الاثنين، 29 يونيو 2026

حكم سماع "الغناء والموسيقى" ؟

 



تعد قضية "الغناء والموسيقى" من أكثر المسائل إلحاحاً وسؤالاً في واقعنا المعاصر. وللأسف، يصوّرها البعض كمعركة حدّية؛ فمن يُحرّم يُوصم بالتطرف والتشدد، ومن يُبيح يُوصم بالتسيب والانفلات! والحقيقة العلمية أن القضية أعمق من هذا الاختزال، وللعلماء فيها أنظار فقهية متينة تستحق الفهم والاحترام.

لكي تبني وعيك كمسلم، إليك التشريح الفقهي الهادئ لهذه المسألة بمحوريها: (الكلام المغنّى) و(الآلات الموسيقية).

🔴 أولاً: المساحة المتفق عليها (مواطن التحريم القطعي)

قبل نقاش الخلاف، ثمة صور مجمع على تحريمها ولا يختلف عليها عالِم أو إنسان ذو فطرة سليمة، وهي:

  1. اقتران السماع بالمعاصي والمنكرات: مثل حفلات الملاهي الليلية، والديسكو، والرقص الماجن، واختلاط الشباب والفتيات المصاحب للخلاعة وكشف العورات.

  2. الابتذال البصري والسلوكي: الأغاني المصاحبة لفيديو كليبات تحتوي على عروض تثير الغرائز، أو مغنيات يتكسرن في الأداء بصوت ناعم مائع لا يصدر إلا في المواضع الحميمية.

  3. قذارة المضمون وسفاهة الكلمات: الكلمات التي تحث على الفسق، أو تصف العورات، أو تحتوي على عبارات هابطة وقبيحة (مثل بعض الأغاني الدارجة اليوم)؛ فهذه قاذورات يحرم إنتاجها، وغناؤها، وسماعها، والمال المكتسب منها حرام بالاتفاق.

🟣 ثانياً: مساحة الخلاف الفقهي (الغناء والموسيقى الخالية من المنكرات)

إذا خلا الغناء من الصور السابقة، وكان كلاماً عادياً يصاحبه عزف بآلة (كناي أو عود أو بيانو)، هنا انقسم العلماء إلى اتجاهين:

1️⃣ المذهب الأول: مذهب جمهور العلماء (التحريم والمنع)

  • في الغناء المجرد (بدون آلات): يرى الجمهور كراهة أن يدندن المرء وحده بغير مناسبة، وتزول الكراهة في المناسبات الشرعية كالأعراس والأعياد.

  • في الموسيقى والآلات: يرى الجمهور التحريم القاطع؛ مستدلين بحديث البخاري: «ليكوننَّ من أمتي أقوامٌ يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف»، والاستحلال لا يكون إلا لشيء أصله الحظر.

  • دليلهم من السنة: قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما رأى جاريتين تغنيان في بيت النبي ﷺ: "أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله؟"؛ فإقرار النبي ﷺ على التسمية يدل على كراهة الأصل، واستثناؤه ﷺ علّله بقوله: «دعهما يا أبا بكر فإن اليوم عيدنا».

  • دليلهم من القرآن: فسروا قوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث}، وقوله: {وأنتم سامدون} (السمود بالغناء بلغة حمير)، وقوله: {والذين لا يشهدون الزور} بأنها جميعاً إشارات لذم الغناء ومجالسه.

2️⃣ المذهب الثاني: مذهب المبيحين (الترخيص بالضوابط)

يرى هذا الاتجاه (وهو مذهب معتبر له سلف من الصحابة والتابعين والفقهاء كابن حزم، والشوكاني، وابن طاهر) الإباحة إذا خلا السماع من الفسق، وردّوا على أدلة الجمهور بقاعدة أصولية شهيرة: "صريح الأحاديث في التحريم ليس بصحيح، وصحيحها ليس بصريح"، وتفصيل ذلك:

  • منازعة دلالة الأحاديث: قالوا إن حديث "المعازف" محتمل؛ لأن لفظة "يستحلون" تُطلق شرعاً على الحلال والحرام معاً (كقوله ﷺ: "فما وجدناه فيه من حلال استحللناه"). والتحريم عندهم في الحديث ليس للآلة لذاتها، بل للقرائن المقترنة بها من شرب الخمور والزنا والترف الطاغي. أما بقية أحاديث التحريم الصريحة (مثل: "بعثت بهدم المزمار") فكلها ضعيفة لا تصح حديثياً.

  • أدلتهم من السنة: استدلوا بإذن النبي ﷺ للسيدة عائشة بسماع قينة بني فلان، وقوله لها: «أتحبين أن تغنيك؟»، وبضرب الدف في النذر والأعراس.

  • الرد على أدلة القرآن: قالوا إن آية {لهو الحديث} قيّدت الذم بـ {ليضل عن سبيل الله}؛ فمن استمع للترويح البريء دون قصد الإضلال لم تشمله الآية.

  • نفي الإجماع: أكدوا عدم ثبوت إجماع قطعي على التحريم، بل نُقل الترخيص عن صحابة وجلّة من أهل المدينة؛ ولذلك ألّف الإمام الشوكاني رسالته الشهيرة: "إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع".

  • وفي المقابل: إذا وجدنا مسلماً يأخذ برأي المانعين تورعاً، فلا ينبغي نبذه ووصفه بالمتشدد أو الوهابي؛ فللجمهور أدلة قوية تُحترم. وبالمثل، من استمع في وقت فراغه لموسيقى هادئة أو كلمات طيبة غير مبتذلة، مستنداً لمرجعية فقهية قديمة وضوابط شرعية، فلا ينبغي الإنكار عليه أو رميه بالفسق والانفلات.

📚 مراجع للتوسع والقراءة:

لمن أراد استقصاء الأدلة والأسانيد، يُنصح بمراجعة هذه الكتب الفذة التي مثّلت الرأيين بكل أمانة علمية:

  • كتاب "الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام" للشيخ عبد الله الجديع، وكتاب "السماع" لابن طاهر القيسراني، ورسائل الإمام الشوكاني وابن حزم الأندلسي.

🏷️ هاشتاغات النشر: #حكم_الموسيقى #الخلاف_الفقهي #فقه_الوسطية #الوعي_الشرعي #الجمهور_والإباحة #أدلة_الاحتمال

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق