التكامل المفقود: بين منهج السلف وتزكية الصوفية
من المؤسف أن نرى اليوم جدلاً مستعراً بين بعض الإخوة -ومنهم طلبة علم- في مسائل الفقه الفروعية، حيث ينحاز أحدهم لـ (السلفية) والآخر لـ (الصوفية)، ويحشد كل طرف أدلته وأقيسته ليدعم "مذهبه"، في مشهد يبتعد تماماً عن المنهج العلمي الرصين.
الخطأ المنهجي القاتل
يكمن الخلل الكبير في التعامل مع السلفية والصوفية كأنهما مذهبان فقهيان، وهو ما لا يصح عقلاً ولا شرعاً:
أولاً: السلفية ليست مذهباً فقهياً وموحداً
السلف الصالح هم الصحابة والتابعون -رضي الله عنهم- الذين عظم الأمة شأنهم وقدمتهم؛ وفيهم الفقهاء الكبار (كعمر، وعلي، وعائشة، وابن مسعود، وغيرهم). هؤلاء الأعلام اجتهدوا، فاتفقوا في مسائل واختلفوا في أخرى، ومن علمهم تفرعت وتأصلت المذاهب الفقهية الأربعة (الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي).
النتيجة: ادعاء أن للسلف مذهباً فقهياً واحداً وموحداً هو ادعاء باطل. وجعل هذا المذهب المتخيَّل في مقابل المذاهب الأربعة هو ادعاء خطير يتضمن اتهاماً مبطناً لأئمة المذاهب بأنهم ابتدعوا فقهاً جديداً يخالف السلف!
ثانياً: الصوفية لم تدّعِ يوماً أنها مذهب فقهي
لم يقل أحد من رجالات التصوف المعتبرين بأن التصوف مذهب في الفقه، بل هم يعظمون المذاهب الأربعة ويأمرون باتباعها. وهذا ما وجدناه في المدارس الشرعية العريقة؛ فخلال دراستي في "المدرسة الآصفية" لم أقرأ سطراً واحداً يزعم وجود "مذهب فقهي صوفي". وكذلك حين اطلعت على مناهج "المدارس النقشبندية" في تركيا، وجدتهم متمسكين غاية التمسك بالمذهبين الحنفي والشافعي، دون إقحام التصوف في الأحكام الفقهية.
التصوف الحقيقي والتصوف الفلسفي
التصوف في أصله الطبيعي هو علم التزكية والتربية الروحية، ولا يمكن أن يكون بديلاً عن العلوم الشرعية الأخرى كالعقيدة أو الفقه أو الحديث.
أما "التصوف الفلسفي" (كقول وحدة الوجود والفلسفات البعيدة عن نور الوحي) فهو مسار آخر ذمه أئمة التصوف الموثوقون أنفسهم. يقول الإمام أحمد الرفاعي في البرهان المؤيد:
"صموا أسماعكم عن علم الوحدة وعلم الفلسفة وما شاكلهما، فإن هذه العلوم مزالق الأقدام إلى النار... أي سادة، إن نهاية طريق الصوفية نهاية طريق الفقهاء، ونهاية طريق الفقهاء نهاية طريق الصوفية... والطريقة هي الشريعة والشريعة هي الطريقة".
وهم التناقض: تداخل الشخصيات العلمية
قد يلتبس على غير المتخصصين بعض الأقوال الفقهية لرجالات التصوف، والصواب أن هذه الأقوال تعبر عن الشخصية الفقهية للعالم لا الصوفية.
مثال: حجة الإسلام الغزالي كان فقيهاً، وفيلسوفاً، وصوفياً؛ فإذا ناقش الفلاسفة تحدث بشخصيته الفلسفية، وإذا اجتهد في الأحكام تحدث بشخصيته الفقهية الشافعية، وإذا وعظ وتكلم في التزكية تحدث بشخصيته الصوفية. فلا ينبغي الخلط.
إن غياب هذه المنهجية أفرز مظاهر عجيبة من الجهل المتبادل:
تجد صوفياً يشنع على قولٍ يتبناه سلفي، وهو في الحقيقة قول للإمام مالك أو أحمد أو أحد الصحابة!
وتجد سلفياً يشنع على قولٍ يتبناه صوفي، وهو في الحقيقة رأي للشافعي أو أحمد أو لصحابي جليل!
التكامل المفقود: نموذج الجيلاني وابن تيمية
لقد نسي أطراف النزاع أن كبار أئمتنا جمعوا بين الفقه والتزكية. فالشيخ عبد القادر الجيلاني كان فقيهاً حنبلياً كبيراً، وفي الوقت نفسه إماماً في التربية والسلوك.
ومن العجائب التي نراها اليوم:
أن ترى صوفياً (قادرياً) يستهزئ برأي فقهي للإمام أحمد بن حنبل، ظناً منه أنه يهاجم خصمه "السلفي"!
وفي المقابل، تجد سلفياً يطعن في الشيخ عبد القادر الجيلاني، وهو لا يعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان إذا ذكره قال: (قدّس الله روحه). (وقد واجهت بنفسي شاباً اعترض عليّ في أحد مساجد قطر حين استشهدت بالشيخ عبد القادر، حتى أفهمته حقيقة الأمر فتفهم والحمد لله).
واقع معاصر: غياب التمثل الحقيقي والجامعة المشتركة
وحتى نكون منصفين ومتجردين في توصيف الواقع المعاصر، لا بد من المصارحة بـأمرين غاية في الأهمية:
أولاً: غياب التمثل الكامل لجوهر المسميات
إن الحقيقة المعاصرة التي لا بد من الاعتراف بها هي أنه لا (السلفية المعاصرة) اليوم تمثل السلف الصالح تمثيلاً كاملاً في كل مواقفهم ورحابتهم العلمية، ولا (الصوفية المعاصرة) بأشكالها الحالية تمثل التصوف الحقيقي في نقائه وتزكيته الأولى المشروطة بالوحي والتزام الفقه والحديث. فالواقع المعاصر لكلا الطرفين داخله الكثير من الاجتهادات البشرية، والردود الانفعالية، والخلل في ترتيب الأولويات العلمية.
ثانياً: المظلة الجامعة (أهل السنة والجماعة)
إن الخلاف الناشئ بين الطرفين يجب ألا يُنسينا الأصل العظيم الذي يجمعهما؛ فكلا الطرفين -في أصولهما المعتبرة ومؤسساتهما العلمية- هما من أهل السنة والجماعة. فلا يصح بحال من الأحوال أن تُستغل هذه العناوين لإخراج المسلمين من دائرة السنة، أو لبث الفرقة والخصومة بين أبناء الملة الواحدة الذين يستقبلون قبلة واحدة، ويعظمون كتاباً واحداً، وينتمون إلى المرجعية المعرفية والأخلاقية ذاتها.
خلاصة النصيحة المنهجية
إن النصيحة العلمية التي أبرأ بها أمام الله تعالى هي:
إذا عرضت لكم مسألة فقهية، فارجعوا فيها إلى المذاهب المعتبرة، ومن أراد التوسع فلينظر في فقه الصحابة والتابعين (مثل كتاب شيخنا العلامة هاشم جميل: فقه سعيد بن المسيب).
إذا كانت المسألة في التفسير فمكانها كتب التفسير، وإن كانت في الحديث فمكانها كتب الحديث، وهكذا.
اتركوا التنابز بالألقاب والخصومات المفتعلة؛ فإنها حيدة عن الحق ومنهج العلم، ولا تثمر إلا ظلمة في الروح وقساوة في القلب.
والله يغفر لنا ويجعلنا من المقبولين عنده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق