هل كان الصحابة يرفضون كل جديد؟ أم كانوا يجتهدون عند تغيّر الأحوال؟
من يقرأ سيرة الصحابة رضي الله عنهم قراءةً متأنية، يلاحظ أنهم كانوا أبعد الناس عن الجمود، وفي الوقت نفسه أبعد الناس عن الابتداع في الدين.
فكانوا يجمعون بين أمرين:
- المحافظة على النصوص والثوابت.
- والاجتهاد فيما لا نص فيه، أو فيما تغيّرت علته وظروفه.
ولهذا لم يكن سؤالهم دائماً:
"هل فعل النبي ﷺ هذا؟"
بل كان سؤالهم أيضاً:
"هل يحقق هذا مقصود الشريعة؟ وهل يعارض نصاً؟"
وهذا هو الفقه الحقيقي.
جمع القرآن
بعد معركة اليمامة استشهد عدد كبير من حفظة القرآن.
فخشي عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يضيع شيء من القرآن بموت القرّاء.
فأشار على أبي بكر الصديق رضي الله عنه بجمعه في مصحف واحد.
وكان أول جواب أبي بكر:
"كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ؟"
وهذا يدل على عظيم تعظيمهم للسنة.
لكن عمر لم يكتف بمجرد كون النبي ﷺ لم يفعله، بل بيّن له المصلحة.
فما كان من أبي بكر إلا أن قال بعد اقتناعه:
"هو والله خير."
فلو كان مجرد عدم فعل النبي ﷺ كافياً في المنع، لما جُمع القرآن أصلاً.
ضالة الإبل
نهى النبي ﷺ عن أخذ ضالة الإبل، لأنها كانت في زمنه محفوظة بطبيعتها، تجد الماء والمرعى حتى يجدها صاحبها.
لكن في زمن عثمان وعلي رضي الله عنهما تغيّرت الأحوال، وكثر الاعتداء على الأموال.
فأمرا بالتقاطها، وتعريفها، ثم بيعها وحفظ ثمنها لصاحبها.
هل نسخا الحديث؟
أبداً.
بل عملا بمقصوده.
فالمقصود هو حفظ مال المسلم، لا مجرد ترك الإبل في كل زمان ومكان.
الأذان الأول يوم الجمعة
في زمن النبي ﷺ كانت المدينة صغيرة، وكان الناس قريبين من المسجد.
فلما اتسعت المدينة في خلافة عثمان رضي الله عنه، أمر بأذانٍ أول قبل الأذان المعروف، ليتهيأ الناس للصلاة.
فلم يكن ذلك تغييراً للجمعة، ولا زيادةً في عدد ركعاتها، وإنما كان وسيلةً لتحقيق المقصود من الأذان، وهو إعلام الناس.
ولهذا وافقه الصحابة.
إنشاء الدواوين
وفي خلافة عمر رضي الله عنه أُنشئت الدواوين لتنظيم شؤون الدولة الإسلامية، وقد استفاد المسلمون في ذلك من التجربة الفارسية.
ولم يقل أحد من الصحابة:
"هذه طريقة لم يفعلها النبي ﷺ."
لأنها ليست عبادة، وإنما وسيلة إدارية تحقق مصلحة معتبرة.
ماذا يجمع هذه الأمثلة؟
لو تأملنا هذه الوقائع كلها، لوجدنا أن الصحابة لم يكونوا ينظرون إلى مجرد "الجِدّة"، وإنما كانوا ينظرون إلى أمور أربعة:
- هل يخالف العمل نصاً صريحاً؟
- هل يحقق مصلحة معتبرة؟
- هل يحفظ مقصداً من مقاصد الشريعة؟
- وهل يغيّر حقيقة العبادة أم يقتصر على وسيلة من وسائلها؟
فإذا سلم العمل من معارضة النصوص، وكان محققاً للمصلحة، اجتهدوا فيه.
أما إذا عارض نصاً أو أفسد أصلاً من أصول الدين، ردوه ولم يقبلوه.
وهذا هو المنهج
ولهذا فإن تصوير المسألة على أنها اختيار بين:
- اتباع السلف.
- أو الأخذ بالمستجدات.
تصوير غير دقيق.
فالصحابة أنفسهم كانوا أهل اجتهاد، لكن اجتهادهم كان منضبطاً بالنصوص، لا متحرراً منها.
ومن هنا نفهم أن القضية ليست في كون الشيء جديداً، وإنما في كونه موافقاً أو مخالفاً لهدي الشريعة ومقاصدها.
خلاصة المقال
السلف الصالح لم يكونوا أسرى للأشكال، ولا دعاة إلى الجمود، كما أنهم لم يكونوا دعاة إلى الانفلات من النصوص.
بل كانوا يوازنون بين ثبات الوحي وتغيّر الواقع، ولذلك استطاعوا أن يبنوا حضارة امتدت شرقاً وغرباً، دون أن يشعروا أنهم خرجوا عن سنة رسول الله ﷺ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق