حكم مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء: (دراسة فقهية مقارنة)*
المسح في اللغة: هو إمرار الشيء على الشيء بسطاً. والدعاء هو العبادة الشريفة التي أُمر العباد بها لإظهار الافتقار واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى.
وقد نص جماهير الأئمة والفقهاء على مشروعية واستحباب "مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء" خارج الصلاة، وجعلوه من آداب الدعاء، بينما اختلفوا في مشروعيته داخل الصلاة (عقب قنوت الوتر). ومع ثبوت هذه المادة الفقهية، يشتد نكير بعض المعاصرين تسرعاً وتبديعاً لفاعلها، مما أحدث جدلاً واسعاً بين الشباب.
الحكمة الروحية من المسح: قال العلامة الصنعاني في سبل السلام: «وكأن المناسبة أنه تعالى لما كان لا يردهما (أي اليدين) صفراً، فكأن الرحمة أصابتهما، فناسب إفاضة ذلك على الوجه الذي هو أشرف الأعضاء وأحقها بالتكريم».
أولاً: الأدلة من السنة النبوية الشريفة
تضافرت الأحاديث النبوية الشريفة في هذا الباب من طرق عديدة، وهي وإن لم تخلو أسانيدها من مقال انفراداً، إلا أن ضعف السند لا يلزم منه ضعف المتن؛ لأن الطرق يشد بعضها بعضاً وتنهض للاحتجاج:
حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا مدّ يديه (وفي رواية: رفع يديه) في الدعاء، لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه». (رواه الترمذي وقال: صحيح غريب، والحاكم في المستدرك).
حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «سلوا الله ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم». (رواه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي في الكبرى).
حديث يزيد بن سعيد بن ثمامة رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ كان إذا دعا فرفع يديه مسح وجهه بيديه». (رواه أحمد في المسند، وأبو داود).
حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله ﷺ: «...فإذا رفع أحدكم يديه فليقل: يا حي يا قيوم... ثم إذا رد يديه فليفرغ الخير على وجهه». (رواه الطبراني، ورواه الترمذي وابن ماجه بأسانيد يقوي بعضها بعضاً).
مرسل الإمام الزهري: عن معمر عن الزهري قال: «كان رسول الله ﷺ يرفع يديه عند صدره في الدعاء ثم يمسح بهما وجهه». (رواه عبد الرزاق في المصنف)، وهو مرسل صحيح، والمرسل حجة عند جمهور الأئمة (أبو حنيفة، مالك، أحمد) وتزداد قوته لاعتضاده بالأحاديث الأخرى.
الخلاصة الحديثية: علق الحافظ ابن حجر العسقلاني في بلوغ المرام على حديث الترمذي بقوله: «له شواهد... ومجموعها يقضي بأنه حديث حسن». فالحديث بانضمام طرقه وشواهده يرتقي إلى درجة (الحسن لغيره) بموجب القواعد المعتمدة عند علماء الحديث.
ثانياً: آثار الصحابة والتابعين (عمل السلف الصالح)
ابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم: أخرج البخاري في الأدب المفرد (ص: 214) بالإسناد عن وهب قال: «رأيتُ ابن عمر، وابن الزبير يدعوان، يديران بالراحتين على الوجه».
الحسن البصري: روى الفريابي بإسناد حسن عن المعتمر بن سليمان قال: «رأيتُ أبا كعب يدعو رافعاً يديه، فإذا فرغ مسح بهما وجهه. فقلت له: من رأيتَ يفعل هذا؟ قال: رأيت الحسن (البصري) يفعله». (فض الوعاء للسيوطي، ص: 101).
الإمام معمر بن راشد وعبد الرزاق الصنعاني: قال عبد الرزاق في المصنف: «رأيتُ معمراً يدعو بيديه عند صدره، ثم يرد يديه فيمسح وجهه... وأنا أفعله».
ابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم: أخرج البخاري في الأدب المفرد (ص: 214) بالإسناد عن وهب قال: «رأيتُ ابن عمر، وابن الزبير يدعوان، يديران بالراحتين على الوجه».
الحسن البصري: روى الفريابي بإسناد حسن عن المعتمر بن سليمان قال: «رأيتُ أبا كعب يدعو رافعاً يديه، فإذا فرغ مسح بهما وجهه. فقلت له: من رأيتَ يفعل هذا؟ قال: رأيت الحسن (البصري) يفعله». (فض الوعاء للسيوطي، ص: 101).
الإمام معمر بن راشد وعبد الرزاق الصنعاني: قال عبد الرزاق في المصنف: «رأيتُ معمراً يدعو بيديه عند صدره، ثم يرد يديه فيمسح وجهه... وأنا أفعله».
ثالثاً: تحرير مواقف المذاهب الفقهية الأربعة
1. المذهب الحنفي (سنة في الأصح)
قال الإمام الحصكفي في الدر المختار (1/ 507): «والمسح بعده على وجهه سنة في الأصح».
وجاء في حاشية الشرنبلالي على درر الحكام (1/ 80): «ويمسح يديه ووجهه في آخره لقول ابن عباس...».
وجاء في الفتاوى الهندية (5/ 318): «وكثير من مشايخنا رحمهم الله تعالى اعتبروا ذلك، وهو الصحيح، وبه ورد الخبر».
قال الإمام الحصكفي في الدر المختار (1/ 507): «والمسح بعده على وجهه سنة في الأصح».
وجاء في حاشية الشرنبلالي على درر الحكام (1/ 80): «ويمسح يديه ووجهه في آخره لقول ابن عباس...».
وجاء في الفتاوى الهندية (5/ 318): «وكثير من مشايخنا رحمهم الله تعالى اعتبروا ذلك، وهو الصحيح، وبه ورد الخبر».
2. المذهب المالكـي (مستحب)
قال الإمام شهاب الدين النفراوي في الفواكه الدواني (2/ 335): «ويُستحبّ أن يمسح وجهه بيديه عقبه كما كان يفعله عليه الصلاة والسلام». ونقل في موضع آخر (1/ 281): «وورد أنه بعد الدعاء يضع يديه على وجهه ويمسحه بهما لكن من غير تقبيل».
قال الإمام شهاب الدين النفراوي في الفواكه الدواني (2/ 335): «ويُستحبّ أن يمسح وجهه بيديه عقبه كما كان يفعله عليه الصلاة والسلام». ونقل في موضع آخر (1/ 281): «وورد أنه بعد الدعاء يضع يديه على وجهه ويمسحه بهما لكن من غير تقبيل».
3. المذهب الشافعي (مستحب خارج الصلاة)
خارج الصلاة: قال الإمام النووي في المجموع (4/ 487): «ومن آداب الدعاء... رفع يديه ومسح وجهه بعد فراغه». وجزم بالندب في كتابه التحقيق، ونقله عنه كبار المحققين كزكريا الأنصاري في أسنى المطالب والخطيب الشربيني في مغني المحتاج.
داخل الصلاة (في القنوت): المشهور الاستحباب أيضاً عند الشيخ أبي محمد الجويني، وابن الصباغ، والغزالي، وصاحب البيان.
خارج الصلاة: قال الإمام النووي في المجموع (4/ 487): «ومن آداب الدعاء... رفع يديه ومسح وجهه بعد فراغه». وجزم بالندب في كتابه التحقيق، ونقله عنه كبار المحققين كزكريا الأنصاري في أسنى المطالب والخطيب الشربيني في مغني المحتاج.
داخل الصلاة (في القنوت): المشهور الاستحباب أيضاً عند الشيخ أبي محمد الجويني، وابن الصباغ، والغزالي، وصاحب البيان.
4. المذهب الحنبلي (المعتمد خارج الصلاة وداخلها)
قال العلامة البهوتي في شرح منتهى الإرادات (1/ 241): «(ثم يمسح وجهه بيديه هنا) أي: عقب القنوت (وخارج الصلاة) إذا دعا». وانظر كذلك: كشاف القناع (1/ 420).
وقال الإمام ابن قدامة في المغني (1/ 449) مستدلاً بحديث ابن عباس وأفعال الصحابة: «ولأنه دعاء يرفع يديه فيه، فيمسح بهما وجهه، كما لو كان خارجاً عن الصلاة».
قال العلامة البهوتي في شرح منتهى الإرادات (1/ 241): «(ثم يمسح وجهه بيديه هنا) أي: عقب القنوت (وخارج الصلاة) إذا دعا». وانظر كذلك: كشاف القناع (1/ 420).
وقال الإمام ابن قدامة في المغني (1/ 449) مستدلاً بحديث ابن عباس وأفعال الصحابة: «ولأنه دعاء يرفع يديه فيه، فيمسح بهما وجهه، كما لو كان خارجاً عن الصلاة».
رابعاً: مناقشة دعوى التبديع والرد العلمي عليها
شاع بين بعض المتأخرين كشيوخ السلفية (ومنهم الشيخ الألباني) إطلاق القول بأن مسح الوجه "بدعة" بناءً على تضعيفهم لأفراد الأحاديث، مستدلين أحياناً بعبارة العز بن عبد السلام: «لا يفعله إلا جاهل». ويُرَدُّ على هذه الدعوى من أوجه علمية وأصولية رصينة:
مفهوم البدعة شرعاً: البدعة هي الشيء المُحدَث الذي لم يرد به أصل في الدين، ولم يدخل تحت قاعدة من قواعد الإسلام. فكيف يُقال عن أمرٍ وردت فيه أحاديث شتى، وعمل به الصحابة والتابعون، ونص على استحبابه جماهير فقهاء الأمة، بأنه "بدعة"؟!
العمل بالحديث الضعيف: على فرض تسليم ضعف الأحاديث انفراداً، فإن القواعد الأصولية مستقرة عند جماهير العلماء على أن الحديث الضعيف يُعمل به في فضائل الأعمال والآداب، والدعاء وآدابه من صلب فضائل الأعمال.
التناقض المنهجي (الإلزام): إن من يقول ببدعية المسح تضعيفاً للحديث، يُسأل: هل تدعو ببطون أيديك؟ وهل ترفع يديك عند الصدر؟ فإن قال: نعم؛ قيل له: لماذا عملت بالجزئية الأولى من الأحاديث ولم تبدعها، وجعلت جزئية المسح بدعة وكلها خرجت من مشكاة حديثية واحدة؟!
مقام الفتية والنظر الفقهي: الفتوى تُؤخذ من الأئمة الفقهاء أصحاب المذاهب المتبوعة الذين يملكون ملكة الاستنباط والجمع بين الأدلة والقواعد الكلية، ولا يقتصر نظرهم على ظاهر السند فقط كصنيع المحدثين المحضين؛ فالفقيه هو من يقرر هل يُؤخذ حكم عملي من الحديث أم لا. ولذلك ظل قول العز بن عبد السلام والشيخ ابن تيمية قولاً مرجوحاً ومخالفاً للمعتمد المستقر في المذاهب الأربعة.
⚠️ تنبيهات وضوابط فقهية هامة:
عدم مسح غير الوجه: نص جماعة من الفقهاء (كالشافعية) على أن مسح غير الوجه كـ (الصدر) لا يسن قطاعاً، بل نصوا على كراهته.
منع تقبيل اليدين: يخلط الكثير من العوام بين مسح الوجه وتقبيل اليدين بعد الدعاء. وقد نص المحققون كالحافظ ابن حجر الهيتمي في فتاواه على أن تقبيل اليدين بعد الدعاء لا أصل له في الشريعة (صحيحاً ولا ضعيفاً) فلا ينبغي فعله، وإنما المشروع هو المسح فقط.
عدم مسح غير الوجه: نص جماعة من الفقهاء (كالشافعية) على أن مسح غير الوجه كـ (الصدر) لا يسن قطاعاً، بل نصوا على كراهته.
منع تقبيل اليدين: يخلط الكثير من العوام بين مسح الوجه وتقبيل اليدين بعد الدعاء. وقد نص المحققون كالحافظ ابن حجر الهيتمي في فتاواه على أن تقبيل اليدين بعد الدعاء لا أصل له في الشريعة (صحيحاً ولا ضعيفاً) فلا ينبغي فعله، وإنما المشروع هو المسح فقط.
📌 الخلاصة:
مسح الوجه باليدين عقب الدعاء خارج الصلاة مستحب باتفاق المذاهب الأربعة وجمعٍ من السلف الصالح، والقول بتبديعه وتجهيل فاعله مجازفة وتسرع ظاهر يخالف المنهج الفقهي الأصيل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق