر الضرورات بين عباد الله وما أكثر صورها .... والذين يزعمون أنه ليس هناك ضرورة من دفع زكاة الفطر مالاً لا يعلمون شيئاً عن فقراء الأمة من العرايا الذين لا يجدون كساء ومن العوانس ممن يتوقف زواجهن على قليل من المال تكمل به جهاز عرسها فربما تكون أنت أو أنا أوهو سبباً فى تفريج همها ..... من يزعم أنه لا توجد ضرورة تيجيز المال والقيمة فى زكاة الفطر لا يسمع أنين المرضى من المسلمين فى بيوتهم وفى المستشفيات ممن لا يجد ثمن العلاج أو ينتظر زكاة الفطر ليجمع تكاليف عملية جراحية فيتحمل شدة الألم لأنه ليس لديه ما يكفى من المال لإجراء عمليته فقد تكون أنت أو أنا وغيرنا من المسلمين سبباً فى تخفيف آلامه ....والضرورة تقدر بقدرها ومن المستحيل أن تتوقف على ضرورة أو حاجة كل فقير حيث أن العالم بحاجات عباده هو الخالق وحده ثم الفقير صاحب الحاجة نفسه ... وقد تلحق الضرورة بالغنى أيضاً كما تلحق بالفقير... كأن يجبر على دفع زكاة الفطر مالاً من قبل الحاكم أو يجد مشقة فى إخراج الطعام فمثلاً يسكن بعيداً عن المتاجر والأسواق ويشق عليه شراء الطعام لزكاة فطره فعندئذ يخرجها مالاً أو وجد زحاماً شديداً على الطعام فى الأسواق (( بسب الحظر فى وباء كورونا مثلاً رفعه الله عن الأمة )) أو منعت الحكومة الخروج من المنازل خوفاً على الناس وحال ذلك بينه وبين شراء الطعام وعندئذ يخرج زكاة فطره مالاً... والأمثلة على ذلك لا تحصىٰ ولا تعد .
قال ابن تيمية رحمه الله فى مجموع الفتاوىٰ ( وأما إخراج القيمة فى الزكاة والكفارات ونحو ذلك فالمعروف من مذهب مالك والشافعى أنه لا يجوز وعند أبى حنيفة يجوز وأحمد رحمه الله قد منع القيمة فى مواضع وجوزها فى مواضع فمن أصحابه من أقر النص ومنهم من جعلها على روايتين والأظهر أن إخراج القيمة لغير حاجة أو مصلحة راجحة ممنوع منه)
قلت... وأحد الروايتين من مذهب الإمام أحمد عليه رحمة الله هو جواز القيمة عند الحاجة والمصلحة الراجحة مطلقاً فى زكاة الفطر وفى غيرها هذا عند من أقر كلا الروايتين عن الإمام أحمد من أصحابه وبعض أصحاب الإمام اختار المشهور عنه وأقر النص بمنع القيمة فى زكاة الفطر وجوازها فى غير زكاة الفطر عند الحاجة والمصلحة الراجحة
قال ابن القيم عليه رحمة الله فى الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية لدىٰ تلاميذه (يجوز إخراج القيمة فى زكاة المال وزكاة الفطر ويجوز إخراج نصف الصاع فى القمح)
قال المرداوى فى الإنصاف وهو من أشهر فقهاء الحنابلة (يجوز بيع مال الزكاة ... أي من الأنعام والزروع والثمار وغيرهما..... يجوز بيع مال الزكاة لحاجة أو مصلحة وصرفه فى الأحظ للفقراء) أي الأنفع لهم
قلت... والمرداوى بذلك وافق الحنفية فى المسألة وكما بينت أن إحدى الروايتين فى مذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه جواز القيمة عند الحاجة مطلقاً فى زكاة الفطر وفى غيرها خلافا لمن أقر النص من أصحابه بجوازها عند الحاجة فى غير زكاة الفطر .
قال الشوكانى فى نيل الأوطار (الحق أن الزكاة واجبة من العين و لا يعدل عنها إلا لعذر) قلت... وما أكثر أصحاب الأعذار من الأمة والأعذار تتفاوت بين الناس وتختلف باختلاف الضرورات والحاجات فما يمثل عذرا لى قد لا يصح عذراً لك والعكس قد يأتى صحيحاً وقد يأتى غيرصحيح وتقييم العذر لا يصح إلا من صاحب العذر نفسه فكل إنسان أدرى بأحواله والله أعلم بأحوال عباده .
وقال الشوكانى أيضاً فى السيل الجرار(وإذا عرض مانع من إخراج العين كانت القيمة مجزئة)
قلت... وذلك عام فى زكاة الفطر وفى غيرها وهو أحد الروايتين فى مذهب الإمام أحمد رحمه الله كما بينت ذلك عند من أقر الروايتين عن الإمام عليه رحمة الله وتقييد ذلك بغير زكاة الفطر ليس عليه دليل قطعى أو نص صريح عن الإمام ومن ثم فهو على ظاهره وإطلاقه فى جواز القيمة فى زكاة الفطر وفى غيرها عند الحاجة .
قال ابن مفلح عليه رحمة الله فى الفروع وهو من أعلم فقهاء زمانه بمذهب الإمام أحمد وكان ابن تيمية يثنى عليه ويقول له أنت لست ابن مفلح بل أنت مفلح قال رحمه الله (وعنه.... أي عن الإمام أحمد رحمه الله.... وعنه تجزئ القيمة وعنه فى غير زكاة الفطر وعنه تجزئ للحاجة وقيل للمصلحة)
(( الترجيح والجمع بين الأقوال ))
ومما سبق يتبين لنا أننا أمام مسألة خلافية نقل الخلاف فيها عن سلف الأمة وخلفها ولذا فإن الأمر فيه سعة وإن من الواجب فى هذه المسألة أو مثلها عدم الإنكار على المخالف حيث له مسوغ فى ذلك وغاية الأمر أنه قد جاء بخلاف الأولىٰ فلا إنكار عليه .
ولا يعنى أبداً ترجيح كثير من أهل العلم لقول الجمهور الإنكار على المخالف فقول الجمهور على العين وعلى الرأس ولكنه لا يخرج عن كونه قول للجمهور ولا يقوم مقام الإجماع بأى حال من الأحوال وإنما الإنكار يكون فى المجمع عليه ولا يكون فى المختلف فيه ولو نقل الإجماع فى المسألة ما مان لأحد من الأمة أن يخالف ما قام عليه الإجماع أبداً لا بعذر ولا بغيره ولا يخفىٰ على أحد من طلاب العلم فضلاً عن العلماء أن بطون كتب الفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبه تشتمل على كثير من المسائل الفقهية التى تلقتها الأمة بالقبول واعتمدت العمل بها مع كونها لفقيه من الفقهاء على خلاف قول الجمهور ومن هذه المسائل ما يكون فى الفرض والواجب والسنة والمستحب والمندوب والمباح والمكروه وهذا أمر يعلمه جيداً المطالع لمسائل الفقه المقارن على اختلاف مذاهبه ولولا ضيق المقام لذكرت لكم عشرات المسائل على ذلك .
( والتوسط والتفصيل فى المسألة والجمع بين الأقوال سيكون فى النقاط التالية)
أولاً... أن من أخرج زكاة الفطر طعاماً من غالب قوت بلده فإنه بذلك على صواب وقد جاء بالواجب ووافق السنة وأصاب الأصل فى المسألة ويجزئه ذلك بالإجماع على قول جمهور أهل العلم من فقهاء الأمة سلفاً وخلفاً .
ثانياً... أن من أخرج زكاة فطره قيمة أو مالاً لحاجة أو ضرورة أو عذر أو مصلحة راجحة فإنه على صواب وقد جاء بالواجب وأصاب فطرة الإسلام التى تأمر بالسماحة والتيسير وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمه الله واسحاق ابن راهويه والثورى واختيار الإمام البخارى عليه رحمة الله وأحد الروايتين عن الإمام الشافعى عليه رحمة الله....... وغيرهم ممن ذكرتهم فى القول الأول والثالث فارجع إليهما .
ثالثاً... أن من أخرج زكاة فطره مطلقا لعذر أو لحاجة أو من غير عذر ولا حاجة كما هو الحال بين أكثر الأمة الإسلامية فى عصرنا فإنه بذلك على صواب أيضاً وقد جاء بالواجب الذى فرضه الله وذلك يجزئه على قول كثير من أهل العلم وفقهاء الأمة من المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين وهو مذهب جمهور الحنفية وبه العمل والفتوى عندهم فى زكاة الفطر وفى كل زكاة وفى الكفارات والنذور والخراج وغيرها وقال به جماعة من فقهاء المالكية كابن دينار وابن وهب رحمهما الله وعليه كثير من أئمة وفقهاء الزيدية كالإمام الناصر والمؤيد بالله وعليه اعتماد الفتوى فى دار الإفتاء المصرية ومعظم الدول الإسلامية والعربية .
قلت... والقول بتحريم القيمة وعدم إجزائها يحتاج إلى نص قطعى صريح ولا يقال فيه بمجرد الرأى مهما بلغ صاحب هذا الرأى من العلم والفقه فالحلال والحرام يحتاج لنص
وحيث أنه ليس هناك نص أو دليل قطعى صريح يمنع من القيمة فيبقى القول بجواز القيمة وإجزائها على ظاهره مع الإيمان الجازم والإقتناع التام أن الأصل فى صدقة الفطر هو الطعام والقيمة فرع لا ينقطع عن هذا الأصل حيث النصوص عن النبى صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه والتابعين تحتمل القولين وسيبقى الخلاف قائم فى المسألة إلى قيام الساعة فقد مات النبي صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي بموت خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم تسليما كثيراً
رابعاً... وأخيراً ومن خلال عرض أقوال الفقهاء فى المسألة والترجيح والتفصيل بين الأقوال يتبين لنا أن القول الثالث وهو التوسط فى المسألة هو سبيلنا للخروج من هذا الخلاف والجميع على حق وعلى صواب من أخرج الطعام مطلقاً أو أخرج القيمة مطلقاً أو أخرج القيمة لحاجة أومصلحة فالجميع قد أخرج الواجب وكل ذلك يجزئ بإذن الله ولا يعلم المقبول من أعمال العباد إلا خالقهم سبحانه وتعالى والجميع قد أصاب فجميعهم على صواب بإذن الملك الوهاب .
قلت... والخطأ الوحيد فى المسألة هو الإنكار على المخالف واتهامه فى نيته وقصده وإخلاصه فهل شققتم عن قلوب الناس فعرفتم النفاق من الإخلاص ؟؟!!
قلت... فلا ينبغى التنازع والشقاق بسبب هذه المسألة الخلافية فى كل عام ولقد نقل الخلاف فى المسألة عن فقهاء الأمة لكن لم ينقل عنهم أبداً أنهم أنكروا على من خالفهم وقد كان الواحد منهم يسهر الليالى لا ينام ولا يذوق طعم الراحة حتى ينتهى من كتابة مسألة يجتهد فى نصوصها وأدلتها ثم ينتهى إلى قوله فيها الذى بناه على فهم دقيق من فقيه جليل وعالم ورع ثم بعد هذا التعب والعناء يقول العالم منهم (( قولى صواب يحتمل الخطأ وقول غيرى خطأ يحتمل الصواب)) رحم الله علماء الأمة فقد اختلفوا بأدب فلم ينكر أحد منهم على أخيه وقد يكون تلميذه ولم يتخاصموا أو يتنازعوا بسب نصوص كل اختلف فى استنباطه للحكم منها ولذا لم يقع الشقاق بينهم أبداً س أتدرون لماذا ؟
ج لأنهم كانوا أكثر منا علماً وأدق فهماً وفقهاً وأعظم ورعاً . رحمهم الله جميعاً
..............................................
هذا ما تيسر لى جمعه وترتيبه والله من وراء القصد والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علىٰ سيد النبيين والمرسلين
.................... ........................
كتبه الفقير إلى عفوا ربه
محمد بن علي آل ناجع الشافعي المصري
أبو يزيد الأزهرى
...................
غرب إفريقيا توجو بالمى بوكاجي
.....................
الثلاثاء
١٩ رمضان ١٤٤١ من الهجرة
١٢ مايو ٥ ٢٠٢٠ من الميلاد
الرابعة والنصف فجراً
.....................
أهم المصادر التى لم تذكر فى طيات البحث بين سطوره ....
بدائع الصنائع للكاسانى رحمه الله
المبسوط للسرخسي عليه رحمة الله
الأوسط لابن المنذر رحمه الله
نهاية المطلب للجوينى رحمه الله
هل تجزئ القيمة للشيخ المقدم أحسن الله إليه وهى رسالة تعرض الأقوال فى المسألة
*ماذا قال رسول الله ﷺ للأعرابي؟؟ وما معنى قول رسول الله ﷺ لا تجعلوا قبري عيدًا؟*
*الحمدُ للهِ ربِّ العالمين وصلَّى اللَهُ وسلَّم على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه الطيِّبين الطَّاهرين وبعد،*
*فقد قال رسول الله ﷺ: "مَنْ زارَ قَبْري وجَبَتْ لَهُ شَفاعَتي" هذا الحديثُ رواهُ الحافظُ الدارَقُطنيّ وقوَّاهُ الحافظ السُّبكيّ، فإنَّ له شواهد يعْضِد بعضها بعضًا أي يرتقي إلى مرتبة الحسن.*
والحديث الحسن أخو الصحيح، أي يُعمَل به في فضائلِ الأعمال وفي الأحكام.
وهذا الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بِشارةٌ عظيمة وهي أن مَن زار قبر النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم ونِيَّتُهُ خالصة لله ومالُه حلال وهذه الزيارة كانت مُوافقةً للشريعة، فله بُشرى من الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنَّه يَشفعُ له، وهذه الشَّفاعة هي شفاعة إنقاذ من العذاب، أي وَإِنْ كان مُستحِقًّا للعذاب فإنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلم يَشفع له حتى لا يتعذَّب، الله يرزُقُنا ذلك.
فزيارةُ قبر النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم شىءٌ حسن، قُربةٌ إلى الله بإجماع كلِّ علماء الإسلام، ومَن جعل قصدَ قبر النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم شيئًا قبيحًا ليس مشروعًا فكلامُه غير صحيح.
الرسول عليه الصلاة والسلام حين قال: "لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثلاثة مساجد" لم يقل حرام أن تُشدّ الرِّحال لزيارة قبري، لا، إنَّما معنى كلام الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ المساجد في مضاعفة الأجر في الثَّواب سواء، إلّا هذه المساجد الثلاثة؛ وهي:
•مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وسلم
•والمسجد الأقصى
•والمسجد الحرام.
ولم يتعرَّض رسول الله في هذا الحديث لزيارة قبره. إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "زوروا القبور فإنَّها تُذكِّرُكم الآخرة" فكيف بزيارة قبر النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلم وهو أفضلُ خَلْقِ الله!! وقد أخبر النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّ مَن زار قبرَهُ صلّى الله عليه وسلّم وسَلَّمَ عليه أنَّه يسمعه ويرُدُّ عليه السلام، فما أعظم هذه النعمة.
أما قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "لا تجعلوا قبري عيدًا" فليس معناه لا تزورني، لا، إنما معنى هذا الحديث لا تتّخذوا اللَّهوَ عند قبري كما يُتَّخذُ اللَّهو في أيام العيد. وقال بعض العلماء قوله صلّى الله عليه وسلم ((لا تجعلوا قبري عيدًا)): معناه لا تزورني قليلًا، زوروني كثيرًا، لأنَّ العيد كم مرة يأتي في السنة؟ عيد الفطر، وعيد الأضحى. يأتي مرَّتين.
معنى قوله عليه السلام: ((لا تجعلوا قبري عيدًا )): زوروني كثيرًا لا تزورني قليلًا.
وقد ذكر العلماء أن شخصًا يُسمى العُتْبِيّ، جاء قبر النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلم وقعد هناك بعد أن زار وسلَّم على الرسول عليه الصلاة والسلام، قال فإذا بأعرابيّ أقبل وقال السلام عليك يا رسول الله إني سمعت قول الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [سو النساء/آية ٦٤]، وإنِّي يا رسول الله جئتُك مستغفرًا من ذنبي مُسْتَشْـفِـعًـا بك إلى ربِّي ليغْفِرَ لي. ثم قال:
يا خَيْرَ مَن دُفِنَتْ في القاعِ أعْظُمُهُ فطَابَ من طيبِهِنَّ القاعُ والأَكَمُ ••
قال هذا الرَّجل العُتْبيّ: "نِمْتُ، فرأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي يا عُتبيّ إلْحَقْ بالرَّجل وأخبرهُ أنَّ اللَّهَ تعالى قد غفرَ له".
وثبتَ أنَّ أبا أيوب الأنصاريّ رضي الله عنه جاء قبر النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فوضعَ وجهه على القبر الشَّريف، فرءاه مروان بن الحكم، ((ولم يكن حاكمًا صالحا مستقيمًا، ولم يعرف أن هذا هو أبو أيوب))، فقال له: أتدري ما تَصنعْ؟ فالْتَفَتَ إليه أبو أيوب، فعرفه مروان بن الحكم، قال أبو أيوب (خالد ابن زيد) رضي الله عنه "نعم، جِئْتُ رسولَ الله ولم آتِ الحجر".
معناه المقصودُ للتَّبرُّكِ بالذَّات هو رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وليس الحجر، معناه أنا وضعتُ وجهي على هذا القبر الشَّريف لأنَّه صار مُباركًا بسبب مجاورته للرسول صلى الله عليه وسلم. بل قال بعض علماء الحنابلة بالإجماع التراب الذي ضمَّ جسد الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل عند الله من العرش. مِنْ أين صارت فيه هذه البركة؟ مِنَ الرسول عليه الصلاة والسلام. فزيارة الرسول على الوجه المشروع مع السلام عليه والدُّعاء عند الرسول صلى الله عليه وسلم شىءٌ حسن، ليستْ بدعةً قبيحةً، وليست مُنكرا وليست زيارة شركيَّة، وليست شيئًا قبيحًا عند المسلمين بل هو شىءٌ حسَن بإجماع كلِّ المسلمين.
نسأل اللَّهَ أَنْ يرزُقَنا زيارةَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ورؤيتَه كلَّما نِمْنَا.
منذ ظهور التيار المدخلي/الجامي [أ] على الساحة السعودية، أفردت له السُّلطة مساحة واسعة من الحركة والنفوذ، حيث مَثّل هذا التيار ظهيرا دينيا شعبيا لقرارات العائلة الحاكمة، ليبدو الحال وكأنها فُصِّلت على مقاس السُّلطة. فمنذ اليوم الأول، تولى محمد أمان الجامي وربيع بن هادي المدخلي مهمة التبرير للسلطات السعودية في تحالفها مع الولايات المتحدة عقب حرب الخليج، قبل أن يبرروا كل ما سيصدر من السلطة في السنوات القادمة.
بدأت آثار التيار المدخلي بالظهور جلية مباشرة عقب توجه السلطة السعودية للاستعانة بهم عقب بروز ما يُعرف بتيار الصحوة إثر معارضتهم للتوغل الأميركي في المنطقة في عام ١٩٩١. حملة شنها المداخلة الجامية عبر التشنيع والتسفيه تجاه معارضيهم من شباب الصحوة [ب] الدعاة المعارضين والذين سيقبعون بعدها، في حملة ممنهجة، خلف القضبان، وعلى الرأس منهم سلمان العودة وسفر الحوالي وناصر العمر.
بدا غرض المملكة الرئيس من دعم هذا التيار سعيها لخلق ظهير ديني -لتيار الصحوة المتصاعد- يتجه نحو ترسيخ مبادئ الولاء التام والكامل للحكام، لكن بصبغة دينية تهدف لترسيخ حكم آل سعود باسم "طاعة ولي الأمر"، مع وظيفتهم الأثيرة في تشويه خصوم الدولة -خصوصا من الإسلاميين- جنبا إلى جنب مع تبرير أفعال السلطة الحاكمة.
اتجاه جعل التيار يلقى "دعما من الأسرة الحاكمة التي رأت فيه مُعادلا موضوعيا للتيار الإسلامي المتنامي، قبل أن ينتشر التيار أيضا في بلدان عربية وإسلامية أخرى"[1]. وليصبح هذا التيار بعد فترة وجيزة جهاز إعلام ديني عبر الخطب والدروس والمحاضرات والندوات والكتب التي تصب في جدول "الولاء لوليّ الأمر"، مهما أتى من جُرم أو فساد، أو ارتكب من مظالم، وهو ما مَثّل وصفة مثالية لأي حاكم باسم الدين في ترسيخ استبداده وتثبيت أركان عرشه، مهما بلغ سلوكه من بُعد عن تشريعات الدين الذي قامت دولته عليه. وليتجاوز ذلك التماهي الاقتصار على طاعة وليّ الأمر "ليمتد إلى طاعة الولاة والوزراء والمفتين، فكل هؤلاء تجب طاعتهم، حتى مع تيقّن الظلم أو الحيف منهم، لأن طاعتهم من طاعة من ولّاهم أو كلّفهم بالفتيا"[2].
ربيع بن هادي محمد عمير المدخلي (مواقع التواصل)
من هذا المنطلق، بدأت الجامية المدخلية بشن حربها على مختلف الجماعات الإسلامية، حيث أصدروا آلاف الأشرطة للتحذير من معارضي الحاكم، وشيطنة الحقوقيين والشرعيين الذين يطالبون بإيقاف الظلم السلطوي، وهو ما جعلهم يلجؤون إلى الهجوم على كل من خالفهم، ويُخرجون إليه الاتهامات المعلّبة، باسم العمالة تارة، والبدعة والفسق والخوارج تارات.
مارس السلفيون المداخلة هذا النهج مع كل من يختلفون معهم، حتى السلفيين أنفسهم، مرورا بالتيارات الحركية كالإخوان المسلمين والسرورية، ووصولا إلى التيارات الجهادية، وحتى التيارات المهادنة، مثل جماعة التبليغ والدعوة والجماعات الصوفية. فكل هؤلاء مبتدعة ضالون، لا يرضى عنهم الحاكم، وبالتالي فإنهم يخالفون منهج السلف، الأمر الذي وجّه غالبية سهام نقدهم ومعاركهم تجاه الإسلاميين، لا تجاه العلمانيين أو اللادينيين أو الحكام المستبدين، وهو ما جعل -كذلك- كل الإسلاميين خصوما لهم.
بعد وقت قصير من النشأة، بدأت ملامح التيار في التشكُّل، إذ بدا احتكار الحديث باسم الدين، وتبديع المخالف، وتسخير جهدهم في التبرير للحاكم، ركائز أساسية في خطاباتهم المتكررة، وليكسب هذا التيار عقب فترة وجيزة مساحات واسعة من وسائل ترويج الخطاب داخل المملكة، وليتوسع إثر ذلك في عدد من أقطار العالم الإسلامي، الأمر الذي يستدعي تسليط الضوء على أفكاره ونشاطه وآلات تعامله مع خصومه من "الإسلاميين".
المدخلية.. سلفية بنكهة المخابرات
أما الملوك فهم آل السعود لهم … سمع وطاعتهم حتم بقرآن
ولا يحل لشخص خلع بيعتهم … ومن يخن فعليه إثم خـوان
أبا سعود أطال الله عـمركم … في نصرة الدين والملهوف والعان
(محمد بن هادي المدخلي)
مثَّلت حرب الخليج، وما تلاها من اهتزازات صاحبت البيئة الداخلية في المملكة، أرضا خصبة لظهور عدد من خطابات التدين التي ما زالت آثارها متفاعلة وممتدة حتى يومنا، فعلى النقيض من موقف هيئة كبار العلماء السائر على نهج السلطة كما جرت العادة، تجلّى تيار الصحوة ليشغل مساحة المعارضة بعدما استعانت المملكة بقوات أميركية امتد تأثيرها للداخل السعودي.[3] تيار قاده عدد من الدعاة الشباب، والذين كانوا هم الأعلى صوتا والأكثر شعبية في ذلك الوقت.
في الجهة المقابلة لدعاة الصحوة، كان هناك تيار ديني آخر تم تجميده لفترة طويلة، إلا أن الظروف التي تلت حرب الخليج دفعت الدولة لتفعيله[4]، وهو من سيُعرف لاحقا باسم التيار المدخلي أو الجامي، والذي سينتشر في ربوع السعودية، ثم العالم، مدّعيا امتلاكه الحصريّ لناصية فهم الدين وتفسيره، ويعمل -باسم الجرح والنقد- على تشويه وطعن كل مُخالف له في الفهم أو معترض عليه.
عمل المداخلة على استخدام المنابر والرسائل المكتوبة والأشرطة الدعوية للتحريض على خصومهم الدينيين، والتعاون مع الجهات الأمنية
انصب جهد المداخلة نحو تشويه خصوم السلطة السياسية، فقد أفتى محمد أمان الجامي بوجوب طاعة وليّ الأمر فيما يراه من مصالح العباد والبلاد. أما ربيع المدخلي فقد أخرج رسالة في كُفْر صدام حسين وبالتالي جواز قِتاله بالاشتراك مع غيره من الكافرين أيضا كالأميركان، وسمى رسالته: "صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة على قتالهم بغير المسلمين"، لِيختمها المدخلي بحثّ الشباب على التسليم والإذعان لله ورسوله وطاعة وليّ الأمر وعدم الانقياد لحماسة الدعاة الشباب العاطفية.[5]
يقول الباحث السعودي محمد بن صنيتان: "لقد أعلنوا ولاءهم للنظام، وقد استفادوا من هذا الموقف الذي أعطاهم تذكرة مرور في مدة زمنية محددة، وقد استثمروها في تصفية حساباتهم مع زملائهم وذلك بإحالة العلماء من أساتذة الجامعات للتقاعد من خلال الوشاية بهم وتجريحهم".[6]
أما في الفترة "التي شهدت الصحوة السعودية فيها ركودا ومُنعت كُتب الصحويين وأشرطتهم من التداول والبيع، تمكّن المداخلة من المناصب العلمية في الجامعات لا سيما جامعة المدينة المنورة. وأصبحت كتب تلاميذ محمد أمان الجامي تُوزّع في المدارس، وهي وصايا حول طاعة وليّ الأمر وخطر الخروج على الحكومات وفضح الحركيين وخاصة الإخوان المسلمين".
عمل المداخلة كذلك على استخدام المنابر والرسائل المكتوبة والأشرطة الدعوية للتحريض على خصومهم الدينيين، والتعاون مع الجهات الأمنية وكتابة التقارير حول خصومهم من الإسلاميين أو المعارضيين سعيا منهم، بحسب روايتهم، لضبط الحالة الدينية على وفق مُراد وليّ الأمر. تجسّد ذلك بصورة جليَّة قبل أسبوع فقط من اعتقال ثلاثي الصحوة، سلمان العودة، وسفر الحوالي، وناصر العمر، حيث صعد شيخ المسجد الحرام عبد الرحمن السديس[7] منبر الحَرم، موظِّفا إياه في مراد وليّ الأمر، ومُحرضا على الشباب الدعاة، ليتم اعتقالهم بعد أسبوع واحد فقط، وهو ما قُوبل باستهجان واسع من جمهور الناس.[8]
يقول الشيخ المدخلي عبد العزيز الريس عن المداخلة: "فهم مُعِينون دولة التوحيد على ما فيه حفظها من شرور أهل الشر، سواء كانوا من الداخل أو الخارج، فهذا خير وعمل صالح، ومن التعاون على البرّ والتقوى وهو صنع العلماء"[9]، وبحسب الدكتور سعد الفقيه فإن المباحث قد دَسّت من رجالها من ينخرطون في أوساط هذا التيار ويعملون تحت رايته[10].
أما ستيفان لاكروا فيرى في كتابه "زمن الصحوة" أن المدخلية كانت جاذبة للترقي الوظيفي لدى الحكومة، "ففي الجامعة الإسلامية بالمدينة على سبيل المثال، ثم استبدال الصحويين موسى القرني وعبد العزيز القارئ وجبران الجُبران بالجاميين تراحيب الدوسري وسليمان الرحلي وعبد السلام السحيمي".
كان هذا النهج في التنسيق الأمني من السمات المشتركة للتيار المدخلي حول العالم، في مصر واليمن وليبيا وبلاد المغرب وأوروبا. ففي مصر، ما يلبث محمد سعيد رسلان بأن يفتي بأن الإخوان خوارج مفسدون، وينبغي التعاون مع الدولة للخلاص منهم، ويفتي بإرشاد المباحث عنهم وعلى أتباعهم الذين وصفهم بـ "الجهلة الفسقة ومن الخوارج القعدة"[11].
أما المدخلي طلعت زهران، فقد أفتى علنا بوجوب تزوير الانتخابات لمبارك كي لا يأتي الإسلاميون ولا العلمانيون للحكم فضلا عن التبليغ عن المعارضين للحاكم.[12] وقد تضافرت الوقائع في مصر عن الوشاية من المداخلة لدى الأمن على مخالفيهم وكتابة التقارير الأمنية في ذلك [هـ].
المدخليّة.. السلفية وفق طراز خاص
"الحق الذي لا تشوبه شائبة الباطل، الحق الخالص، الحق الصافي من الكدر "عندنا عندنا عندنا".. وإن رغمت أنوفكم، وشمخت رؤوسكم حتى تلحقوا المريخ!
سَمِعتم؟!"
( عبيد الجابري – من مشايخ الجامية)
ينطلق المَداخلة في طرحهم من مركزيّة تعريف أنفسهم على أنهم الممثلون حصرا للسلفية، مع التأكيد على قضيتين أساسيتين، أولاهما مركزيّة "الموقف من الحاكم وطاعته"، والثانية "الموقف المعادي لكل الإسلاميين الآخرين".
يقول ربيع المدخليّ: "فأهل البدع لا بد من التحذير منهم، إذ إن كشف عوارهم، وبيان ضلالهم من أوجب الواجبات وأفرض الفرائض، لأن هؤلاء خاضعون لقيادات بدعية ضالة متسترون مكرا باسم السلفية، لكنهم ما لبسوا لباس السلفية بقوة إلا ليتمكنوا من سحقها"[13].
يكرر المدخلي في دروسه ومحاضراته أنه وطائفته الممثلون الحصريون للسلفية، ويتحدى مخالفيه ممن يصفهم بأهل البدع والأهواء بذلك، يقول المدخلي: "نحن نتحدى أهل البدع والأهواء، أهل البدع العقائدية، وأهل البدع السياسية؛ ونقول لهم: بيننا وبينكم السلف، بينا وبينكم الكُتب لنبين من هو المبتدع نحن أم هم!".[14]
تتمدد طهورية المداخلة من اعتقاد تمثيل السلفية إلى الروح العدائية مع كل المخالفين لهم حتى تُصبح نهجا مطردا لكل المنتمين إلى الفكر المدخلي حول العالم. ففي مصر، يقول أسامة القوصي [ج]، أحد رموز التيار المدخلي في مصر سابقا: "أنا الدفة للسلفية، أنا الميزان، دعوتنا دعوة ضبط وربط، دعوة استبصار.. فمن أراد أن يستبصر بدين الله، والعقيدة الصحيحة يأتي هنا، يستفيد مننا".
أما محمد سعيد رسلان، رأس المداخلة المصريين، فقد اعتاد في خطبة الجمعة على مهاجمة خصومه الدينيين بأقذع الأوصاف [د] من منبر المسجد. يقول رسلان لخصومه المنتقدين للمداخلة: "فما المدخليّة؟! كلمة لا يستطيع قائلها لها تعريفا! فإن قصدوا من هم على منهج الكتاب والسنة بفهم السلف فلا شك أنهم كذلك ولا يُضرّ التسمية. لكن أهل البدعة في كل عصر يلمزون أهل السنة، وأهل السنة ينالهم من ذلك قسط مما نال الرسول!".
المدخلية.. سلفية هدم الرموز الإسلامية
"يُبْصِرُ أحَدُكُمُ الْقَذَاةَ في عَيْنِ أخِيهِ، وَيَنْسَى الْجِذْعَ فِي عَيْنهِ"
(حديث شريف)
عُرف التيار الجامي "بتضخيم أخطاء وهفوات خصومهم بشكل مبالغ فيه، بالإضافة إلى نسبة التهم السيئة إليهم، وتشويه سمعتهم والتشهير بهم والتفرقة بينهم، وإطلاق الأوصاف السيئة عليهم وتحجيم أدوارهم وتأثيرهم داخل المجتمع".[15] فأي داعية، في حال لم يكن جاميا أو مدخليا، فهو يدور -في نظر المداخلة- بين البدعة أو الفسق أو الخوارج أو الكفر البواح، وقلّما يسلم من ذلك مختلف واحد معهم.
يجعل المدخلي هذا الطعن في الآخرين بمنزلة المنهج المُميز لطائفته ويعتبره أوجب الواجبات، ولا ينظر لحسنات مخالفيه مهما بلغت، يقول ربيع المدخلي لمخالفيه: "سلهم عن بدعة وضلالة الإخوان، فإن قالوا إن نقدها وتحذير الناس منها من أوجب الواجبات، وإن بدعهم أكبر المنكرات، فهو من أهل الحق. وإن تأولوها، وجاءوا بمنهج الموازنات بين الحسنات والسيئات، فهم من غلاة المرجئة!".
كان هذا النهج مطردا مع المداخلة منذ نشأتهم، فمنذ "أغسطس/آب 1990، وحين كان التوتر على أشدّه بين الصحوة والسلطة، كان المداخلة من أوائل العلماء الذين تعرضوا لمشايخ الصحوة بالانتقاد العلني"[16]، حتى غالى بعض المداخلة في نقده لتيار الصحوة وبالأخص سلمان العودة وسفر الحوالي، حتى وصل الحال بعبد العزيز عسكر وسليمان أبو الخيل بالمطالبة بقتل سلمان العودة وسفر الحوالي، والفرح العلني بإعدام الشيخ المعارض عبد الله الحُصيف[17]، ليُعيّن الثاني مديرا لجامعة المدينة بعد اعتقال العودة والحوالي. وقد وجّه الجامية تهما لمشايخ الصحوة بالضعف العلمي، إلا أن حجتهم لم تلبث سريعا حتى تهدّمت حين برهن الصحويون عمليا وعلميا على خلاف ذلك، وأثبتوا لأنفسهم مكانة في الوسط الدعوي في المجتمع العلمي [و].
الأمر الذي جعل المداخلة يلجؤون إلى أسلوب آخر، وهو اتهام المدرسة الحركية التي ينتمي إليها الحركيون بعدم النقاء العقدي، فكان الهجوم على الرموز الحركية مثل محمد قطب، مشرف سفر الحوالي والأب الفكري للصحوة في السعودية، وليطول التسفيه رموزا حركية كبيرة من الحركة الإسلامية. يقول عبد العزيز الخضر: "قاد الجامي والمدخلي أهم معركة فكرية دينية واجهها تيار الصحوة محليا، ونقدا لرموز إسلامية من مشاهير الدعوة المعاصرة في حركة الإخوان المسلمين، ونقدا لأفكار سيد قطب ومحمد قطب. وكانت الحملة شرسة استخدمت مختلف الأساليب بذريعة صفاء العقيدة والسلفية النقية".[18]
امتد نقد الجامية ليطول حسن البنا، والذي اعتبره المدخلي ممثلا لعقيدة صوفية ضالة، كما طال أبو الأعلى المودودي، والشيخ يوسف القرضاوي، الذي كتب له "مقبل الودعي" ردا سمّاه "إسكات الكلب العاوي يوسف القرضاوي". وامتد التجريح المدخلي إلى شخصيات حركية سيصبح لها ثقل نوعي فيما يُعرف بـ "الجهاد الأفغاني"، وعلى الرأس منهم الشيخ عبد الله عزام.
كان الهجوم على سيد قطب هو الأشد ضراوة، وبات الانتساب إلى قطب تهمة في حد ذاتها تُعرف بالقطبية، حيث كتب المدخلي عددا من الرسائل في الرد على قطب، ولم يدَع موطنا إلا وانتقص فيه من قطب، حتى نسب إليه عددا من البدع المُغلظة مثل القول بوحدة الوجود، ومساواة الأديان، والتنقص من الأنبياء[19]، الأمر الذي دفع علماء دين سعوديين للتدخل بهدف إيقاف هذا المنهج الهدمي الذي اعتمده المدخلي، فكتب بكر أبو زيد -عضو لجنة كبار العلماء- ردا على المدخلي، حيث وصف كلام المدخلي في سيد بأنه كلام "طغى عليه أسلوب التهيج والفزع على المنهج العلمي النقدي، وافتقد الرد أدب الحوار".[20] وواصل بكر أبو زيد رده بأن عناوين المدخلي "بالجملة عناوين استفزازية تجذب القارئ العادي إلى الوقيعة في سيد رحمه الله"، لكن المضمون ذاته "يفتقد أصول البحث العلمي، ويغلب عليه الحيدة العلمية، ويفتقد إلى أمانة النقل والعلم، وعدم هضم الحق. أما أدب الحوار وسمو الأسلوب ورصانة العرض فلا تمت إلى الكتاب بهاجس، والاجتزاء والتقول على الرجل وعدم رده المتشابه للمحكم".
تظهر الجامية سائرة في دورها الأثير عبر مهادنتها للحكام مع تسويغ تام لبطشهم وظلمهم، وتسفيه أحلام شعوبهم في الحرية والكرامة باسم الدين
وعلى الرغم من حالة السكون والوئام التي يتخذها المداخلة مع الحُكام، فإن مواقفهم تتخذ في كافة مساراتها عداء شديدا تجاه الإسلاميين بمختلف تياراتهم، لا سيما التيارات الحركية [ز] وعلى الرأس منها الإخوان المسلمين والسروريون، بدعوى التحذير من الحزبية، أو الجهل بعقيدة السلف، أو مخالفة وليّ الأمر، وليخلصوا في النهاية إلى تبديع الإسلاميين بكل طوائفهم من خلال ترسانة مفاهيمية ناجزة، وشرطة مصطلحات مفاهيمية، وعُدة من أدلة شرعية مبتورة من سياقها.
وهو ما جعل البعض يصف المداخلة بـ "أهل الجرح بلا تعديل، وقد سلم الكافرون من ألسنتهم ولم يسلم المؤمنون منها"، لتظهر الجامية سائرة في دورها الأثير عبر مهادنتها للحكام مع تسويغ تام لبطشهم وظلمهم، وتسفيه أحلام شعوبهم في الحرية والكرامة باسم الدين.
———————————————————————–
الهوامش
أ- المدخلي: نسبة إلى ربيع بن هادي المدخلي، أستاذ الحديث بجامعة المدينة، والجامي: نسبة إلى شيخه محمد أمان الجامي، وهو إثيوبي الأصل، نزل المملكة واستقر بها.
ب- تيار الصحوة/التيار الصحوي: هو تيار جمع العقيدة السلفية والحركيّة الإخوانية وتكوّن من عدد من الدعاة الشباب، وفتحت له الدولة الإمكانات بعد حادثة جهيمان، ثم ظهر كمعارض لها بعد حرب الخليج حين استعانت المملكة بقوات أميركية، ومن أبرز رموزه سلمان العودة وسفر الحوالي.
ج- الجدير بالذكر أن القوصي انخلع عن السلفية بالكلية بعد الثورات، وأصدر عددا من الفتاوى التي تؤيد العلمانيين وبات دائم الحضور في مؤتمرات الكنيسة، بل ونقد المداخلة أنفسهم، وأيّد الانقلاب العسكري.
هـ – بحسب معلومات ميدانية، وقد نُشرت بعض الوثائق التي تفيد ذلك بعد اقتحام مقرات أمن الدولة عقب ثورة 25 يناير.
و- عمد تيار المداخلة إلى طريقة جديدة لنقد الصحويين غير الحديث عن مخالفتهم لوليّ الأمر، تمثلت هذه الطريقة في الادعاء بالضعف العلمي مقارنة بالشيوخ الكبار الشارحين لكتب العقيدة والفقه، وهو ما أكدّ الصحويون عمليا على خلافه، فنشط سلمان العودة في شرح بلوغ المرام وعقد مجالس التحديث في بلدته بُريدة. أما سفر الحوالي فقد شرح العقيدة الطحاوية، وكتب في نقد الأشعرية والصوفية، ولقي شرحه للطحاوية قبولا كبيرا في الأوساط العلمية، مما عزز من مكانة الشيوخ الصحويين وحوّلهم من مجرد دعاة إلى عُلماء حقيقيين مثل العلماء الرسميين، وقد ساعد الصحويين علاقتهم القوية بالشيخ ابن باز وثناؤه على بعضهم مثل سلمان العودة وتقديمه لرسالة علمية كتبها عوض القرني، وللمزيد يمكن مراجعة "زمن الصحوة" لاستيفان لاكروا.
[ز] لم يسلم أي تيار حركي من بغي المداخلة، حتى أشدها مُهادنة. على سبيل المثال ذكر الجامي راجي الفاروقي وأصحاب مشروع إسلامية المعرفة بقوله: "أنشأوا المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدة هناك، ليس في دار الإسلام، ولكن زبائنهم هنا موجودون في البلاد الإسلامية". [مجموع رسائل الشيخ محمد أمان الجامي].
- حديث: عن عبد الرحمن القاري رضي الله عنه قال: "خَرَجْتُ مع أمير المؤمنين عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنْه لَيْلَةً في رَمَضَانَ إلى المَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ؛ يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، ويُصَلِّي الرَّجُلُ فيُصَلِّي بصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: إنِّي أرَى لو جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ علَى قَارِئٍ واحِدٍ، لَكانَ أمْثَلَ. ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمعهُمْ علَى أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ معهُ لَيْلَةً أُخْرَى والنَّاسُ يُصَلُّونَ بصَلَاةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ: نِعْمَ البِدْعَةُ هذِه، والَّتي يَنَامُونَ عَنْهَا أفْضَلُ مِنَ الَّتي يَقُومُونَ. يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وكانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أوَّلَهُ"، حديث صحيح.[١] شرح الحديث (١) كان الناس يصلّون صلاة التراويح في عهد النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- متفرقين، فرسول الله لم يواظب عليها كي لاتصبح فريضة على الناس، فبيّن للناس حكمها ومشروعيتها، وكما أنّه صلّى الله عليه وسلم لم يواظب عليها في كل ليلة إلا ثلاث ليالٍ في المسجد وليس في حجرات أمهات المؤمنين ، فلما كان في زمان أمير المؤمنين عمر أشار للناس أن يصلونها مجتمعين جماعة خلف إمام واحد وعلى أبي بن كعب ثم امتدح هذا الابتداع الحسن ، وعدّه حسنًا، فصلاة التراويح مشروعة في أصلها. - حديث: كان رسول الله يرغب في قيام رمضان متن الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يُرَغِّبُ في قِيَامِ رَمَضَانَ مِن غيرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فيه بعَزِيمَةٍ، فيَقولُ: مَن قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ. فَتُوُفِّيَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَالأمْرُ علَى ذلكَ ثُمَّ كانَ الأمْرُ علَى ذلكَ في خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِن خِلَافَةِ عُمَرَ علَى ذلكَ"، حديث صحيح (٢) شرح الحديث(٢) كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم - يحث الناس على أداء صلاة التروايح، ولكن ليس على سبيل الحتم والإلزام، إنما كان يندبهم إلى ذلك ويرغبهم فيه، وقد أجمع العلماء على أن صلاة التراويح ليست واجبة وإنما هي مندوبة، فهذا ما كان في عهد رسول الله وفي خلافة أبي بكر وشيئ من خلافة عمر رضي الله عنهم، حتى جمع عمر بن الخطاب الناس للصلاة جماعة خلف أبي بن كعب.[٣] وأما في مسألة تخفيف صلاة الجماعة للمصلين ومن ذلك في جماعة التراويح فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – : أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: (إذا صلى أحدكم للناس فليخفف؛ فإنه منهم الضعيف، والسقيم، والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء)[4]. 4] – رواه البخاري: (1/248برقم:471) ومسلم: (1/341برقم:467).
" تقبل الله منّا ومنكم صالح الأعمال " اللّهم آمين يارب العالمين