الاثنين، 29 يونيو 2026

الغناء والموسيقى (نظرات ومراجعات)

 

الغناء والموسيقى (نظرات ومراجعات)

د. صلاح صالح الراشد

ملاحظة: ليست على هذه المادة حقوق، فقط يتطلب منك ذكر المصدر.

أصل التحقيق والبحث:

كتب الشيخ المحقق والمحدث عبد الله بن يوسف الجديع كتاباً بعنوان "الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام"، ويميز كتابه هذا أن الشيخ متجرد على غير عادة المحققين؛ فالمحققون يحققون مع وجود الافتراضية مثلهم مثل الباحثين. وهناك في الحقيقة خلل في هذا الموضوع عند البحث والتحقيق؛ ذلك أن هذا الأمر يؤثر في سير الحقيقة في التحقيق أو الدراسة. يعني لو افترض القاضي أن الشخص مجرم أو برىء مبدئياً فسوف يؤثر ذلك على سير القضية حتى لو تلمس الحيادية.

ورغم أن الأصل البراءة لكن يظل متهماً وليس بريئاً لحين أن تثبت تهمته أو براءته؛ لهذا فرض الإسلام على القاضي عدم الحكم في العجلة أو القرابة أو الحاجة أو الانفعال، وهو كذلك العمل في أصول القضاء اليوم؛ حيث يجوز للقاضي الامتناع عن القضية دون إبداء أسباب؛ كأن يكون للمتهم قرابة معه، أو يكون تأثر عاطفياً تجاه متهمة، أو يكون كره شخص دون سبب .. الخ. هنا تواجدت فرضية واعية أو غير واعية لذا فتأثيرها على القضية حتمي.

في البحث كذلك، لو وضعت افتراضية بنعم أو لا أو بحلال أو حرام فسوف تثبت ما افترضت في الطريق بوعي أو بغير وعي. وغالب أهل التدين لا يتقنون هذه الصنعة (الحياد) رغم أن حديثهم عنه كثير. ولذلك أنا شخصياً عندما أقرأ لأحد من أهل التدين من كل الأديان أكون حذراً جداً في التلقي، وليس على سهالتي، بل حذر من سير الأدلة لأن أهل التدين أهل عقيدة يقينية يعني ليسوا متجردين بل أتباع لمنهجية محددة، فقد لا يكونوا أحراراً في الحكم والتحقيق. لو شذ فرد في الجماعة التي ينتمي إليها رسمياً أو شكلياً فسوف يواجه ضغوطاً داخلية وخارجية، بينما الباحث المتجرد لا يهمه رأي الجماعة.

أقول أن الشيخ عبد الله الجديع فرش بحثاً دون افتراضية. يريد أن يعرف حكم الإسلام في الموسيقى والغناء. ولأن هذا الأمر يهمني وهو من جملة ما أعمل عليه؛ فأنا من ضمن عمق رسالتي عمل Paradigm Shifts أو ما قد نسميه تحويل القناعات من خلال عرض الاحتماليات وتوسيع الخيارات؛ فأنا أرى أن أكثر الخلل الموجود في تحقيق السعادة في الدارين سببه ما يحمله الإنسان من قناعات.

إن هناك من الناس رغم إيمانه، وإن شاء الله بذلك يفوز في الآخرة، إلا أنه يعاني الأمرين في الدنيا بسبب منهج حياته. إن المؤمن لا يجب أن يعاني في الدنيا، وهذا الاعتقاد اعتقاد هندوسي شرقي وهو موجود في الشرق قبل الهندوسية اجتهد بودا في نقضه، لكنه واجه تياراً كبيراً. ولذلك 800 مليون هندي اليوم يعتقدون بهذا الاعتقاد "الدنيا كارما"، معاناة، دفع ضريبة، ابتلاء. ومعهم ربما نصف المسيحيين وأكثر من نصف المسلمين، بالذات المتدينيين.

إن المتدينين المسلمين يعتقدون أن الابتلاء من الله، وأن في الابتلاء أجر وتكفير للذنوب، وأن الأشد ابتلاء لا بلاء كما في نص الحديث أفضل ديناً طبعاً، هذا يجذب للحياة الابتلاء المستمر. تخيل لو كان هذا الاعتقاد قوياً في نفس الإنسان فإن هذا الشخص سوف يجتهد، بوعي أو بلا وعي، في جلب ابتلاءات ومشاكل وأمراض لحياته، خاصة إذا كان متديناً كون أن ذلك يقربه إلى الله أكثر ويحببه فيه، ويكفر عنه سيئاته إن هذه علاقة بين الابتلاء وطلبه والرغبة فيه.

مثال آخر: وهو كون القدر عند غالبية المسلمين اليوم ثابت (static)، وأنا من ضمن قناعاتي أن القدر تفاعلي (interactive). إن هاتين العقيدتين مختلفتان تماماً ونتائجهما مختلفة تماماً. إن غالب الدعاة والمشايخ والخطباء يدعون اليوم لعقيدة "القدر الثابت" وهي في العمق عقيدة إرجائية. والمرجئة طائفة رفضتها السنة والشيعة والمعتزلة كونها عقيدة تدعوا إلى إبطال العمل القلبي والحسي. وكثير من أهل الدعوة اليوم ينتمون إلى هذه العقيدة رغم عدم معرفتهم، فيجب أن تعرف أن أغلب الناس ولو اتصف بالعلم نقال، ينقل الكلام، ولا يفقهه أو يعرف عمقه.

بل قد يحارب الصواب ظناً منه أنه ينصر الحق، كما حصل للشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، إذ طُرد من الجامعة الإسلامية في المدينة بتهمة الإرجاء بينما خصومه دون ذكر أسمائهم لتجنب الحساسية في الموضوع لأن أحدهم لا يزال في هيئة كبار العلماء في المملكة هم أنفسهم يدعون للعقيدة الإرجائية طوال الوقت. وهي من المتناقضات التي تتوالم، لأن شبيه الشيء يجذبه إليه كما قال الشاعر العربي. إن هذه الموضوعات لها مكان آخر في المستقبل بإذن الله.

هل المجتمع الخالي من الغناء والموسيقى مضر؟

إن أصل طرح هذا البحث كان في معرفة ما إذا كان من لا يسمع الغناء والموسيقى قد يؤثر سلباً على المجتمع. وأنا رأيت أن هناك صلة بين الأمرين: العنف والموسيقى، سواء من يسمعها أو من لا يسمعها. فعلى سبيل المثال سماع الموسيقى الصاخبة له علاقة في جماعات العنف وعصابات الشوارع، كما أن جماعات العنف الإسلامية لا تسمع الموسيقى ألبته هناك علاقة (correlation). في علم الاجتماع الارتباط لا يعني بالضرورة السببية (Correlation doesn't mean causation)، والحكم في معرفة ذلك هو في التحقيق.

إن الارتباط هو في كون أن الذين لا يسمعون الموسيقي عنيفون ناشفون جديون، قاسون، غير سعداء، لديهم مشاكل كثيرة في العلاقات مع من حولهم من الأهل والناس والذين يعزفون الموسيقى فيهم رقة، وحنية، وابداع، ولين. ومن هذه الملحوظات كذلك أن القراء (سواء المسلمين أو الكنسيين) فيهم رقة كذلك، وليونة، كونهم يتغنون بالترتيل. إن هناك ارتباطاً، مرة أخرى ليس بالضرورة سبباً.

مثال: ليس من طالبان أو القاعدة أي شخص يسمع الموسيقى أو الغناء بل يرون حرمته ويغلظون في ذلك. ليس من اتباع المنهج السلفي كذلك من يسمع الموسيقى والغناء، وهذان الخطان معروفان بالعنف أو الجدية.

إن هذا الأمر لم يكن في الصحابة رضي الله عنهم فقد ثبت عن عشرات منهم بالذات كبارهم سماع الغناء، والحداء، والشعر، والأدب، والآلات الموسيقية المتاحة وفق ما بينته عشرات الأحاديث والآثار الصحيحة كما سيأتي بيانها لاحقاً في المقالات إن شاء الله بينما في الخوارج غلظة وعنف وهم لا يسمعون الغناء ولا الآلات. ويحتج البعض بأن هناك من الصحابة من كان لا يسمع الغناء ولا الموسيقى ومع ذلك عُرف برقته كعبد الله بن مسعود رضي الله عنه والنقاش هنا في كونهم كانوا يتغنون بالقرآن بالذات ابن مسعود؛ فهناك علاقة معينة. إن هذه الدراسة حري أن يقوم باحث بعملها شريطة ألا يضع افتراضية، ذلك أننا لن نناقشها هنا في هذا البحث.

إن هذا الكتيب بدأته بمقالات في facebook واستفدت فيه من ملاحظات المشاركين في صفحتي على الفيس بوك والتي أطرح فيها بشكل شبه يومي مجموعة من الخواطر والمقالات والأفكار والفوائد والأخبار (http://www.facebook.com/ssalrashed).

أنا في الحقيقة شخص صعب في القناعة، لا أقبل قناعاتي بسهولة من الآخرين، غالباً ما أدرس أي قناعة جيداً قبل قبولها، كما أن منهجي متفتح، لا أنتمي لجماعة ولا مذهب ولا حتى طائفة، أقول إني مسلم ومع هذا فكوني مسلماً لا يعني تميزي على الآخرين ألبته، بل لدي تفسير في معنى المسلم لا يتوافق مع غالبية التيار الديني، لهذا وضعت معايير للاستفادة منها في البحث من التعليقات في الفيس بوك. وكانت المشاركات سواء تلك الموافقة أو المخالفة بأدب أو العنيفة، والتي زادت عن الألفين رداً، وقُرأت، وفق تقييم الفيس بوك الرسمي، من قرابة نصف مليون مشارك (impressions)، كلها مفيدة لي في تطوير هذا البحث ليخرج بحلته الحالية.

طلبت كذلك من المشاركين في الفيس بوك وعددهم يتعدى 21,000 شخصاً وقتها أن يعرضوا البحث على مشايخهم ومن يعرفون من أهل البحث فجاءتني بعض الردود المفيدة كذلك. كذلك قمت بالنظر في مئات المراجع والكتب والمواقع، وقرأت آلاف الفتاوى من الأطراف المختلفة: الموافقة والمخالفة والمقيدة والداعية.

ثم أخيراً عرضت البحث على مجموعة من العلماء والمشايخ وطلبة العلم وكان أهمهم واكثرهم علماً فضيلة المفتي أ. د. عجيل جاسم النشمي، الذي أفادني كثيراً في إعادة وتصحيح وتغيير الموجود في البحث أصلاً.

سير البحث:

سأناقش أولاً أدلة القائلين أن الغناء والموسيقى أمراً جائزاً، وليس حراماً في الشريعة الإسلامية، ثم أدلة من يرى التحريم، ثم نكمل في البحث.

الدليل الأول:

سأستعين في البداية في بحث الشيخ عبد الله الجديع كما ذكرنا كونه الأكثر ترتيباً حالياً وأعتقد، شخصياً، فيه الحيادية والمصداقية.

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها أيام منى وعندها جاريتان تغنيان وتضربان بدفين ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى على وجهه الثوب (وفي رواية مستتر بثوبه لا يأمرهن، ولا يناههن، فنهرهن وفي رواية فانتهرهما) أبوبكر، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه عن وجهه، فقال: "دعهن وفي رواية: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد".

حديث صحيح، أخرجه أحمد وابن راهويه، والنسائي وابن حبان والبخاري (909)، ومسلم (892)، وابن ماجه (1898)، والبيهقي (10/224) والطبراني (الكبير 23/180)، وأبو نعيم الأصبهاني، وابن أبي الدنيا، وآخرون.

دعنا نذكر الفوائد من هذا الحديث:

  1. جواز غناء البنات: ههنا سيدتان أو ابنتان تغنيان مع عائشة رضي الله عنها.

  2. جواز سماع المرأة لغناء البنت أو المرأة: فهذه السيدة عائشة رضي الله عنها تسمع للجاريتين تغنيان.

  3. جواز سماع الرجل للمرأة وهي تغني: فهذا النبي صلى الله عليه وسلم موجود في البيت ولا شك أنه يسمع وربما أنه لا ينظر ربما لخصوصية في وضع الجاريتين مع السيدة عائشة. وكذلك أبو بكر استمع لهما بعد أن طلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعهما، وهو متواجد في البيت، واستمرتا تغنيان.

  4. إقرار النبي صلى الله عليه وسلم بمشروعية الاحتفال بالغناء من قبل البنات: بدليل لفظ "دعهن يا أبا بكر فإنها أيام عيد"، فشرع الاحتفال بالمناسبات كما سيأتي في أدلة أخرى أو في العيد كما هو هنا.

  5. رد من أنكر الاحتفال: فشرع لك النبي صلى الله عليه وسلم أن ترد على من لا يريد من الناس أن تحتفل في العيد. ومن ذلك كلام الخطباء بالجملة غير السوية: "ليس العيد باللبس الجديد ولكن العيد بتذكر يوم الوعيد"، فهذا خلاف السنة. فالسنة اللبس الجديد، والفرح والغناء، ويوم القيامة هو شعور ملازم للمسلم في كل وقت ولا يفزعه بالضرورة طوال الوقت. والاحتفال بالعيد سنة.

  6. رد من أنكر على غناء المرأة: فالنبي صلى الله عليه وسلم صوب أبا بكر ولم يقره، بل حتى أبو بكر لم ينكر غناء المرأة لكنه استنكر الفعل في بيت النبوة. فجاز لك أن ترد على من ينكر على البنت تغني.

  7. جواز السماح أو جلب المغنيات للبيت والأهل: لو أن شخصاً جاء ببنات يغنين في بيته لكان عمل بهذه السنة الكريمة التي تدخل البهجة والسرور على البيت والأهل خاصة في المناسبات السعيدة. وطبعاً هذه السنة لا يعمل بها المتنطعون.

  8. جواز استخدام آلة موسيقية في البيت للغناء: إن هذه مسألة سيأتي شرحها لاحقاً، لكن يكفي الاتفاق على جواز استخدام الدف. فهذا الدف في بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويعزف من قبل مغنية والسيدة عائشة، وربما أبو بكر كذلك يسمعون كلهم. وهذه الآلة شرعت في مواضع كثيرة جداً في أحاديث أخرى متواترة، وهي هنا صريحة جداً بأنها عزف وغناء في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وبحضوره وحضور زوجته الكريمة.

  9. جواز استخدام أكثر من آلة في المجلس أو العزف: فالحديث نصه: "دفين" كما في هذه الرواية. والمعنى أن كل جارية منهما بيدها دف تعزف فيه.

  10. الدف آلة موسيقية معتبرة: بدليل لفظ أبي بكر في رواية صحيحة كذلك: "مزمار الشيطان؟" (وهذه الرواية عند البخاري). فاعتبرها أبوبكر، مثل أي عازف آلة موسيقية والمزمار في الأصل آلة موسيقية ليست الدف، بل هي من الآلات النفخية كالناي والشبانة والكليرينت والساكسفون والكاوالا والمجوز والأرجول، وهناك آلة لليوم تسمى المزمار. فقوله مزمار أي آلة فدل الحديث على جواز الآلة كما سيأتي لاحقاً بإذن الله جواز آلات أخرى.

  11. خلل عقدي فيمن استشهد بكلام أبي بكر وترك عدم إقرار النبي صلى الله عليه وسلم: تعريف السنة أنها ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو إقرار. وتسمى سنة فعلية أو قولية أو تقريرية. فهنا دلالة واضحة على عدم إقرار كلام أبي بكر رضي الله عنه. بل رده وطلب منه تركهما؛ ففيه مؤشر بأن فعلهم (البنات الثلاثة: السيدة عائشة والجاريتان) صحيح، ولا شيء فيه، ولا هو من فعل الشيطان. ومعلوم أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على كل أحد بما في ذلك أبي بكر رضي الله عنه، لكن لاحظ الفكر غير السوي في هوس التحريم كيف يستدل بقول أبي بكر ويرد كلام نبيه صلى الله عليه وسلم. أدخل اليوتيوب واسمع كلام ألف شيخ في هذا الاستدلال لتعلم الانحراف الفعلي في الخطاب الديني. ولربما كان قول أبي بكر رضي الله عنه "أمزمار" وفي رواية "مزمارة الشيطان" (الرواية عند البخاري كذلك رقم 3566)، لما سمع الخطأ منهما إذ في رواية البخاري "وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث" فصارت هي العلة كونهما يغنيان بشيء من المخالف للآداب والداعي للحروب وفساد الأخلاق، فحرب بعاث حرب جاهلية، فهذه كلمات مرفوضة وهي مزمار الشيطان.

  12. جواز التعبير بالبهجة من خلال الغناء والعزف: وهذا ما فعلته أمنا رضي الله عنها بجلب الجاريتين.

  13. رد طعن من رأى أن هذا خاص بعائشة: كما حاول الشيخ راضي الحبيب في الكويت في رده على مقابلتي في قناة الوطن. فالسيدة عائشة أكرم وأعلم من كل علماء الدنيا ورجالها اليوم بما فيهم الشيخ الحبيب. والإمام ابن حجر العسقلاني عندما ترجم لعائشة قال: "أعلم نساء الأرض إطلاقاً!". فلا اعتبار لهذا الكلام، وحتى لو افترضنا ذلك، والعياذ بالله، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان موجوداً.

إن هذا الحديث وحده، وسنأتي بإذن الله لذكر عشرات أخر، كاف من كون الغناء والعزف بالدف والسماع أقل ما يقال فيه الجواز.

نقل الإمام الشوكاني قول العلامة الفاكهاني: "لم أعلم في كتاب الله ولا في السنة حديثاً صحيحاً صريحاً في تحريم الملاهي (يعني الآلات الموسيقية) وإنما هي ظواهر وعمومات يستأنس بها لا أدلة قطعية" (الشوكاني: نيل الأوطار جـ 8/104)، وهذا القول نفسه قاله الإمام العلامة بن حزم والإمام المجدد أبو حامد الغزالي - رحمهما الله.

الدليل الثاني:

عن بريدة الأسلمي رضي الله عنه قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالماً أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن كنت نذرتِ فاضربي، وإلا فلا"، فجعلت تضرب.

حديث صحيح، أخرجه أحمد (5/353، 356) والترمذي (رقم 3691) وابن حبان رقم (4386) والبيهقي (10/77) وأبوداود (3312) وغيرهم.

والحديث فيه تتمة مشكلة ".. فجعلت تضرب، فدخل أبوبكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر، فألقت الدف تحت استها ثم قعدت عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالساً وهي تضرب، ثم دخل أبوبكر وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف".

قال الشيخ الجديع:

قلت: فهذا الحديث حجة قوية في إباحة العزف والغناء بغير محذور، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه" (رواه البخاري ومالك وأحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه). وقال: "لا نذر في معصية الله"، وفي رواية: "لا وفاء لنذر في معصية" (رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي). فلو كانت هذه المرأة نذرت محرماً لما أذن لها النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء به، وإنما أذن لها به لكونها نذرت مباحاً .. وهذا من أبلغ ما يكون في رد زعم أن العزف بالدفوف والغناء لا يحل إلا في عرس وعيد، فلم تكن هذه المناسبة عيداً ولا عرساً. قد جمع الكل معنى السرور؛ فالعرس والعيد وقدوم الغائب العزيز مناسبات سرور، فأبيح فيها العزف والغناء من أجل هذا المعنى .. (الجديع، الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام ص 222-223).

إن الإشكالية في الحديث هي في قوله لعمر "إن الشيطان ليخاف منك" في مثل هذا الموضع إن هذه الفقرة من الحديث إما علة في المتن أو زيادة من الراوي من حديثين مختلفين أو لغة دارجة بين الحجازيين. إن المقصود بالعلة في المتن هي اضطراب في كلام الراوي؛ فالحديث الصحيح هو ما نقل عن العدل الثقة بسنده متصلاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم من غير علة ولا شذوذ. لهذا التعريف 6 شروط:

  1. اتصال السند.

  2. عدالة الراوي.

  3. ثقة الراوي.

  4. نهايته للنبي صلى الله عليه وسلم.

  5. خلوه من الشذوذ.

  6. خلوه من العلة.

الأخيرتان صناعة دقيقة جداً لا يتقنها إلا كبار العلماء مثل البخاري والدارقطني وأمثالهما، أما الشروط الأولى فقد يتقنها محدث متمكن. مثال ذلك أن يخالف الحديث آية قرآنية أو حديث متواتر فهنا يدلك أن في الحديث علة وشذوذ فلو صحت الزيادة هذه بفقرتيها وهو كذلك وفقاً للمختصين فهذا يعني أن هناك تأويلاً مختلفاً لما قد يظهر من المعنى.

لأن ظاهر المعنى أن الشيطان كان موجوداً مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ففر لما رأى عمر رضي الله عنه. وهذا يستحيل، كون هناك رجلان أفضل من عمر ورجلان فاضلان من أعلى فضلاء الأمة فلا يعقل أن الشيطان فر من عمر لكنه تقوى في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعثمان وعلي. هذا يقوله من قل علمه واختلت عنده الموازين. وبعض العلماء والمشايخ يستدلون به من هذا الوجه، وهو خطأ عقدي مخل.

والمعنى قد يكون أن لكلمة "شيطان" في الحجازية معنى مخفف والحجازية هي لغة القرآن الكريم ولغة السنة النبوية الأصيلة والحكم لها في النهاية.

مثال: أن القرآن في سورة يوسف يقول: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ} (يوسف/31) ولا يقال في اللغة العربية الدارجة (ما هذا بشراً) بالفتح وإنما يقال ما هذا بشرٌ بالضم. لكن أهل الحجاز وقتها يلفظونها هكذا، ولذا سماها العلماء "ما الحجازية"، والتي تنصب في لغة الحجازيين. من لا يفهم هذا يُخطأ القرآن الكريم ويظن أنه خطأ في قواعد اللغة وإعرابها، مثل ما ظنه بعض المستشرقين الأعاجم.

مثال آخر مختلف: القرآن الكريم يقول: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أcellَطْعَنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} (النساء/34)، فهنا أمر بضرب النساء في حالة النشوز، وهناك أحاديث صحيحة كثيرة نهت عن ضرب النساء، وشددت أن يكون هذا الفعل مشين، وأن صاحبه ليس خيراً. فكيف السنة تخالف القرآن؟ والجواب: أن الضرب هنا في القرآن بلغة أهل الحجاز؛ فأهل الحجاز لا يضربون نساءهم، وهذا عندهم يخدش بكرامة الإنسان، لكنهم يقولون الضرب للسعي والتأديب والتعليم، كقوله تعالى: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} (المزمل /20)، وهذا لا يعني ضرب الأرض بل مجازية تعني السعي في الأرض.

وكما في حديث أبي سعيد: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها ولا يدع أحدا يمر بين يديه فإن جاء أحد يمر فليقاتله فإنه شيطان" (رواه ابن ماجه وهو عند البخاري وغيره). فلا يعتقد إنسان أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد أن يقتله، والعياذ بالله فلا يُقتل الإنسان بكونه يصر أن يمر بين يدي المصلي وإنما في اللغة "قاتله" غير "اقتله". والمقصود ادفعه أو رده، وهو موضوع إجماع بين كل العلماء في التاريخ، لم يقل منهم أحد بجواز قتل المار بين يدي المصلي، بل لو فعل شخص ذلك لجاز قتله حداً لأنه قتل نفساً بريئة، وفي العادة يحكم عليه القاضي بالإعدام لجرمه.

لهذا فيقيناً أن المقصود مختلف في الحديث وهو أن "الشيطنة" كما هو الدارج في اللغة اليوم واللهجات يعني اللعب والمرح فاستخدمها النبي صلى الله عليه وسلم ودمجها مع كون الشيطان يفر منه. ولا شك أن الشيطان كذلك يفر من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أبي بكر ومن عثمان ومن علي رضي الله عنهم جميعاً. ولاحظ في الحديث الآخر الذي ذكرته أيضاً في المرور بين يدي المصلي لفظ: "فإنه شيطان" ولا يعقل أن يكون الإنسان أو الحيوان شيطان، أي إبليس، ولكن شيطان بهذا التصرف غير السليم، مع ذلك فهو مسلم ومحترم كإنسان وبشر. فاستعير بكلمة "شيطان" هنا كذلك لتعزيز المعنى وتقويته والتنفير من فعل ذلك تعمداً. والناس تقولها أحياناً: "فلان شيطان" وهي تضحك أي ذكي أو حيال أو فطن أو كثير الحركة.

وحتى لو كان المعنى أن الشيطان جاء ليستمع معنا إلى غناء المرأة - رضي الله عنها - وجلس معنا فلما جئت يا عمر فر، فهذا لا يدل بحال على أن الغناء والعزف حرام. لأن هذا خدش في الاعتقاد كذلك أن تعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم يصر وأبو بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم على الحرام بينما يكون صاحب التقى عمر رضي الله عنه! ومع ذلك فسنأتي بالدلائل عن عمر رضي الله عنه في سماع الغناء لاحقاً بإذن الله من الآثار الصحيحة.

ونستفيد من هذا الحديث التالي:

  1. جواز غناء المرأة أمام الرجال: فهذه امرأة، وليست طفلة، والمستمعون لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.

  2. جواز سماع الأخيار من الناس للغناء والعزف: قل لي بربك من أخير منهم؟!!

  3. جواز الغناء بالضرب: أي باستخدام آلة معينة للغناء، وهنا أستخدم الدف.

  4. جواز الغناء في المناسبات السعيدة وقدم المسافرين وفي غير العيدين: فهنا ليست مناسبة عيد.

  5. جواز تحدث المرأة مع الرجل في المكان العام: وصوتها ليس عورة ولا حديثها مع الرجل.

  6. جواز احتفال المرأة بالرجل من باب سلامته أو فوزه أو نصره: فهذه امرأة أجنبية للنبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك نذرت لسلامته.

  7. جواز الإطالة في الغناء: كون هذا الغناء لم يكن لثواني أو دقائق بسيطة، فالحديث يشير إلى أنه سمعها ثم جاء أبو بكر ثم جاء عثمان ثم جاء علي ثم جاء عمر، فهذا دلالة على طول الوقت.

  8. تغير رأي أبي بكر رضي الله عنه عن موقفه السابق: لأنه لا يحتمل أن يكون هذا الحديث قبل حادثة غناء الجاريتين في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا لأنكر هنا كذلك. لكنه لما أنكر هناك وصوبه النبي صلى الله عليه وسلم قبل وعرف فسكت هنا. وأبوبكر رضي الله عنه رجل وقاف عند كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا دليل آخر على وجود الغناء في بيئة ومحيط الصحابة وبإقرار سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.

قال الإمام أبوبكر بن العربي المالكي في أحاديث التحريم: (لم يصح في التحريم شئ بحال) (أحكام القرآن 3/1494). ومثله قاله كذلك الإمام المجدد أبو حامد الغزالي وابن النحوي في العمدة وابن طاهر، وزاد: إنه لم يصح منها حرف واحد (النيل: 8/107).

وقال عبد الغني النابلسي في إيضاح الدلالات:

ويلزم من هذه الأحاديث إذا قلنا بإطلاق التحريم أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل حراماً أو أمر به، ومن ظن ذلك بنبيه فقد كفر، وقد ثبتت النصوص بضرب الدف بحضرته، وغناء الجاريتين في بيته، ورقص الأحباش في مسجده، وإنشاء الشعر بالأصوات الطيبة بين يديه.

مع أن لفظ التكفير هنا غير مقبول بالإطلاق هكذا، ولا نقول به ولا نقبله فقد يكون الشخص متأولاً أو جاهلاً وهذا لا يدخله في كفر، والعياذ بالله.

الدليل الثالث:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ببعض المدينة فإذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين، ويقلن: نحن جوار من بني النجار .. يا حبذا محمد من جار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله يعلم إني لأحبكن"، وفي رواية: "اللهم أنتم من أحب الناس إلي، اللهم أنتم من أحب الناس إلي" يعني الأنصار.

صحيح. رواه ابن ماجه في سننه (1899)، وصحح إسناده البوصيري في "زوائد ابن ماجه" ورواه الخلال في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (رقم 148)، والطبراني في "الصغير" (رقم 72)، والبخاري في صحيحه رقم 3574 و 4885)، ومسلم رقم (2508)، والرواية الثانية لهما.

في هذا الحديث الكريم جملة من الفوائد والدلالات. وممكن أن يستفاد من الحديث التالي:

  1. جواز الغناء من قبل النساء.

  2. جواز الضرب بآلة، وهي هنا تحديداً الدف.

  3. جواز الجمع بين الغناء والعزف معاً.

  4. جواز ذكر الشخص في الغناء، خاصة إذا كان عظيماً؛ "يا حبذا محمد".

  5. جواز أن يستمع الرجل للنساء تغني.

  6. جواز علو الصوت في الأفراح حتى يسمعه المارة، فهنا سمعه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مار أي في طريقه، ولم ينكر ذلك بل رد عليهم برد جميل جداً يساوي الدنيا.

  7. جواز أن يقول الرجل للنساء "إني أحبكن" وحتى دون زيادة "في الله" إلا إذا ظن أن يساء فهمها من قبل الطرف الآخر.

  8. جواز الاستشهاد بالله لما في الداخل، كما في قوله: "الله يعلم إني لأحبكن" أي الله مطلع على ما في قلبي ويشهد أني أحبكن محبة عامة كريمة غير مشروطة.

  9. جواز التشجيع على الغناء، فكونه يقول لهن هذا الكلام الجميل جداً في الحب ومنه شخصياً صلى الله عليه وسلم ويشهد الله على ذلك دلالة على قبول هذا العمل من الغناء له أو للاحتفال.

وينبغي العلم بأن الجواري هنا لا يقصد بهن الجاريات المستعبدات أو الخادمات من بني النجار لا بل نساء وفتيات بني النجار، والدليل قول الراوي في نهاية الحديث "يعني الأنصار"، فهو لا يقول "اللهم أنتم من أحب الناس إلي" يقصد الجواري المستعبدات بل يقصد الأنصار الأحرار، وكذلك قوله "إني لأحبكن" في الرواية الثانية أي أنتم يا أخواتي وبناتي من بني النجار لا العبيد!

الدليل الرابع:

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أهديتم الفتاة؟"، قالوا: نعم. قال: "أرسلتم معها من يغني؟"، قالت: لا. فقال رسول الله عليه وسلم: "إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم".

حسن. رواه ابن ماجه رقم (1900)، وصحح إسناده البوصيري في "زوائد ابن ماجه"، وصححه الشيخ الألباني في صحيح ابن ماجه، والطحاوي في "شرح المشكل" (3321)، وعن جابر رواه أحمد (3/391) والبيهقي (7/289)، وعن عائشة رواه الطبراني في "الأوسط" (3289)، وآخرون. وفي رواية البخاري (4765): "يا عائشة: أليس معهم لهو؟ إن الأنصار يعجبهم اللهو".

والحديث معناه أن عائشة زوجت أحداً من أقربائها الرجال بفتاة من الأنصار، أو، وهو الأصح زوجت فتاة من أهلها كانت يتيمة بأحد من الأنصار والحديث هذا فيه دلالة عن منهجية حياتية لطيفة. وقد يستفاد من هذا الحديث التالي:

  1. جواز السؤال عن العروس والتأكد من إهدائها شيئاً بهذه المناسبة السعيدة.

  2. جواز الدعوة للغناء وطلب عمل ذلك بدليل قوله "أرسلتم معها من يغني؟" يعني هل فعلتم ذلك؟ وهل ستفعلون ذلك أو معناه افعلوا ذلك.

  3. جواز أن يحتوي الاحتفال على من يغني بل هو الأوجب بالذات في مناسبة الزواج السعيدة.

  4. جواز وصف القوم بالغزل بدليل قوله "قوم فيهم غزل"، ولاشك أنه كان يقصد الغزل العفيف اللطيف.

  5. جواز أن يقترح رب الأسرة أو الحاكم أو المسؤول بعض الأغاني المعروفة؛ فهذه الكلمات مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها:أتيناكم أتيناكم *** فحيونا نحييكملولا الذهب الأحمر *** ما حلت بواديكمولولا الحبة السمرا *** ما سمن عذاريكم

  6. جواز الغناء بالغزل العفيف في مثل هذه المناسبات والغزل المقبول يُروى كثيراً أمام العظماء ويستخدمونه، كما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه صاحب البردة كعب بن زهير فأنشد قصيدته الشهيرة عن سعاد التي كان يحبها ودمج معها طلب العفو من النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان قد حكم عليه بالإعدام، ومنها قوله في القصيدة التي قيلت أمام النبي صلى الله عليه وسلم:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ *** متيم إثرها لم يفد مكبولُوما سعاد غداة البين إذ رحلوا *** إلا أغن غضيض الطرف مكحولُهيفاء مقبلة عجزاء مدبرة *** لا يشتكى قصر منها ولا طولُتجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت *** كأنه منهل بالروح معلولُشجت بذي شبم من ماء محنية *** صاف بأبطح أضحى وهو مشمولُتنفي الرياح القذى عنه وأفرطه *** من صوب غادية بيض يعاليلُفيا لها خلة لو أنها صدقت *** بوعدها أو لو إن النصح مقبولُلكنها خلة قد سيط من دمها *** فجع وولع وإخلاف وتبديلُفما تدوم على حال تكون بها *** كما تلون في أثوابها الغولُوما تمسك بالعهد الذي زعمت *** إلا كما يمسك الماء الغرابيلُفلا يغرنك ما منت وما وعدت *** إن الأماني والأحلام تضليلُكانت مواعيد عرقوب لها مثلا *** وما مواعيدها إلا الأباطيلُأرجو وآمل أن تدنو مودتها *** وما إخال لدينا منك تنويلُأمست سعاد بأرض لا يبلغها *** إلا العتاق النجيبات المراسيلُ

إلى أن قال:وقال كل صديق كنت آمله *** لا ألهينك إني عنك مشغولُفقلت خلوا سبيلي لا أبا لكمُ *** فكل ما قدر الرحمن مفعولُكل ابن أنثى وإن طالت سلامته *** يوما على آلة الحدباء محمولُنبئت أن رسول الله أوعدني *** والعفو عند رسول الله مأمولُ

إلى أن قال:مهلا هداك الذي أعطاك نافلة *** القرآن فيها مواعيظ وتفصيلُلا تأخذني بأقوال الوشاة ولم *** أذنب ولو كثرت في الأقاويلُلقد أقوم مقاما لو يقوم به *** أرى وأسمع ما لو يسمع الفيلُلظل يرعد إلا أن يكون له *** من الرسول بإذن الله تنويلُحتى وضعت يميني ما أنازعه *** في كف ذي نقمات قيله القيلُفلهو أخوف عندي إذ أكلمه *** وقيل إنك منسوب ومسئولُ

إلى أن قال:ولا يزال بواديه أخو ثقة *** مضرج البز والدرسان مأكولُإن الرسول لنور يستضاء به *** مهند من سيوف الله مسلولُفي عصبة من قريش قال قائلهم *** ببطن مكة لما أسلموا زولوازالوا فما زال أنكاس ولا كشف *** عند اللقاء ولا ميل معازيلُشم العرانين أبطال لبوسهم *** من نسج داود في الهيجا سرابيلُبيض سوابغ قد شكت لها حلق *** كأنها حلق القفعاء مجدولُليسوا مفاريح إن نالت رماحهم *** قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوايمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم *** ضرب إذا عرد السود التنابيلُلا يقع الطعن إلا في نحورهم *** وما لهم عن حياض الموت تهليلُ

فهذا شعر مليء بالغزل والوصف وقد أسقطت بعضه في وصف سعاد حيث توفرت الإشارة واكتفينا بها. وبهذا الشعر الغزلي تبسم النبي صلى الله عليه وسلم ثم عفا عنه مطلقاً وأنزل فيه العفو العام وأهداه البردة، فانظر لما تفعل اللطافة وما تجلب لك.

إن الحديث كريم يدلك على عيش النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته في وسط المجتمع ورحمته فيهم وبما تهوى النفوس من المباحات والأفراح والإسعاد.

فقط أنبه إلى أن استدلالاتي هذه ليست لها مقصد التحريم أو التحليل بل فقط لتعلم أن أمتنا وهذا يشمل كثير من مشايخنا ودعاتنا فهم لا يقرأون وإذا قرأوا لا يفهمون وإذا فهموا لا يستنبطون وإذا استنبطوا لا يترفعون عن الميل كل الميل للتقليد والاتباع لغير النبي صلى الله عليه وسلم الذي نهاهم عن ذلك، بعدما يقرأون كلام النبي ويتأكدون من أفعاله يصدون ثم يقولون قال فلان وأقسم علان يحسبون أنهم على شيء.

يقول الشيخ عبد الله الجديع:

فرأيت أكثر أولئك الكتاب نساخاً ومنتحلين، بين مردد لعبارات أبي الطيب الطبري وابن قيم الجوزية، يقابله المعارض بعبارات ابن حزم وأبي حامد الغزالي، وقلما تجد ذاك الذي يجتهد وسعه في النظر والتأمل وتدقيق البحث وتحرير القضية من أصولها (الجديع: الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام، ص 9).

ولتعرف ذلك اسمع كلام المحرمين وتعليقات المعارضين تجمعها كلها في صفحة واحدة وتعمل لها copy-paste ولا تغيير يكررون الكلام دون النظر من ألف سنة. لا يقرأون، ولا يبحثون، ولا يكلفون أنفسهم النظر، ولا يدققون فقط يعتقدون أنهم يريحون ضمائرهم بهوس التحريم والتخطئة ومع ذلك ضمائرهم غير مرتاحة، تضطرب نفوسهم بمجرد أن يقول شخص قال الله سبحانه أو قال رسوله صلى الله عليه وسلم ثم يأتي بدليل ضدهم! قارئة كتبت تعليقاً لها "لا أعتقد أن هذا يقوله النبي صلى الله عليه وسلم!!"، وأخر كتب تعليقاً قال فيه "الشخص أولى أن أتبع العلماء الذين هم أعلم منك"، أو من قال "قال الأئمة الأربعة".. فقط لتعرف أن الإسلام بدأ غريباً .. ويعيش اليوم غريباً بين من أنكره ومن زعمه .. قل أن تجد مسلماً كان كما كان النبي صلى الله عليه وسلم .. واصبر لترى كيف يخدعون الناس بأصواتهم العالية وأشكالهم ويخيفون الناس بأنهم يتحدثون عن السماء ...

الدليل الخامس:

عن السائب بن يزيد رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا عائشة، أتعرفين هذه؟" قالت: لا يا نبي الله، فقال: "هذه قينة بني فلان تحبين أن تغنيك؟"، قالت: نعم، قال: فأعطاها طبقاً، فغنتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد نفخ الشيطان في منخريها".

صحيح. رواه أحمد (3/449) على شرط الشيخين، والطبراني في "الكبير" (7/187)، وصححه الشيخ الألباني في "الصحيحة" (3282).

إن هذا مؤشراً آخر قوياً من النبي صلى الله عليه وسلم في الغناء. وممكن أن يستفاد من الحديث:

  1. معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بالناس حتى مغنياتهم.

  2. جواز أن يسمع الرجل زوجته شيئاً من الغناء؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يُخير زوجته هنا "أتحبين أن تغنيك؟" ولا يمكن أن يعرض عليها حراماً، فهذا مستحيل منه. فدل على جواز أن تعرض على الزوجة أغنية أو مغنية.

  3. جواز غناء المرأة، وإلا لما أقر ذلك وعرضه على زوجته.

  4. جواز تسليم المغنية شيئاً تضرب فيه، فقد أعطاها ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بدليل "فأعطاها طبقاً".

  5. جواز النظر إلى المرأة، وإلا كيف عرفها النبي صلى الله عليه وسلم.

  6. جواز الغناء في أي وقت، لا اعتبار لتحديد ذلك بالعيد والأفراح والعودة من السفر وقد يكون أمر به النبي صلى الله عليه وسلم هنا لعلمه أن ذلك يدخل السرور على قلب زوجته.

  7. جواز أو أدب أن تقبل الزوجة عرض زوجها إذا طلب منها عرض غناء عليها أو مغنية.

وصدقاً أن من استدل بأن هذا الحديث يدل على التحريم فقد دل على انخفاض مستوى ذكائه أو ارتفاع نسبة تعصبه كيف وفيه العرض على زوجته، وتسميتها باسمها مغنية ("قينة")، واعطائها شيئاً يعينها في ضبط الوزن للغناء! وأما قوله صلى الله عليه وسلم "قد نفخ الشيطان في منخريها" فقد تقدم شرح لفظ الشيطان، ومثله قول الشعراء جاءني شيطان الشعر، فهذا لا يعني أن الشيطان يأتيه وربما تعبير لجمال صوتها، كأنه نفخ فيه الشيطان من جماله أو قوته وهو تعبير مجازي.

الدليل السادس:

عن خالد بن ذكوان قال: كنا بالمدينة يوم عاشوراء، والجواري يضربن بالدف ويتغنين، فدخلنا على الربيع بنت معوذ فذكرنا ذلك لها فقالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم غداة بني علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني وجويرات يضربن بالدف، يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين".

صحيح. رواه البخاري (3779)، وأبوداود (4922) والترمذي (1090)، والنسائي (5563)، وابن حبان (5878)، والطبراني في "الكبير" (24/275)، والبيهقي (7/288)، وأحمد (6/359).

والصحابية راوية الحديث هي الربيع بنت معوذ وتحدث الراوي خالد بن ذكوان. والربيع بنت معوذ بن عفراء بن حرام بن جندب الأنصارية النجارية من بني عدي بن النجار، أبوها معوذ بن عفراء، من كبار أهل بدر، قتل أبا جهل، تزوجها إياس بن البكير الليثي، فولدت له محمداً. أسلمت وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثت عنه وكانت تخرج معه في الغزوات وهي في شبابها قالت كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنخدم القوم، ونسقيهم، ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة والسلام.

وقصة هذه الرواية أن النبي صلى الله عليها وسلم جاء صبيحة زواجها يهنئها على زواجها، فوجد عندها بنات يغنين ببراءة للعروس محتفلين، وكان من ضمن ما قالوا: وفينا نبي يعلم ما في غد فردهم النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا، لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، ولا حتى النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد يستفاد من هذا الحديث:

  1. زيارة النبي صلى الله عليه وسلم المرأة في بيتها مع جمعة من الناس لتهنئتها بزواجها.

  2. جواز التحدث لامرأة أجنبية - غير محرم - بمكان عام أو محترم. وقولها فجلس على فراشي كمجلسك مني لا يدل على خصوصية كما اليوم، لأن هذا اليوم غير لائق الخصوصية فراش النوم وغرفة النوم، ولكن الفراش عندهم مجلس، وبيوتهم هي غرفة واحدة في الغالب، فلا يقصد سرير النوم في غرفة النوم، وإنما هو أصلاً مجلس عام. وكلمة "أجنبية" أصلاً غير لائقة اليوم في لغتنا، لكنها لغة شرعية ولغة قديمة مقبولة وقتها فاستخدمناها تجوزاً.

  3. جواز التهنئة صباحية الزواج.

  4. جواز غناء المرأة والضرب في الدف، وقد تقدم كثيراً في الأحاديث، وهنا إقرار النبي لهن بالاستمرار بالغناء والعزف بالدف لكن دون ما كانت تقول لقوله: "لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين". أي استمري غني واضربي بالدف وبما كنت تقولين.

  5. لا اعتبار لمن قال أنهن جواري وليسوا أحراراً، فهذا من قلة الملاحظة والتدقيق أو من التعصب والعمى؛ فالصحابية مع صحابيات ونص الحديث "وجويرات يضربن بالدف يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر" بل هؤلاء خيرة الصحابيات، لأن آبائهن ممن شهد بدراً. سيأتي لاحقاً كيف أن خيرة من يسمع الغناء هم من خيرة الناس، يكفيك فقط من ذلك هذه ستة مجالس مختلفة للنبي صلى الله عليه وسلم...

  6. جواز أن يكون ذلك في ثاني يوم كذلك وليس فقط في اليوم الأول للإعلان، كما هو السنة، وستأتي.

  7. جواز رد المتحدث وتصحيحه إذا قال ما يتنافى مع الأصول، كما كان هنا من كون هذا الكلام حرام لا يجوز، وبذلك يصير الغناء هنا حراماً، مثله مثل الكلام.

  8. عدم سماع أو تشجيع الأغاني التي تحتوي شركاً أو خللاً في العقيدة كتلك التي فيها اليوم: "وحياتك" أو "وحياتي" أو "باسم الحب" وهي كثيرة في الأغاني، فيقيناً هذه أغاني مخالفة وتخدش بالمعتقد.

  9. مشروعية الفرح في يوم عاشوراء والغناء، رغم أنه يوم صيام.

  10. متابعة النبي صلى الله عليه وسلم بعناية لكلمات الغناء (هذه الإضافة من الشيخ د. عجيل النشمي للبحث مشكوراً).

إن هذا المجلس السادس بروايات مختلفة برواة مختلفين بأسانيد ومتون مختلفة، قد تعمدت فيها ذلك، وفيها النبي صلى الله عليه وسلم، لتعرف كما سنبين من أن من يسمع الغناء هم من خيرة البشر، وسأتيك بإذن الله، بروايات صحيحة لأفضل عشرة تحترمهم في الدنيا، ثم أذكر لك غيرهم ثم من الخلفاء المحترمين فقط لتعرف أن ما يدعو إليه هؤلاء لا علاقة له بالدين .. هذا منهج مختلف ونستثني من ذلك من لم يشنع في الخلاف ولم يعتبره خروجاً عن الملة أو الأدب أو الشرع، فهؤلاء مجتهدون لهم رأيهم، ويُحترم خيارهم، وتقدر اجتهاداتهم، ولهم ألا يسمعوا الغناء والمعازف، بل ويدعوا الناس لرأيهم ما دام باحترام دون تفسيق الناس وتخطئتهم، ولو تحققوا لربما عرفوا أنهم أقرب للخطأ، ولربما ساهمت نتائج أقوالهم وأفعالهم في إنتاج هذه المجتمعات المتباينة، والقسوة، والجفوة، والتكفير والتفسيق وقلة الأدب في الخلاف، والشتم والسب وشباب عنيفين، ميسيئين للأدب، لا يثمرون شيئاً سوى العزلة أو التخريب، ودعاة قساة لديهم هوس التحريم ومرض التحدث باسم الله، يتحدث أحدهم عن الله كأنه، والعياذ بالله، جاره أو هو مندوب عن السماء.

الدليل السابع:

عن وهب بن كيسان قال: قال عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وكان متكئاً، تغنى بلال، قال: فقال له رجل: تُغني؟ فاستوى جالساً ثم قال: "وأي رجل من المهاجرين لم أسمعه يتغنى النصب ؟!" وفي لفظ: "ما أعلم رجلاً من المهاجرين إلا قد سمعه يترنم".

رواه البيهقي (10/255)، وعبد الرزاق في "المصنف" (4/11-5)، والفاكهي (3/27) رقم (1735). قال الشيخ الجديع: أثر صحيح، وقال الشيخ الألباني في "تحريم آلات الطرب": إسناده صحيح على شرط الشيخين.

في هذا الحديث دلالة قوية من مؤذن الإسلام الكبير بلال، وشهادة حق عظيمة من أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بأن هذا الفعل كان دارجاً في الصحابة بالذات الأكثر شدة في الطرفين؛ فالأنصار معروفون بذلك بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم عنهم بأنهم يحبون اللهو، وهي كلمة دلت في الحديث على الطرب أو الغناء، ولذلك طلب من عائشة أن ترسل مع الفتاة للحفل مغنية، كما تقدم في الأدلة السابقة. نقول ثبت في الأنصار لكن هذه دلالة في المهاجرين. وهذا الكلام فيه مؤشر على عموم ذلك وانتشاره بين المهاجرين من قوله "وأي رجل من المهاجرين لم أسمعه يتغنى النصب؟!"، وفيه استنكار لمن سأله. والمقصود بالغناء هنا هو الغناء الشعبي على أفضل تقدير.

وقد يستفاد من هذا الأثر:

  1. تغني الرجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن الأمر هذا مقتصراً على النساء كما يقول البعض، بل على الرجال بشهادة عبد الله بن الزبير عن بلال وبلال عن جمع إن لم يكن كل المهاجرين الذين عرفهم.

  2. جواز الاستنكار على من استنكر الغناء، كما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم في رده استنكار أبي بكر رضي الله عنه فيجوز أن تستنكر على من استنكر الغناء لاستنكار بلال رضي الله عنه على من استغرب عليه الغناء.

  3. جواز الغناء أمام الناس وفي العلن، فلفظ "تغنى بلال" أي بدأ الغناء وأعلنه.

  4. كثرة هذا العمل في المهاجرين حتى أن بلالاً رضي الله عنه كأنه قال لا أعلم من المهاجرين من لا يتغنى!

الدليل الثامن:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء حبش يزفنون (وفي رواية: جاء السودان يلعبون بين يدي رسول الله) (وفي رواية: كان الحبش يلعبون بحراب لهم) (وفي رواية: إن الحبشة لعبوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم فاطلعت من فوق عاتقه فطأطأ لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم منكبيه، فوضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم من فوق عاتقه، حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم وفي رواية حتى شبعت، ثم انصرفت) وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة".

صحيح. أصله في البخاري كما تقدم رقم (949)، ومسلم (رقم 1483)، والترمذي (رقم 3624)، وأحمد (6/116) وابن حبان، وغيرهم.

وهذا الحديث كريم في معانيه رحمة على العباد، حجة على من زعم أن ديننا دين شقاء وغم وهم وجفوة وأنه ضد الفطرة السليمة؛ فالطفل بفطرته السليمة عندما تغني له يفرح ويطرب ويأنس، فجاء الحديث يبين وجود ذلك كله، وعززه النبي صلى الله عليه وسلم كأسلوب للدعوة وصحة منهجنا. أما من يتشددون في ذلك وفي التحريم فيصح فيهم قول الناس أن دينهم دين شقاء وجفوة، ويحق لليهود أن تعيبهم وتقول أن ليس في دينهم فسحة ولا سماحة.

وقد يستفاد من هذا الحديث:

  1. جواز الزفن: وهي كلمة لا زال الكويتيون واليمنيون والماليزيون يستخدمونها وتعني الرقص الشعبي الكويتيون يقولون "يزفن" أي يطرب ويغني ويرقص، وفي الغالب بمرواس أو طار. والزفن فن يدرسه الموسيقيون بالذات في الخليج واليمن ويعتبر من التراث، ويقال أن أصله أفريقي. وفات كثير من الفقهاء تعريفه لأن كثيراً منهم لا يعرف في الفن. والدلالة في الحديث أن مشاهدة عائشة لذلك ووجوده هو أيضاً معها صلى الله عليه وسلم دليل أنها سنة تقريرية وبجواز على الأقل هذا النوع من الرقص.

  2. جواز فعل ذلك أمام السلطان أو الحاكم: وهو ما دعا الشيخ الفاضل عبد المحسن العبيكان لعمله يوم رقص في العرضة، كونه يطبق السنة وينشر الصحيح بين أبناء مجتمعه، وهو التجرد بعينه، في حين يخاف غيره أن يقال فلعله عمل ذلك احتساباً ونشراً للخير والفرح والبهجة والفسحة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، فجزاه الله خيراً على جراءته وكسره لعهود من الخوف، وهو صنيع الكبار عملها كثيرون في التاريخ ويعملها سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد أمير البلاد وسمو ولي عهده، والملك عبدالله بن عبدالعزيز والملوك إخوته من قبلهم وملك البحرين الشيخ حمد، وغيرهم من كبار الناس.

  3. جواز دعوة الزوجة لمشاهدة عروض الرقص الشعبي (الزفن) بدليل "فدعاني". أي هو الذي دعاها وشجعها على ذلك.

  4. جواز ركوب المرأة فوق عاتق زوجها ومشاهدة شيئاً.

  5. الصبر على الزوجة حتى اكتفت هي بنفسها.

  6. جواز تسمية الإسلام بدين فسحة ودين سماحة والتفاخر بذلك. ولا يسمى دين قتال ودين التشدد الإسلام دين سمح يقبل الناس على تنوع مشاربها؛ ففيهم المتشدد وفيهم المتوسط وفيهم المتساهل، وكلهم مقبول ما دام في دائرة عدم المضرة على النفس والآخرين، فمن قال الشهادة ولم تمس يده دماً حراماً ضمن الجنة، كما في الحديث.

وجدت في الإنترنت آلاف المواقع التي تعيب على النبي صلى الله عليه وسلم أو عائشة رضي الله عنها وأرضاها أو الرواة المحدثين أو السنة النبوية، فقط لو وضعت، ولا أنصحك بعض كلمات هذا الحديث فسترى العجب في رد هذه المنهجية!! ليس لديهم المقدرة في تخيل أن نبياً أو زوجته كانوا يستمتعون ويفرحون، صوروا النبوة والدين والناس ببؤس ولو عملت منهجيتهم هذه لسمي كوكبنا بالكوكب الكئيب. والحمد لله أن حفظ لنا هذه السنن والأحاديث ليظل الإسلام قابلاً للاتباع والتطبيق، دالاً على البهجة والسعادة للخلق، واقعياً لا يدعو الناس لرد الفطرة التي جبل الله الناس عليها من حبهم للطرب والغناء والحداء والحركة والزفن، والحمد لله الذي جعل الإسلام سمحاً لا يتدخل في كل صغيرة وكبيرة في الاختيار كأن الإنسان محبوس في صومعة عبادة، والحمد لله الذي جعل الإسلام فيه الفسحة للرقص الحشم والبهجة والتسامح، والحمد لله الذي جعل الإسلام يقدر خيارات الشعوب ويحترم تراثها، فهذا النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم يقدر لهؤلاء الأفريقيين الأكارم تراثهم ويشهد عرضهم ويُعجب به حتى أنه يدعو زوجته لحضوره. صدق الله سبحانه إذ قال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.

قال الإمام أبوبكر بن العربي المالكي في أحاديث التحريم: (لم يصح في التحريم شئ بحال) (أحكام القرآن 3/1494). ومثله قاله كذلك الإمام المجدد أبو حامد الغزالي وابن النحوي في العمدة وابن طاهر، وزاد: إنه لم يصح منها حرف واحد (النيل: 8/107).

وقال عبد الغني النابلسي في إيضاح الدلالات:

ويلزم من هذه الأحاديث إذا قلنا بإطلاق التحريم أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل حراماً أو أمر به، ومن ظن ذلك بنبيه فقد كفر، وقد ثبتت النصوص بضرب الدف بحضرته، وغناء الجاريتين في بيته، ورقص الأحباش في مسجده، وإنشاء الشعر بالأصوات الطيبة بين يديه.

مع أن لفظ التكفير هنا غير مقبول بالإطلاق هكذا، ولا نقول به ولا نقبله فقد يكون الشخص متأولاً أو جاهلاً وهذا لا يدخله في كفر، والعياذ بالله.

الدليل التاسع:

عن محمد بن حاطب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح".

رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والحاكم في المستدرك وقال الذهبي في تلخيص المستدرك صحيح، وحسنه الألباني في صحيح الجامع وإرواء الغليل (1994).

في هذا الحديث دلالة على الغناء والدف في الأعراس والحديث فيه وضوح أكثر في الأمر بالتفريق بين الحلال والحرام باستخدام الغناء والضرب، وهو حديث جليل. وقد يستفاد من هذا الحديث:

  1. الأمر بالغناء والعزف من باب إعلان الزواج: وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب الضرب في العرس لكون الأمر هنا يقتضي الوجوب، وشدد الإمام النووي على الوجوب وختم وأقل ما يفيده هذا الحديث هو الندب. فإما الوجوب وإما الندب (أي الاستحباب) ومن قال بغير ذلك فقد خالف السنة. قال ابن بطال في شرح البخاري: (قال المهلب السنة إعلان النكاح بالدف والغناء المباح؛ ليكون ذلك فرقاً بينه وبين السفاح الذي يستسر به وفيه: إقبال العالم والإمام إلى العرس وإن كان فيه لعب ولهو ما لم يخرج اللهو عن المباحات فيه).

  2. جواز وسنية الصوت (الغناء) والدف (الآلة) في الزواج: وهي السنة، وما تركت سنة إلا استبدلت ببدعة، مثل بدعة المحاضرات والوعظ في الأعراس، وهي غريبة على البشرية؛ فالعرس فرح وليس وعظ وتعليم. وما دخلت هذه التي فيها الوعظ إلا حديثاً لأنهم هجروا السنة.

  3. الأمر بالإعلان في الزواجات لا السرية مثل تلك المسماة بالمتعة والمسيار والعرفي .. الخ. وهذا الفرق فيه بين الحلال والحرام في الزواجات.

  4. بطلان قول من قال أن الغناء والدف جائز في الأعراس فقط: فلو كان حراماً فكيف يجوزه النبي صلى الله عليه وسلم في الأعراس؟! هل يجوز "الحرام" في الأعراس؟ أم هو حلال في الأعراس حرام في غيره؟

الدليل العاشر:

عن أبي بردة عن أبي موسي رضي الله عنه قال: "لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود"، فقال أبو موسى - رضي الله عنه: "لو علمت أنك تستمع إلى لحبرته لك تحبيراً".

رواه البخاري (5048)، ومسلم (793)، والترمذي وأحمد وغيره.

يستفاد من هذا الحديث عدة أمور:

  1. جواز أن تمدح شخصاً بوصف آلة موسيقية: كأن تقول له: عندك صوت جميل كالعود، أو لديك ميل رياضي كالكمان، أو لديك بحة كالناي نقول في الأمثال: "يضرب على الوتر الحساس" أي الوتر السادس في العود، فالعود خمس أوتار أدخل عليه المتأخرون وتراً سادساً حساساً. تقول: كان الجو كسمفونية، كان البحر كمقطوعة كلاسيكية.

  2. دليل وجود المزامير عند آل داود عليهم السلام، كما سأبينه في فصل قادم من استدلالاتي في الكتب السماوية الأخرى.

  3. لا يعقل أن يشبه النبي صلى الله عليه وسلم صوت صاحبه الجميل بشيء محرم: فالذين قالوا أن المزامير (المعازف) حرام سيُشكل عليهم هذا الحديث هنا، فكيف يشبه النبي صلى الله عليه وسلم تلاوة القرآن وصوت صاحبه بشيء حرام، والعياذ بالله. وأما من قال بأن المزمار يعني المغني أو الصوت الجميل فهو أيضاً رد عليه، فهذه أيضاً دليل كذلك على أنه شيء جميل سواء الغناء أو الصوت، ومع ذلك فهذا لا يصح من التاريخ، فالمزامير معروفة في الكتاب المقدس، كما سأتي إلى شرحها بإذن الله.

  4. جواز التغني بالقرآن: فقوله "لحبرته لك تحبيراً" أي جملته وغنيت به. قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمَلُوا الصَّالِحَاتِ فهم في روضة يحبرون} (الروم/15). قال يحيى بن أبي كثير: يعني سماع الغناء (تفسير الإمام ابن كثير). بل جاء الأمر بالتغني بالقرآن كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البخاري في صحيحه "ليس منا من لم يتغنى بالقرآن". وهذا الحديث يرد من قال بعدم التغني بالقرآن بالمقامات العربية المعروفة كشيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله - وغيره والغناء معروف لغة، والنبي صلى الله عليه وسلم فصيح يريد بهذا المعنى دلالة واضحة، فلم يعجزه أن يقول: "ليس منا من لم يرتل القرآن ترتيلاً"، فهناك آية تسند هذا اللفظ أصلاً، أو يقول: "ليس منا من لم يجمل القرآن بصوته" .. الخ. لماذا استخدم لفظ الغناء بالتحديد ؟! والغناء هو تجميل الصوت وتلحينه ووزنه، وأنا لما تعلمت التجويد في صغري لم أفهم الشيخ عندما كان يشرح المد اللازم ومد اللين والغنة .. الخ. حتى لفظ كلمة "ست حركات" "حركتين" الخ. ثم أشار بحركة إيقاعية بأصبعه ففهمته فوراً من كونه يقصد الوزن الإيقاعي، ولذلك جميع من تعلم الموسيقى بأصولها من الذين تعلموا التجويد يحسنون التلاوة والتجويد، وكذلك المصريون المشايخ والسوريون يتعلمونها على أصولها الغنائية، بينما من لا يعرف هذا يخطأ كثيراً، ومنهم قراء كبار وحتى بعض مشايخ الحرم الأكارم يقرأون والمد عندهم غير موزون، فربما يمد من اللين ثلاث حركات، وهذا خطأ، فهي اثنتين أو أربع أو ست ويمد المد اللازم أربع أو خمس حركات، وهو ست حركات لازمة، ومن لا يعرف الوزن لا يضبط هذه المسألة.

سنكتفي في عشرة أدلة من الحديث النبوي لأن في الموضوع دلائل أخرى، نكملها بكتاب الله سبحانه والكتب السابقة لأهل الكتاب.

ملخص الأحاديث:

قد يستفاد من الأحاديث الصحيحة العشرة التي ذكرناها أنه ثبت في السنة النبوية:

  1. سماع الغناء والدف في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وحضرته وأمامه وفي مجتمعه.

  2. مشروعية الغناء والعزف بالدف في المناسبات وغير المناسبات.

  3. جواز الرد على من أنكر الغناء والعزف بالدف وعلى مشروعيته، بل هي السنة النبوية التي عملها النبي صلى الله عليه وسلم تجاه أبي بكر رضي الله عنه، فتعلم، فلم يكررها، وهي كذلك كما سيأتي بيانها في أفعال الصحابة بإذن الله. فلو سكت من يرى الحرمة فاسكت، ولو أنكر عليك سماعك أو سماع أهلك أو أهل حيك، فأنكر عليه، واعمل بالسنة النبوية.

  4. غناء المرأة الصغيرة وغير الصغيرة وأمام الرجال.

  5. الغناء يسمعه الأخيار من الناس كالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر - كما سيأتي بيانه - وعثمان وعلي - كما ثبت عندنا حتى الآن، وسيأتي إثبات البقية الأكارم، ومن زعم أنه صنيع "المخنثين" أو المتشبهين أو الفساق فإما متقصد وهذا يوقعه في خطر على عقيدته ودينه ونيته، وإما جاهل لم تمر عليه هذه الأدلة، وإما متعصب أغفلته عاداته وقناعاته عن رؤية الحقيقة.

  6. التشجيع على الغناء بالذات في المناسبات الداعية للسرور كما حصل من قبل النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة والبنت التي زوجتها وهي من أهلها وطلبه أن يرسلوا لهم مغنية تغني وتضرب بالدف.

  7. جواز الزفن أو الرقص الشعبي وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم له ودعوة زوجته للمشاهدة.

توضيحات في الاختلاف

أود أن أقول هنا أنه من الخطأ أن تقول أثبت لي ما يدل على الحلال والسبب أن الأصل في الأشياء والأفعال أنها حلال، إلا ما ورد فيه تحريم صحيح وصريح. كما قلنا موضوع الغناء يصدق فيه ما قاله الإمام ابن حزم إما صحيح غير صريح وإما صريح غير صحيح. يعني إما شيء غير واضح الدلالة، وإما لا تثبت فيه الأحاديث والأخبار. أو كما يقول العلماء: لا يوجد دليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة في تحريم الغناء والموسيقى.

ومع ذلك فقد ذكرنا الأحاديث الصحيحة الواضحة والصريحة التي دلت على مشروعية هذا الأمر الفطري، وسنناقش بإذن الله أدلة من يرون التحريم وننظر فيها وفيما يقول أهل العلم فيها. ونؤكد بأن من يرى التحريم بناء على أدلة هو يراها أو تبعاً لعلماء يحترمهم ويجلهم فهذا له الحق في ذلك, بل وله أن لا يرى بالأخذ بالأدلة التي ذكرناها، ويرى بأدلة أخرى، فقط المهم أن يدرك أن الرأي الآخر مبني على الدين كذلك، وفيه دلالات، وفي الأمر متسع.

أما من رأى بفسق أو ضلال من رأى برأي الحلة في الغناء والموسيقى فهذا من أهل التطرف والتعصب والخطأ، وما وسعه ما وسع الصحابة والخلفاء؛ فقد وسعهم قبوله في المجتمع فلم يحاربوه ولم يكسروه ولم يمنعوه بقوة الدولة، وما وسعهم يجب أن يسع من هم أدنى ولا يزكوا أنفسهم، فالعالم أعلم بالمهتدين وهو أعلم بالمعتدين.

ونقول في من رأى التحريم بل ورأى أنه شيء عظيم، نقول شيء في هذا الحجم الذي يراه المحرمون، هل يُعقل أن يلمح له القرآن ثم يؤتى بتفسيرات غير كاملة أو باردة أو غير ثابتة، أو تلمح له السنة وتخالفه في أحاديث صحيحة ؟! حتى ذكر الإمام العلامة ابن قيم الجوزية أن تحريمه أشد من تحريم الخمر !! هل يُعقل هذا الكلام ثم يتناقله النقال دون تحقيق في الكلام ؟! وكلام ابن القيم هذا مردود ومرفوض وهو تعصب في الرأي، مع الاحتفاظ بمنزلة الإمام الكبيرة والعظيمة في سيرة الإسلام.

هل بلغ الحد في العقول أن تسير بهذه الطريقة دون تحقيق، ثم هم يعيبون على أتباع الكنيسة أن القسيس يقول لهم ضعوا عقولكم في الخارج وادخلوا الكنيسة؟! وفي المقابل لا نقبل كذلك كلام سماحة شيخ الأزهر حسن العطار الذي قال: من لم يتأثر برقيق الأشعار، تتلى بلسان الأوتار، على شطوط الأنهار، في ظلال الأشجار، فذلك جلف الطبع حمار !! فلا نقول أن السامع للغناء مخمور العقل ولا نقول أن من لا يطرب للسماع جلف حمار. إن الأمر يقبل هذا وذاك، وكلاهما في دائرة القبول. ومن ذلك فإننا نقبل أن يدافع شخص عن رأيه الآخر ويسند القول بالتحريم، فهذا حقه كذلك في الدفاع والدعوة لرأيه، ولا ينكر عليه ذلك، فللمانعين رأيهم وللمجوزين رأيهم أيضاً.

القرآن منهج البشرية

إن المتدبر للقرآن الكريم بصدق يجد أن القرآن الكريم منهج حياة، ودستور عام كبير وعميق، وخط مسار واضح. لكن قل أن تجد من يفهم القرآن الكريم حقاً؛ فالفهم عند غالبية المسلمين ممزوج أحياناً بتفسيرات وتشويهات مخلة ومسرفة ومكررة ومبتورة وخالية من الوعي والعمق. تعال انظر ما يقوله القرآن الكريم في أصل الحلال.

الدليل الأول: القرآن والأصل في الأشياء الحلة:

قال تعالى:

  1. {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (الأعراف/32).

  2. {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الجاثية /13).

  3. {وَقد فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} (الأنعام /119).

  4. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (المائدة/ 87).

  5. {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} (النحل/116).

  6. {وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} (الأنعام/140).

  7. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رزْقٍ فَجعلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} (يونس/59).

إقرأ هذه الآيات ثم استشعر عظمة الله ورحمته وسعته فيها. ثم قارن ذلك بهوس التحريم الذي عم الأمة من ألف سنة إلى اليوم، فيم تشعر ؟ وانظر كلمة "المعتدين" في الإشارتين الثالثة والرابعة تذكر في التعدي بالتحريم والتحريم بغير دلالة صريحة تعدي على من يملك حق التحريم وحده وهو الله. إنه لا يملك هذا الحق سوى الله وحده، وأي تحريم دون بيئة تعدي على شرعه ونهجه سبحانه. بل قيل إن تحريم الحلال أشد من تحليل الحرام والمحرم متقول على الله، ما لم يأت بالبينة.

إن هذه الآيات تدل على صريح القرآن الكريم ووضوحه، كتاب لا لبس فيه لا يأتيه الباطل من بين يديه، هل غفل، حاشا لله سبحانه، أن يقول "المعازف" أو "الغناء" حرام أو "حرمت عليكم المعازف"، أو "حرم عليكم الغناء"، فهم يزعمون أنه مرة يستخدم كلمة حميرية، ومرة يستخدم "لهو الحديث" ليعبر عن غناء .. أليس لدى القرآن الكريم وضوح في تحريم الغناء والمعازف بشكل معلن وواضح وصريح ؟!! لو كان كما يقول بعض المحرمين أشد من الخمر فلِمَ تركه الله سبحانه هكذا ملبساً على العباد ؟! {ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (الأحقاف/4). نحن ننتظر كلام الله هل ممكن آية لا كلام أحد من العباد ؟ أتينا هنا بسبع آيات في العموم في الحلال إئتني بآية واحدة صريحة يفهمها عربي أو أعجمي تحرم الغناء أو المعازف.

ورغم أننا سنناقش ما جاء عن المفسرين والصحابة في بعض الآيات ونبين خطأ فهم البعض لها، إلا أنه يجب العلم بأن قول الصحابي والتابعي ليس حجة على الأمة. بل أن الأحاديث دلت على أنه قد يوجد من الأمة من هو أعلم من الصحابي والتابعي؛ ففي الحديث: "رب مبلغ أوعى من سامع" (متفق عليه)، والسامع هو الصحابة في خطبة الوداع - رضي الله عنهم - والمبلغ هم من جاء بعدهم ولو بعد ألفي سنة. ولا يحتاج القرآن الكريم لصحابي ولا تابعي يبين عنه مسألة سهلة وبسيطة يجب أن يفهمها كل إنسان بسهولة لا بلبس.

الدليل الثاني: المعازف والغناء في الكتب السماوية:

إن جميع الكتب السماوية السابقة تذكر الغناء جزءاً من تراث الشعوب، بل إن أكبر دلالة هي أن يكون اسم كتاب سماوي "المزامير" !! وهذا الكتاب بالذات ذكره الله في القرآن الكريم قائلاً: {وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا} (النساء / 163، الإسراء / 55)، وقال: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء / 105). وهذه الآية في "المزامير": (الصديقون يرثون الأرض) (المزمور 37 الآية 29) إن هذه الآية الزبورية مصدق عليها من القرآن الكريم والزبور هو مزامير داود (Psalms)، وهكذا اسمه بالعربية، وهو الكتاب رقم 19 في الكتاب المقدس ويحتوي على 150 إصحاحاً كلها عبارة عن أغاني، وأشعار، وترانيم، ولذلك يغنونها من أمد في الكنائس وقبل الكنائس.

وداود نبي من أنبياء الله عليه السلام، عُرف بذلك في تسبيحات وترنيماته، بل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه عندما سمع صوته الجميل بالتلاوة: "لقد أوتيت مزماراً من مزامير داود" (متفق عليه، وتقدم ذكره بالتفصيل). واستدلال بعض العلماء بأن المقصود هو صوت داود الجميل دليل ركيك وبارد، بل وضياع للبلاغة في اللغة، والنبي صلى الله عليه وسلم أبلغ من ذلك، فهذا تسطيح، ولو أراد ذلك لقال: "لقد أوتيت صوتاً جميلاً كصوت داود"، وهل يعقل أن يقول "مزماراً من مزامير" ويريد حسن صوته؟! والمزامير جمع مزمار، وهو يقول "مزماراً من مزامير" أي واحداً من مجموعة المزامير التي كانت عند داود. والمزمار في الأصل في الكتاب المقدس اسمه مزمور.

والآلات الموسيقية ذُكرت بكثرة في التوراة والإنجيل والزبور وصحف أيوب وموسى وميكا وحزقيال وإشعياء ودانيال وآخرين من الأنبياء عليهم جميعاً الصلاة والسلام. وقد ذُكر الغناء في أكثر من ثلاثين موقعاً في هذه الكتب، وذُكرت آلات موسيقية كالبوق (Trumpet)، والقرن (Horn) والدف وهو بالعبرية توف، وذكر في الزبور والتوراة والكتب الأخرى أكثر من ست مرات والتمبرين (tambourine)، وهي آلة إيقاعية ذكرت أكثر من عشر مرات في التوراة والكتب المقدسة، ومنها سفر التكوين أول الكتب السماوية نزولاً على موسى عليه السلام.

وهناك مئات الأدلة من الكتب السماوية القديمة في وجود الموسيقى والغناء في حياة الأنبياء وشعوبهم وأتباعهم. وهذه المسألة ليست محل نقاش في التراث المسيحي واليهودي والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (رواه البخاري وأحمد والحاكم وابن ماجه وغيرهم)، والمقصود اليهود والمسيحيين. وقد ورد استخدام الموسيقى والغناء فيهم بشكل متواتر يستحيل فيه تواطؤ الكذب.

مناقشة أدلة من يرى تحريم الغناء والموسيقى

ودعنا ندخل في الموضوع مباشرة، وسوف أذكر أشهر الأدلة التي يستند لها العلماء الأفاضل الذين يرون بتحريم الغناء والموسيقى، وسوف أسردها أولاً ثم نناقشها على هدوء كون غالب "أتباع" من يرون بذلك متسرعين لا يصبرون، ولا يعرفون أصول البحث والنقاش، ولو ثبت لدينا الدليل بالتحريم فأعلنها أني سوف أتوب وأعلن خطأي وأبين ذلك للناس، والله على ما أقول شهيد. ومن اتهمني بنيتي فالله حسيبه، وهو يتولى أمره، وهو المستعان، والله أسأل أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

أولاً: أدلة من التفسير

قالوا:

  1. يقول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} (لقمان /6)، قالوا: قال ابن مسعود رضي الله عنه هو والله الغناء. ولهذا فالغناء حرام لأنه يضل عن سبيل الله.

  2. ويقول الله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا} (الإسراء /64)، قالوا: قال مجاهد: بصوتك: المزامير.

  3. وقال تعالى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابُ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} (الأنفال /35)، قالوا: كون الله عاب المشركين على صلاتهم التي هي عبارة عن مكاء (صفير) وتصدية (تصفيق) فلذا فهي حرام وما هو أشد منها وهي المعازف حرام.

  4. ويقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} (الفرقان/72)، قالوا: قال مجاهد: لا يشهدون الزور: لا يسمعون الغناء، وروي في الباب نفسه عن الحسن البصري رحمه الله قوله (الغناء والنياحة).

  5. ويقول الله تعالى: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ، وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} (النجم 59 - 61)، قالوا: قال ابن عباس هو الغناء بالحميرية. وهذا دال على التحريم.

ثانياً: أدلة من أحاديث:

قالوا:

  1. أقوى الأدلة ما رواه البخاري عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري مرفوعاً: "لييكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم - يعني الفقير - لحاجة فيقولوا: ارجع إلينا غداً، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة". قالوا: قوله صلى الله عليه وسلم "يستحلون" أي هو حرام وهم يحلونه. وهذا دليل على أنه حرام.

  2. وحديث: "سيكون في أمتي الخسف والمسخ والقذف"، قال: قلت فيم يا رسول الله؟ قال: "باتخاذهم القينات، وشربهم الخمور"، وفي رواية: "إذا ظهرت المعازف والخمور ولبس الحرير".

  3. وحديث الجاريتين عند البخاري ذكرته كأول دليل على حلية الغناء، قالوا: دليل حرمته إنكار أبي بكر وإضافة المزمار إلى الشيطان. وهذا دليل على الحرمة.

  4. وحديث ابن عمر أنه سمع صوت زمارة راع، فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع أتسمع ؟ فأقول: نعم، فيمضي حتى قلت: لا، فوضع يديه، وأعاد راحلته إلى الطريق، وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع صوت زمارة راع، فصنع مثل هذا" (رواه أبوداود).

  5. وحديث "بئس الكسب أجر الزمارة"، وفي لفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الزمارة. (رواه البيهقي).

ثالثاً: الإجماع وأقوال العلماء:

  1. ادعاء البعض الإجماع على تحريم الغناء و / أو المعازف.

  2. وقالوا: إن أكثر أهل العلم على تحريم الغناء والمعازف، ومنهم أئمة المذاهب الأربعة والمشاهير مثل شيخ الإسلام بن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهم الله جميعاً.

  3. أقوال شهيرة، مثل قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما: ما تقول في الغناء، أحلال هو أم حرام ؟ فقال: لا أقول حراماً إلا ما في كتاب الله فقال: أفحلال هو ؟ قال: ولا أقول ذلك ثم قال له: أرأيت الحق والباطل إذا جاءا يوم القيامة؛ فأين يكون الغناء؟، فقال الرجل يكون مع الباطل، قال له ابن عباس: اذهب .. فقد أفتيت نفسك. ومثل قول ابن القيم: لا يجتمع كلام الرحمن ومزمار الشيطان في قلب امرئ مؤمن أو اثنان لا يجتمعان حب القرآن وحب الألحان.

إن هذه أهم الأدلة، سوى كلام جدلي لا يستحق ذكره عن ضرر الموسيقى، وهو كلام يخالف اعتقاد ملايين المختصين في العالم، ولا قيمة له، ولا هو من كلام أهل الاختصاص، فلا نضيع الوقت فيه مع الانتباه إلى أننا كمسلمين لا نعتد بالحديث الضعيف في الأحكام، وسوف أسرد أهم الأحاديث المشهورة الواهية والمكذوبة مثل حديث "الغناء ينبت النفاق" و "يصب في أذنيه الآنك" .. الخ. وأمثالها. فلا اعتبار لها ويجب التحذر من ذكرها لأن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الكذب عليه ونقل الكذب.

كيف تحدد حكم الإسلام في الغناء والموسيقى؟

قبل مناقشة أدلة التحريم أود أن أقول ليس من هدف هذا البحث تحليل أو تحريم الغناء والموسيقى، لو كنت تحب التعرف على الحكم في هذه المسألة أو غيرها فأقترح عليك التالي: تعلم ولا تقبل أن تكون تابعاً لشيخ أو لعالم أو مذهب، فلا يخلو هذا منهج من التسطيح لشخصيتك ووقوعك في التبعية المذمومة، وهذا يجعل منك إنساناً عاماً ليس له قلب وعقل يستخدمه كما يجب، شخصاً سلم عقله وقلبه لمجموعة من الناس في الغالب لا تعرف إلا ظواهرهم. إن هذا طبعاً يتطلب منك جداً واجتهاداً خاصة إذا كنت في مقتبل العمر. إبدأ باختيار بعض المعلمين يُفضل غير المنتمين لجماعات وأفكار، ضماناً للحيادية ثم استرشد منهم العلم والقراءة والتعلم. ثم عود نفسك الوصول إلى المصادر وتعلّم الفهم والاستنباط حتى لو أخذ منك هذا الموضوع سنين.

لو لم تستطع، لأي سبب، فاجتهد ألا تتبع شيخاً واحداً بالذات من المنتمين فكرياً لجماعة أو مذهب. نوّع قليلاً مع أخذ الحيطة بعمل ذلك من باب العلم والانفتاح لا الأسهل.

انتبه من المتحدثين باسم الله وباسم السماء وباسم الجنة وباسم الأنبياء. إن هؤلاء في الغالب ليسوا على صواب. غالب الدجالين والمتعصبة والطائفيين والمتطرفين لغتهم هي تلك، يرعبونك ويخوفونك ويؤنبونك باسم الله اعلم أن الله سبحانه لم يخلق العباد ليعذبهم، ويتربص بهم، ويوقعهم في الشرك (الفخ)، ويفتنهم ليل نهار، ويتصيد عليهم .. إن هذه العقيدة سطحية، وتقلل من منزلة المولى عز وجل.

إن الله كل يوم هو في شأن، والأرض في المجموعة الشمسية مثل الإبرة في ملعب كرة قدم، والمجموعة الشمسية في المجرة كلها مثل خرم الإبرة في الأرض، والمجرة التي ننتمي لها مثل طرف الخرم في المجرة كلها !! نحن صغار صغار صغار جداً جداً جداً في ملكوت الله! قد يكون في الكون مليار أرض مليئة بالخلق، خلق أفضل أو أقل أو أعلى أو أنزل أو تماماً مثلنا، قد يكونون في بُعد لا يمكن أن ندركه، في علم لم نسمعه، ومنطق لم نتحدث به، ومرأى لم نره وأصوات لم نسمعها وأحاسيس لم نشعرها .. احذر التصغير من عظمة الله بهذه الترهات السطحية المقللة من قدر الله.

إن الله لو نظر لعبد، وهذا من شبه المستحيلات، لم يعذب لا في دنيا ولا في آخرة أبداً ! إن الله سبحانه وضع نظاماً في الكون يحكم الكل، نظام غفور، متسامح، لا يتربص، يتجاوز رغم عدله، ومع ذلك لله سبحانه قوانين في كونه لو فهمتها قد تصل لمبتغاك من خلالها. ومع ذلك فلا شك أن نظامه عادل قد ينال من يجهل أو يخطئ. إذا رأيت الشخص يكثر من التخوين والتخويف فاتركه في حاله وابحث عن الرحماء. هذا غارق في جهله، ومن عمق جهله أنه يعتقد أنه يعلم! فهذا لا يدري ولا يدري أنه لا يدري!

لو لم تستطع أن تلزم أياً من هذا فالزم شيخاً تثق بكلامه وإخلاصه وفوض أمرك لله، واسأله عن حكم الإسلام في الغناء والموسيقى ثم اتبع رأيه.

مناقشة أدلة من يرى تحريم الغناء والموسيقى

أولاً: أدلة من التفسير

ولاحظ أننا قلنا من التفسير وليست من القرآن الكريم. قد يوهمك البعض أنه كلام الله وهذا خطأ؛ لأن التفسير ما لم يكن من الرسول صلى الله عليه وسلم فهو رأي صاحبه، ولا يلزم أي أحد بالأخذ فيه، ولا يعتقد ذلك أحد سوى أن الشيعة الجعفرية والإسماعيلية لديهم أن الأئمة من سادات آل البيت أيضاً من ضمن المعصومين، ومع ذلك فغير آل البيت اتفاق بين المسلمين بأن أقوالهم غير ملزمة ولو كان هذا الشخص أبو بكر أو عمر، وهما خير البشر بعد الأنبياء، ومن يعتقد بعصمة الصحابة أو إلزام الخلق بأقوالهم فهو يخالف الله سبحانه في كتابه والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته، بل يخالف المنهجية التي جاء بها الإسلام.

لذلك نقول التفسير؛ فالقرآن جليّ، نزل بلغة العرب لا يحتاج له ترجمان، يقرأه شخص بعد ألف سنة يستنتج ما لم يستنتجه الصحابي الكريم. وقد يأتي من يفسر القرآن أو السنة أفضل من الصحابي رغم علو منزلة الصحابي وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في خطبة الوداع: "رب مبلغ أوعى من سامع" المبلغ (بضم الميم وفتح اللام) هو الذي يصله كلام النبي صلى الله عليه وسلم والسامع المقصود في الحديث هنا هو الصحابي؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لك رب تابع أو تابع تابع أو من سيأتي بعد خمسمائة سنة أو من في عصرنا الآن أو من سيأتي بعد ألفي سنة أوعى - أي أكثر وعياً - من الصحابي السامع لخطبة الوداع هذه فلا تغتر بقول الشخص يقول قال تعالى ثم يقول لك قال مجاهد فتعتقد أن ذلك يعني قال الله حاشا لله هذا معناه قال مجاهد أو قال ابن مسعود رضي الله عنهما.

مع ذلك فأقوال المفسرين من الصحابة والتابعين معتبرة ومقدرة ونستشهد فيها طوال الوقت، وقد تكون الحاجة لها كبيرة في الفهم، وعلى الخصوص في معرفة أسباب النزول، كما سنستفيد منها هنا كذلك في أدلة من رأى التحريم. لكن لو لم يأخذ فيها إنسان فهي ليست ملزمة له (أصول غالب المذاهب الفقهية). ولو شاء الله التحريم الصريح ما تركها لقول مفسر بل وضحها وضوح الشمس مثل تحريمه للقتل والسرقة والخمر والميسر وأكل أموال الناس بالباطل .. الخ.

قالوا في الاستدلال بالتحريم:

  1. يقول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} (لقمان /6)، قالوا: قال ابن مسعود رضي الله عنه: هو والله الغناء.

والتحقيق: لم يرد في أي من قواميس العرب ولا لغتهم أن معنى "لهو الحديث" محصور بالغناء، رغم أن البعض قد يراها كوسيلة للهو الحديث. قال الجوهري: اللهو اللعب. وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي: اللهو ما شغلك من هوى وطرب. وقيل: النكاح، قال امرؤ القيس: ألا زعمت بسباسة اليوم أنني *** كبرت وأن لا يُحسن اللهو أمثالي

وقيل: المرأة، وفسروها بقوله تعالى: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} (الأنبياء /17). وفي لسان العرب: اللهو ما لهوت به ولعبت به وشغلك من هوى وطرب ونحوهم وفيه أيضاً: وقد يكنى باللهو عن الجماع. وفي سجع للعرب: إذا طلع الدَّلوُ أَنْسَلَ العِفْوُ وطلب اللَّهُوَ الخِلْمُ أَي طلب الخلو التزويج. واللَّهوُ: النكاح، ويقال المرأة. قال ابن عرفة في قوله تعالى: {لاهية قُلُوبُهم}؛ أَي مُتشاغلةً عما يُدْعَوْن إليه، وهذا من لها عن الشيء إذا تشاغل بغيره يَلْهَى؛ ومنه قوله تعالى: {فأنتَ عنه تلهى} أي تتشاغل، وفيه أيضاً وقيل: اللهو كل ما تُلهي به، لَها يَلْهُو لَهُوا وَالْتَهى وألهاه.

ولاشك أن المعازف والطرب والأغاني من اللهو، وكذا الفيس بوك والإنترنت والتلفزيون والمسرح ولعب كرة القدم والورق واللعب مع الأولاد والأهل والأصحاب وصيد السمك .. كل ذلك لهو، وهو يشكل غالبية ما تعمله في يومك. والآية الكريمة عامة تعني أنه من الناس من يشتري أي يدفع ويتعب ويشتري لهو الحديث وذلك بنية الصد عن سبيل الله واتخاذ آيات الله هزواً، فهذا لو عملها بموسيقى أو غناء أو فيس بوك أو محاضرة أو يوتيوب أو كتاب أو شيء من ذلك فهو محرم ويؤدي لعذاب مهين. ولا تعني أن من استخدم الغناء والموسيقى فهو في عذاب مهين، وأن من صد عن سبيل الله واتخذ آياته هزواً فله ذلك كلا، بل أي وسيلة تستخدم بنية الصد عن سبيل الله والاستهزاء بآياته فهي مذكورة هنا، ولذا فالآية عامة.

وحتى تعرف معنى كلام ابن مسعود رضي الله عنه فهو من الأوائل في الإسلام وشهد نزول الآيات من أوائلها وهو عليم بها، لهذا روى هنا سبب نزول الآية، حيث كان بعض كفار قريش يتعمدون في شراء الجواري المغنيات ويأتون بهم في أوقات يتلو ابن مسعود القرآن أو يتحدث صحابي في الدعوة ليحولون دون سماعهم. فهؤلاء الكفار الذين يشترون الجواري المغنيات بنية الصد عن سبيل الله أو اتخاذ آيات الله هزواً فسيؤدي لهم ذلك إلى العذاب المهين. أما شراء الجواري اللواتي يغنين فلا حرج، وقد فعلها كثير من الصحابة، كما سأذكره في فصل لاحق بإذن الله، ومنهم أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.

قال إمام الحرمين وابن أبي الدم: إن الإثبات من أهل التاريخ نقلوا أنه كان لعبد الله بن الزبير جوار عوادات. وإن ابن عمر دخل عليه فرأى العود فقال: ما هذا يا صاحب رسول الله؟ فناوله له فتأمله ابن عمر وقال: هذا ميزان شامي فقال ابن الزبير: توزن به العقول. (نيل الأوطار للإمام الشوكاني 8/104، وترتيب المدارك للقاضي عياض 2/134، وإيضاح الدلالات لعبد الغني النابلسي ص 15، وإبطال دعوى الإجماع للشوكاني ص 1). وسنأتي لها لاحقاً إن شاء الله، ونذكر مصادرها.

ولا يعقل أن يخالف ابن مسعود رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم الذي سمع الغناء والدف وفي بيته ومجتمعه وأمر به في مواقف ذكرناها في الأجزاء الأولى. ولو خالف ابن مسعود، وحاشاه، لرددنا قول ابن مسعود بقول وفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فهو أولى بالاتباع والاقتداء. ويكفيك كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأمره لعائشة في زواج قريبتها: "يا عائشة، ما كان معكم لهو ؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو" (رواه البخاري وغيره، وتقدم في الأدلة). فلا يعقل أن يأمر باللهو والله يوعده بالعذاب المهين ؟! هذا قلة علم وقلة تأدب في حق النبي صلى الله عليه وسلم. ولو كان "اللهو" هو والله الغناء بالعموم، فكيف يخالف النبي صلى الله عليه وسلم قول الله هنا ويأمر به؟!

  1. يقول الله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا} (الإسراء /64)، قالوا: قال مجاهد: بصوتك: المزامير.

والتحقيق: الأثر رواه ابن أبي الدنيا عن مجاهد وقال: إسناده لين. قال الشيخ الجديع تعليقاً: قلت: وهذا لم يصح عن مجاهد. انظر كم من الناس تناقلت هذا الأثر !! وحتى لو صح، فقد يكون الغناء والموسيقى والخطب والمحاضرات والقصص والشعر والإيميلات كلها وسائل الشيطان المستفزة. روي عن ابن عباس شيخ مجاهد رحمه الله رضي الله عنه قوله: صوته كل داع دعا إلى معصية الله. وهذا التفسير وإن لم يصح سنده لابن عباس أيضاً إلا أنه الذي رجحه الطبري في تفسيره. وعن قتادة: بصوتك دعائك. رواه ابن جرير بإسناد صحيح. فهل الدعاء حرام؟ وهل كل صوت حرام؟ إنما يكون الحرام وفقاً لنية استخدامه؛ فالصوت والغناء والموسيقى والمزامير والإيميل والقصص والشعر وغير ذلك كله حلال أو حرام ليس لذاته بل باتجاه ونية استخدامه.

  1. وقال تعالى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} (الأنفال/35)، قالوا: كون الله عاب المشركين على صلاتهم التي هي عبارة عن مكاء (صفير) وتصدية (تصفيق) فلذا فهي حرام، قالوا: وما هو أشد منها وهي المعازف حرام كذلك.

والتحقيق: وهذا من أوهن الأدلة، وتنم عن قص وتلصيق، وعدم تحقيق، وضعف في الحجة. فهذا خبر عن حال لا تلزم فيه الحرمة. وهل نمنع صوت الحمار لأن الله استنكره ؟ قال تعالى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} (لقمان /19). بل شرعت السنة في جعل التصفيق في الصلاة للنساء. ولا حجة على التحريم. كيف فهم المحرمون التحريم؟! إن الله سبحانه يقول هذه صلاتهم ما هي إلا تصفيق وتصفير الله يعيب عليهم ذلك، مع أن المرأة ممكن تصفق في الصلاة حال أرادت التصحيح للإمام. ومن تأدب الشيخ العلامة محمد العثيمين رحمه الله رغم أنه يرى بحرمة الغناء لما سئل عن ذلك تورع.

قيل له: ما حكم التصفيق والتصفير، وأي نوع من التصفير محرم، وما دليل التحريم؟ الجواب: الآن لو أنك قمت تصفق وتصفر ماذا سنقول: هذا مجنون أم عاقل ؟!! فما هو سبب التصفيق والتصفير ؟ السائل: ما يحدث في المباريات ونحوها. الشيخ: قل مثلاً التصفيق للإنسان الذي تميز عن غيره في النجاح، أو أجاب جواباً صواباً، أو ما أشبه ذلك، فأنا لا أرى فيه بأساً، أما التصفير فأكرهه كراهة ذاتية، ولا أستطيع أن أقول: إنه مكروه كراهة شرعاً؛ لأنه ما عندي دليل. السائل: التصفيق ؟ الشيخ: ما فيه شيء. وأما قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (إذا نابكم شيء في صلاتكم فليسبح الرجال وتصفق النساء) فهذا في الصلاة؛ وأما قوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} (الأنفال: 35). والمكاء التصفير، والتصدية التصفيق، فهذا كانوا قريش عند المسجد الحرام يتعبدون الله بذلك، بدل أن يركع ويسجد يصفق ويصفر. أما إنسان رأى شخصاً تقدم وتفوق على غيره وأراد أن يشجعه وصفق فلا أرى في هذا بأساً. السائل: والآية فيها دليل؟ الشيخ: ما فيها دليل سمعت يتخذونها عبادة. السائل: التصفير يا شيخ أي نوع من التصفير ؟ مثل صفارة الحكم في المباريات؟ الشيخ: أما التصفير فأنا أكرهه كراهة ذاتية، وليس عندي دليل، ولو أن شخصاً طالبني بالدليل، فلا أستطيع أن أقول: عندي دليل. (الشيخ بن عثيمين: لقاء الباب المفتوح شريط 119). هذا النقاش يعلم التأدب مع الله، ونفي وجود هوس التحريم.

  1. يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} (الفرقان/72)، قالوا: قال مجاهد: لا يشهدون الزور: لا يسمعون الغناء، وروي في الباب نفسه عن الحسن البصري رحمه الله قوله (الغناء والنياحة).

والتحقيق: أما رواية مجاهد رواها ابن أبي حاتم فهي ضعيفة. وما رواه ابن جرير بسنده عن مجاهد، قال الشيخ الجديع: هذا إسناد ساقط، فيه محمد بن مروان السدي الكوفي متهم بالكذب وشيخه ليث مشهور بالضعف. وأما رواية الحسن البصري عن ابن أبي حاتم، قال الشيخ الجديع: وهذا إسناد ظاهر الضعف. يا جماعة اتقوا الله في الناس. كيف يبني هؤلاء أدلتهم ؟!! نقول لهم رواه البخاري ومسلم وصححه العلماء يروون لنا ما رواه الكذبة أخطأ ابن القيم فأخطأت أمم مقلدة وراءه !! والتفسير الصحيح للآية والذي تعمل به الأمة اليوم هو أن الزور: الكذب وليس الغناء.

  1. ويقول الله تعالى: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ، وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} (النجم 59 - 61)، قالوا: قال ابن عباس هو الغناء بالحميرية. وهذا دال على التحريم.

والتحقيق: ما روي في الرواية الصحيحة عن ابن عباس رضي الله عنه (سامدون) هو الغناء، كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا، وهي بلغة أهل اليمن، يقول اليماني إذا تغنى اسمد. والمقصود هو التعالي بالصوت تعمداً عندما يتلى القرآن الكريم، فهذا فعل مشين. لو أن فرقة موسيقية جاءت عند مسجد وبدأت تعزف بصوت عالٍ أمام المسجد حين أذان المؤذن فهذا يدل على التعمد، ولكان يجب أن يحاسب هؤلاء الناس من قبل ولي الأمر أو السلطات. أما أن تقول أن الغناء كله حرام من هذا الدليل فهذا دليل فقدان الحجة، وإلا لكان الضحك كذلك حراماً فهو أيضاً في الآية الكريمة !!

من هذه الاستدلالات يتبين لك أن لا حجة لمن استدل بالقرآن الكريم على أنه حرّم الغناء والمعازف، بل إن هذه استدلالات حملت القرآن ما لا يحتمل، غفر الله لهم، وأنها خصصت العام بدون أي دليل واضح، وأن هذه التفسيرات لاشك لا تتوافق والسنة الصريحة بإباحة الغناء وآلة من المعازف وهي الدف في المناسبات وغير المناسبات.

وسنبين أن كثيراً ممن يرون التحريم يغفلون عن مناقشة أدلة الإباحة ولا يناقشونها، وأفضل ما يعملونه أحياناً هو أن يضاربوا الأحاديث ببعضها، وهو صنيع غير جيد يوقع عامة الناس في تشكك واضطراب، لكنك عندما تعرض كل الأدلة وتوفق بينهما ولو كنت ترى التحريم فهذا يجعل القلوب تقر والنفوس تطمئن لشمول المنهج النبوي في الحياة. نكمل ما استدلوا به من السنة النبوية.

الأحاديث النبوية التي استدل بها من يرى التحريم

  1. أقوى استدلال هو ما رواه البخاري عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري مرفوعاً: "لييكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم - يعني الفقير - لحاجة فيقولوا: ارجع إلينا غداً، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة". قالوا: قوله صلى الله عليه وسلم "يستحلون" أي هو حرام وهم يحلونه. وهذا دليل على أنه حرام.

التحقيق: يصحح البعض من العلماء هذا الحديث رغم أنه من الأحاديث التي أنكرها كثيرون على البخاري كون أن البخاري لم يروه من ضمن إسناداته في صحيحه ولكن علقه في الاستدلال في عنونة الباب، ورده علماء كثيرون وعليه إشكالات كثيرة. والحديث المعلق هو الذي سقط من سنده راو أو أكثر، مثل أن يروي تابع تابعي عن صحابي ولا يذكر التابعي الذي روى له الحديث فهذا يعتبره العلماء حديثاً معلقاً، والحديث المعلق لا يستدل به في الأحكام، لأنه لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان مرفوعاً أي إلى النبي أو موقوفاً (أي إلى الصحابي).

وسبب اعتقاد العلماء بأن الحديث معلق أي لم يسمعه البخاري من شيخه مباشرة هو قوله في "صحيحه" قال هشام بن عمار حدثنا .. ثم ذكر السند والمتن أي لفظ الحديث، والبخاري التزم الدقة الشديدة في صحيحه فهو لا يقول "قال فلان" وإنما يقول "حدثني"، فقوله قال "هشام" شكك العلماء في الحديث، وأن البخاري لم يسمعه من هشام أصلاً، وخاصة وأنه الحديث الوحيد في صحيحه عن هشام. لماذا في هذا الحديث خالف البخاري القاعدة في صحيحه؟ رغم أنه يقول قال فلان في رواياته خارج "الصحيح" كما فعلها في "التاريخ الكبير" وغيره.

وهذا الحديث رغم ما عليه من كلام كثير وردّ كثير من العلماء له إلا أنه حديث صححه بعض المتبحرين في الحديث كالإمام ابن حجر العسقلاني ومحمد بن إسماعيل الإسماعيلي وغيرهما، ومن المعاصرين الشيخ الألباني رحمه الله والشيخ الجديع؛ لذا جاز الاستدلال فيه على خلاف الكثير من الدلائل الأخرى التي لا يصح الاستدلال فيها والإشارة لها.

إن الحديث فيه إشارتان لمن يرون التحريم: (1) "يستحلون .. المعازف" و (2) العقاب الشديد وهو المسخ لهؤلاء القوم، وههنا بعض الإشكاليات في كون هذا الحديث ليس فيه حكم التحريم الصريح:

  1. أولاً: إن هذا الحديث خبر وليس حكماً، فهو يخبر عن حادثة ستحصل في المستقبل، الله بها وبتفاصيلها عليم، عن قوم هذه صفاتهم فسوف يصير لهم هذا المسخ. إن الإخبار عن حدث غير الحكم. والخبر لم يحصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم نسمع أنه حصل حتى زمننا رغم استمرار وجود هذه الأمور المذكورة في الحديث منذ ألف وأربعمائة سنة، وهذا يعطيك مؤشراً على أن الموضوع أكثر من شرب الخمر والمعازف والزنى وإلا فهذا الموضوع يتكرر مليون مرة في اليوم كل يوم في العالم.

  2. لفظ "يستحلون" يدل على استحلال الحلال والحرام، مثل ما هو وضع المعازف والغناء هي حلال وحرام، هي وسيلة قد تستخدم في الحلال وقد تستخدم في الحرام. والدليل على كونها تستخدم في الحلال والحرام هو قوله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله" (رواه مسلم 1218)، فهذا حرام واستُحل. وقوله "ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني، وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله" (رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي وغيرهم)، فهذا حلال استحللناه فبطل لفظ من قال "يستحلون" أي كان حراماً فأحلوه. أين الدليل على الحرمة أصلاً؟ أين في كتاب الله سبحانه أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أن المعازف حرام حتى يستحلونها ؟ هل يعقل أن يكون تحريم المعازف لم يأتِ إلا في هذا الحديث وفي هذا المعنى في التحريم غير الصريح. واللفظ برأي من يرى التحريم مشكل كون "يستحلون" إذا قصد بها هو حرام وهم يعلمون أنه حرام لكنهم يحلونه فهذا والعياذ بالله موضوع كبير، يرى العلماء أنه يوقع الشخص في الكفر، وإذا قصد فيه أنهم يستحلونه من خلال تأويل وفهم، فهم مجتهدون ومعذورون، ولا لوم عليهم ولا عتب ولا يستدعي كل هذا النقاش العقيم. وأنت لو قرأت عنف كلام الشيخ الألباني في الرد على الشيخ محمد الغزالي أو الشيخ القرضاوي أو الشيخ عبد الفتاح أبو غدة أو الإمام المبجل ابن حزم الأندلسي لتمنيت أن لا يُنقل هذا الكلام عن مسلم فضلاً عن عالم جليل كالشيخ الألباني رحمه الله؛ فالكلام لا يليق فعلاً بطالب علم فضلاً عن عالم جليل، وهي شطحة نرجو ألا يأخذ بالاقتداء بها المسلمون، ونقترح أن لا يعملوا بعمله هذا، ولهم في سنة النبي صلى الله عليه وسلم القدوة في الاختلاف والرد والحوار والجدل بالتي هي أحسن. لهذا نقول كلٌّ يؤخذ من كلامه ويُرد، وهذا العنف في الردود مما يُرد فعلاً ويرفض ولا يقبل ولا نظلم علماء المسلمين به، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران /159)، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (المائدة /54)، وقال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل /125)، وقال: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت /34). ولقد تسبب هذا الكلام العنيف وأمثاله مثل ما تسبب كلام ابن تيمية وابن القيم لما تشددا في التعنيف والردود في تشجيع عشرات الآلاف من المتطرفين والمتشددين والمتدخلين على العلم والمتعصبين فملأوا النت والكتب والمجالس شتماً وسباً وجدلاً وتكفيراً وتفسيقاً وأذى، وتناولوا أعراض الناس والعلماء والمغنين والمغنيات والبشرية جمعاء، وقالوا كلاماً ما قاله نبي في معذبيه. فالله المستعان وعليه التكلان. وغفر الله للشيخ الألباني على هذه الألفاظ التي أطلقها، وهي من عادته في مناقشاته وردوده، وليس هو بها قدوة ولا مثلاً جيداً، ويكفي ما قاله في الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز وغيره من "علماء نجد" - واللفظ له - وادعى على الشيخ بن باز في قوله بوضع اليدين على الصدر "بدعة ضلالة"، ورد عليه الشيخ بن باز رحمهما الله بعدما أثنى عليه بأن "هذا خطأ ظاهر لم يسبقه إليه أحد فيما نعلم من أهل العلم، وهو مخالف للأحاديث الصحيحة المتقدم ذكرها" وزاد الشيخ بن باز: "ولكنه قد غلط في هذه المسألة غلطاً بيناً". فلا شك أن الشيخ الألباني مثل غيره يقع في الخطأ ويخالف الأحاديث الصحيحة، كما قال الشيخ عبد العزيز رحمه الله (مجموع الفتاوى ورسائل في الصلاة). لهذا فلا اعتبار لكلام من يقول ما يقول، الاعتبار كما قال الشيخ الألباني نفسه، رحمه الله، بمعرفة الحق، فإذا عرفت الحق عرفت الرجال عدا ذلك فسوف تضيع في ترهات الردود وأهل الجدل كما في بعض التعليقات والردود التي قرأتها علي وعلى غيري، وهم بذلك يشعرون أنهم ينصرون دينهم، وما أذكى الشيطان بهذه المعاني يوهم للناس أنهم يدافعون عن الله أو دينه وربما ما صنعوا شيئاً غير تنفير الناس. ولو لم يكن للشيطان إلا أن أوحى لهم التعالي والتزكية للنفس واستصغار الآخرين لكفى، ولبلغ مراده في الكبر والتحريش بينهم. وكم فضح هذا الحديث من أخلاقيات الناس فشطوا وشردوا في الطعن في نوايا الناس وأخلاقهم وأعمالهم، ونصبوا أنفسهم قضاة على البشر، والله المستعان على ما يصفون.

  3. لا يشير الحديث لكون هؤلاء الناس الذين سيعاقبون بسبب أنهم يستمعون إلى المعازف فقوله صلى الله عليه وسلم عن صفات الخوارج "تكرهون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" لا يعني حرمة الصلاة والصيام بسبب أن هؤلاء المارقين من الدين يعملونه وأهل الصلاح وأهل الباطل يستمعون للمعازف، كما سنشير بأدلة واضحة من كونه فعلاً يعمله بعض الصحابة والتابعين والأئمة الأجلاء والخلفاء وفضلاء البشر.

  4. وأقوى إشارة في الحديث هو كون الفقير يأتيهم لحاجة فيبخلون عليه بينما يسرفون ويفرطون في الشرب واللهو والخطيئة مستعذبين ذلك، متنعمين بالحرير. ومع ذلك يردونه والله أعلم، كم ليلة فعلوا ذلك، وكم مرة فعلوها. إن من صنيعهم ذلك قد تقوم القيامة عليهم أو يحصل لهم هذا الحدث المريع. إن الله سبحانه برحمته وكرمه لا يخسف بشارب الخمر وعازف المعازف، ولابس الحرير، وإلا لكان هذا الحدث يحصل أكثر من مليون مرة في اليوم كل يوم!! إن اجتماع هذه الأمور وأكثر هو الحرام لا مفردها، مثلها مثل ما ذكرناه في الآية الكريمة {وأنتم سامدون} التي استدل البعض بأنها في المغنين بينما غفلوا عن {وتضحكون} فحرموا الغناء وأباحوا الضحك !! فلا الضحك حرام ولا الغناء حرام في الآية المذكورة ولكن اجتماع ذلك من خلال رد الآيات والاستعجاب، وهي هنا كذلك اجتماعها وأكثر هو المحرم. ويجب أن يجتمع الزنى مع الخمر مع المعازف مع رد ذي الحاجة مع لبس الحرير مع أمور أخرى حتى يصدق هذا الحدث والخبر. ومعلومة هي المحرمات لكن المعازف لم يرد فيها التحريم، وإلا فهذا القرآن الكريم وهذه السنة النبوية عليهم أن يأتوك بدليل واضح وصريح في ذلك. تركوا كل الأحاديث الصحيحة الواضحة والصريحة وتشبثوا بالمتشابهات.

  5. قوله "ويمسخ آخرين" فيه إشارة إلى أناس غير هؤلاء يعني هؤلاء الله يبيتهم ويسقط عليهم الجبل وآخرين يمسخهم قردة وخنازير. لماذا ؟ لا علم لنا ولا دراية، كون رواية الحديث غير مترابطة.

  6. إن في الحديث شبهات واضطراب فنحن لا نعرف سبب تعليق البخاري له من بين أكثر من سبعة آلاف وخمسمائة حديث يقول فيهم "حدثني" وفي هذا وثلاثة فقط أخرى يقول "قال"، وحديث يأتي بلفظ "يستحلون" ويستشهدون بحرمته، والحرير أصلاً حلال لبسه على النساء وحلال بيعه من قبل الرجال، والمعازف أصلاً حلال لم يرد فيها تحريم ألبته والحر يعني الفرج، وهو حلال بين الزوجين، ويبدأ عن أبي عامر أو أبي مالك، ويسرد الراوي الحديث ثم يقول "ويمسخ آخرين"، وما سبب مسخهم ؟ لا نعلم. فهل هذا يعني أن بعضاً منهم يقع عليه الجبل وآخرين يمسخهم الله قردة وخنازير ؟! الله أعلم. فالحديث فيه غموض، وقد تحمس له المحرمون ومنهم شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله - حيث بسببه نقل كل من بعده كلامه ومعناه، ما زادوا حرفاً نفس الكلام في أربعين ألف منتدى وموقع (cut-paste)، ومما قال في "مجموع الفتاوى": فدل هذا الحديث على تحريم المعازف، وهذا اسم يتناول هذه الآلات كلها، وقال: واعلم أنه لم يكن في عنفوان القرون الثلاثة المفضلة لا بالحجاز ولا بالشام ولا باليمن ولا مصر ولا المغرب ولا العراق ولا خراسان من أهل الدين والصلاح والزهد والعبادة من يجتمع على مثل سماع المكاء والتصدية ولا بدف ولا بكف ولا بقضيب وإنما أحدث هذا بعد ذلك في أواخر المائة الثانية فلما رآه الأئمة أنكروه. انتهى كلام الإمام بن تيمية - رحمه الله - وهو لفظ تجده في آلاف المواقع في النت. وهذا الكلام غير صحيح. فهذا الحديث لا يدل على التحريم، والمعازف لو كانت تتناول كل الآلات لشملت الدف، فالدف آلة موسيقية هو اتفاق بين كل البشر في الأزمان ممن يعرفون العزف، والنبي صلى الله عليه وسلم أباحه، وأمر به، والطبل كذلك سمعه وسمح به، كما في حديث الأحباش الذي ذكرناه. وقوله أن ذلك لم يحدث ولا حتى "بدف" خطأ كبير_

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق