الجمعة، 7 أغسطس 2026

هل كل ما لم يفعله النبي ﷺ يكون حرامًا؟

 

هل كل ما لم يفعله النبي ﷺ يكون حرامًا؟

من أكثر العبارات تكرارًا في الجدل حول المولد قول بعضهم:

"لو كان خيرًا لفعله رسول الله ﷺ."

وهذه العبارة تبدو قوية لأول وهلة، لكن السؤال الأهم هو:

هل هذا الميزان طبّقه الصحابة أنفسهم؟

الجواب: لا.

فقد وقع بعد وفاة النبي ﷺ عدد كبير من الأمور التي لم يفعلها هو بنفسه، ومع ذلك فعلها الصحابة، لأنهم فهموا أن ترك النبي ﷺ للشيء لا يدل دائمًا على تحريمه.

ومن أشهر الأمثلة:

  • جمع القرآن في مصحف واحد.
  • الأذان الأول يوم الجمعة في عهد عثمان رضي الله عنه.
  • جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح.
  • إنشاء الدواوين.
  • اتخاذ السجون.
  • كتابة العلوم.
  • تنقيط المصحف وشكله.

كل هذه الأمور لم يفعلها النبي ﷺ، ومع ذلك لم يقل أحد من الصحابة:

"لو كان خيرًا لفعله رسول الله."

بل نظروا إلى المصلحة، وإلى عدم مخالفة نص شرعي.

وهذا يدل على قاعدة مهمة جدًا:

ترك النبي ﷺ للفعل ليس دليلًا مستقلًا على التحريم.

فالترك له أسباب كثيرة، منها:

  • عدم الحاجة إليه.
  • عدم وجود سببه في زمنه.
  • خشية أن يفرض على الأمة.
  • انتظار الوحي.
  • أو غير ذلك من الأسباب.

ولهذا يقول علماء الأصول:

الترك المجرد لا يفيد التحريم إلا إذا دل دليل آخر على أن الترك مقصود للتشريع.

أما إذا خلا من هذا الدليل، فلا يكون حجة على المنع.

ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس:

هل فعله النبي ﷺ؟

بل:

هل يخالف هذا العمل نصًا من القرآن أو السنة؟

فإن لم يخالف نصًا، وكان يحقق مصلحة شرعية، بقي محل اجتهاد بين العلماء، لا محل تبديع وتضليل.

ولهذا اختلف العلماء في الاحتفال بالمولد النبوي، ولم يكن الخلاف لأن أحد الفريقين ينكر كمال الدين، وإنما لاختلافهم في تنزيل القواعد الأصولية على هذه المسألة.

إن تحويل كل ما لم يفعله النبي ﷺ إلى محرم، يجعل كثيرًا من الوسائل والمصالح التي أجمع عليها المسلمون اليوم داخلة في دائرة المنع، وهو ما لم يقل به أحد من الأئمة.

ولهذا ينبغي أن يكون النقاش علميًا، قائمًا على القواعد والأصول، لا على الشعارات المختصرة.

يتبع... في المقال القادم: هل عبارة "كل بدعة ضلالة" تشمل كل جديد بلا استثناء؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق