الأحد، 28 يونيو 2026

هل كل ما فعله النبي ﷺ يُعد فرضاً عيناً ؟!

 بصائر سلفية معاصرة

1. ليس كل ما فعله النبي ﷺ يُعد فرضاً عيناً
كان النبي ﷺ يلبس العمامة، ويلبس الإزار والرداء، وكان يعقِدُ شعره أحياناً ليكون له ذوائب، وكان يحب أكل "الدُّبَّاء" (القرع). فهل يصح أصولياً أن نقول إن من ترك لبس العمامة، أو لم يُطل شعر رأسه ليعقده، أو لم يأكل القرع يكون عاصياً أو آثماً؟
بالتأكيد لا؛ لأن علم أصول الفقه يُميز بين "السُنّة التعبدية المحضة" التي أُمرنا بها كفرائض عينية، وبين "سنن العادات، والجبلّة، والفطرة، والتجمل".
اللحية تقع عند قطاع واسع من العلماء في باب سنن الفطرة والتجمل الجبلي للرجال التي وافقت عادة العرب في عصره، والأمر فيها للاستحباب والإرشاد وليست فرضاً عيناً يُفسّق تاركه.
2. سنن لم يتركها النبي ﷺ ومع ذلك هي مستحبة
لم يترك النبي ﷺ السواك قط، ولم يترك قيام الليل حتى تفطرت قدماه الشريفتان، وكان يصوم حتى يُقال لا يفطر. فهل ترك السواك حرام؟ وهل ترك قيام الليل حرام؟
طبعاً لا؛ لأن مجرد "مواظبة" النبي ﷺ على فعلٍ ما لا تحوله تلقائياً إلى فرض يأثم تاركه، بل يُنظر إلى القرائن الشرعية المحيطة بالنص.
3. أين مدخل الخلاف الفقهي؟
العلماء والأئمة الكبار (كالمعتمَد والمفتى به عند متأخري الشافعية كالنووي والرافعي) الذين قالوا بأن حلق اللحية "مكروه كراهة تنزيهية" وليس حراماً، لم يزعموا يوماً أن النبي ﷺ حلقها. بل درسوا نصوص "أعفوا وأرخوا" ووجدوها مقترنة بسنن الفطرة (كقص الأظافر ونتف الإبط)، فصرفوا الأمر من الوجوب إلى الندب والاستحباب بناءً على قواعد اللغة والأصول.
المسألة أعمق بكثير من تبسيطها في عبارة "هل فعل أو لم يفعل"، بل هي مبنية على "فهم دلالة الفعل" في التشريع، والاختلاف في الفروع الفقهية بين المذاهب المعتبرة سعة ورحمة للمسلمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق