هل تتغيّر الفتوى بتغيّر الزمان؟ أم أن الدين يتغيّر؟
من أكثر الاعتراضات شيوعاً أن يقال:
"إذا قلتم إن الفتوى تتغير بتغير الزمان، فهذا يعني أن الدين يتغير!"
وهذا خلط بين أمرين مختلفين تماماً:
- ثبات الدين.
- تغيّر الفتوى.
فالدين الذي أنزله الله ثابت، لا يزاد فيه ولا ينقص، قال تعالى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.
لكن تنزيل الأحكام على الوقائع المتجددة يحتاج إلى فهم الواقع، كما يحتاج إلى فهم النص.
ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
"الفقيه من يطبّق بين الواقع والواجب، وينفذ الواجب بحسب استطاعته، لا من يلقي العداوة بين الواجب والواقع."
فالمقصود ليس تغيير النصوص، وإنما حسن تنزيلها على الواقع.
الصحابة أنفسهم غيّروا الفتوى
النبي ﷺ نهى عن أخذ ضالة الإبل.
لكن عثمان وعلي رضي الله عنهما أمرا بأخذها وتعريفها ثم بيعها إذا اقتضت المصلحة.
هل خالفا الحديث؟
كلا.
بل لأن الواقع تغيّر.
ففي زمن النبي ﷺ كانت الإبل تجد ماءها ومرعاها، وكان الأمن غالباً.
أما بعد ذلك فقد ظهر من يسرقها ويستولي عليها.
فتغيّر الحكم العملي بسبب تغيّر الواقع، لا بسبب تغيّر النص.
ولهذا لم يقل أحد من الصحابة:
"إن عثمان خالف السنة."
بل فهموا أن الحكم يدور مع علته.
وزاد عثمان الأذان
في عهد النبي ﷺ كان المسلمون قليلين، والمدينة صغيرة.
فلما اتسعت المدينة وكثر الناس، أمر عثمان رضي الله عنه بالأذان الأول يوم الجمعة.
ولم ير الصحابة في ذلك تغييراً للدين.
بل رأوه تحقيقاً لمقصود الشريعة، وهو إعلام الناس بدخول وقت الجمعة.
وجمع أبو بكر القرآن
بعد استشهاد عدد كبير من القراء في اليمامة، أشار عمر رضي الله عنه بجمع القرآن.
وتردد أبو بكر أولاً وقال:
"كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ؟"
لكن لما تبينت له المصلحة قال:
"هو والله خير."
فلم يكن المعيار مجرد وجود الفعل أو عدمه، وإنما موافقته لمقاصد الشريعة.
القاعدة التي قررها العلماء
قرر العلماء أن:
الأحكام المبنية على الأعراف والمصالح تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال.
أما العقائد، وأركان الإسلام، والمحرمات القطعية، والفرائض، فلا تتغير أبداً.
ولهذا قال ابن القيم:
"ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب، على اختلاف أعرافهم وأزمنتهم وأحوالهم، فقد ضل وأضل."
وهذه العبارة من أشهر قواعد الفقه الإسلامي.
الخلاصة
ليس معنى تغيّر الفتوى أن الدين يتغيّر.
بل معناه أن الشريعة الخالدة قادرة على التعامل مع الوقائع المتجددة، دون أن تفقد ثوابتها.
ولهذا بقي الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان.
أما الجمود على ظاهر بعض التطبيقات، مع إهمال عللها ومقاصدها، فهو الذي قد يؤدي إلى تعطيل مقاصد الشريعة، وإظهار الدين بصورة لا تعكس يسره وحكمته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق