الأحد، 18 أغسطس 2019

الاختلاط العائلي

الاختلاط العائلي

دخل الرجل بيت أخيه ، فسلم وجلس ،وأخذ يتجاذب أطراف الحديث مع أخيه ... وبعد فترة ، وإذا بنقرات على  الباب الداخلي ، فقام صاحب البيت وأحضر الضيافة ... دهش الأخ الزائر لهذا التصرف ؛ فإن زوجة أخيه ، والتي هي ابنة عمه ، والتي نشأت معها أطفالا ، لا تظهر عليه .. ولا تكلمه ..!! نمط جديد في السلوك لم يتعوده ..!!

المرأة فهمت بعض تعاليم الإسلام بعد جفاء وطول غفلة ، وأرادت الأسرة أن تطبق ما فهمت من تعاليم الإسلام فتحجبت المرأة ، ولم تعد تتكلم أو تجلس مع أقاربها أو أقارب زوجها من الرجال ..

شعر الأخ الزائر بشيء من الإهانة لا سيما وهو الأخ الإكير ، ثارت الدماء في عروقه ، غضب ، ولم تفلح الحجج القوية في إقناعه ، وغضب لغضبته الأب والأم واللإخوة والأخوات ... وتقطعت حبال المودة ، وذر الخلاف والجفاء بقرنه بين الأخوين ، ومن ثم الأهل وهذه الأسرة التي بدأت تسير على طريق الإسلام ، فانقسموا إلى فريقين ، وكلاهما يتصور أنه على الصواب .



الإسلام دين الفطرة السوية ، وهو دين المودة وصلة الأرحام ، ولم يحرم الإسلام شيئا إلا لضرر محقق يلحقه بالناس ، فتعاليمه لحماية المجتمع ، لا لتفتيت الناس ، وتقطيع الأرحام .

ولما كان الناس قد بعدوا عن دينهم ، وحلت محله الأعراف الخاطئة ، سلكوا مسالك عدة ، استعاضوا بها عن الدين ، وفهموا لطول الممارسة أن هذا هو الصحيح ، وما عداه باطل . 

فلما بدأ الناس يرجعون إلى تعاليم دينهم ، وأخذت الصحوة الإسلامية طريقها إلى القلوب ؛ فهم بعض الناس الإسلام على غير وجهه ، فهم جاؤوا الأمر من أقصاه إلى أقصاه ، في حين أن رجعتهم إلى الإسلام وسلوكيات الإسلام لا تعني محاربة كل شيء في المجتمع ، فإن بعض القيم والعادات السائدة لها جذورها الإسلامية ، ومن الخطأ محاربتها والتصادم معها .

ومن هنا يأتي الشاب الملتزم أو الشابة الملتزمة فيريدان تطبيق الإسلام ـــ بفهمهم الخاص ـــ فيصطدمان مع سلوكيات اجتماعية لا يعارضها الإسلام ، وإن كان يهذبها .



فلو أن الناس عدلوا قليلا في بعض سلوكياتهم لاتفقت مع روح الإسلام و تعاليمه ، دون مشقة وعسر ، أو خلاف يقطع أواصر المحبة ووشائج القربى .

والسؤال : هل الإسلام يمنع أن تجلس المرأة مع أقاربها أو أقارب زوجها من الرجال في وجود محرم لها ، وبلباس شرعي محتشم ، متقيدة بشروط التقوى ؟



لقد كانت حياة الصحابة ــــ رضوان الله عليهم ــــ خالية من العقد النفسية ، والحساسية المتعبة التي يعيش فيها ناس هذا الزمان ، ولقد كان الإختلاط بينهم ــــ بشروطه الشرعية ـــ حاصلاً دون حساسية أو سوء ظن ، والأحاديث والوقائع في ذلك كثيرة: فقد ذكر البخاري ــــ رحمه الله ــــ في باب ((تسليم الرجال على النساء والنساء على الرجال)) حديث سهل رضي الله عنه ـــ قال: كنا نفرح يوم الجمعة ، قلت لسهل : ولم ؟
 قال : كانت لنا عجوز (وفي كتاب الجمعة : كانت لنا امرأة) ترسل إلى بضاعة ( قال ابن مسلمة راوي الحديث: نخل بالمدينة ) فتأخذ من أصول السلق فتطرحه في قدر وتكركر حبات من شعير ، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا ، ونسلم عليها فتقدمة إلينا فنفرح من أجله ... إلخ الحديث (1).

قال العسقلاني في الفتح : ((... فلو اجتمع في الجلس رجال ونساء جاز السلام من الجانبين عند أمن الفتنة ))
(1)(لاحظ: السلام غير المصافحة) .

وذكر البخاري أيضاً في باب (( قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس )) حديث سهل بن سعد (رضي الله عنه ) قال :لما أعرس أبو أسيد الساعدي دعا النبي (صل الله عليه وسلم) وأصحابه ،  فما صنع لهم طعاماً ولا قربه إليهم إلا امرأته أم سيد ، بلت تمرات في ثور من حجارة من الليل ، فلما فرغ النبي (صل الله عليه وسلم) من الطعام أمانته له فسقته تتحفه بذلك (2)

وفي رواية : ( فكانت امرأته خادمهم يومئذ وهي العروس ) . قال العسقلاني في الفتح : ((... وفي الحديث جواز الخدمة المرأة زوجها ومن يدعوه ، ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الفتنة ، ومراعاة ما يجب عليها من الستر )) (3)

وروى مسلم ـــ رحمه الله ـــ عن أنس (رضي الله عنه) قال: قال أبو بكر لعمر (رضي الله عنه) : انطلق بنا إلى أم أيمن ( رضي الله عنه ) نزورها كما كان رسول الله (صل الله عليه وسلم) يزورها ، فلما انتهيا إليها بكت ، فقالا لها : ما يبكيك أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله (صل الله عليه وسلم) فقالت : إني لا أبكي ، إني لأعلم ما عند الله تعالى خير لرسول الله (صل الله عليه وسلم) ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء ، فهيجتها علىالبكاء ، فجعلا يبكيان معها )) (1) . قال النووي في شرح صحيح مسلم: (( فيه زيارة جماعة من الرجال للمرأة الصالحة وسماع كلامها )) (2) .

أما حديث عقبة بن عامر (رضي الله عنه) أن رسول الله (ص) قال: ((إياكم والدخول على النساء . فقال رجل من الأنصار : أفرأيت الحمو قال : الحمو الموت)) (3) فإنه يعني الدخول عليها

والخلوة بها دون محرم . ويوضح ذلك تمام التوضيح حديث ابن عباس (رضي الله عنها) أن رسول الله (صل الله عليه وسلم) قال: (( لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم)) (4) .

ولا شك أن كلمة ((يخلون)) تعني الجلوس معها والانفراد بها ، لأن الاستثناء في قوله (صل الله عليه وسلم): ((إلا مع ذي محرم)) يعني: إذا كان المحرم موجودا فلا بأس بالتواجد معها في مكان واحد . ويدل على ذلك أيضا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنها) قال رسول الله (صل الله عليه وسلم): (( لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان)) (5) . والمغيبة هي التي غاب عنها زوجها . أما قوله تعالى في  شأن نساء النبي (صل الله عليه وسلم): (...وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ، ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما) [الأحزاب:53] فإن ذلك خاص بنساء النبي (صل الله عليه وسلم ) ، فإذا تقيدت به امرأة من عامة الناس فلا بأس ، وإن لم تفعل فلا حرج عليها . أما دعوى أن هذا الأمر يلزم كل النساء فلا دليل عليها.

وأما قول من قال: أن هذا في شأن نساء النبي (صل الله عليه وسلم) وهن أطهر من غير هن وأتقى ، فالأمر ألزم في شأن من دونهن ، فهذا أمر مردود ، لأن الله عزوجل أراد أن يحيط بيت النبوة بسياج لا تنفذ منه الريبة ، ويعصمه من كل خلل ، لأنه أصل الرسالة ، وعنهن يؤخذ العلم ، وهذا وضع خاص بهن ، بدليل أن الله عزوجل ضاعف لهن العذاب ، كما ضاعف لهن الثواب كذلك :( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين، وكان ذلك على الله يسيراً ، ومن يقنت منكن الله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا
 لها رزقاً كريماً ، يا نساء النبي لسن كأحد من النساء...)  وهذا وضع متميز لمكانتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعلى هذا نقول: أنه في حالة الأقارب الأدنيين ، والأصهار الأقربين، الحالة التي يشق على الناس فيها العزلة التامة، بأس أن تجلس المرأة معهم ، في وجود أحد محارمها كالأب والأخ والزوج والابن والعم والخال والجد ....، محتشمة حشمة واضحة ، اّخذة بأسباب التقوى ، وهذا حال الفلاحات في القرى والبدويات في البادية منذ القدم إلى يومنا هذا ، حيث يقمن بخدمة الضيوف ، والتردد على مجلسهم، ومخالطة الرجال الأجانب (غير الحارم)في الأسواق والحقول ، وهن متحفظات بسترهن وحشمتهن (1).

وإن شعرت أن هناك سبباً يخل بذلك ، ولا تأمن فيه من الفتنة فلتتحرز من ذلك جهدها ،وإن أخذت بعدم الجلوس معهم أو الظهور عليهم والاختلاط  بهم بالشروط السابقة ، دون عسر أو إحداث خلاف أو تقطيع رحم ، فهو أولى وأكمل ، وتكون أخذت بالعزائم،والله يوفقها ويثيبها على نيتها.



السبت، 17 أغسطس 2019

مامعتى هذا القول "كل يؤخذ من قوله ويُردُّ إلا النبي صلى الله عليه وسلم" وكيف نفهمه ..؟!

من مظاهر الغلط في تطبيق مبدأ "كل يؤخذ من قوله ويُردُّ إلا النبي صلى الله عليه وسلم" ما يلي:

أولاً: التذرُّعُ بهذه المقولة لردِّ النصوص الشرعية، بأن يتظاهر صاحبُ الردِّ بأنه يردُّ على من يستدلُّ بهذه النصوص، وهو في الحقيقة لا يخالفه في فهم النصوص، وإنما غرضه ردُّ النصِّ نفسه، لكن لا يتجاسر على ذلك، فيلجأ إلى ردِّ قولِ من يستدلُّ به استدلالاً صحيحاً.

ثانياً: الردُّ غير المستند إلى علمٍ، بل يكون نابعاً عن الهوى، ومن علاماته أن يخالف صاحبُهُ ما عليه العلماء، أو يبتكر للاستدلال طريقاً مُغايراً لطرق استدلالهم، ومن علامات هذا أن يُبَيَّنَ الحقُّ للمعترض، وتُقامَ عليه الحجة الساطعة، فينقطع ولا يجد مُتمسّكاً يتشبثُّ به، ومع ذلك يُصرُّ على رفض الحق، وتأخذه العزة بالإثم، وأول من ابتدع هذا من هذه الأمة الخوارج، فقد أعظموا الفرية بتكفير أعيان الصحابة رضوان الله عليهم بما تخيّلوهُ حكماً بغير ما أنزل الله، واستباحوا دماء المسلمين، وابتدعوا بدعهم المذمومة المعروفة، ولم يكن هذا عن علمٍ وبصيرةٍ، والأدهى أنهم لما ناظرهم ابن عباس رضي الله عنهما وأتى بنيان فكرهم من القواعد حتى خرّت سقوفُهُ آثرَ الكثيرُ منهم المكابرة والعناد، وهذا برهانٌ على أن ردّهم لـِمَا ردّوه على المجتمع ليس موزوناً بمعايير الحق.

ثالثاً: تبريرُ ردِّ الشيء بمجرّد كونه مذهباً للخصم، فبعض الناس قد يردُّ حقّاً عند مخالفه استنكافاً من موافقته، وتمادياً في تخطئةِ المخالِف، وقد يُمارسُ بعض المتعلمين هذا مع أقرانه ومنافسيه، فيُقلِّلُ من شأن ما يُنتجون من العلم من تدريسٍ أو تصنيفٍ لا لدليلٍ يملكه على ما يدّعيه، بل حسداً وبغياً.

رابعاً: استخدام هذه القاعدة لردِّ الثوابت الدينية، والمسائل الـمُجمع عليها، والتشكيك فيما كان معلوماً من الدين علماً يقينياً، وهذا من الغلط الفادح؛ فالردُّ إنما يتوجّهُ –بشروطِهِ وضوابطِهِ- إلى اجتهادِ آحادِ الناس، أما ما اتّفقت عليه الأمةُ فلا يسوغُ ردُّهُ، ولا تجوز مخالفته، بل اللازم تلقِّيهِ بالقبول، فالأمةُ لا تجتمعُ على ضلالةٍ، وكما لا يجوز خرقُ الإجماعِ بردِّ الـمُجمعِ عليه كذلك لا ينبغي مخالفة ما تقرّرَ لدى جماهير العلماء وإن شذَّ فيه من لا عبرةَ بشذوذِهِ.

وبهذا يتّضحُ أن لمقولةِ (كُلٌّ يؤخذُ ...) تطبيقها الصحيح الذي مارسه العلماء قديماً وحديثاً، وأن من حَرَفَهَا عن وجهها الصحيح لهوى في نفسه أو جهالة لم تُقبل منه، ولم تكفِ حُجَّةً له على خصمه.

الأربعاء، 14 أغسطس 2019

الإسلام.. والتعامل مع الآخر

الإسلام.. والتعامل مع الآخر
الإسلام نظام شامل كامل لتنظيم حياة البشر على الأرض. وكمال الإسلام وشموله يعني أنه ينظم علاقة الإنسان بخالقه كما ينظم علاقة العبد بسائر مخلوقات الله. ولما كان البشر هم أكرم هذه المخلوقات، فإنه من الطبيعي أن يولي الإسلام قدراً كبيراً من الاهتمام بعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، سواء كان ذلك على مستوى الأسرة أو المجتمع أو الدولة أو الأمة أو الإنسانية جمعاء.
وشمول الإسلام وعالميته يقتضي كذلك أن يشمل هديه تنظيم وترشيد علاقة المسلم بغير المسلم في حالتي السلم والحرب(1).
بسم الله الرحمن الرحيم
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ .الحجرات – 13
مقدمة
ولقد أصبحت قضية التعامل مع الآخر من القضايا الهامة والملحّـة.. وازدادت أهميتهـا عنـدما أطلق فلاسفة الغرب
-----------------------
(1) علاقة المسلم بغير المسلم – د. جمال بدوي، ص- 39.
ومفكروه شعارات مثل: نهاية التاريخ، وصراع الحضارات. واتخذ قادة الغرب مواقف، وأطلقوا حروباً مدمرة ضد المسلمين، معتمدين على نظريات هؤلاء المبشرين أمثال برنارد لويس، وصاموئيل هنتنغتون، والقس فرنكلين جراهام، المقرب من الرئيس الأمريكي بوش، القائلة بضرورة محاربة قوى الشر والإرهاب.. وأعلنوها صريحة أن الإسلام هو الإرهاب. وإذا كان للعالم أن يعيش في سلام فلا بد من القضاء على محاور الشر فيه.. وتغيير ثقافات ومبادئ ومناهج ومعارف المسلمين التي لا تخرّج غير الإرهابيين الأشرار!
إلا أن الإسلام له موقف مختلف، فبدلاً من القضاء على الثقافات الأخرى، أو تغييب الأفكار المضادة، فإنه يدعو إلى التعايش مع الآخرين في ظل مبادئ وأسس وقوانين أخلاقية وإنسانية.
وبناء على ذلك فقد أصبح من الضروري توضيح هذا الأمر، وتحديد الآخرين الذين نختلف معهم.. وكيف نتعامل مع كل فريق منهم.. وفقاً للتعاليم الإسلامية.
وهؤلاء هم:
1- المسلمون الذين نختلف معهم في بعض الفروع.
2- غير المسلمين الذين نختلف معهم في العقائد والأصول من اليهود والنصارى وأتباع الديانات الأخرى.
(2)
المسلم الذي نختلف معه في بعض الفروع
تحدث عن هؤلاء بعض الكتّاب الدعاة.. وبينوا لنا أحسن السبل للتعامل معهم. يقول الشيخ محمد الغزالي:
(إن المطارق التي هوت على أمّ رأس الأمة الإسلامية، وجعلتها تجثو بين أيدي أعدائها كانت من الداخل لا من الخارج! حدث ذلك في تاريخها القريب والبعيد، وجنت الأمة من وراء انقساماتها الصاب والعلقم!
وفي تجوالي بأرجاء العالم الإسلامي رأيت اختلاف الفقهاء من ألف عام ويزيد يقسّم المسلمين طوائف متباعدة، ويغري الرجل أن ينظر إلى أخيه شزراً في قضية علمية خفيفة الوزن، وربما رفض الصلاة خلفه!
ثم تنضم إلى الخلاف الفقهي قضايا شخصية ومنفعية تخص هذا أو ذاك، فإذا الإخاء الإسلامي يذوب والخصومات الخبيثة تضرى وينشغل المسلمون بعضهم ببعض)(1).
-----------------------
(1) دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين- محمد الغزالي، ص- 49.
الفرقة الناجية
إن الموقف الفئوي والمتعصب الذي يحكم سلوك بعض المجموعات والجماعات الإسلامية، أو الفرق والاتجاهات، والذي يقوم على ادعاء: أن كل فريق منهم هو الفرقة الناجية، موقف كان ولا يزال يولد الشقاق، ويؤسس لفتن بدأت مع الخوارج في أواخر عهد الخلفاء الراشدين.. وتفاقمت في أيامنا هذه..
إن الفرقة ورفض كل فئة للأخرى هو أحد الأسباب الرئيسة لهذه الحالة المزرية التي يعيشها المسلمون في العالم اليوم.. وهي أشد خطورة من كل مكر الأعداء وطائراتهم وقنابلهم العملاقة التي يقصفون بها ديار المسلمين، وأبعد ما يكون عن روح الإسلام الكريمة.
ألا ينتبه هؤلاء إلى كلمات نبيهم في خطبة حجة الوداع، حين قال: (أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد).
وإلى قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(1).
بين الإخاء والروح الحزبية
إن روح التحزب التي تعمقت في نفوس من ينسبون أنفسهم إلى الحركات الإسلامية هي السبب الرئيس في مثل هذه المواقف المتشنجة.. وليس من حلّ لهذه الخلافات إلا إحسان الظن وسلامة الصدر والمحبة في الله..
يقول الإمام حسن البنا:
(نلتمس العذر كل العذر لمن يخالفوننا في بعض الفرعيات، ونرى أن هذا الخلاف لا يكون أبداً حائلاً دون ارتباط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير، وأن يشملنا وإياهم معنى
------------------------
(1) آل عمران- 103.
الإسلام السابغ بأفضل حدوده وأوسع مشتملاته، ألسنا مسلمين وهم كـذلـك؟
وألسنا نحب أن ننزل على حكم اطمئنان نفوسنا وهم يحبون ذلك؟
وألسنا مطالبين بأن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا؟
ففيم الخلاف إذن؟ ولماذا لا يكون رأينا مجالاً للنظر عندهم كرأيهم عندنا؟
ولماذا لا نتفاهم في جو الصفاء والحب إذا كان هناك ما يدعو إلى التفاهم..؟
يعلم الإخوان ذلك، فهم لهذا أوسع الناس صدراً مع مخالفيهم، ويرون أن مع كل قوم علماً، وفي كل دعوة حقاً وباطلاً، فهم يتحرون الحق ويأخذون به ويحاولون في هوادة ورفق إقناع المخالفين بوجهة نظرهم، فإن اقتنعوا فذاك، وإن لم يقتنعوا فإخوان في الدين نسأل الله لنا ولهم الهداية)(1).
ولـم يكـن ذلـك مجرد كلمات ذكرها الإمام حسن البنا في -------------------------
(1) دعوتنا- حسن البنا، ص- (28-30).
رسائله.. كما يتكلم أكثر الناس عن المثاليات حين يكتبون.. بل كانت مواقف عملية حقيقية حددت العلاقة بين الإخوان وبين الجماعات الإسلامية الأخرى.
قال الإمام حسن البنا: (وأما موقفنا من الهيئات الإسلامية على اختلاف نزعاتها، فموقف حب وإخاء وتعاون وولاء، نحبها ونعاونها، ونحاول جاهدين أن نقرب بين وجهات النظر ونوفق بين مختلف الفكر، توفيقاً ينتصر به الحق في ظل التعاون والحب. ولا يباعد بيننا وبينها رأي فقهي أو خلاف مذهبي، فدين الله يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)(1).
وقال أيضاً: (ومثل هذا الخلاف حول فروع الأعمال ، أمره بين خطأ وصواب فإذا عرفنا أن المخطئ والمصيب مأجوران، هان الخطب، فالإجماع على فروع الدين مطلب مستحيل، بل ويتنافى مع طبيعة هذا الدين. وعليه لابد أن نلتمس العذر لمن يخالفوننا في بعض الفرعيات. ونرى أن مثـل هذا الخلاف لا يكون أبداً حائلاً دون ارتبـاط القلوب، ---------------------------
(1) رسالة المؤتمر الخامس- حسن البنا.
وتبادل الحب، والتعاون على الخير)(1).
وعليه يتوجب:
• علـى الحركـات الإسلاميـة الـواعية.. أن تـدرك هـذه المعاني.. وأن تسـارع إلى تصحيح مواقفها من الآخرين.. فإذا كان الإسلاميون عاجزين عن التعاون وتنسيق المواقف فيما بينهم.. فكيف يدّعون أنهم سيوحدون الأمة ويجمعون شمل المسلمين؟
• وعلى الحركات الإسلامية الواعية.. أن تبتعد عن تجريح الحركات الأخرى أو اتهامها.. أو تكفيرها.. أو تفسيقها فنحن دعاة لا قضاة.
• وعلى الحركات الإسلامية خاصة تلك المتشامخة المتعاظمة التي تزعم لنفسها أنها أمة الإسلام أو جماعة المسلمين وأنها الفرقة الناجية من دون الآخرين.. وأنها الصواب وما عداها الخطأ.. أن تتطامن.. وأن تعترف بالآخرين.. فكل عامل للإسلام فريق وجماعة من المسلمين.. وليس الفريق الأوحد أو الجماعة الأولى والأخيرة.
---------------------------
(1) رسالة دعوتنا- حسن البنا.
وإذا لم تسارع الحركات الإسلامية إلى مثل هذا التفاهم والتعاون.. فلن تستطيع تحقيق أهدافها من ناحية.. ولن تستطيع بالتالي الصمود أمام هذه الهجمة الشرسة المتعددة الجوانب التي تعمل على هدم الإسلام واقتلاعه من جذوره من ناحية أخرى..
قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(1).
الموقف من الأحزاب غير الإسلامية
وإلى جانب الأحزاب والجماعات الإسلامية، يوجد عدد من الأحزاب والجماعات غير الإسلامية.. فما هو الموقف الإسلامي من ذلك التعدد..؟
يقول الأستاذ يوسف القرضاوي: إن تعدد الأحزاب في مجال
------------------------
(1) النحل- 125.
السياسة أشبه شيء بتعدد المذاهب في مجال الفقه. فإذا كان المذهب الفقهي مدرسة فكرية لها أصولها الخاصة في فهم الشريعة، والاستنباط من أدلتها التفصيلية في ضوئها. فإن الحزب هو مذهب في السياسة، له فلسفته وأصوله، ومناهجه.
التعددية الحزبية
المبادئ الدستورية العامة التي يتبناها الإسلام وهي: الشورى، والحرية، والعدالة، والمساواة، يصعب حمايتها والحفاظ عليها إلا في ظل نظام يحترم التنظيمات السياسية، ويضمن لها ممارسة نشاطها في حدود المصلحة العامة.. فالشورى والمعارضة وجهان لعملة واحدة هدفها تبادل الرأي بين الحاكم والمحكوم.. فالحاكم بحاجة إلى من يسترشد به ويعضده من ناحية، والمعارضة بحاجة إلى من ينظمها ويقودها من ناحية أخرى، وكلاهما تقوم به الأحزاب السياسية(1).
وقضية الأحزاب هي التي أثارت البلبلة عند الحركات الإسلامية.
-----------------------------------
(1) الإسلام وحقوق الإنسان- د. القطب محمد طبلية، ص- 249.
فلقد ركز الإمام حسن البنا (رحمه الله) على الحزبية في مصر.. وقال: لقد انعقد الإجماع على أن الأحزاب المصرية سيئة هذا الوطن الكبرى، وهي أساس الفساد الاجتماعي الذي نصطلي بناره الآن، وأنها ليست أحزابا حقيقية بالمعنى الذي تعرف به الأحزاب في أي بلد من بلاد الدنيا، فهي ليست أكثر من سلسلة انشقاقات أحدثتها خلافات شخصية بين نفر من أبناء هذه الأمة اقتضت الظروف في يوم ما أن يتحدثوا باسمها وأن يطالبوا بحقوقها القومية.
وبعد المحن المتلاحقة التي تعرضت لها الحركات الإسلامية في الكثير من البلدان، توضحت الصورة عندها، وتبينت أن النظام الذي يمنع الأحزاب.. ويسحق الحريات.. أو يبني لنفسه حزبا أوحدا يحتكر السلطة إنما هو نظام ديكتاتوري قمعي يحرم الإنسان من أبسط حقوقه في الكلام والمعتقد والتجمع، ولا يستحق مثل هذا النظام إلا المعارضة، ولئن هادنك اليوم فسينقض عليك غدا.
وبناء على ذلك، ونتيجة للتجارب المريرة للحركات الإسلامية.. فهي تؤمن اليوم:
• بضرورة وجود الأحزاب السياسية وترى أن تنوعها يخدم العمل السياسي العام ويصب في مصلحة الأمة.
• ولقد تحالفت الحركة الإسلامية في أكثر من بلد إسلامي مع أكثر من حزب سياسي ديمقراطي علماني..
في مصر تحالف الإخوان مع حزب الوفد في مرحلة، ومع حزبي الأحرار والعمل في مرحلة أخرى. وفي باكستان تحالفت الجماعة الإسلامية مع أحزاب أخرى.. وفي تركيا تحالف حزب السلامة مع حزب الشعب الجمهوري اليساري مرة ومع الأحزاب اليمينية مرة أخرى..
أما حزب الرفاه في تركيا فقد شكل الحكومة برئاسة زعيم الحزب البروفسور نجم الدين أربكان متحالفا مع الحزب الأكثر علمانية وهو حزب الطريق القويم بزعامة تانسو تشيللر.
إن النظرة السابقة التي ربما قبلت التعددية الحزبية في إطار الأحزاب الإسلامية (باعتبار أن الاتفاق على الإسلام كمبدأ عام لا ينفي إمكان الاختلاف على تفاصيل الخطط والبرامج والأولويات)، تطورت فصارت تقبل الأحزاب مطلقا..
فالإسلام لم يترك غير المسلمين دون حماية. بل هناك مبدأ هام يقضي بحسن معاملة الأقليات الدينية والسياسية داخل المجتمع الإسلامي. وبمقتضى هذا المبدأ يمنح أصحاب هذه الأقليات حق التعبير عن آرائهم وممارسة نشاطاتهم الفكرية والسياسية من خلال تنظيمات أو أحزاب سياسية خاصة بهم(1).
بل إن المستشار مأمون الهضيبي الناطق الرسمي للإخوان المسلمين قبل في تصريح له تشكيل حزب للأقباط في مصر واعتبر ذلك طبيعيا(2).
ولقد أثنى رسول الله على حلف الفضول الذي شهده في الجاهلية واجتمع فيه المتحالفون على نصرة المظلوم وقال: ولو دعيت له في الإسلام لأجبت.
-------------------------
(1) عمر بن الخطاب وأصول علم السياسة والإدارة الحديثة - سليمان الطحاوي، ص- 384.
(2) صرّح المرشد العام (السابق) حسن الهضيبي أنه لا يرى بأسا من تشكيل حزب شيوعي. (التربية السياسية عند الإخوان، ص- 357).
هذا بيان للناس
وفي البيان الذي أصدرته جماعة الإخوان المسلمين في مارس 1994م، تحت عنوان تعدد الأحزاب في المجتمع المسلم.. جاء فيه:
إننا نؤمن بتعدد الأحزاب في المجتمع الإسلامي وإنه لا حاجة لأن تضع السلطة قيودا من جانبها على تكوين ونشاطات الجماعات أو الأحزاب السياسية، وأن يترك لكل حزب أن يعلن ما يدعو إليه ويوضح منهجه.. بشرط الالتزام بالشريعة الإسلامية والمبادئ الأساسية للأمة التي لا خلاف فيها بين علماء وفقهاء المسلمين. كما إننا نرى أن قبول الأحزاب في المجتمع الإسلامي على النحو الذي أسلفناه يتضمن قبول تداول السلطة بين الجماعات والأحزاب السياسية.
وهكذا تكون النظرة الأولى التي شاعت عن الحركة الإسلامية بأنها ضد الأحزاب قد صححتها ببيان واضح.. يدعو إلى تعدد الأحزاب والجماعات تأسيا في ذلك بالمدارس العقدية والفقهية الإسلامية التي ظهرت في مراحل متعددة في التاريخ الإسلامي.
وقبول هذا الموضوع.. يضع الحركة الإسلامية في نقاط متوازية مع النظم السياسية الديمقراطية التي تعتبر الأحزاب جزءا رئيسا من بنائها.
(3)
غير المسلمين.. كيف ننظر إليهم..
وكيف نتعامل معهم؟
الأصل هو التنوع
الأصل في العلاقات الإنسانية هو التنوع والتمايز والاختلاف بين بني البشر .
والرؤية الإسلامية العقدية والفكرية – والتي تجسدت في تاريخها الحضاري واقعاً معاشاً عبر القرون – ترى أن الأصل والقاعدة والقانون، هو التنوع والتمايز والاختلاف.. فالواحدية والأحدية فقط للذات الإلهية، وما عداها يقوم على التعدد والاختلاف.. ذلك هو القانون التكويني الذي يسود ويحكم كل عوالم المخلوقات: في الإنسان.. والحيوان.. والنبـات.. والجماد.. وفي الأفكار والفلسفات والأيديولوجيات.. وفي الشرائع والملل والديانات..
قال الله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ(1).
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(2).
وقال تعالى: وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ(3).
وعليه فالإسلام يعترف بالآخر، ومن ثم يتعارف عليه ويتعايش معه، لا كمجرد واقع مفروض لا فكاك منه، وإنما باعتبار هذا الاعتراف وهذا التعارف سنة من سنن الله سبحانه وتعالى.
لكل جعلنا شرعة ومنهاجاً
ومـع التعـدد والتنـوع والاختلاف في الشعوب والأمم
------------------------
(1) البقرة- 213.
(2) الحجرات- 13.
(3) الروم- 22.
والجماعات.. وفي اللغات والقوميات.. وفي الأجناس والألوان.. هناك سنة وآية وقـانون التنوع والتمايز والاختلاف في الشرائع والملل الدينية.. وفي المناهج والثقافات والحضارات.
قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(1).
وقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ(2).
وفي تفسير المفسرين لآيتي سورة هود هاتين، يقولون: وللاختلاف خلقهم.
فعلى حين يقف إيمان يهود عند اليهودية وحدها، مع إنكار وتكفير ونفي جميع الآخرين.. وعلى حين تصنع المذاهب النصرانية ذلك أيضاً مع كل الآخرين. يتفرد الإسلام والمسلمون بالاعتراف بكل الشرائع وجميع النبوات وسائـر ------------------------
(1) المائدة- 48. (2) هود- (118-119).
الكتب. قال تعالى: آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ(1).
قانون الإيمان بين الإسلام وغيره
إن قانون الإيمان لدى كل ملة غير ملة الإسلام لا يكتمل إلا بإنكار كل الآخرين وتكفيرهم.. والإيمان الإسلامي وحده هو الذي لا يكتمل إلا إذا آمن أصحابه بكل النبوات والرسالات وكتب وشرائع هذه النبوات والرسالات.. بل ولا يكتمل هذا الإيمان الإسلامي إلا إذا مكّن المسلمون أهلَ تلك الشرائع والملل من إقامة عقائدهم، المخالفة للإسلام، بل والتي تنكر وتجحد الإسلام(2)!!
ولا يـأمر الإسـلام أتباعه بمعـاداة من خالفهم في الرأي
---------------------------
(1) البقرة- 285.
(2) الإسلام والآخر- د. محمد عمارة، ص- (17-22).
والعقيدة لمجرد الاختلاف، بل لرد العدوان ودفع الظلم إن وقع.. أما إذا سالمهم غيرهم، ولم يمدوا أيديهم إليهم بالأذى والظلم، فلا يكتفي الإسلام بأن يأمر أتباعه بمسالمتهم، بل يلزمهم بأن يبرّوهم ويقسطوا إليهم، كما يبرون المسلمين ويقسطون إليهم.
قال تعالى: لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(1).
---------------------------
(1) الممتحنة- (8-9).
(4)
نبدأ بالآخر اليهودي أو النصراني..
كيف تعاملنا معه؟!
قال تعالى: وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (1).
وقال تعالى: سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ(2).
وقال تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ . مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ(3). هذه هي الصورة القرآنية.. التي صاغت الثقافة الإسلامية تجاه أنبياء بني إسرائيل وشريعتهم وكتبهم.. فهل يستطيع حتى أكثر الحاخامات تعصباً، أو أشد علمانييها
------------------------
(1) البقرة- 87.
(2) الصافات- (120-122).
(3) آل عمران- (2-4).
تحرراً أن يجد شيئاً من ذلك في تصورات اليهود والنصارى وثقافتهم عن الآخر، وخاصة إذا كان هذا الآخر هو الإسلام والقرآن ورسول المسلمين وأمة الإسلام وحضارتهم وتاريخهم؟!
وعلاوة على هذه الصورة القرآنية عن الآخر اليهودي والنصراني.. فإن المسلمين وحضارتهم ودولتهم وتاريخهم وفقه معاملاتهم لم يقفوا بهذه الصورة عند حدود الأفكار المجردة.. وإنما وضعوها في الممارسة والتطبيق منذ عصر النبوة.. وعبر تاريخ الحضارة الإسلامية.. ولا بأس أن نستعرض بعض هذه النصوص والمواقف(1).
في العصر النبوي
• في دستور دولة النبوة الأولى نجد النصوص التالية:
(ويهود أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم.. مواليهم وأنفسهم.. وأن بطانة يهود كأنفسهم.. إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يـوتغ (يهلك) إلا نفسه وأهل
------------------------
(1) الإسلام والآخر- د. محمد عمارة، ص- 27.
بيته. ومن تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، غير مظلومين ولا مُتناصر عليهم.. ينفقون مع المسلمين ما داموا محاربين.. على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم.. وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم..)(1).
• ذكر ابن اسحق في سيرته: أن وفد نجران - وهم من النصارى - لما قدموا على رسول الله بالمـدينة، دخلوا عليه مسجده بعد العصر، فكانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله (دعوهم) فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم. ولقد استنتج الفقهاء المسلمون من هذه الحادثة جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين وتمكينهم من الصلاة فيها إذا كان ذلك عارضا(2).
• في العهـود التي كتبها النبي لعدد من التجمعـات
---------------------------
(1) مجموعة الوثائق السياسية- محمد حميد الله، وابن هشام 2: 149.
(2) زاد المعاد - الجزء الثالث.
اليهودية في شمال الجزيرة، بعد غزوة خيبر (7هـ) والسنين التي تلتها، إذ بعث إلى بني جنبة بمقنة القريبة من أيلة على خليج العقبة: (أما بعد فقـد نـزل عليّ رسلكم راجعين إلى قريتكم، فإذا جاءكم كتابي هـذا فإنكـم آمنـون لكم ذمة الله وذمة رسوله، وإن رسول الله غافر لكم سيئاتكم وكل ذنوبكم، لا ظلم عليكم ولا عدى، وإن رسول الله جاركم مما منع منه نفسه.. وإن عليكم ربع ما أخرجت نخلُكم وصادت عروككم (مراكبكم) واغتزل نساؤكم، وإنكم برئتم بعد من كل جزية أو سخرة، فإن سمعتم وأطعتم فإن على رسول الله أن يكرم كريمكم ويعفو عن مسيئكم وأن ليس عليكم أمير إلا من أنفسكم أو من أهل رسول الله)...
• وفي العهد الذي كتبه رسول الله في أعقاب غزوة تبوك (9هـ) لنصارى نجران، والذي يمثل قمة من قمم العدل والسماحة والحرية، جاء فيه:
(ولنجران وحاشيتهم جوار الله.. ومن سأل منهم حقاً فبينهم النَّصَف غير ظالمين ولا مظلومين.. ولا يؤاخذ أحدٌ منهم بظلم آخر. وعلى مـا فيـه هذه الصحيفـة جـوار الله وذمـة النبـي أبداً، حتى يأتي الله بأمره إن نصحوا وأصلحوا فيما عليهم. وقد دخل يهود نجران في هذا الصلح)(1).
وبذلك حوّل رسول الله هذه التجمعات اليهودية والنصرانية، إلى جماعات من المواطنين في الدولة الإسلامية يدفعون لها ما تفرضه عليهم من ضرائب نقدية أو عينية، ويحتمون بقوتها وسلطانها، ويتمتعون بعدلهـا وسماحتها: ولقد ظلّ اليهود والنصارى كمواطنين يمارسون حقوقهم في إطار الدولة الإسلامية لا يمسهم أحد بسوء(2).
قال تعالى: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُـولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ
-------------------------
(1)الطبقات- ابن سعد 1: 36.
(2) دراسة في السيرة- عماد الدين خليل، ص- 385 .
إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(1).
في عصر الخلفاء الراشدين
وجاء عهد الخلفاء الراشدين لكي يشهد المجتمع الإسلامي
تألقاً في العلاقات الإنسانية بين المسلمين وغيرهم لا يقل تفرداً وتألقاً عما شهده عصر الرسالة. لقد أصبح المجتمع الإسـلامي بحـركة الفتح مجتمعاً عالمياً ضم جناحيه على أعداد كبيرة من الأجناس والأديان والأقوام والجماعات والمذاهب والفرق والاتجاهات، ونريد أن نعرف كيف تم التعامل معهـا عبـر عمليات الفتح أولاً، وبعد استقرار الوجود الإسلامي ثانياً، وهل تمكن المسلمون من الاستجابة لتحديات التنوع المذهبي في مجتمعهم العالمي الجديد؟
• عند حصار القدس طلب بطريركها صفرينوس أن يحضر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليسلم له مفاتيـح المدينة فاستجاب عمر رضي الله عنـه ودخل
-------------------------
(1) العنكبوت- 46.
القدس واستلم مفاتيحها، ولما حانت الصلاة، وطلب منه البطريرك صفرينوس أن يصلي في الكنيسة لم يفعل الخليفة ذلك خوف أن يستغل ذلك أنـاس بعده فيطالبـون بموقع الكنيسة تحت حجة أن الخليفة عمر صلى فيها، وبعدها كان عقد الأمان المشهور باسم العهدة العمرية، وقد ورد فيها: (هذا ما أعطى أمير المؤمنين عمر أهل إيليا (القدس) من الأمان. أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم ولصلبانهم ومقيمها وبرّيّها وسائر ملتها أنها لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضارّ أحد منهم ولا يسكن بإيليا معهم أحد من يهود)(1).
• يقول السير توماس أرنولد في كتابه الدعوة إلى الإسلام: لما قدم أهل الحيرة المال الذي اتفق عليه، ذكروا صراحة أنهم إنما دفعوا هذه الجزية على شريطة (أن يمنعونا وأميرهم البغي من المسلمين وغيرهم).
-----------------------
(1) وكان ذلك من شروط صفرينوس على المسلمين.
وكذلك حدث أن سجل خالد بن الوليد في المعاهدة التي أبرمها أهالي المدن المجاورة للحيرة قوله: (فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا).
ويمكن الحكم على مدى التزام المسلمين بهذا الشرط من تلك الحادثة التي وقعت في حكم الخليفة عمر: لما حشـد الإمبراطور هـرقـل جيشاً ضخماً لصد قوات المسلمين كان لزاماً على المسلمين نتيجـة لما حدث أن يركزوا كل نشاطهم في المعركة التي أحدقت بهم. فلما علم بذلك أبو عبيدة قائد العرب كتب إلى عمال المدن المفتوحة في الشام يأمرهم أن يـردوا على السكان ما جبي من الجزية من هذه المدن وكتب إلى الناس يقول (إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخـذنـا منكم. ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا إن نصرنا عليهم، وبذلك ردت مبالغ طائلة من مال الدولة، فدعا المسيحيون بالبركة لرؤساء المسلمين وقالوا: (ردكم الله علينا ونصركم عليهم – أي على الروم وهم على دينهم – فلو كانوا هم لم يردوا شيئاً وأخذوا كل شيء بقي لنا)(1).
• وذكر أرنولد في كتابه: ومما يدل على أن تحول المسيحيين إلى الإسلام – في مصر – لم يكن راجعاً إلى الاضطهاد، وما وقفنا عليه من الشواهد التاريخية الأصليـة هو أنـه في الوقـت الذي شغر فيه كرسي البطريركية تمتع المسيحيون بالحرية التامة في إقامة شعائرهم، وسمح لهم بإعادة بناء كنـائسهم، بل ببناء كنائس جديدة، وتخلصوا من القيود التي كانت فرضت عليهم، وحوكموا في محاكمهم الخاصة، على حين أعفي الرهبان من دفع الجزية ومنحوا امتيازات معينة)(2).
• ويقول غوستاف لوبون: (لقد أكرهت مصر على انتحال النصرانية ولكنها هبطت بذلك إلى حضيض الانحطاط الذي لم ينتشلها منه سوى الفتح العربي وكان البـؤس والشقـاء ممـا كانت تعانيه مصر التي كانت
---------------------------
(1) الدعوة إلى الإسلام- توماس أرنولد، ص- 79.
(2) الدعوة إلى الإسلام- توماس أرنولد، ص- 130.
مسرحاً للاختلافات الدينية الكثيرة في ذلك الزمن. وكان أهـل مصـر يقتتلون ويتلاعنون بفعل تلك الاختلافات، وكانت مصر التي أكلتها الانقسامات الدينية وأنهكها استبداد الحكام تحقد على سادتها الروم وتنتظر ساعة تحريرها من براثن قياصرة القسطنطينية الظالمين)(1).
• وحدث بين اليهود والنصارى ما هو أشد هولاً، ففي السنة الأخيرة من حكـم فـوكاس (610م) على سبيل المثال، أوقع اليهود بالمسيحيين في أنطاكية فأرسل الإمبراطور قائده أبنوسوس ليقضي على ثورتهم، فذهب وأنفذ عمله بقسوة نادرة، فقتل اليهود جميعاً، قتلاً بالسيف، وشنقاً وإغراقاً وتعذيباً ورمياً للوحوش الكاسرة.
وحدث ذلك بين اليهود والنصارى مرة بعد مرة. وهذه واحدة من نماذج التعامل بين الطرفين يوردها المـؤرخ المصري المقريزي: (في أيام فوقا ملك الـروم بعث كسـرى ملـك فـارس جيوشـه إلى بلاد الشام ومصر
---------------------------
(1) حضارة العرب- غوستاف لوبون ، ص- 336.
فخربوا كنائس القدس وفلسطين وعامّة بلاد الشام وقتلوا النصارى بأجمعهم، وأتوا إلى مصر في طلبهم، وقتلوا منهم أمة كبيرة وسبوا سبْياً لا يدخل تحت حصر، وساعدهم اليهود في محاربة النصارى وتخريب كنائسهم وأقبلوا نحو الفرس من كل مكان فنالوا من النصارى كل منال، وأعظموا النكاية فيهم، وخربوا لهم كنيستين في القدس وأحرقوا أماكنهم وأسروا بطـريـك القدس وكثيراً من أصحابه.. وكان هرقل قد ملك الروم، وغلب الفرس، ثم سار من قسطنطينية ليمهد ممالك الشام ومصر ويجدد ما خربه الفرس، فخرج إليه اليهود من طبرية وغيرها وقدموا له الهدايا الجليلة، وطلبوا منه أن يؤمنهم ويحلف لهم على ذلك، فأمنهم وحلف لهم، ثم دخل القدس وقد تلقاه النصارى بالأناجيل والصلبان، فوجد المدينة وكنائسها خراباً، فساءه ذلك وأعلمه النصارى بما كان من ثورة اليهود مع الفرس وأنهم كانوا أشد نكاية لهم من الفرس، وحثوا هرقل علـى الوقيعـة بهم وحسّنوا له ذلك، فاحتج عليهـم بمـا كـان من تأمينه لهـم وحلفـه، فأفتـاه رهبانهم
وبطاركتهم وقسيسوهم بأنه لا جرم عليه في قتلهم، فمال إلى قولهم وأوقع باليهود وقيعة شنعاء أبادهم جميعهم فيها، حتى لم يبق في ممالك الروم بمصر والشام منهم إلا من فرّ واختفى)(1).
في العصر الأموي
يذكر لول ديورانت في كتابه ( قصة الحضارة ) ما يلي:
لقد كان أهل الذمة (المسيحيون والزرادشتيون واليهود والصابئون) يتمتعون في عهد الخلافة (الأموية) بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيرا في البلاد المسيحية هذه الأيام، فلقد كانوا أحرارا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، ولم يُفرض عليهم أكثر من أداء ضريبة عن كل شخـص تختلف باختلاف دخله وتتـراوح بين دينار -------------------------
(1) حضارة العرب- غوستاف لوبون، ص- (36-37).
وأربعة دنانير ولم تكن هذه الضريبة تفرض إلا على القادرين على حمل السلاح، ويعفى منها الرهبان والنساء والذكور الذين هم دون البلوغ، والأرقّاء والشيوخ والعجزة وأهل العمى الشديد والفقر، وكان الذمّيون يعفون في نظير ذلك من الخدمة العسكرية، ولا تفرض عليهم الزكاة البالغ قدرها اثنان ونصف بالمائة من الدخل السنوي، وكان لهم على الحكومة أن تحميهم، وكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لزعمائهم وقضاتهم وقوانينهم)(1).
في العصر العبّاسي
وذكر الدكتور الخربوطلي(2) : (اشتهر بين أهل الذمة في العصر العباسي كثير من العظماء، مثل جرجيس بن بختيشوع طبيب الخليفة العبّاسي أبي جعفر المنصور، وقد وثـق فيه الخليفـة وأكـرمه. ومن هـؤلاء جبـرائيل بن --------------------------------
(1) غير المسلمين في المجتمع الإسلامي- د. يوسف القرضاوي، ص- 53.
(2) الإسلام وأهل الذمة- د. الخربوطلي، ص- 70.
بختيشوع طبيب هارون الرشيد، الذي قال الرشيد عنه: كل من كانت له حاجة إليّ فليخاطب بها جبرائيل).
وأشاد أرثر ستانلي ترتون في كتابه أهل الذمة في الإسلام بتسامح المسلمين فقال: والكتّاب المسلمون كريمون في تقدير فضائل هؤلاء ممن هم على غير ملتهم، حتى ليسمون حنين بن اسحق برأس أطباء عصره.
وكان بختيشوع بن جبرائيل يضاهي الخليفة المتوكل في ملابسه وفي حسن الحال وكثرة المال وكمال المروءة ويباريه في الطيب والجواري والعبيد. واشتهر كثير من أهل الذمة في ميدان الآداب والفنون.
وقد بلغ إبراهيم بن هلال (وهو نصراني) أرفع المناصب في الدولة وأرقاها(1).
وهكذا، وفي ظل التعاليم السمحة التي تنزل بها الدين الحنيف وطبقها النبي وأصحابه وخلفاؤه من بعده، عاش أهل الذمة من النصارى في ديار المسلمين في وئام وسلام آمنين على أموالهم وأعراضهم أحرارا في ممارسة شعائرهم..
--------------------------
(1) غير المسلمين في المجتمع الإسلامي- د. يوسف القرضاوي، ص- 55.
كما عاش اليهود الذين كانت تطاردهم أوربا ولا تريد أن تراهم على أرضها مطمئنيـن آمنين. مرة في كنف الدولة الإسلامية في إسبانيا، ومرة في كنف الدولة الإسلامية العثمانية.
(5)
حقوق الآخر في شريعة الإسلام
بعد أن استعرضنا العلاقات بين الدولة الإسلامية والآخر من اليهود والنصارى وأبناء الديانات الأخرى.. نجملها بما يلي:
1- حمايتهم من كل عدوان خارجي ومن أي ظلم داخلي..
• أما حمايتهم من كل عدوان خارجي. فقد انعقد عليه إجماع الأمة. ومن المواقف التنفيذية لهذا المبدأ الإسلامي موقف ابن تيمية حين طالب القائد التتري (قطلوشاه) الذي تغلب على الشام بإطلاق الأسرى.. وعندما وافق على إطلاق أسرى المسلمين دون أهل الذمة رفض ابن تيمية وقال: لا نرضى إلا بافتكاك جميع الأسرى من اليهود والنصارى فهم أهل ذمتنا.
• قال النبي : (من ظلم معاهداً أو انتقصه حقاً أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة)(1).
--------------------------
(1) أبو داود والبيهقي.
• ومن أشهر الحوادث التاريخية في هذا الشأن قصة القبطي مع عمرو بن العاص والي مصر، حيث ضرب ابن عمرو ابن القبطي بالسوط وقال له: أنا ابن الأكرمين. وسافر القبطي إلى عاصمة الخلافة ليرفع للخليفة ظلامته. واستـدعى الخليفة عمر بن الخطاب عَمْراً وابنه.. وأعطى السوط لابن القبطي وقال له اضرب ابن الأكرمين. وقال لعمرو المقولة المشهورة التي بقيت خالدة على جبين الدهر: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا).
• وحادثة أخرى عندما أخذ الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك كنيسة يوحنا وأدخلها في المسجد الأموي، فلما استخلف عمر بن عبد العزيز شكا النصارى إليه، فكتب إلى عامله برد ما زاده في المسجد عليهم، لولا أنهم تراضوا مع الوالي على أساس أن يُعوّضوا بما يرضيهم(1).
--------------------------
(1) فتوح البلدان، ص- (171-172).
2- حماية دمائهم وأبدانهم..
قال النبي : (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة)(1). ولا يجوز إلحاق الأذى بأجسامهم ولو تأخروا أو امتنعوا عن أداء الواجبات المالية المقررة عليهم كالجـزية والخـراج. كتب علي رضي الله عنه لأحد ولاته على الخراج: إذا قدمت عليهم فلا تبيعن لهم كسوة شتاء ولا صيفاً ولا رزقاً يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها، ولا تضربن أحداً منهم سوطاً واحداً في درهم، ولا تقمه على رجله في طلب درهم، ولا تبع لأحد منهم عرضاً في شيء من الخراج فإنما أُمرنا أن نأخذ منهم العفو(2).
3- حماية أموالهم..
• جاء في عهد النبي لأهل نجران: (ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة رسوله على أموالهم وملتهم وبيعهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير).
--------------------------
(1) البخاري وأحمد.
(2) الخراج- أبو يوسف، ص- (15-16).
• عندما تخاصم سيدنا علي رضي الله عنه وهو الخليفة مع رجل نصراني لدى القاضي شريح على درع. قال علي: الدرع درعي ولم أبـع ولم أهب.
وقال الخصم: الدرع درعي. فالتفت شريح إلى علي يسأله: هل لك من بيّنة؟ قال علي: ما لي بيّنـة. فحكم القاضي للنصراني بالدرع. ولم يمش النصراني خطوات حتى عاد يقول: أما إني أشهد أن هذه أحكام أنبياء، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، الدرع درعك يا أمير المؤمنين. اتبعت الجيش وأنت منطلق إلى صفين، فخرجت من بعيرك(1).
4- حماية أعراضهم..
إن الإسلام أباح للمسلم التزوج من أهل الكتاب، والحياة الزوجية يجب أن تقوم على السكون النفسي والمودة والرحمة. وهذا يدل على أن مودة المسلم لغير المسلم لا حرج فيها، وكيف لا يوادّ الرجل زوجته إذا كانت كتابية؟ وكيف لا يوادّ الولد جده وخاله وخالته إذا كانت أمه من أهل الكتاب؟
-------------------------
(1) البداية والنهاية لابن كثير 8: (4 – 5).
5- التأمين عند العجز..
• في عقد الـذمة الـذي كتبه خالـد بن الوليد لأهل الحيرة بالعراق (كـانوا من النصارى): وجعلـتُ لهـم أيّما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة مـن الآفـات، أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله)(1).
• وكذلك قصة عمر بن الخطاب عندما أخذ بيد اليهودي الذي كان يسأل الناس، إلى بيت مال المسلمين، وأمر خازنه بأن يفرض له ولأمثاله من بيت المال ما يكفيهم ويصلح شأنهم وقال في ذلك: ما أنصفناه إذ أخذنا منه الجزية شابا ثم نخذله عند الهرم)(2).
• ويمرّ الخليفة عمر بن الخطاب في رحلته إلى الشام بقوم مجذومين من النصارى فيأمر بمساعدة اجتماعية لهم من بيت مال المسلمين.
----------------------------
(1) الخراج – أبو يوسف، ص- 72 .
(2) الخراج لأبي يوسف، ص- 144.
6- حرية التدين.. لقوله تعالى: لا إكراه في الدين.
7- حرية العمل والكسب والتوظيف..
قال آدم ميتز: (ولم يكن في التشريع الإسلامي ما يغلق دون أهل الذمة أي باب من أبواب العمل، وكانت قدمهم راسخة في الصنائع التي تدر الأرباح الوافرة، فكانوا صيارفة وتجارا وأصحاب ضياع وأطباء)(1).
-------------------------
(1) الحضارة الإسلامية - آدم ميتز 1: 86.
وقد تولى الوزارة في زمن العباسيين النصارى أكثر من مرة، منهم نصر بن هارون سنة 369 هـ، وعيسى بن نسطورس سنة 380 هـ(1).
-------------------------
(1) غير المسلمين في المجتمع الإسلامي- د. يوسف القرضاوي، ص-24.
(6)
المواطنة هي أساس العلاقة
بين المسلمين وغيرهم
والمواطنة هي مفاعلة بين الإنسان والمكان، توجب حقوقاً للوطن وحقوقاً للإنسان المنتمي إليه. ولقد عرفت المواطنة منذ تأسيس الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة، التي أسست على هدي الوثيقة النبوية التأسيسية المعروفة باسم صحيفة المدينة، التي كتبت بين النبي محمد عليه السلام وبين من آمن به وهاجر معه من أهل مكة ومن أسلم من أهل المدينة من ناحية، وبين يهود المدينة ومشركيها، ينُص فيها على حقـوقهم وتفـرض فيهـا عليهم واجبات، والـواجبـات لا تُفرَض إلا على من كـان عضـواً في هذا المجتمع المدني الذي نظمته هذه الوثيقة النبوية، إن (صحيفة المدينة) نظمت العلاقة بين الحكومة الإسلامية الجديدة بقيادة الرسول ، وبين المواطنين يهوداً كان هؤلاء المواطنون أم مسلمين، وعليه فالمواطنة لا تعلّق لها بدين محدد.
وفي فترة الفتوحات الإسلامية وانتشار الإسلام في أقطار الأرض، فإن الناس قد انقسموا تجاه الفتح إلى قسمين: قسم أسلم ودخل في الدين الجديد فكان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وقسم بقي على دينه الأول الذي ارتضاه قبل أن يصل الإسلام إلى أرضه، وكان على المسلمين أن يجدوا وسيلة يحفظون بها لهؤلاء الذين ظلوا على دينهم أموالهم وأراضيهم ودور عبادتهم وحق التحاكم إلى شريعتهم في شؤونهم الخاصة، وحمايتهم من جور الجائرين وطغيان الطاغين إذا أتوا، وأن يقاتلوا مع هؤلاء، وأن يقاتلوا من دونهم عدو هؤلاء الباقين على دينهم إذا دهم ديارهم التي يتحيزون إليها.
ولتحقيق ذلك أنشأ المسلمون عقد الذمة، وهذا العقد صُنع على مثال العهود النبوية التي أبرمها الرسول عليه الصلاة والسلام أو أمر بكتابتها لنصارى نجران ولأهل البحرين، وأضاف المسلمون إلى صيغ العهود النبوية ما اقتضته الأحوال الواقعية في كل بلد. وعليه فعقد الذمة لم تكن له صيغة واحدة، وكانت صيغه متعددة بحسب أحوال البلاد التي أبرم مع أهلها.
إن الأصل في هذه العقود على اختلافها أن المسلمين يلتزمون بحماية أهل البلاد الباقين على دينهم وحماية دور عبادتهم، كما يلتزمون بعدم التدخل في شؤون اختيار رؤسائهم الدينيين، إذ كان يرد في كل العقود نص على أن (لا يغيّر راهب من رهبانيته ولا أسقف من أسقفيته)، على أن يدفع هؤلاء فوق الخراج، الذي هو ضريبة الأرض الزراعية، مقابل الحماية العسكرية، مبلغاً من المال تراوح بين درهمين ودينارين، يؤديه مرة واحدة في السنة كل قادر على حمل السلاح، شرط أن يكون واجداً لهذا المال، فوق حاجته وحاجات أسرته، فإن كان شيخاً زمناً لا يقدر على القتال فلا جزية عليه، وإن كان فقيراً فلا جزية عليه، وإن كان راهباً أو قساً فلا جزية عليه، ولا جزية على امرأة ولا صبي لأن هؤلاء كلهم لا يقاتلون.
قبيلة الجراجمة، وهي قبيلة معروفة بالمنعة والشدة، تسكن مناطق جبلية تقع اليوم في تركيا، حاصرها المسلمون مدة، فنزل إليهم رؤساؤها، فعرض عليهم المسلمون أن يتركوا لهم مجالاً لدعوة أفراد القبيلة إلى الإسلام فوافق رؤوس القبيلة على حرية الدعوة الإسلامية، ولكنهم قالوا للمسلمين نحن لا نحب الروم ولا نطيقهم، فنكون لكم عوناً عليهم إذا قاتلتموهم، ونكون لكم عيوناً عليهم في سلمكم معهم، ودخلوا في ذمة المسلمين من دون جزية، على أن يكونوا عوناً لهم في الحرب وعيوناً لهم في السلم، وحافظ أهل هذه القبيلة على دينهم (النصرانية)، ونظير هذا ما حدث في أوروبا الشرقية عندما فتحها المسلمون العثمانيون.. فقد ساعد النصارى من أهل البلاد الجيش العثماني في فتح البلاد.. وعندما أراد السلطان أخذ الجزية منهم.. اعترض عليه العلماء، فأسقط عنهم الجزية.
القصد من ذكر هذه الأمثلة التأكيد على أن الجزية لم تكن لازمة أو محتمة في كل عقد ذمة، وأن لكل عقد ظروفه وحيثياته. إن التاريخ الصحيح لم يحفظ أي مثل نقض فيه المسلمون ذمتهم أو انتقصوا حقوق أهلها. إن المسلمين سموا الذمة ذمة الله ورسوله، ووصفوا عقدها في كتب الفقه كلها بأنه عقد مؤبد. لا يوجد في العقود الإسلامية عقد مؤبد إلا عقود الذمة، والغاية من هذا التأبيد حسب الإمام القرافي منع الحكام البغاة من المسلمين من نقض عهد الذميين والاعتداء عليهم.
ثم كانت الفترة الاستعمارية، ثم الصحوة الوطنية في مواجهة الاحتلال. ولقد نشأت دول حديثة نتيجة كفاح أبنائها، كفاح شارك فيه المسلمون وغير المسلمين سواء بسواء، ورووا جميعاً أرض بلادهم بدمائهم ليجعلوا حياة المستعمر فيها صعبة أو مستحيلة، وشاركوا كلهم في الحركات الوطنية التي قادت ذلك الكفاح، وعانوا معاً ظلم السجن والاضطهاد وقطع الأرزاق في سبيل تلك الأوطان التي أرادوا تحريرها من نير الاستعمار، فلما نجحوا في تحقيق ذلك اتخذوا وثائق لتنظيم حياتهم، سميت الدساتير، وجميع هذه الدساتير قامت على مبدأ أساسي إذا خلا منه دستور أو اختل تطبيقه سقط الدستور كله، ألا وهو مبدأ ما يعرف بالمساواة بين المواطنين.
إن الناس في أوطاننا تراضوا على ذلك وعاشوا في إطار المساواة سنين طويلة حتى جاءت الصحوة الإسلامية، وأخذت تغزو المنابر والمراكز والساحات والجامعات، فقال خطباؤها إن مطلبهم الرئيس تحكيم الشريعة في حياتهم والعودة إلى قانونها في تنظيم شؤونهم، وعندئذ أظهر بعض غير المسلمين خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى انتقاص حق المساواة.
ولقد أظهر بعض المسلمين الجهلة بالدين وبتاريخ التعايش والمساواة بين المسلمين وغيرهم في ظل الإسلام، تأييداً لحرمان غير المسلمين من حق المساواة، ويقولون إن الصحوة الإسلامية ضد المسيحيين في بلادنا وضد اليهود المواطنين، وضد غير المسلمين بوجه عام، إن عقد الذمة بريء من الإساءة لغير المسلمين، وأن علماء الإسلام الذين قاموا للمنافحة عن الإسلام وعن المساواة بين مواطني الدولة الواحدة، قالوا إن الذمة عقد أبرمه قوم مع قوم، وليست وضعاً دائماً، وأن العقد يخضع في شروطه الأصلية وفي استثناءاته لما أراده الطرفان عند إبرامه، وإن كل عقد يرد عليه أمران: الانقضاء والانتهاء، فالانقضاء إما بانقضاء أسبابه وإما بانقضاء أطرافه، وأما الإنهاء فبإرادتنا بوضع نهاية لهذا العقد. إن عقد الذمة لا يختلف عن أي عقد في هذين الخصيصتين.
وأن الذمة التي هي عقد لا وضع، قد انتهى عقدها بزوال الدولة الإسلامية على يد الاستعمار، وأن الدول الحديثة التي قامت بعد التحرير ليست وارثة للدولة الإسلامية حتى ينتقل إليها عقد الذمة، بل هي كيانات جديدة نشأت على أسس وأصول جديدة.
إن الذين قبلوا في بداية الفتح الإسلامي بعقد الذمة على أن يدفعوا جزية، دراهم معدودة في مقابل حمايتهم وضمان أمنهم، هم الآن غير موجودين، إن الموجودين اليوم بيننا من غير المسلمين قوم قاتلوا معنا عدونا ورووا بدمائهم شجرة استقلالنا، وهم اليوم جنود وضباط في جيوشنا، فكيف نقول لهم أنتم لستم مكلّفين بالقتال؟ ومن ثم كيف نفرّق بيننا وبينهم على أساس الحماية وهي محور عقد الذمة وعموده الفقري وهم يعملون معنا في جيوشنا؟
وخلص الدكتور العوّا إلى أن عقد الذمة انقضى وأنه غير موجود، وقال إن العودة إلى شريعة الإسلام لا تعني عودة عقود الذمة، لأن عقد الذمة كأي عقد آخر يقتضي إرادة حرة من الطرفين المتعاقدين، فإذا لم تكن هذه الإرادة موجودة فلا عقد، وإذن فليس هناك ذمة في الدولة الإسلامية، وإنما هناك وجود في الوطن نسميه (مواطنة)، ترتب حقوقاً وواجبات يتساوى فيها الجميع(1).
----------------------------
(1) الذمة عقد وليست وضعاً – محمد سليم العوا.
(7)
حقوق الأقليات العرقية والدينية
وهذه الأقليات موجودة في كل المجتمعات.. تقلّ أو تكثر بناء على ظروف المجتمع السياسية أو التاريخية.. فدولة مثل تركيا (على سبيل المثال).. ورثت عددا كبيرا من الأقليات هي بقايا الدولة العثمانية التي كانت تضم أصنافا متعددة من الشعوب..
ودولة مثل باكستان انفصلت عن الهند فضمت إليها جميع المسلمين بأعراقهم المختلفة..
أما في الدول العربية فلا تكاد تجد منطقة إلا وفيها أعراقا وأقليات متعددة.. وهذه الحالة ليست قاصرة على العالم الإسلامي إنما تشمل جميع دول العالم تقريبا.. وهذه الدول المتعددة الأعراق عندما تكون في أوج قوتها العقائدية أو المادية.. لا تكاد تسمع فيها صوتا نشازا يسبب مشكلة..
ففي أمريكا (على سبيل المثال) عشرات الأقليات.. مستسلمة جميعا لقوة وجبروت الدولة.. وعندما تضعف هذه الدولة لأي سبب من الأسباب ستطل هذه الأقليات برأسها.. كما فعلت في الإمبراطورية السوفياتية عندما ضعفت..
وفي روسيا اليوم أكثر من ثمانين أقلية عرقية ودينية تنتظر الفرصة المناسبة لتثور في وجه الجبروت الروسي.. كما فعل الشيشان وكما سيفعل غيرهم.
وبقدر الحرية التي تمنح لهذه الأقليات.. والاعتراف بهم.. وإعطائهم كافة حقوقهم الفطرية التي قررها الله لبنى البشر.. وعدم التمييز بينهم وبين غيرهم.. والمساواة بين الجميع أمام القانون.. وتكافؤ الفرص.. بقدر تأمين ذلك يكون اطمئنان هذه الأقليات إلى عدالة دولتهم.. عندها تهدأ خواطرهم ويفدون أوطانهم بأنفسهم وأموالهم..
الأقليات الدينية
والإسلام أعظم العقائد التي عالجت هذه القضية. فالحرية التي أعطاها للأقليات الدينية لا حدود لها تتلخص في عبارة (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)..
الأقليات العرقية
أما الأقليات العرقية فلم يمنعهم الإسلام حقا.. ولم يفرق بينهم وبين أقوام آخرين.. وعالج المسألة لإبعادها عن بعدها العصبي الجاهلي.. بترفق شديد لا يكاد يحسّ به المخاطب.. قال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا(1). والتعارف لا يتم دون الاعتراف المتبادل بالخصوصيات القومية والثقافية، ويستلزم التعايش بين الجميع والبحث عن القواسم المشتركة، ولا يسمح بالتمييز العنصري والتفاخر بين الشعوب والقوميات والقبائل.
سأل وائلة بن الأسقع فقال: يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال: لا، ولكن أن ينصر الرجل قومه على الظلم(2).
أما الأحزاب القومية في بلاد المسلمين.. ترفض الأقليات العرقية مـن حيث المبـدأ.. وفي كتبهم دعوة صريحة إلى قبول الأقليات بالتنازل عن حقوقهم لصالح العنصر الغالب.. أو ليهاجروا.. وهو ظلم للإنسان.. جرّ مصائب لا حصر لها.. وما الخلافات والشرور والحروب في أكثر من قطر إسلامي إلا من نتائج هذا التصور العنصري.
-------------------------
(1) الحجرات- 13.
(2) محمد عبد الجبار - الحياة 15/1/1996م.
ولا بأس أن يتذكر القارئ المذابح بين البنغاليين والبهاريين، وبين الفلسطينيين والأردنيين، وبين العرب والأكراد، وبين العرب والفرس، وبين الفرس والأتراك، وبين الأكراد والأتراك، وبين السنغاليين والموريتانيين، وغيرها كثير ليدرك كم دفعت هذه الأمة ثمنا غاليا لانحرافاتها.
الأقليات الإسلامية في البلدان الأخرى
أما بالنسبة للأقليات المسلمة في البلدان غير الإسلامية.. وهـي أقليـات تتراوح أعدادها بين عدة آلاف وبين عدة ملايين. الأقليات الإسلامية تقرب من نصف عدد المسلمين في العالم.. ولهذا فإن وضع سياسات واضحة لهذه الأقليات أمر ضروري يجنبها هذا الصراع الدموي الذي غالباً ما يكون على حساب المسلمين.. والذي يحول بين الأكثرية غير المسلمة وبين الإسلام. فقد تحول الأمر بين الفريقين إلى عداء قومي.. لقد رفع المسلمون في معظم الأقطار التي يتواجدون فيها راية الانفصال والاستقلال.. وإذا كان ذلك مستحيلاً من الناحية الواقعية فمعنى ذلك أن مسلسل الدماء سيستمر في النزيف إلى ما لا نهاية..
ولقد ساهمت بعض الحركات الإسلامية.. وبعض القيادات الفكرية الإسلامية.. التي لم تفرق بين المسلمين الذين يملكون الغالبية في بلدانهم.. وبين الأقليات الإسلامية.. في هذه المأساة.. وسنجد في العديد من الكتب الإسلامية دعوة هذه الأقليات إلى الانفصال والاستقلال.. وهي مساهمة مجانية بالفتنة..
الأصل أن هذه الأقليات المسلمة ينبغي أن تتحول إلى نماذج رائعة في الجوانب الإنسانية والأخلاقية والدعوية والعلمية.. يراها غير المسلم فيحب الإسلام ويقع في قلبه ويقبل عليه.. كما أقبلت من قبل شعوب بكاملها اعتنقت الإسلام بلا إكراه أو إرهاب..
لو فعلت الأقليات المسلمة ذلك.. لوفرت على نفسها دماء المسلمين تراق جهلاً وبلا سبب.. ولتحولت هذه الأقليات من رجال يبحثون عن السلاح ويعيشون في الغابات.. إلى رجال فكر وعلم ودعوة وأخلاق يحببون الآخرين بدينهم.
ومن ناحية أخرى.. فإن لهذه الأقليات دور أصيل في دعم العمل الإسلامي في العالم.. فالكل يبحث هذه الأيام عن فرقاء (لوبي) لدى الآخرين.. وما أعظم أن يكون للمسلمين مثل هذا اللوبي في أنحاء العالم.. يعمل لخدمة وطنه الذي يعيش فيه، ويحب مواطنيه. كما يعمل لخدمة الإسلام ويحب المسلمين في كل مكان سواء بسواء.
والخلاصة
يتضح من ذلك أن الإسلام، ديناً وحضارة، قد أرسى تصوراً راقياً للعلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، وأنه وجب عدم الخلط بين الجماعة باعتبارها انتماء دينياً وعقدياً تعطي لكل إنسان الحق في الاعتقاد وفي مجادلة العقائد الأخرى، وبين الجماعة باعتبارها انتماء سياسياً وإطاراً حضارياً يوفر للجميع حقوقاً متساوية أمام القانون.
وقد كانت التجربة الحضارة الإسلامية خير شاهد على التسـامح الـذي ميّز وضعية غير المسلمين داخل الجماعة الإسلامية، سواء بالمعنى الأول أو المعنى الثاني(1).
---------------------------
(1) العلاقة بين جماعة المسلمين وغير المسلمين – د. محمد اليتيم.
(8)
والخـلاصــة
فإن الإسلام جاء بأسمى التشريعات التي رفعت من قيمة الإنسان بغض النظر عن دينه أو معتقده أو لونه أو أرضه أو لغته.. ولم تعرف البشرية في الماضي والحاضر، ولن تعرف في المستقبل نظاما على هذا المستوى من الاعتراف بالكرامة الإنسانية.
وإذا ألقينا نظرة فاحصة على أمم العالم لرأينا التعصب المذموم، والحقد المدفون والعنصرية البغيضة يوجه مشاعر وأفعال هؤلاء الأقوام..
• لقد عاشت المدنية الإسلامية عشرات القرون، وامتدت ساحتها على عدة قارات، واستظل بظلها عشرات الشعوب بمئات الأجناس والألوان واللغات والأديان.. عاشوا جميعا يهتفون من أعماقهم بوحدة الجنس البشري وبكرامة الإنسان.. حتى قال مؤرخو الغرب: ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب.
• واليوم تسيطر على العالم مدنية الغرب الرأسمالية ، وجميع دول العالم تدور في فلك هذه المدنية، فماذا فعلت؟ لم تقدم سوى الشعارات البراقة، والمواثيق الخادعة، والهيئات التي ليس لها من الإنسانية غير اسمها.. أما إذا نظرت إلى فعلها فلا ترى سوى: تكريس الانقسام، وتأييد الطغيان، وتسويغ القهر والظلم والحرمان.
• إن الحروب الطاحنة الطويلة بين انجلترا وفرنسا، وبين فرنسا وألمانية، إنما كانت لتغليب جنس على جنس ولغة على لغة ومصالح استعمارية على مصالح أخرى، والحروب العالمية الأولى والثانية والتي تلتها التي ذاقت البشرية ويلاتها إنما كانت في سبيل الشيطان الذي أوحى لسدنة معبده بأن الأقوام يتفاضلون وأن الجنس الآري فوق الجميع.
• والغزوات الخسيسة التي حاكتها ونفذتها دول أوربا في حملات صليبية متتابعة تريد استذلال العالم الإسلامي واحتلال أرضه وقتل شعوبه إنما كانت تحت شعار: (اقتلوهم جميعاً كباراً وصغاراً فالله لا يريد لهذا الجنس الملعون أن يعيش).
• والمؤامرات التي دبرتها الدول الغربية لتقسيم الدولة الإسلامية العثمانية والتي نتج عنها سقوط الدولة الإسلامية مزعا بأفواه الطامعين.. وذاقت هذه الدويلات من مرارة التجزئة والاستغلال والتمييز العنصري ما يذهل الإنسانية الكريمة.
• من أجل تثبيت دعائم الشيوعية في روسيا ذبح ستالين ثلاثين مليونا من البشر أكثرهم من المسلمين. وفي يوغسلافيا الحديثة العهد بالوجود، بنت وجودها على مذبحة كبرى سقط فيها حوالي مليوني مسلم. وفي الجزائر أكثر من مليون ونصف المليون مسلم سقطوا باسم الكنيسة. في إسبانيا الأوربية قتلوا جميع المسلمين فيما عرف بمحاكم التفتيش.. وحتى العظام التي في القبور نبشوها وحرّقوها.
• في الحبشة بدأت مذابح المسلمين منذ ثلاثين سنة ولم تتوقف بعد.
• في فلسطين.. ما زال شعبها مشردا مبعدا عن أرضه ووطنه.. في مؤامرة مزدوجة صليبية يهودية ترعاها دول العالم المتحضر لسحق الشعب المسلم.
• في السودان.. ما زال الغرب من أيام كتشنر يتآمر على السودان.. واستمرت المؤامرة منذ عام 1920م وحتى اليوم.
فصلوا جنوبه.. وما زالت المؤامرة مستمرة في شرقه وغربه في محاولة لتقسيم وتفتيت هذه الدولة.
• وفي الصومال.. يعلن منغستوهيلي مريم قائد الانقلاب في أثيوبيا.. أن من أعظم إنجازاته أنه أنهى دولة اسمها الصومال.
ولو تتبعنا جميع دول العالم بدون استثناء لوجدنا مأساة سببها العنصرية الجنسية أو اللغوية أو القومية أو الدينية..
وحتى الدول النصرانية ذاقت من مرارة الكأس التي سقتها للآخرين، فاضطهاد اليهود في الغرب الصليبي فترة من الزمن، واضطهاد البروتستانت في الدول الكاثوليكية.. واضطهاد الكاثوليك في الدول البروتستانتية.. كل ذلك شاهد على فساد الأساس الأخلاقي الذي قامت عليه هذه الدول.. المصلح الديني النصراني لوثر يقول لأتباعه: (من استطاع منكم فليقتل، فليخنق، فليذبح، سرا أو علانية، اقتلوا واخنقوا واذبحوا، ما طاب لكم، من هؤلاء الفلاحين الثائرين)(1).
يذكر بريفولت: أن تقدير المؤرخين للناس الذين قتلتهم المسيحية في أوربا يتراوح بين سبعة ملايين كحد أدنى وخمسة عشر مليونا كحد أعلى(2). إن فظاعة هذا العدد تتضح لنا عندما نذكر أن عدد سكان أوربا آنذاك كان جزءا ضئيلا فقط من سكانها اليوم.
كان هؤلاء القتلة يجدون تبريرا لأعمالهم مما جاء في التوراة: (اهدموا معابدهم، واقذفوا أعمدتها إلى النار، وأحرقوا جميع صورها، وأحرقوا جميع من فيها من رجال ونساء وأطفال).
هذه هي مدنية الآخرين في السابق واللاحق. ومع ذلك يطاردون المسلمين ويتهمونهم بالتعصب الديني.. وإذا حاول قوم من المسلمين تطبيق الشريعة الإسلامية في بلادهم..
-----------------------------
(1) الأيديولوجية الانقلابية - نديم البيطار، ص- 710 .
(2) الإسلام والنصرانية - الشيخ محمد عبده.
رفعوا عقيرتهم يستصرخون الضمير البشري ليحول دون إرهاب المسلمين.. ويصدقهم في دعواهم تلك نفر من جهلة المسلمين.. فيرددون مقولة الأعداء إن الشريعة ما عادت تصلح للحياة في هذه العهود.
إن على المسلمين أن يعوا سمو دينهم، ويفقهوا رفعة حضارتهم، ولا ينخدعوا بمغالطات الأعداء وافترءات المتربصين بالإسلام والمسلمين في كل فج عميق.
يجب أن يرى العالم اليوم نموذجاً رائعاً من التسامح والعدل والحرية في التعامل مع الآخر في بلاد المسلمين، كما رأى من قبل في حضارة الإسلام الخالدة، كما يجب أن لا يعطي المسلمون أعداءهم فرصة تشويه دينهم، بممارسات خاطئة تجاه من خالفهم في الدين والعقيدة والرأي، فيخالفون بذلك روح الإسلام وسمو رسالته.
وإذا كان الغرب اليوم هو صاحب الحضارة الغالبة، فعليه أن يتعامل مع المسلمين بنفس روح التسامح واحترام الآخر، كما تعاملت الحضارة الإسلامية في السابق مع المخالفين لها.. وعلى الأقليات المسلمة في العالم أن تندمج في مجتمعاتها وتقدم لها النموذج الرائع للإسلام والمسلمين.
مراجع البحث
1- المسلم والآخر – د. عماد الدين خليل.
2- الإسلام وأهل الذمة – د. الخربوطلي.
3- غير المسلمين في المجتمع الإسلامي – د. يوسف القرضاوي.
4- الإسلام والآخر – د. محمد عمارة.
5- الإسلام والنصرانية – الشيخ محمد عبده.
6- الأيديولوجية الانقلابية – نديم البيطار.
7- قصة الاضطهاد الديني في المسيحية والإسلام – د. توفيق الطويل.
8- الخراج – أبو يوسف.
9- البداية والنهاية – ابن كثير.
10- الدعوة إلى الإسلام – توماس أرنولد.
11- الوثائق السياسية – محمد حميد الله.
12- زاد المعاد – ابن القيم.
13- التحديات السياسية التي تواجه الحركات الإسلامية– مصطفى محمد الطحان.
14- رسائل الإمام حسن البنا.
15- دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين – محمد الغزالي.
16- علاقة المسلم بغير المسلم- جمال بدوي.
17- الإسلام وحقوق الإنسان – د. القطب محمد طبيلة.
18- عمر بن الخطاب وأصول علم السياسة والإدارة الحديثة- سليمان الطحاوي.
19- التربية السياسية عند الإخوان.
20- سيرة ابن هشام.
21- دراسة في السيرة – عماد الدين خليل.
22- حضارة العرب - غوستاف لوبون.
23- حضارة المسلمين- آدم ميتز.
24- صورة الإسلام في التراث الغربي- هوبرت هير كومر.
الرد على شبهات أدعياء السلفية وبيان حقيقتهم

الأحد، 11 أغسطس 2019

#إفراد_يوم_السبت_بالصيام

التَقيته في المسجد بعد غياب؛ فبادرني بالحديث وقال:
هل صُمتُُم اليَوم مَع عِلمِكم أنَّ إفرَادَ السَبت بِالصَومٍ حَرَام ؟!
قلتُ له:
كُتب الفقه تَحدَّثَت عَن الصيام المُحرَّم؛ ولَم تَذكُر مَعَه إِفرَاد السبت بِصِيَام !
فقال لي:
وانتَ مَازَلت تعَوَّل على كتب المذاهب ؟!
أكثرهم متعصبون، ولا يأخذون بِالحديث!!
قلت له:
قبل شهرين كنتَ تجادل في زكاة الفطر وتقول لنا؛ اتَّبعوا الإمام مالك واخرجوها دقيقًا.
ومالك يقول عن حديث صيام السبت أنَّه كذب !
قال لي:
الإمام مالك على العين والراس؛ والألباني صَحَّح الحديث !
قلت:
قبل أن يخلق الله الشيخ الألباني ويجتهد ويصحِّح الحديث كيف كان النَّاس ؟!
أليس فهمكم للحديث مُرتَبِط بفهم السلف والقرون الأولى ؟!
قال لي:
نعم. الألباني مِن السلف الصالح !
في هذه اللحظة توقفت عن الكلام. لم أعُد أقوى
فنظر إليَّ مبتسِمًا وقال لي:
تكلَّم !
أم أنِّي أفحَمتُك ؟! وأنت تخلع في النَّاس.
نعم. أحسنت. شكرن

الجمعة، 9 أغسطس 2019

الى طلبة العلم الشرعي : «ملخص بحث لمسالة حكم صيام يوم السبت في غير الفرض»

الى طلبة العلم الشرعي :
«ملخص بحث لمسالة حكم صيام يوم السبت في غير الفرض»
بعد عرْض هذا البحث ودِراستِه، فالظاهرُ مِن النصوص جوازُ صيامِ يومِ السَّبتِ في غيرِ الفرْضِ ومشروعيَّتُه، خصوصًا إذا وافَق أحدَ الأيَّامِ الفاضِلةِ، أو وافَق صيامَ عادةٍ، وأمَّا القولُ بتحريمِ صيامِ السَّبتِ في غيرِ الفرْضِ فهو رأيٌ أقربُ إلى الشذوذ؛ لمخالفتِه الإجماعَ الصحيحَ .
الحمدُ للهِ الذي علَّمَ بالقَلم، علَّم الإنسانَ ما لم يَعلمْ، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا محمَّد وعلى آلِه وصَحْبه أجمعين، أمَّا بعدُ:
فهذا مُلخَّص لبحثِ مسألةِ (حُكم صِيام يوم السَّبت في غير الفرض)، وهذه المسألةُ للعلَّامة الألبانيِّ -رحِمَه اللهُ- فيها رأيٌ مشهورٌ بتحريم صِيام السَّبت إلَّا في الفَرْض، وإنْ وافَق ذلك يومَ عرَفةَ أو يومَ عاشوراءَ؛ فالبحثُ في الأصل فيه مناقَشةٌ لهذا الرأْيِ ومدَى مُوافقتِه للصواب من عدَمِه ومَن أرادَ الاستزادةَ من طلاب العلم فعليه بالأصلِ، وستنتظمُ هذه الورقةُ المختصَرةُ في المطالِب الآتية:
المطلب الأول: صورةُ المسألة وتحريرُ محلِّ النِّزاع.
المطلب الثاني: رأْيُ الألبانيِّ -رحِمَه اللهُ-.
المطلب الثالث: الأدلةُ، والمناقشةُ.
المطلب الرابع: الترجيحُ وسببُه، وبيان هذه المطالب على وَجْه الإيجاز كما يلي:
المطلب الأول: صورةُ المسألةِ وتحريرُ محلِّ النِّزاع.
شرَعَ اللهُ التنفُّل بالصيام وجعَله من أفضلِ الأعمال، حتى إنَّ أبا أمامةَ رضي الله عنه لَمَّا سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللهِ، مُرْني بعملٍ. قال صلى الله عليه وسلم: ((عليكَ بالصومِ؛ فإنَّه لا مِثلَ له))، وفي روايةٍ: ((فإنه لا عِدلَ له)) أخرَجَه أحمَدُ والنَّسائيُّ وغيرُهما، وهو يدُلُّ على فَضيلة التطَوُّع بالصوم مُطلقًا، وقد قُيِّدَ هذا الإطلاقُ في بعض الأيام بالنهْيِ عن صومِها، فهل يومُ السبتِ منها؟ هذا هو المرادُ بحثُه.
وهذا هو تحريرُ محلِّ النِّزاع في المسألةِ المُرادِ بحثُها:
1- أجمَعَ العُلماءُ أنَّ صيام يومِ عيدِ الفِطرِ ويومِ النحرِ لا يجوزُ، حتى في النَّذْر والقَضاء.
2- قال ابنُ حَزْم: (وأجْمَعوا أنَّ مَن تطوَّع بصيام يومٍ واحدٍ، ولم يكُنْ يومَ الشكِّ، ولا اليومَ الذي بعدَ النصفِ من شَعبانَ، ولا يومَ جُمُعة، ولا أيامَ التشريقِ الثلاثةَ بعدَ يومِ النحرِ، فإنَّه مأجورٌ).
3- وإفرادُ صيامِ يومِ السبت، أو تُخصيصُه بالصيام مَكْروهٌ في المذاهِب الثلاثةِ: الحنفية والشافعية والحنابلة، وقيلَ: لا بأْسَ بصيامه، وهو قولُ الإمام مالكٍ، وقولُ أحمدَ فيما فَهِمَه عنه القُدَماء من أصحابِه، بل قال ابنُ تَيميةَ: (وأكثَرُ أهل العِلم على عدم الكَراهة)، وذهَب بعض المعاصِرينَ إلى تحريم صيامِ يومِ السبت مُطلقًا إلَّا في الفَرْض، وهذا هو الرأْيُ
المرادُ بحثُه، وتحقيقُ نِسبته للشذوذ من عدمه.
المطلب الثاني: رأْيُ الألبانيِّ -رَحِمه اللهُ-.
ومُجمَل رأيِ الشيخ من مجموع كلامه وفَتاويه: (عدمُ جواز صيامِ يومِ السبت إلَّا في الفَرْض، ومنَ الفَرْض: أنْ يصومَ الجُمُعةَ مَن كان غافِلًا عنِ النهيِ عن إفراد الجُمُعة، ففرضٌ عليه أنْ يصومَ السبتَ إن لم يكُنْ صام الخميسَ، والنهْيُ عن صيامِ السبت كالنهْيِ عن صيام العيد، بل أشدُّ، ومَن أفطَرَ يومَ عَرفةَ أو عاشوراءَ أو السِّتَّ إذا وافَقَ يومَ السبت فهو أفضَلُ ممَّن صام).
۞ ۞ ۞
المطلب الثالث: الأدلة والمُناقَشة.
استدلَّ الجمهورُ الذين لا يَرَوْن تحريمَ صيام السبت بأدلة منها:
1- حديث أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه المتَّفَق عليه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا يصُمْ أحَدُكم يومَ الجُمُعة، إلَّا أنْ يصومَ قبلَه، أو يصومَ بعدَه))، وحديثُ جُوَيريَةَ عندَ البُخاريِّ.
وجهُ الاستدلال:
دلَّ ظاهرُ الحديثَيْنِ على جَوازِ صومِ يومِ السبت في غير الفَرْض، ((يصومُ بعدَه)) ((تَصومي غدًا؟))، وترجَم أبو داوُدَ لحديث جُوَيْريَةَ بعدَ حديث النهيِ عن صوم السبت بقوله: (بابُ الرُّخْصة في ذلك)، وترجَم له النَّسائيُّ: (الرُّخصةُ في صيام يومِ السبت).
2- ومن أدلتهم على جَواز صومِ السبت:
أ/ قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لعبد الله بنِ عَمرٍو رضي الله عنه: (( صُمْ يومًا وأفْطِرْ يومًا، فذلك صيامُ داوُدَ عليه السلام وهو أفضَلُ الصيامِ)) مُتَّفَق عليه، فلم يَستثْنِ السبتَ مع كونِ مَن فعَل ذلك سيصومُ يومَ سبتٍ قَطعًا.
ب/ وقولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((صيامُ يومِ عَرفةَ، أحتَسِبُ على اللهِ أنْ يكفِّرَ السَّنةَ التي قَبلَه، والسَّنةَ التي بَعدَه، وصيامُ يومِ عاشوراءَ، أحتَسِبُ على اللهِ أنْ يكفِّرَ السَّنةَ التي قَبلَه)) أخرَجَه مُسلمٌ. ولم يخُصَّ كونَ أحدِهما يومَ سبتٍ.
ج/ حديثُ مُعاذةَ العَدَويَّةِ، أنها سألت عائشةَ زوجَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يصومُ من كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيام؟ قالت: ((نَعم))، فقلتُ لها: من أيِّ أيام الشهر كان يصومُ؟ قالت: ((لم يكُنْ يُبالي من أيِّ أيام الشهر يصومُ)) أخرَجَه مُسلمٌ، وليس فيه تَوقِّيه للسبت، وقد أَوْصى بعضُ الصحابةِ بصيام ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهر دونَ تحرُّزٍ أو استثناءٍ لصوم السبت.
د/ والحثُّ على صوم شهرِ الله المحرَّمِ وبيانُ أنَّه خيرُ الصِّيامِ بعدَ رمضانَ، وكثرةُ صيامه صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم في شعبانَ، والحثُّ على صوم الستِّ من شوَّال، وقد يكون فيها السبتُ، ولم يَستَثنِه صلى الله عليه وسلم قال ابنُ تَيميةَ: (احتجَّ الأثرَمُ بما دلَّ منَ النصوص المتواتِرةِ على صوم يومِ السبت).
ونوقِش هذا الاستدلالُ: أنَّ النهيَ عن صومِ يومِ السبت حاظرٌ، وجَميعُ هذه الأحاديث مُبيحةٌ، والقاعدةُ أنَّ: (الحاظرَ مُقدَّمٌ على المبيحِ).
والجوابُ عنِ المُناقَشة:
1) أن حديثَ النهْيِ عن صوم السبتِ لا يُسلَّمُ بثُبوتِه –وسيَأْتي نِقاشُه-، وعلى فَرْض التسليمِ بثُبوتِه، فكلُّ حديثٍ من هذه الأحاديثِ التي قدَّمْنا ذِكرَها أصحُّ بمُفرَدِه من حديث النهْيِ عن صومِ يومِ السبتِ المذكورِ، فلا يَنبَغي أنْ تُطرَحَ هذه الأحاديثُ ويُقدَّمَ عليها ما هو أضعَفُ.
2) ثم أيضًا لا يَليق بحال منَ الأحوال أنْ تُهدَرَ أقوالُ العلماءِ في مثلِ هذا المَقام وتُهمَلَ، وإعمالُ الحاظِرِ على المُبيحِ هذا ترجيحٌ، والترجيحُ فيه فَرضٌ للتعارُض وهو غيرُ مُتحقِّق هنا؛ لأنَّ من شروط تحقُّق التعارُض: (التساوي في الثُّبوت والتساوي في القوَّة، فلا تَعارُضَ بينَ المتواتِر والآحاد، بل يُقدَّم المتواتِرُ بالاتِّفاق)؛ وقد ذَكَر ابنُ تَيميةَ وابنُ القَيِّم تواتُرَ أحاديثِ مشروعيَّةِ صيامِ السَّبت، بخِلافِ حديثِ النَّهيِ عن صومِ يومِ السَّبتِ؛ فليس مِن المتواتِرِ لفظًا ولا معنًى.
3 - ومن أدلتِهمُ: الإجماعُ، وقد نقَلَ الإجماعَ في هذه المسألة:
- ابنُ تَيميةَ (ت782) فقد قال عن حديث النهْيِ عن صومِ السبت: (ظاهرُ الحديثِ خِلافُ الإجماعِ).
- وقال ابنُ قاسمٍ (1392) عن صومِ السبت: (فإن صام معَه غيرُه لم يُكرَهْ إجماعًا).
ونوقِش هذا الاستدلالُ:
- بأنَّ المسألة خلافيَّةٌ قال الطَّحاويُّ: (ذهَبَ قومٌ إلى هذا الحديثِ, فكَرِهوا صومَ يومِ السبت).
ويُمكِنُ الجوابُ عن هذه المُناقَشة:
- أمَّا كَوْن المسألة خلافيَّةً فهذا حقٌّ، ولكنَّ الأقْوالَ لا تخرُجُ عنِ الإباحة، أو كَراهة الإفْراد، أوِ التخْصيص، أمَّا التحْريمُ فهذا هو القولُ المُحدَث الذي يُطالَب بسَلَفِه.
- وأمَّا ما نقَلَه الطحاويُّ عن بعضِهم بأنهم كَرِهوا صيام السبت، فهذا خارجَ محلِّ النِّزاع، فالقولُ بالكَراهة قولٌ معروفٌ مشهورٌ، ولا يَلزَم منه التحريمُ، وعلى فرض صراحتِه في التحريم، فلا بُدَّ منَ الوقوف على كلامِهم لمعرفة وَجهِه.
۞ ۞ ۞
الأدلة التي استدلَّ بها الألبانيُّ -رَحِمه اللهُ- على تحريم صومِ السبت إلَّا في الفرض:
حديث عبدِ الله بنِ بُسْرٍ عن أُخته الصمَّاءِ رضي الله عنهم أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تصوموا يومَ السبتِ إلَّا فيما افتَرَضَ اللهُ عليكم، فإنْ لم يَجِدْ أحَدُكم إلَّا لِحاءَ عِنَبةٍ أو عودَ شَجرةٍ فلْيَمضُغْه)).
وَجهُ الاستدلال:
- الحديث صريحُ الدَّلالةِ في النهْيِ عن صيام يومِ السبت إلَّا في الفَرْض، والإفطارِ لغَيره، واستثناءُ غيرِ الفَرض فيه استدراكٌ، ويكون الحديثُ: إلَّا فيما افترض، وإلَّا كذا، يقول الألبانيُّ: (فتأمَّلْتُ في هذا الحديث فوجدتُه نصًّا صريحًا في أنه لا يجوزُ صيامُ يومِ السبت إلَّا في الفَرْض).
ونوقِش الاستدلالُ بأمور:
- أن الحديثَ مَعلولٌ بالنَّكارة، أو الاضْطِراب، أوِ النسخ؛ قال ابنُ تَيميةَ: (رُويَ عن السلَفِ أنهم أنْكَروه). وقال الإمامُ أحمدُ: (كان يحيى بنُ سَعيد يتَّقيهِ، وأبى أنْ يُحدِّثَني به). وقال أبو داوُدَ: (قال مالكٌ: هذا كَذِبٌ)، ونحوُه قولُ الإمام أحمدَ: (قد جاء في صيام يومِ السبت ذاك الحديثُ مُفرَدًا).
- ثم مَن بعدَهم أنْكَروه بذكر المُعارِض: ومن ذلك قولُ الأثرَم: (جاء هذا الحديثُ بما خالَف الأحاديثَ كلَّها)، ومنهم مَن قال: إنه منسوخٌ؛ قال أبو داودَ: (هذا حديثٌ منسوخٌ)، ثم أتبعَه بذِكْر حديثٍ أقوى مُعارضٍ له، وهو حديث جُوَيريَةَ، وذكر مَن ضعَّفَ حديثَ الصمَّاء.
- ونحوُهُ قولُ الحاكم: (هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط البخاريِّ، ولم يُخرِّجاه، وله مُعارِض بإسنادٍ صحيحٍ: وقد أخْرَجاه) ثم ذكر حديثَ جُوَيْريَةَ، ونحوُهُ قولُ الطحاويِّ: (ففي هذه الآثارِ المرويَّة في هذا إباحةُ صومِ يومِ السبت تطوُّعًا, وهي أشهَرُ وأظهَرُ في أيْدي العُلماء, من هذا الحديثِ الشاذِّ الذي قد خالَفها).
- وهناك مَن ضعَّفه بذِكر الاضطرابِ فيه: ومِن ذلك قولُ النَّسائيِّ: (هذا حديثٌ مُضطرِب)، وأكَّد علَى ذلك ابنُ حجر في كُتبه؛ قال في البلوغ: (رِجالُه ثِقاتٌ، إلَّا أنَّه مضطربٌ)، وقال في التلخيص الحبير: (أُعلَّ حديثُ الصمَّاءِ بالمعارَضةِ المذكورةِ، وأُعِلَّ أيضًا بالاضطرابٍ)، وقال في تهذيب التهذيب: (فيه اضطرابٌ شديدٌ).
- وعلى فرْض التسليمِ بصِحَّتِه -كما هو رأيُ الشيخ الألباني-؛ فأين عملُ الصحابةِ ومَن شهِد التنزيل، وفِقهُ السلفِ للحديث؟! قال الإمامُ مالكٌ: (العلمُ الذي هو العِلمُ معرفةُ السُّنن والأمْرِ المعروفِ الماضي المعمولِ به)، ولما قال أحدُهم: (الأخذُ بالحديث أَوْلى مِن الأخذِ بقولِ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ)، علَّق عليه الذهبيُّ بقوله: (هذا جيِّدٌ، لكن بشرْطِ أنْ يكونَ قد قال بذلك الحديثِ إمامٌ من نُظراءِ الإمامينِ، مِثل مالك، أو سُفيانَ، أو الأوزاعيِّ، وبأنْ يكونَ الحديثُ ثابتًا سالمًا من عِلَّة، وبأنْ لا يكونَ حُجَّةُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ حديثًا صحيحًا معارِضًا للآخَر، أمَّا مَن أخَذ بحديثٍ صحيحٍ وقدْ تنكَّبه سائرُ أئمةُ الاجتهاد؛ فلا).
- قال ابن رجب: (فأمَّا الأئمَّة وفقهاءُ أهلِ الحديثِ فإنَّهم يتَّبعون الحديثَ الصحيحَ حيثُ كان، إذا كان معمولًا به عند الصحابة ومَن بعدهم، أو عند طائفةٍ منهم، فأمَّا ما اتُّفِق على ترْكه فلا يجوزُ العملُ به؛ لأنَّهم ما ترَكوه إلا على عِلمٍ أنه لا يُعمَلُ به)، وقال ابنُ حجر: (وكم مِن حديثٍ منسوخٍ وهو صحيحٌ من حيثُ الصناعةُ الحديثيَّةُ).
- وأمَّا قول الشيخ الألباني: (النَّهي عن صوم يوم السَّبت؛ فهذا كان مجهولًا، كان مطويًّا، كان نسيًّا منسيًّا)، فأَستبعِدُ من الشيخِ -رحمه الله- أنْ يكون قصدُه أنَّ الحقَّ كان مَطمورًا عن جميعِ الأمَّةِ فلم يعرِفْه إلَّا هو؛ فإنَّ الحقَّ لا يُمكن أن يغيبَ عن جميعِ الأمَّة، والله أعلم.
المطلب الرابع: الترجيحُ وسَببُه:
بعد عرْض هذا الرأي ودِراستِه، فالظاهرُ مِن النصوص جوازُ صيامِ يومِ السَّبتِ في غيرِ الفرْضِ ومشروعيَّتُه، خصوصًا إذا وافَق أحدَ الأيَّامِ الفاضِلةِ، أو وافَق صيامَ عادةٍ، وأمَّا القولُ بتحريمِ صيامِ السَّبتِ في غيرِ الفرْضِ فهو رأيٌ أقربُ إلى الشذوذ؛ لمخالفتِه الإجماعَ الصحيحَ، و لا يُعرَفُ مَن قرَّر هذا القولَ قبْلَ الألبانيِّ -رحمه الله-؛ (وكفَى خطأً بقولِه خروجُه عن أقوال أهلِ العِلمِ، لو لم يكُن على خِطئِه دَلالةٌ سواه)(1) ، كيف والسُّنَّةُ المتواترةُ تُنبِئُ عن فسادِه؛ فـ(قد جاء في صِيامِ يومِ السَّبت ذاك الحديثُ، مُفرَد)(2) ، و(ظاهرُ الحديث خلافُ الإجماعِ)(3) ، بل (خالَف الأحاديثَ كلَّها)(4) ؟! والله أعلمُ.
---------------------
(1) هذه عبارة ابن جرير الطبري في تفسيره (8/721)، وهي ليست لهذه المسألة ولكنها مناسبة للسياق.
(2) شرح العمدة لابن تيمية-كتاب الصيام(2/653)، ونقله عن الأثرم عن أحمد.
(3) شرح العمدة-كتاب الصلاة (2/653).
(4) ناسخ الحديث ومنسوخه للأثرم ص(201)، قال ابن تيمية في الاقتضاء(2/75): (واحتج الأثرم بما دل من النصوص المتواترة، على صوم يوم السبت).

الخميس، 8 أغسطس 2019

هل يستحب للمقيم نفسِه ولِمَن يسمع الإقامة أن يصليَ على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الفراغ منها ؟

هل يستحب للمقيم نفسِه ولِمَن يسمع الإقامة أن يصليَ على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الفراغ منها ؟
ذهب إلى استحباب ذلك جماهير أهل العلم ، مستدلين بحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
( إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ ) رواه مسلم (384)
يقول ابن رجب في "فتح الباري" (3/457) :
" وقوله : " إذا سمعتم المؤذن " يدخل فيه الأذان والإقامة ؛ لأن كلا منهما نداء إلى الصلاة ، صدر من المؤذن " انتهى .
قالوا : وقد ورد ذلك من صريح قول بعض الصحابة والتابعين :
روى ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (حديث رقم/105) عن أبي هريرة ، رضي الله عنه : أنه كان يقول إذا سمع المؤذن يقيم : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، وهذه الصلاة القائمة ، صل على محمد ، وآته سؤله يوم القيامة .
وروى عبد الرزاق في "المصنف" (1/496) عن أيوب وجابر الجعفي قالا :
" من قال عند الاقامة : اللهم ! رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، أعط سيدنا محمدا الوسيلة ، وارفع له الدرجات ، حقت له الشفاعة على النبي صلى الله عليه وسلم "
وروى الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم" (60) عن يوسف بن أسباط قال :
" بلغني أنّ الرجل المسلم إذا أقيمت الصلاة فلم يقل : اللهم ربّ هذه الدعوة المستمعة المستجاب لها ، صلِّ على محمد وعلى آل محمد ، وزوجنا من الحور العين ، قلن حور العين : ما كان أزهدك فينا " انتهى .
ولذلك عقد ابن القيم رحمه الله في "جلاء الأفهام" (372-373) فصلا قال فيه :
" الموطن السادس من مواطن الصلاة عليه : الصلاة عليه بعد إجابة المؤذن ، وعند الاقامة " ثم ذكر حديث عبد الله بن عمرو وبعض الآثار السابقة ، وذكر أيضا من رواية الحسن بن عرفة بسنده إلى الحسن البصري قال :
" إذا قال المؤذن : قد قامت الصلاة ، قال : اللهم رب هذه الدعوة الصادقة والصلاة القائمة ، صل على محمد عبدك ورسولك , وأبلغه درجة الوسيلة في الجنة , دخل في شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم "
وروى نحوه ابن أبي شيبة في "المصنف" (7/124) عن الحكم والحسن البصري .
وفي "فتاوى اللجنة الدائمة" (6/89-90) :
" السنة أن المستمع للإقامة يقول كما يقول المقيم ؛ لأنها أذان ثان ، فتجاب كما يجاب الأذان ، ويقول المستمع عند قول المقيم : (حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) لا حول ولا قوة إلا بالله ، ويقول عند قوله : ( قد قامت الصلاة ) مثل قوله ، ولا يقول : أقامها الله وأدامها ؛ لأن الحديث في ذلك ضعيف ، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :
( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول )
وهذا يعم الأذان والإقامة ؛ لأن كلا منهما يسمى أذانا .
ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد قول المقيم ( لا إله إلا الله )
ويقول : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة... إلخ كما يقول بعد الأذان .
ولا نعلم دليلا يصح يدل على استحباب ذكر شيء من الأدعية بين انتهاء الإقامة وقبل تكبيرة الإحرام سوى ما ذكر " انتهى .
وفي "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (10/347) :
" وأما بعد الفراغ من الذكر من الأذان أو الإقامة ، فلا أحفظ شيئا في هذا ، إلا أنه صلى الله عليه وسلم شرع للناس أن يجيبوا المؤذن والمقيم ، ويقولوا بعد الأذان والإقامة وبعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ) رواه البخاري في صحيحه " انتهى .
وانظر "مغني المحتاج" (1/329) ، "حاشية الجمل" (1/309) ، "الموسوعة الفقهية" (6/14) ، "الثمر المستطاب" (214-215)
والقول الثاني : أنه لا تستحب إجابة المقيم ، وبه جزم بعض الأحناف ، كما في رد المحتار (2/71) ، وبعض المالكية أيضا . قال الشيخ زروق : " ولا يحكي الإقامة " اهـ انظر : مواهب الجليل 2/132 .
اواختاره الشيخ ابن عثيمين رحمه الله . قال :
" المتابعة في الإقامة فيها حديث أخرجه أبو داود ، لكنه ضعيف لا تقوم به الحجة ، والراجح أنه لا يتابع " انتهى . مجموع فتاوى الشيخ (12/169) ، وانظر الشرح الممتع (1/318) ط مصر .
وأما حديث : " بين كل أذنين صلاة " ، فإنما سميت الإقامة أذانا من باب التغليب ، ولم نقف على تسميتها أذانا بمفردها .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : " وَتَوَارَدَ الشُّرَّاح عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ بَاب التَّغْلِيب كَقَوْلِهِمْ الْقَمَرَيْنِ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَر ... " .
وانظر : أحكام الأذان والنداء والإقامة تأليف : سامي بن فراج الحازمي (441-443) .