هل تخصيص يومٍ بعمل صالح يُعد بدعة؟
من أكثر الاعتراضات تكرارًا على الاحتفال بذكرى المولد قول بعضهم:
"تخصيص يوم من السنة بعبادة لم يخصصها الشرع هو البدعة."
وهذه العبارة تحتاج إلى شيء من التفصيل؛ لأن كلمة "التخصيص" ليست حكمًا شرعيًا بذاتها، وإنما يُنظر في سببها، وفي طبيعة العمل المخصص.
أولًا... هل كل تخصيص ممنوع؟
لو كان كل تخصيص لزمان أو مكان ممنوعًا، لكان كثير من أعمال المسلمين اليوم داخلاً في البدعة.
فنحن نخصص:
- مواعيد ثابتة لدروس التفسير.
- مواسم لحفظ القرآن.
- أسابيع للمؤتمرات العلمية.
- أيامًا للملتقيات الدعوية.
- ليالي للاعتكاف الجماعي أو ختم القرآن.
ولا يقول أحد إن مجرد اختيار هذا الموعد يجعل العمل بدعة.
لأن التخصيص هنا تنظيمٌ لوسيلة، لا إنشاء عبادة جديدة.
الفرق بين العبادة والوسيلة
هناك فرق كبير بين أن يقول شخص:
"أوجب الله هذا اليوم."
وبين أن يقول:
"اخترنا هذا اليوم ليجتمع الناس على تلاوة القرآن، أو دراسة السيرة."
في الحالة الأولى نتحدث عن تشريع.
أما في الثانية فنحن أمام وسيلة تنظيمية.
ولهذا لا بد من التمييز بين تخصيصٍ تعبدي، وتخصيصٍ إداري أو تعليمي أو دعوي.
هل عرف المسلمون هذا النوع من التخصيص؟
نعم.
فالصحابة والتابعون كانوا يحددون أوقاتًا لمجالس العلم، ويجتمع الناس في مواسم معينة للتذكير والوعظ والتعليم.
ولم يكن مجرد تحديد الموعد هو محل الإنكار، وإنما كان الإنكار إذا اقترن التحديد باعتقاد فضلٍ شرعي لم يدل عليه دليل.
وهنا يظهر الفارق الدقيق الذي يغفل عنه كثير من الناس.
أين يقع الإشكال إذن؟
الإشكال ليس في الاجتماع نفسه.
ولا في قراءة القرآن.
ولا في الصلاة على النبي ﷺ.
ولا في إطعام الطعام.
فهذه كلها أعمال مشروعة في أصلها.
وإنما السؤال هو:
هل جعل يوم معين مناسبة سنوية لهذه الأعمال يُعد تشريعًا جديدًا؟
هنا وقع الخلاف بين العلماء.
فمن رأى أن هذا التخصيص يحمل معنى التعبد بذاته منعه.
ومن رأى أنه مجرد وسيلة للتذكير، لا يقصد بها إثبات فضل شرعي لذلك اليوم، أجازه بضوابطه.
وهذا يبين أن الخلاف ليس في أصل الطاعات، وإنما في وصف هذا التخصيص.
بين الإفراط والتفريط
ومن الإنصاف أن يقال:
ليس كل احتفال بالمولد على صورة واحدة.
فقد يشتمل بعض الاحتفالات على مخالفات شرعية لا يختلف العلماء في إنكارها، كالغلو، أو الاعتقادات الفاسدة، أو اختلاط المحرمات بالمناسبة.
كما أن هناك احتفالات لا تتجاوز قراءة القرآن، وذكر السيرة، والصلاة على النبي ﷺ، وإطعام الطعام، والصدقة.
فهل يُعطى الجميع حكمًا واحدًا؟
هذا ما يحتاج إلى نظر.
فالفقه الإسلامي يفرق بين أصل الفكرة، وبين الطريقة التي تُمارس بها.
ولا يصح أن يُحكم على جميع الصور بحكم واحد إذا اختلفت حقيقتها.
الميزان الذي ينبغي أن نحتكم إليه
ليس كل جديد مردودًا.
وليس كل جديد مقبولًا.
وإنما الميزان هو:
- هل يخالف نصًا صحيحًا؟
- هل يشتمل على محرم؟
- هل يغير عبادةً توقيفية؟
- هل يُعتقد فيه فضل لم يثبته الشرع؟
فإذا انتفت هذه المحاذير، بقي المجال مفتوحًا لاجتهاد العلماء، واختلافهم الذي يسعه الدليل.
الخلاصة
الخلاف في الاحتفال بالمولد ليس خلافًا حول قراءة القرآن، أو الصلاة على النبي ﷺ، أو محبته، فكل ذلك مشروع باتفاق المسلمين.
وإنما الخلاف يدور حول حكم تخصيص مناسبة معينة بهذه الأعمال، وهل هو من باب الوسائل المباحة، أم من باب الإحداث في الدين.
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُناقش بأدب العلم، بعيدًا عن التبديع والتخوين، وبعيدًا أيضًا عن التهوين من شأن النصوص الشرعية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق