الخميس، 6 ديسمبر 2018

الْبِدْعَةُ الْـمَحْمُودَة : بَعْضُ مُحْدَثَاتِ الْإِمَام أَحْمَد_بْن_حَنْبَل؟!

أَوَّلاً: اسْتِحْبَابُ جَمْع الْأَهْلِ لِلْدُّعَاءِ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآن؟!...وَخَتْم الْقُرْآن لَيْلَة 27 مِنْ رَمَضَان فِي صَلاَةِ الْتَّرَاوِيح؟!...مَعَ اسْتِحْبَاب الاِتْيَانِ بِدُعَاءِ خَتْمِ الْقُرْآنِ دَاخِلَ صَلاَةِ الْتَّرَاوِيحِ بِكَيْفِيَّةٍ مُحْدَثَةٍ لَـمْ تَرِد فِي دَلِيلٍ خَاصٍّ؟!...
جَاءَ فِي مَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَد بْن حَنْبَل رِوَايَة أَبِي دَاود الْسِّجِسْتَانِي (ت:275هـ): ((رَأَيْتُ أَحْمَدَ يَسْجُدُ فِي ﴿ص﴾ خَلْفَ إِمَامِهِ فِي الْتَّرَاوِيحِ، وَفِي: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ عِنْدَ: ﴿لاَ يَسْجُدُونَ﴾[الانْشِقَاق:21]، وَفِي: ﴿اقْرَأْ﴾، وَخَتَمَ بِهِ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ رَفَعَ الْإِمَامُ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَرَفَعَ الْنَّاسُ وَأَحْمَدُ مَعَنَا فَقَامَ سَاعَةً يَدْعُو ثُمَّ رَكَعَ، وَكَانَ ذَلِكَ عَنْ رَأْيِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فِيمَا أُخْبَرْتُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَشَهَدْتُّهُ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ، وَيُخَاوِضُهُ فِيهِ.
سَمِعْتُ أَحْمَدَ قِيلَ لَهُ: زَعَمَ الزُّبَيْرِيُّ أَنَّهُمْ إِذَا خَتَمُوا الْقُرْآنَ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَدَعَوْا فِي الْصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُمْ بِمَكَّةَ يَفْعَلُونَهُ وَسُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَوْمَئِذٍ حَيٌّ -يَعْنِي فِي قِيَامِ رَمَضَانَ-))(1)...
وَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ الإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل (ت:290هـ): ((سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الْدُّعَاءِ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآن قَائِمًا أَوْ قَاعِداً؟، فَقَالَ: يُقَالُ: إِنَّ أَنَسًا كَانَ يَجْمَعُ عِيَالَهُ عِنْدَ الْـخَتْمِ. قَالَ أَبِي: وَكَانَ الْـمعْتَمر بْن سُلَيْمَان إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْتِمَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمَاعَة، أَرَاهُ قَالَ: يَدْعُو أَوْ يَدْعُونَ، يَعْنِي إِذَا خَتَمَ.
قُلْتُ لِأَبِي: يَدْعُو إِذَا قَرَأَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾[سُورَة الْنَّاس] أَوْ يَبْتَدِئ مِنْ الْبَقَرَةِ، فَقَالَ: إِذَا خَتَمَ الْقُرْآنَ دَعَا))(2)...
وَقَالَ فَقِيهُ الْحَنَابِلَة مُوَفَّق الْدِّين ابْن قُدَامَة الْـمَقْدِسِي: (("فَصْلٌ: فِي خَتْمِ الْقُرْآنِ": قَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: أَخْتِمُ الْقُرْآنَ، أَجْعَلُهُ فِي الْوِتْرِ أَوْ فِي الْتَّرَاوِيحِ؟ قَالَ: اجْعَلْهُ فِي الْتَّرَاوِيحِ، حَتَّى يَكُونَ لَنَا دُعَاءً بَيْنَ اثْنَيْنِ. قُلْت كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: إذَا فَرَغْتَ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ فَارْفَعْ يَدَيْكَ قَبْلَ أَنْ تَرْكَعَ، وَادْعُ بِنَا وَنَحْنُ فِي الْصَّلَاةِ، وَأَطِلْ الْقِيَامَ. قُلْتُ: بِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: بِمَا شِئْتَ. قَالَ: فَفَعَلْت كَمَا أَمَرَنِي، وَهُوَ خَلْفِي يَدْعُو قَائِمًا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ فِي خَتْمِ الْقُرْآنِ: إذَا فَرَغْت مِنْ قِرَاءَةِ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [سُورَة الْنَّاس] فَارْفَعْ يَدَيْكَ فِي الْدُّعَاءِ قَبْلَ الرُّكُوعِ. قُلْتُ: إلَى أَيِّ شَيْءٍ تَذْهَبُ فِي هَذَا؟ قَالَ: رَأَيْتُ أَهْلَ مَكَّةَ يَفْعَلُونَهُ، وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَفْعَلُهُ مَعَهُمْ بِمَكَّةَ.
قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ: وَكَذَلِكَ أَدْرَكْتُ الْنَّاسَ بِالْبَصْرَةِ وَبِمَكَّةَ. وَيَرْوِي أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي هَذَا شَيْئًا، وَذُكِرَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ))(3)...
ثَانِيًا: تَخْصِيصُ وَقْتٍ لِخَتْمِ الْقُرْآنِ فِي الْصَّيْف وآخَر فِي الْشِّتَاءِ؟!...
جَاءَ فِي مَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَد بْن حَنْبَل رِوَايَة أَبِي دَاود الْسِّجِسْتَانِي: (("بَابُ: مَتَى يَخْتِمُ الْقُرْآنَ". قُلْتُ لِأَحْمَدَ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: "إِذَا كَانَ الْشِّتَاءُ فَاخْتِمْ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَإِذَا كَانَ الْصَّيْفُ فَاخْتِمْهُ فِي أَوَّلِ الْنَّهَارِ"، فَرَأَيْتُ كَأَنَّهُ: أَعْجَبَهُ"))(4)...
ثَالِثًا: تَخْصِيصُ دُعَاءٍ مُحْدَثٍ عِنْدَ الْشُّرُوع لِلْسَّفَر؟!...
جَاءَ فِي "مَنَاقِبِ الْإِمَامِ أَحْمَد بْن حَنْبَل لِلْحَافِظ ابْن الْجُوزِي: ((عَنِ الْقَاسِم بْن الْحُسَيْن الْوَرَّاق قَالَ: أَرَاد رَجُلٌ الْخُرُوجَ إِلَى طَرْسُوسٍ، فَقَالَ لِأَحْمَد: زَوِّدْنِي دَعْوَةً فَإِنِّي أُرِيدُ الْخُرُوج، فَقَالَ لَهُ: قُلْ: "يَا دَلِيلَ الْحَيَارَى، دُلَّنِي عَلَى طَرِيْقِ الْصَّادِقِيْنَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ عِبَادِكَ الْصَّالِحِيْنَ". قَالَ: فَخَرَجَ الْرَّجُل، فَأَصَابَتْهُ شِدَّة وَانْقَطَعَ عَنْ أَصْحَابِهِ، فَدَعَا بِهَذَا الْدُّعَاء فَلَحِقَ أَصْحَابَهُ، فَجَاءَ إِلىَ أَحْمَد فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ أَحْمَد: اُكْتُمْهَا عَلَيَّ))(5)...
وَفِي عَمَلِ الْإمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل جُمْلَة مِنَ "الْبِدَعِ!" الْـمَحْظُورَةِ وفْق مَنظُور أَدْعِيَاءِ الْسَّلَفِيَّةِ:
(أ‌) تَخْصِيصُ دُعَاءٍ مُحْدَثٍ بِـمَوْطِنٍ "الْشُّرُوع لِلْسَّفَر" لَـمْ يَرِد فِي تَخْصِيصِهِ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ مِنْ دَلِيلٍ خَاصٍّ!: ((...فَإِنِّي أُرِيدُ الْخُرُوج، فَقَالَ لَهُ: قُلْ: "يَا دَلِيلَ الحَيَارَى..."))...
(ب‌) لاَ حَرَجَ فِي تَبْلِيغ هَذَا الْإِحْدَاث!: ((زَوِّدْنِي دَعْوَةً))...
رَابِعًا: لاَ بَأْسَ بِاجْتِمَاع الْنَّاس فِي الْـمَسَاجِد لِلْذِّكْرِ وَالْدُّعَاءِ عَشْيَّة يَوْمِ عَرَفَة؟!...
قَالَ فَقِيهُ الْحَنَابِلَة مُوَفَّق الْدِّين ابْن قُدَامَة الْـمَقْدِسِي: ((فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْأَمْصَارِ. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ التَّعْرِيفِ فِي الْأَمْصَارِ، يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسَاجِدِ يَوْمَ عَرَفَةَ، قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ عَرَّفَ بِالْبَصْرَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: أَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَبَكْرٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ: كَانُوا يَشْهَدُونَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ عَرَفَةَ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ، إنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ وَذِكْرٌ لِلَّهِ. فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُهُ أَنْتَ؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَا. وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ حَضَرَ مَعَ الْنَّاسِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ))(6)...
حَبْر الْأُمَّة الْصَّحَابِي سَيِّدنَا عَبْد الله بْن عَبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَسْتَحْسِنُ إِحْدَاث كَيْفِيَّة -لاَ تُصَادِم الأُصُول- فِي الْتَّعَبُّدِ بِالْأَمْصَارِ وَيُوقِّتُ لَهَا بِعَشِيَّةِ عَرَفَة، مَعَ أَنَّ هَذَا الْتَّعَبُّد الْقَائِمِ عَلَى تَخْصِيصِ مِثْل هَذَا الاِجْتَمَاع بِهَذَا الْتَّوْقِيت لَـمْ يَرِد فِي دَلِيلٍ خَاصٍّ!. والإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل لاَ يَجِدُ غَضَاَضَة فِي الْتِزَام هَذَا الْأَمْر؟!...
خَامِسًا: كِتَابَةُ الْتَّعَاوِيذ وَتَخْصِيصهَا بِكَيْفِيَّة لَـمْ تَرِد وَالْتَّبَرُّك بِذَلِكَ؟!...
قَالَ عَبْدُ الله بْنُ الإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل (ت:290هـ): ((رَأَيْتُ أَبِي يكْتُبُ الْتَّعَوِيذَ لِلَّذِي يَفْزَعُ وَالْـحُمَّى لِأَهْلِهِ وَقَرَبَاتِهِ، وَيَكْتُبُ لِلْمَرْأَةِ إِذَا عَسُرَ عَلَيْهَا الْوِلاَدَة فِي جَامٍ أَوْ شَيْءٍ لَطِيفٍ، وَيَكْتُبُ حَدِيثَ ابْن عَبَّاسٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ وُقُوعِ الْبلَاءِ، وَلَمْ أَرَهُ يَفْعَلُ هَذَا قَبْلَ وُقُوعِ الْبَلَاءِ، وَرَأَيْتُهُ يُعَوِّذُ فِي الْمَاءِ وَيُشْرِبْهُ الْمَرِيْضَ، وَيَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ مِنْهُ...وَرَأَيْتُهُ غَيْر مَرَّةٍ يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ يَسْتَشفِي بِهِ وَيَمْسَحُ بِهِ يَدَيْهِ وَوَجهَهُ))(7)...
وَكُلُّ هَذَا لَـمْ يَرِد فِي دَلِيلٍ خَاصٍّ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّـم...
سَادِسًا: قَالَ الْحَافِظُ الْذَّهَبِي: ((قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ: كَانَ أَبِي يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثَلاَثَ مَئَةِ رَكْعَةٍ. فَلَمَّا مَرِضَ مِن تِلْكَ الأَسْوَاطِ، أَضْعَفَتْهُ، فَكَانَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَائَةً وَخَمْسِيْنَ رَكْعَةً))(8)...
وَهَذَا فِيهِ تَخْصِيص صَلاَة اللَّيْل بِعَدَدٍ لَـمْ يُخَصِّصهُ الْشَّارِع الْحَكِيم...
سَابِعًا: تَخْصِيص ذِكْرٍ بِإِقَامَةِ الْصَّلاَة مَعَ رَفْع الْأَيْدِي حِينَهَا لِلْدُّعَاءِ؟!...وَاسْتِحْبَاب الْدُّعَاء لِلْمُؤَذِّن فِي مَوْطِنٍ لَـمْ يَرِد بِهِ تَخْصِيصٌ؟!...
قَالَ الْحَسَنْ الْأَنْمَاطِي: ((رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه إِذَا أُقِيمَتِ الْصَّلاَةُ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَدْ قَالَ الْـمُؤَذِّنُ: "لاَ إِلَه إِلاَّ اللَّه" فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْحَقُّ الْـمُبِينُ"))(9)...
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَب الْحَنْبَلِي: ((وَقَدْ نَقَلَ الْـمَرُّوذِيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد أَنَّهُ كَانَ: إِذَا أَخَذَ الْـمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا))(10)...
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَب الْحَنْبَلِي أَيْضًا: ((وَاسْتَحَبَّ أَحْمَدُ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَبْسُطَ يَدَيْهِ وَيَدْعُو عِنْدَ قَوْلِهِ: "حَيَّ عَلَى الْصَّلاَةِ"، وَقَالَ: رَأَيْتُ يَزِيدَ بْن هَارُونَ يَفْعَلُهُ وَهُوَ: حَسَنٌ. يَعْنِي لِـمَا وَرَدَ مِنْ اسْتِحْبَابِهِ الْدُّعَاءَ عِنْدَ الْأَذَان، وَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَرْفُوعَةٌ وَمَوْقُوفَةٌ))(11)...
وَهَذَا تَخْصِيصٌ لَـمْ يَرِد فِي دَلِيلٍ خَاصٍّ...
ثَامِنًا: تَحْدِيدُ صُورَةٍ مُحْدَثَةٍ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآن عَلَى الْأَمْوَاتِ؟!...
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: ((سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: "إذَا دَخَلْتُمْ الْمَقَابِرَ فَاقْرَءُوا آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَثَلَاثَ مَرَّاتٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [سُورَةُ الْإِخْلاَص] ثُمَّ قُولُوا: اللَّهُمَّ إنَّ فَضْلَهُ [يَعْنِي ثَوَابَهُ] لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ"))(12)...
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ أَيْضًا: ((سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: "إذَا دَخَلْتُمْ الْمَقَابِرَ فَاقْرَءُوا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَالْـمُعَوِّذَتَيْنِ وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [سُورَةُ الْإِخْلاَص]، وَاجْعَلُوا ثَوَابَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْـمَقَابِرِ فَإِنَّهُ يَصِلُ إِلَيْهِمْ))(13)...
وَكُلُّ هَذَا تَخْصِيصٌ بِكَيْفِيَّةٍ وَتَحْدِيدُ عَدَدٍ بِلاَ دَلِيلٍ خَاصٍّ...
تَاسِعًا:...الخ؟!
وخِتَامًا، فَمَنْهَج الْإِمَام أَحْمَد وَاضِحٌ فِي أَنَّهُ لاَ يَعْتَبِرُ كُلّ مُحْدَثٍ بِدْعَة ضَلاَلَة؟!...فَالْبِدْعَة مَا عَارَضَ الْأُصُول لاَ مَا لَـمْ تُعْهَد صُورَتهُ فِي الْعَصْر الْنَّبَوِي....
قَالَ حَافِظُ الْدُّنِيَا ابْن حَجَر الْعَسْقَلاَنِي: ((وَالْبِدْعَةُ أَصْلُهَا مَا أُحْدِثَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وَتُطْلَقُ فِي الشَّرْعِ فِي مُقَابِلِ السُّنَّةِ فَتَكُونُ: مَذْمُومَةً، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّا تَنْدَرِجُ تَحْتَ مُسْتَحْسِنٍ فِي الشَّرْعِ فَهِيَ: حَسَنَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا تَنْدَرِجُ تَحْتَ مُسْتَقْبَحٍ فِي الشَّرْعِ فَهِيَ: مُسْتَقْبَحَةٌ، وَإِلَّا فَهِيَ مِنْ قِسْمِ الْمُبَاحِ، وَقَدْ تَنْقَسِمُ إِلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ))(14)...
وَاللهُ الْـمُوَفِّق...
_____________
(1) مَسَائِلُ الْإِمَامِ أَحْمَد رِوَايَة أَبِي دَاوُد سُلَيْمَان بْن الْأَشْعَث الْسِّجِسْتَانِي (ص:29-93) رَقْم: (450-451)، تَحْقِيق: أَبِي مُعَاذ طَارِق بْن عَوَض الله بْن مُحَمَّد، الْنَّاشِر: مَكْتَبَةُ ابْن تَيْمِيَّة، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 1420هـ-1999م
(2) كِتَابُ مَسَائِل الْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل "ت:241هـ" رِوَايَة ابْنه: عَبْد الله "ت:290هـ" (2/299-300) رَقْم: (423-424-425)، تَحْقِيق وَدِرَاسَة: الْدُّكْتُور عَلِي سُلَيْمَان الْـمهنا، تَوْزِيع: مَكْتَبَة الْدَّار بِالْمَدِينَةِ الْـمُنَوَّرَةِ، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 1406هـ-1986م
(3) الْـمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة الـحَنْبَلِي (3/608)، دَار عَالَم الكُتُب: الْرِّيَاض، الْطَّبْعَةُ الْثَّالِثَة: 1417هـ-1997م
(4) مَسَائِلُ الْإِمَامِ أَحْمَد رِوَايَة أَبِي دَاوُد سُلَيْمَان بْن الْأَشْعَث الْسِّجِسْتَانِي (ص:93) بِرَقْم: (455)، تَحْقِيق: أَبِي مُعَاذ طَارِق بْن عَوَض الله بْن مُحَمَّد، الْنَّاشِر: مَكْتَبَةُ ابْن تَيْمِيَّة، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 1420هـ-1999م
(5) مَنَاقِب الإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل لِلْحَافِظ ابْن الْجُوزِي (ص:395-396)، دَار هجْر، الطَّبْعَة الثَّانيَة: 1409هـ
(6) الْـمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة الـحَنْبَلِي (3/295)، دَار عَالَم الكُتُب: الْرِّيَاض، الْطَّبْعَةُ الْثَّالِثَة: 1417هـ-1997م
(7) كِتَابُ مَسَائِل الْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل "ت:241هـ" رِوَايَة ابْنه: عَبْد الله "ت:290هـ" (3/1345-1347)، تَحْقِيق وَدِرَاسَة: الْدُّكْتُور عَلِي سُلَيْمَان الْـمهنا، تَوْزِيع: مَكْتَبَة الْدَّار بِالْمَدِينَةِ الْـمُنَوَّرَةِ، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 1406هـ-1986م
(8) سِيَرُ أَعْلاَمِ الْنُّبَلاَءِ لِلْحَافِظ الْذَّهَبِي (11/212)، أَشْرَفَ عَلَى تَحْقِيقِ الْكِتَابِ وَخَرَّجَ أَحَادِيثَهُ: شُعَيْب الْأَرْنَؤُوط، مُؤَسَّسَةُ الْرِّسَالَة، الْطَّبْعَة الْأُوْلَى: 1402هـ-1982م
(9) طَبَقَاتُ الْحَنَابِلَةِ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى الْحَنْبَلِي (1/371)، حَقَّقَهُ وَقَدَّمَ لَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ: الْدُّكْتُور عَبْد الْرَّحْمَن الْعُثَيْمِين، الْأَمَانَة الْعَامَّة لِلاِحْتِفَالِ بِمُرُورِ مَائَة عَامٍ عَلَى تَأْسِيسِ الْـمَمْلَكَة الْسُّعُودِيَّة، طَبْعَة: 1419هـ-1999م
(10) فَتْحُ الْبَارِي شَرْح صَحِيحِ الْبُخَارِي لِلْحَافِظ ابْنِ رَجَب الْحَنْبَلِي (5/259)، الْنَّاشِر: مَكْتَبَةُ الْغُرَبَاءِ الْأَثَرِيَّة - الْـمَدِينَة الْـمُنَوَّرَة، الْطَّبْعَةُ الْأُوْلَى: 1417هـ-1996م
(11) فَتْحُ الْبَارِي شَرْح صَحِيحِ الْبُخَارِي لِلْحَافِظ ابْنِ رَجَب الْحَنْبَلِي (5/258)، الْنَّاشِر: مَكْتَبَةُ الْغُرَبَاءِ الْأَثَرِيَّة - الْـمَدِينَة الْـمُنَوَّرَة، الْطَّبْعَةُ الْأُوْلَى: 1417هـ-1996م
(12) طَبَقَاتُ الْحَنَابِلَةِ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى الْحَنْبَلِي (2/224)، حَقَّقَهُ وَقَدَّمَ لَهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ: الْدُّكْتُور عَبْد الْرَّحْمَن الْعُثَيْمِين، الْأَمَانَة الْعَامَّة لِلاِحْتِفَالِ بِمُرُورِ مَائَة عَامٍ عَلَى تَأْسِيسِ الْـمَمْلَكَة الْسُّعُودِيَّة، طَبْعَة: 1419هـ-1999م
(13) الْـمَصْدَر الْسَّابِق: طَبَقَاتُ الْحَنَابِلَةِ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى الْحَنْبَلِي (2/224)
(14) فَتْح البَارِي شَرْح صَحِيح الْبُخَارِي لِحَافِظ الدُّنْيَا ابْن حَجَر العَسْقَلاَنِي (4/253)، الْـمَكْتَبَةُ الْسَّلَفِيَّة.
ياسين بن ربيع

#البدعةُ_الـمحمُودة: #بعضُ_مُحدثات_الإمام_الشّافعي؟!

#البدعةُ_الـمحمُودة#بعضُ_مُحدثات_الإمام_الشّافعي؟!
أوّلاً: أمر الـمُؤذّن بقول: "الصّلاة جامعة" ونحوه في الأعياد وما جُمع النّاس لهُ من صلاة؟!...
قال الإمامُ الشّافعيُّ: ((ولا أذان إلّا للمكتُوبة، فإنّا لم نعلمهُ أُذّن لرسُول اللّه صلّى اللّهُ عليه [وآله] وسلّم إلّا للمكتُوبة، وأُحبُّ أن يأمُر الإمامُ المُؤذّن أن يقُول في الأعياد وما جُمع النّاسُ لهُ من الصّلاة: "الصّلاةُ جامعةٌ" أو: إنّ الصّلاة...، وإن قال: "هلُمّ إلى الصّلاة" لـم نكرههُ، وإن قال: "حيّ على الصّلاة" فلا بأس))(1)...
وهذا من الإمام الشّافعي إحداثٌ لـهيئة أذان بقصد جمع النّاس لصلاةٍ من غير المكتُوبة، لـم تُعهد صُورتها هكذا في العصر النّبوي...
ثانيًا: الجهر بالنّيّة عند الصّلاة مع تخصيصها بذكرٍ لـم يرد؟!...
قال ابن الـمُقرئ: ((أخبرنا ابنُ خُزيمة، ثنا الرّبيعُ قال: "كان الشّافعيُّ إذا أراد أن يدخُل في الصّلاة، قال: بسم اللّه، مُوجّهًا لبيت اللّه مُؤديًّا لفرض اللّه -عزّ وجلّ- اللّهُ أكبرُ"))(2)...
وفي الطّبقات الكُبرى للتّاج السُّبكي: ((وقال ابنُ خُزيـمة أيضًا: حدّثنا الرّبيعُ قال: كان الشّافعيُّ إذا أراد أن يدخُل في الصّلاة قال: بسم الله، مُتوجّهًا لبيت الله، مُؤدّيًّا لعبادة الله))(3)...
وهذا من الإمام الشّافعي إحداثٌ لهيئةٍ لـم ترد في دليلٍ خاصٍّ، تتناول الجهر بالنّيّة عند الصّلاة مع تخصيصها بذكرٍ لـم يُعهد في العصر النّبوي...
ثالثًا: الصّلاةُ على النّبيّ صلّى اللّهُ عليه وآله وسلّم مع التّسمية على الذّبيحة؟!...
قال الإمامُ الشّافعيُّ: ((والتّسميةُ على الذّبيحة "باسم اللّه"، فإذا زاد على ذلك شيئًا من ذكر اللّه عزّ وجلّ فالزّيادةُ خيرٌ، ولا أكرهُ مع تسميته على الذّبيحة أن يقُول: "صلّى اللّهُ على رسُول اللّه"، بل أُحبُّهُ لهُ، وأُحبُّ لهُ أن يُكثر الصّلاة عليه، فصلّى اللّهُ عليه في كُلّ الحالات؛ لأنّ ذكر اللّه عزّ وجلّ والصّلاة عليه إيمانٌ باللّه تعالى وعبادةٌ لهُ يُؤجرُ عليها إن شاء اللّهُ تعالى من قالها))(4)...
وهذا فيه إحداثُ زيادة صيغةٍ "الصّلاة عليه صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم" إلى ذكرٍ واردٍ في موطنٍ خاصٍّ...
رابعًا: إحداثُ هيئةٍ في التّعبُّد لـم تُعهد عند وداع الحاجّ لبيت الله الحرام؟!...
قال الإمامُ الشّافعيُّ: ((وأُحبُّ لهُ إذا ودّع البيت أن يقف في المُلتزم، وهُو بين الرُّكن والباب فيقُولُ: "اللّهُمّ إنّ البيت بيتُك، والعبد عبدُك، وابنُ عبدك، وابنُ أمتك، حملتني على ما سخّرت لي من خلقك حتّى سيّرتني في بلادك، وبلّغتني بنعمتك حتّى أعنتني على قضاء مناسكك، فإن كُنت رضيت عنّي فازدد عنّي رضًا، وإلّا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، هذا أوانُ انصرافي إن أذنت لي غير مُستبدلٍ بك ولا ببيتك ولا راغبٍ عنك ولا عن بيتك، اللّهُمّ فاصحبني بالعافية في بدني، والعصمة في ديني، وأحسن مُنقلبي، وارزُقني طاعتك ما أحييتني". وما زاد إن شاء اللّهُ تعالى أجزأهُ))(5)...
خامسًا: تخصيصُ دُعاءٍ مُحدثٍ عند دفن الميّت؟!...
قال الإمامُ الشّافعيُّ: ((وإذا وُضع الميّتُ في قبرٍ قال من يضعُهُ: "بسم اللّه، وعلى ملّة رسُول اللّه صلّى اللّهُ عليه [وآله] وسلّم"، وأُحبُّ أن يقُول: "اللّهُمّ أسلمهُ إليك الأشحّاءُ، قامُوا على ورثه من ولده وأهله وقرابته وإخوانه، وفارق من كان يُحبُّ قُربهُ، وخرج من سعة الدّار والحياة إلى ظُلمة القبر وضيقه، ونزل بك وأنت خيرُ منزُولٍ به، إن عاقبتهُ عاقبتهُ بذنبه، وإن عفوت فأنت أهلُ العفو. اللّهُمّ أنت غنيٌّ عن عذابه، وهُو فقيرٌ إلى رحمتك. اللّهُمّ اُشكُر حسنتهُ، وتجاوز عن سيّئته، وشفّع جماعتنا فيه، واغفر ذنبهُ، وافسح لهُ في قبره، وأعذهُ من عذاب القبر، وأدخل عليه الأمان، والرُّوح في قبره"))(6)...
سادسًا: القول باستجابة الدُّعاء في ليالٍ بعينها من دُون طلب دليلٍ خاصٍّ؟!،...والقول أيضًا باستحباب إحياء ليلة العيد بالذّكر والدُّعاء في الـمساجد وغيرها من دُون طلب دليلٍ تفصيليٍّ؟!...
جاء في كتاب الأُمّ للإمام الشّافعيُّ: ((العبادةُ ليلةُ العيدين: أخبرنا الرّبيعُ قال: أخبرنا الشّافعيُّ قال: أخبرنا إبراهيمُ بنُ مُحمّدٍ قال: أخبرنا ثورُ بنُ يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي الدّرداء قال: "من قام ليلة العيد مُحتسبًا لم يمُت قلبُهُ حين تمُوتُ القُلُوبُ".
(قال الشّافعيُّ) رحمةُ اللهُ عليه: وبلغنا أنّهُ كان يُقالُ: "إنّ الدُّعاء يُستجابُ في خمس ليالٍ: في ليلة الجُمُعة، وليلة الأضحى، وليلة الفطر، وأوّل ليلةٍ من رجبٍ، وليلة النّصف من شعبان".
أخبرنا الرّبيعُ قال: أخبرنا الشّافعيُّ قال: أخبرنا إبراهيمُ بنُ مُحمّدٍ قال: "رأيت مشيخةً من خيار أهل المدينة يظهرُون على مسجد النّبيّ صلّى اللّهُ عليه [وآله] وسلّم ليلة العيد، فيدعُون ويذكُرُون اللّه، حتّى تمضي ساعةٌ من اللّيل". وبلغنا أنّ ابن عُمر كان يُحيي ليلة جمعٍ، وليلةُ جمعٍ هي ليلةُ العيد؛ لأنّ صبيحتها النّحرُ. 
(قال الشّافعيُّ) رضي اللهُ عنهُ: وأنا أستحبُّ كُلّ ما حُكيت في هذه اللّيالي من غير أن يكُون فرضًا))(7)...
سابعًا: التزامُ صُورةٍ للعبادة لـم يلتزمها الـمُصطفى صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم؟! وليس عليها من دليلٍ خاصٍّ غير عُمُومات النُّصُوص؟!...
قال ابن أبي حاتم الرّازي: ((أخبرنا أبُو الحسن، أخبرنا أبُو مُحمّدٍ، ثنا الرّبيعُ بنُ سُليمان المُراديُّ المصريُّ؛ قال: "كان الشّافعيُّ يختمُ القُرآن في شهر رمضان ستّين مرّةً؛ كُلُّ ذلك في صلاةٍ"))(8)...
وجاء في "مناقب الشّافعي" للحافظ البيهقي: ((أخبرنا أبُو عبد الرّحمن السُّلمي، قال: سمعتُ علي بن عُمر الحافظ، يقُولُ: سمعتُ أبا بكر النّيسابُوري، قال: سمعتُ الرّبيع بن سُليمان: قال: "كان الشّافعيُّ يختمُ في كُلّ شهرٍ ثلاثين ختمةً، وكان يختمُ في شهر رمضان ستّين ختمةً، سوى ما يقرأُ في الصّلاة"))(9)...
ثامنًا:...
الأم للشافعي (1/ 131)
(قال الشافعي) : ولو قال مع: آمين رب العالمين وغير ذلك من ذكر الله كان حسنا لا يقطع الصلاة شيء من ذكر الله
تاسعا :...الخ
وختامًا، فالإمام الشّافعي لا يذُّمُّ كُلّ مُحدثٍ، إذ البدعةُ الـمذمُومةُ هي ما يُخالفُ الأُصُول الشّرعيّة، وليس: ما لـم يُعهد بصُورته في عهد النُّبُوّة؟!...وقد أوضّح الإمام الشّافعي نفسه هذا الـمنهج كما نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني فقال: ((قال الشّافعيُّ: "البدعةُ بدعتان: محمُودةٌ ومذمُومةٌ، فما وافق السُّنّة فهُو: محمُودٌ، وما خالفها فهُو: مذمُومٌ" أخرجهُ أبُو نُعيمٍ بمعناهُ من طريق إبراهيم بن الجُنيد عن الشّافعيّ، وجاء عن الشّافعيّ أيضًا ما أخرجهُ البيهقيُّ في مناقبه قال: "المُحدثاتُ ضربان: ما أُحدثُ يُخالفُ كتابًا أو سُنّةً أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه: بدعةُ الضّلال، وما أُحدثُ من الخير لا يُخالفُ شيئًا من ذلك، فهذه: مُحدثةٌ غيرُ مذمُومةٍ".انتهى))(10)...
واللهُ الـمُوفّق
___________________
(1) الأُمُّ للإمام مُحمّد بن إدريس الشّافعي (2/501)، تحقيق الدُّكتُور: رفعت فوزي عبد الـمُطّلب، دار الوفاء للطّباعة والنّشر والتّوزيع-الـمنصُورة، الطّبعة الأُولى: 1422هـ-2001م
(2) الـمُعجم لابن الـمُقرئ (ص:121) رقم: (336)، مكتبةُ الرُّشد – الرّيّاض، الطّبعة الأُولى: 1419هـ-1998م
(3) طبقاتُ الشّافعيّة الكُبرى (2/139)، تحقيق: د.محمُود مُحمّد الطّنّاحي - د.عبد الفتّاح مُحمّد الحلُو، هجر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الطّبعة الثّانية:1413هـ
(4) الأُمُّ للإمام مُحمّد بن إدريس الشّافعي (2/621)، تحقيق الدُّكتُور: رفعت فوزي عبد الـمُطّلب، دار الوفاء للطّباعة والنّشر والتّوزيع-الـمنصُورة، الطّبعة الأُولى: 1422هـ-2001م
(5) الأُمُّ للإمام مُحمّد بن إدريس الشّافعي (2/575)، تحقيق الدُّكتُور: رفعت فوزي عبد الـمُطّلب، دار الوفاء للطّباعة والنّشر والتّوزيع-الـمنصُورة، الطّبعة الأُولى: 1422هـ-2001م
(6) الأُمُّ للإمام مُحمّد بن إدريس الشّافعي (2/633-634)، تحقيق الدُّكتُور: رفعت فوزي عبد الـمُطّلب، دار الوفاء للطّباعة والنّشر والتّوزيع-الـمنصُورة، الطّبعة الأُولى: 1422هـ-2001م
(7) الأُمُّ للإمام مُحمّد بن إدريس الشّافعي (2/485-486)، تحقيق الدُّكتُور: رفعت فوزي عبد الـمُطّلب، دار الوفاء للطّباعة والنّشر والتّوزيع-الـمنصُورة، الطّبعة الأُولى: 1422هـ-2001م
(8) آدابُ الشّافعي ومناقبه لابن أبي حاتم الرّازي (ص:74)، دار الكُتُب العلميّة: بيرُوت-لُبنان، الطّبعة الأُولى: 2003م-1424هـ
(9) مناقبُ الشّافعي للحافظ البيهقي (1/279)، تحقيق: السّيّد أحمد صقر، مكتبةُ دار التُّراث – مصر، الطّبعة الأُولى: 1390هـ-1970م
(10) فتحُ الباري شرح صحيح البُخاري: (13/253)، الـمكتبةُ السّلفيّة

من قال ان مولد بدعة ..!!

المولد في حقيقته نشاط اجتماعي قصد به جلاء القلوب مما أصابها من الصدأ، فكان أسلوباً غير مباشر يهدف إلى تحقيق خيرات لا محظور من إقرارها: من إطعام وصدقة وإنشاء شيء من الأشعار في المدائح النبوي والزهدية الباعثة إلى فعل الخير، بالإضافة إلى ما فيه من تلاوة وصلاة على النبي( صلى الله عليه وسلم )، وإظهار السرور بمولده، وشكر الله على إبرازه ومنته به علينا وما ينجم عن ذلك من امتلاء القلوب بالخشية وتذلل الوجوه بالضراعة ، ورفع الأيدي بالرجاء، واشتغال الألسن بالدعاء، وانكسار النفوس بالتذلل، وصدق الآمال في أرحم الراحمين .
وصرف النية إلى تحقيق هذه الأهداف يصرف هذا الاجتماع إلى قربى إلى الله شأن جميع أعمال المسلم التي لم توضع للتعبد بها تصرفها النية إلى قربى .
ومن زعم أنه تحصل منكرات في هذا الاجتماع فليوجه نقده إلى ما يحدث إن صدق لا إلى أصل الاجتماع في هذة المناسبة الكريمة الذي تتحقق فيه أعمال مشروعة وأهداف خيرة .
وبقي بعد هذا أن نبين هدفهم من جعل المولد من العبادات التي تحتاج إلى توقيف من الشارع :
فهم يريدون بادعاء ذلك التنصل من أن يطالبهم أحد بإيراد الأدلة على تحريمه وبدعيته بزعم أنه داخل في العبادات التي تحتاج إلى توقيف فلا يكون جائزاً، بل مسلوك في سلك بدع الضلالة إلا أن يسوق المجيز دليلاً على إخراجه منها كما يدعون .
وهذا الأسلوب منهم هو من باب قلب الأمور، لأن تحريم ما لم يرد تحريمه بدليل هو من أسباب الضلال. وإن من لا يملك الدليل على التحريم ينطبق عليه ما ورد فيمن حللوا وحرموا من عند أنفسهم .
أما من زاول أمراً لم يوضع للتعبد به ولا يشتبه به ولم ينه عنه فلا يقال: إنه اتخذ ديناً، ولا إنه يحتاج إلى توقيف ، وإنما تصيره النية قربى شأن جميع أعمال المسلم الأخرى التي لم يضعها الله للتعبد بها تصير قربى إن نوى بها التقرب إلى الله كما في الحديث: "أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر" .
وحسب الجمهور احتياطاً في قبول الجديد بعد العهود الأولى أن يندرج تحت مصلحة مناسبة، وذلك عند عدم النص أو الإجماع، وأن لا تكون معارضة لنص أو أصل شرعي .
وإقامة ذكرى المولد لا تضاد أصلاً من أصول الشرع ولا دليلاً من دلائله .
وعلى فرض أنه من الأمور المبتدأة بعد العهود الأولى فإنه يكون من القسم المقبول بالإطلاق اللغوي .
وما يتلى فيه من ذكر مولده ومعجزاته وشمائله وفضائله مما يحيي في القلوب القدوة الحسنة والعظة ويذكر بمنة الله به ( صلى الله عليه وسلم ) على الأمة، وما وصل إليها من أنواع الخير من طريقه فيغرس ذلك كمال محبته ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكمال الإيمان به، والمحافظة على تعظيمه ( صلى الله عليه وسلم ) وشكره تعالى على هذه المنة العظيمة، وكل تلك الأمور من الضروريات التي ترجع إلى حفظ الدين ، فمن لم يجد سنداً صحيحاً ودليلاً ناهضاً على درجه في المحدث وبدعة الضلالة التي أطلقها الشرع على محدث يصادم نصاً أو أصلاً شرعياً لا على كل عمل مبتدأ لا يعارض شيئاً من ذلك فعليه أن لا يجزأ على الله بتحريم شيء لا دليل على تحريمه.
وسيأتيك في البحث التالي أنهم استدلوا على تحريمه ودرجه في بدعة الضلالة بما لا دليل فيه على ذلك .

هل صحيح ان لاحتفال بمولده صلوات ربى وسلامه عليه بدعة ولا يجوز الاحتفال ..!

كثر الكلام في هذا الموضوع فخرج علينا بعض الناس الذين يدعون أنهم من أهل السلف الصالح .. والسلف الصالح برئ منهم. يقولون بان الاحتفال بمولده صلوات ربى وسلامه عليه بدعة ولا يجوز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف. وفي هذا الموضوع سنرد الأدلة التي ستنهي الجدال في هذا الموضوع وكما قلت لكم في البداية خير الكلام ماقل ودل. لذلك لن أطيل على حضراتكم. وسأذكر بعض الأدلة القليلة والتي لم يستطع أي وهابي أن يرد عليها. نبدأ على بركه الله.
بدايةً أول من احتفل بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم هو الملك المظفر أبو سعيد كوكوبوري وليس كما يقول البعض أن أول من احتفل هم الفاطميون. وارجع الى البداية والنهاية /الجزء الثالث عشر/ ثم دخلت سنة ثلاثين وستمائة
أولاً من القرآن الكريم:
1. دليل من القرآن للرّدّ عمّن يحرّمون الاحتفال بمولد خير البريّة صلّى الله عليه وسلّم. يقول الله سبحانه وتعالى في سورة يونس (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا). الله أمرنا أن نفرح يفضله ورحمته، وأيّ فضل وأيّ رحمة أنزلها الله لعباده أفضل من خلق محمّد صلّى الله عليه وسلّم وبعثته رسولاً نبيّاً للعالمين، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ). إذاً فالفرح بفضل الله ورحمته أمر مذكور في القرآن، ومن رحمة الله بعثة محمّد عليه الصّلاة والسّلام، إذاً أقول أين الحرام في ذلك والمسلمون في كلّ الدّنيا يفرحون لولادة خير البريّة الّذي هو من رحمات ربّ العالمين. الحمد لله على نعمة العقل السّليم. 
2. إن القرآن الكريم يثني على أولئك الذين أكرموا النبي وعظموا شأنه وبجلوه إذ يقول: (فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الأعراف 157. إن الأوصاف التي وردت في هذه الآية والتي استوجبت الثناء الإلهي هي: آمنوا به - وعزروه - ونصروه - واتبعوا النور الذى أنزل معه - فهل يحتمل أحد أن تختص هذه الجمل بزمن النبي صلى الله عليه وسلم ؟؟؟ الجواب: لا، فإن الآية لا تعني الحاضرين في زمن النبي خاصة، فعندئذ من القطعي أن لا تختص جملة (عزروه) بزمان النبي، أضف إلى ذلك أن القائد العظيم يجب أن يكون موضعاً للتكريم والاحترام والتعظيم في كل العهود والأزمنة، فهل إقامة المجالس لإحياء ذكريات: المبعث أو المولد النبوي وإنشاء الخطب والمحاضرات والقصائد والمدائح إلا مصداقاً جلياً لقوله تعالى: (وَعَزَّرُوهُ) والتي تعني أكرموه وعظموه.
3. قال سبحانه: (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) المائدة 114. فسيدنا عيسى عليه السلام اتخذ نزول المائدة السماوية والبركة الإلهية عيداً لأنه سبحانه أكرمه وأكرم تلاميذه بهذه المائدة، فإذا كانت المائدة السماوية سبباً لاتخاذ يوم نزولها عيداً فلماذا لا يجوز أن نتخذ يوم المولد النبوي الذي هو يوم البركة ويوم نزول المائدة المعنوية عيداً ؟؟؟!!!! هل يستطيع أن يدعي أحد أن وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من شريعة عظيمة خالدة، أقل بركة من المائدة التي نزلت على المسيح عليه السلام وتلاميذه؟
ثانياً من السنة:
1. جاء في «صحيح مسلم»: [حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار واللفظ لابن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن غيلان بن جرير سمع عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سئل عن صيامه ليوم الاثنين فقال: (ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ)، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يعظم يوم مولده، ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه، وتفضله عليه بالوجود لهذا الوجود، إذ سعد به كل موجود. وهذا في معنى الاحتفال به، إلا أن الصورة مختلفة ولكن المعنى موجود سواء كان ذلك بصيام، أو إطعام طعام، أو اجتماع على ذكر، أو صلاة على النبي، أو سماع شمائله الشريفة.
2. بنص السنة احتفال الصحابة شعراً بمولد النبي في حياته: روى البيهقي والطبراني والحاكم وذكرها القاضي عياض في الشفا، وابن القيم في الزاد، وابن كثير في السيرة أن خريم بن أوس بن حارثة بن لام يقول: هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قل لا يفضض الله فاك) فأنشد يقول:
من قبلها طبت في الظلال وفي * مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر * أنت ولا نطفة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد * ألجم نسراً وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم * إذا مضى عالم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن من * خندق علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرقت الأر * ض فضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي * ذلك النور وسبل الرشاد يخترق
قال الحافظ ابن حجر في الأمالي حديث حسن، ومن هذا الحديث نرى أن الصحابة رضى الله عنهم احتفلوا بالمولد النبوي الشريف ولكن بطريقة أخرى.
3. أن المولد اشتمل على اجتماع وذكر وصدقة، ومدح وتعظيم للجناب النبوي فهو سنة، وهذه أمور مطلوبة شرعاً وممدوحة، وجاءت الآثار الصحيحة بها وبالحث عليها. جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم عند قفوله من بعض غزواته، فقالت: إني كنت نذرت إن ردك الله سالماً أن أضرب على رأسك بالدف، فقال لها صلى الله عليه وسلم: (أوفى بنذرك) .. الحديث مشهور، ولا شك أن الضرب بالدف من أنواع الفرح، والنبي صلى الله عليه وسلم أمرها بالوفاء بنذرها لما كان سبب ذلك فرحها بسلامته، فكذلك من أحدث احتفالات مباحاً عند فرحه بزمن ولادته صلى الله عليه وسلم، من غير التزام ولا نذر.
ثالثاً الإجماع ورأي علماء الأمة:
1. أن المولد أمر استحسنه العلماء والمسلمون في جميع البلاد، وجرى به العمل في كل صقع، فهو مطلوب شرعاً للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود الموقوف: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح) أخرجه أحمد. ويرى الفقهاء في أن الإجماع يصح أن يكون وجهاً شرعياً واعتباره دليلاً من أدلة الأحكام الشرعية، ودليل صحة الإجماع قوله تعالى (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً) النساء 115، يقول ابن رشيد: لأن الله توعد باتباعهم غير سبيل المؤمنين فكان أمراً واجباً باتباع سبيلهم، وبقوله صلى الله لعيه وسلم: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) فالإجماع مستند إلى كتاب أو سنة أو قياس يرجع إلى أحدهما. وقد أجمع الصحابة والتابعون وتابع التابعين على مشروعية الاحتفال بالمولد. ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر رأي أبي بكر الصديق رضى الله عنه: كانت وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ومراعاة لهذه المناسبة، تمنى أبو بكر أن تكون وفاته يوم الاثنين: وهذا من مراعاة المناسبات والتبرك بها، والاحتفال بالمولد النبوي من هذا المعنى. فقد روى البخاري في باب الجنائز: باب موت يوم الاثنين عن عائشة قالت: دخلت على أبى بكر رضي الله عنه فقال: في كم كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: في ثلاث أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة، وقال لها: في أي يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت يوم الاثنين. قال: فأي يوم هذا؟ قالت يوم الاثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليل.. الحديث. قال القسطلاني: وترجى الصدّيق رضي الله عنه أن يموت يوم الاثنين لقصد التبرك وحصول الخير، لكونه عليه السلام توفي فيه فله مزية على غيره من الأيام بهذا الاعتبار. فهل يعترض المعترضون على أبي بكر، لمراعاة هذه المناسبة؟ كما يعترضون على أصحاب الموالد الذين يراعون أيضاً هذه المناسبة؟.
2. رأي الحافظ السخاوي: "إن عمل المولد حدث بعد القرون الثلاثة ثم لا زال أهل الإسلام لسائر الأقطار يعملون بالمولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم". المواهب اللدنية – 1 – 148 - طبعة ما يسمى المكتب الإسلامي.
3. قالَ الحافِظُ السيوطِيُّ عندَما سُئِلَ عَنْ عَمَلِ المولِدِ الشريفِ في رسالَةٍ سَمَّاها "حُسْنَ المقصِدِ في عَمَلِ المولِدِ" قالَ، واسمَعُوا جيدًا: "أَصْلُ عَمَلِ المولِدِ الذِي هو اجْتِمَاعُ الناسِ وقراءَةُ مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرءَانِ ورِوَايةُ الأخبارِ الوَارِدَةِ في مَبْدَإِ أَمْرِ النَّبِيِّ وما وَقَعَ في مَوْلِدِهِ مِنَ الآياتِ، ثُمَّ يُمَدُّ لَهُمْ سِمَاطٌ يَأْكُلونَهُ وَيَنْصَرِفُونَ مِنْ غَيرِ زِيادَةٍ على ذَلِكَ هو مِنَ البِدَعِ الحسنَةِ التِي يُثَابُ عليهَا صاحِبُهَا لِمَا فيهِ مِنْ تَعظيمِ قَدْرِ النَّبيِّ وإِظْهَارِ الفَرَحِ والاسْتِبْشَارِ بِمَوْلدِهِ الشريفِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ".
وهذا والله أعلم

الأربعاء، 5 ديسمبر 2018

هل ترك النبي صلى الله عليه وسلم للشيئ يدل على تحريمه ..؟!

 الجواب :
 الترك أنواع ومنها:
-----------------------
أن يكون تركه عادة كترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكل الضب في حديث سيدنا خالد أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ فأهوى إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده فقيل: هو ضب يا رسول الله فرفع يده فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ فقال: « لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه» قال خالد: فاجتررته فأكلته والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ينظر([20]).
والحديث يدل على أمرين:
1- أن تركه للشيء ولو بعد الإقبال عليه لا يدل على تحريمه.
2- أن استقذاره الشيء لا يدل على تحريمه أيضا.
· أن يكون تركه نسيانا سها صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة فترك منها شيئا فسئل: هل حدث في الصلاة شيء؟. قال «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني»([21]).
· أن يكون تركه مخافة أن يفرض كصلاة التراويح.
· أن يكون تركه لعدم تفكيره فيه ولم يخطر على باله – مثل إحداث المنبر له صلى الله عليه وآله وسلم .
· أن يكون تركه لدخوله في عموم آيات أو أحاديث كتركه كثيرا من المندوبات لأنها مشمولة في قوله تعالى : ﴿ وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾([22]) وغيرها.
· أن يكون تركه خشية تغير قلوب بعض الصحابة قال صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة رضي الله عنها : (لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزمته بالأرض وجعلت له بابين باب شرقيا وبابا غربيا فبلغت به أسس إبراهيم عليه السلام)([23]).
والترك وحده إن لم يصحبه نص على أن المتروك محظور لا يكون حجة في ذلك بل غايته أن يفيد أن ترك ذلك الفعل مشروع.
وهذه قاعدة في الأصول وأدلتها هي:
· أحدها: أن الذي يدل على التحريم ثلاثة أشياء:
النهي نحو ﴿ ولا تقربوا الزنا﴾([24]) ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾([25]).
لفظ التحريم نحو (من غشنا فليس منا)([26]).
والترك ليس واحدا من هذه الثلاثة فلا يقتضي التحريم.
· ثانيها : إن الله تعالى قال ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾([27]).
ولم يقل ما تركه فانتهوا عنه فالترك لا يفيد التحريم.
· ثالثها: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «ما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه»([28]).
ولم يقل ما تركته فاجتنبوه فكيف دل الترك على التحريم؟
· رابعها: أن الأصوليين عرفوا السنة بأنها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفعله وتقريره ولم يقولوا وتركه لأنه ليس بدليل.
· خامسها: تقدم أن الترك يحتمل أنواعا غير التحريم والقاعدة الأصولية (أن ما دخله الإحتمال سقط به الاستدلال).
· سادسها: أن الترك أصل، لأنه عدم فعل والعدم هو الأصل والفعل طارئ والأصل لا يدل على شيء لغة ولا شرعا فلا يقتضي الترك تحريما([29]) ، فيعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعل جميع المندوبات المباحات لأنها كثيرة لا يستطيع بشر أن يستوعبها ولاشتغاله بمهام اعظم استغرقت معظم وقته من تبليغ للدعوة ومحاربة للمشركين ونقاش مع الكتابيين والكفار وغيرها مما هو مهم لتأسيس الدولة الإسلامية.
· بل إنه ترك بعض المندوبات عمدا مخافة أن تفرض على أمته أو يشق عليهم إذا هو فعلها ، فها هي سيدتنا عائشة تخبرنا بذلك فتقول: (إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يترك العمل وفعله أحب إليه خشية أن يستن به الناس فيفرض عليهم وكان يحب ما خفف عليهم)([30]).
وقالت رضي الله عنها : ( خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عندي مسرورا ثم رجع وهو كئيب فقال: «إني دخلت البيت وددت أني لم أكن فعلت إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي بعدي» وفي رواية «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي» وفي رواية: « لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها إني أخاف أن أكون شققت على أمتي»)([31]).
وقالت أيضا في قصة صلاته بعد العصر (وكان لا يصليها في المسجد مخافة أن تثقل على أمته وكان يحب ما خف عليهم).
وفي باب (يسروا ولا تعسروا) في البخاري قال: (وكان يحب أن يخفف على الناس وييسر عليهم).
وهذا المعنى موجود في كثير من المواضع في السواك وفي تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل: (لولا أن أشق على أمتي …).
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال موضحا لنا هذا الإشكال: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم الله فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينس شيئا ثم تلا ﴿ وما كان ربك نسيا﴾([32]))([33]).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم « إذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن أمر فاجتنبوه»([34]) ولم يقل: إذا تركت شيئا فاجتنبوه.
وكذلك ترك السلف لشيء – أي عدم فعلهم له – لا يدل على أنه محظور قال الإمام الشافعي : (كل ما له مستند من الشرع فليس ببدعة ولو لم يعمل به السلف)، لأن تركهم العمل به قد يكون لعذر قام لهم في الوقت أو لما هو أفضل منه أو لعله لم يبلغ جميعهم علم به.
فإذا ليس كل ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خارجا عن السنة بل إن الحوافز القولية الكثيرة لعمل الخير والترغيبات الكثيرة القولية بالفضائل العامة والخاصة هي أيضا من السنة كما أن التقريرات الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما يحدث من الخير مما لا يخالف المشروع هي أيضا من السنة بل هي طريقة الرسول وسنته التي حث على اتباعها والتمسك بها.
من هذا المنطلق فعل كثير من الصحابة باجتهاداتهم أمورا فكانت سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وطريقته قبول ما كان من العبادة والخير ويتفق مع المشروع ولا يخالفه ورد ما كان مخالفا لذلك فهذه سنته وطريقته التي سار عليها خلفاؤه وصحابته واقتبس منها العلماء رضوان الله عليهم قولهم: إن ما يحدث يجب أن يعرض على قواعد الشريعة ونصوصها فما شهدت له الشريعة بالحسن فهو حسن مقبول وما شهدت له الشريعة بالمخالفة والقبح فهو المردود وهو البدعة المذمومة وقد يسمون الأول بدعة حسنة من حيث اللغة باعتباره محدثا وإلا فهو في الواقع ليس ببدعة شرعية بل هو سنة مستنبطة ما دامت شواهد الشريعة تشهد له بالقبول.
سماها بذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم نفسه حين قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)([35]).
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى : فيه الحث على الابتداء بالخيرات وسن السنن الحسنات والتحذير من الأباطيل والمستقبحات.
وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وآله وسلم « كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة.
وسن سنة أو استنانها يعني إننشاؤها باجتهاد واستنباط من قواعد الشرع أو عمومات نصوصه أي من أنشأ سنة حسنة مستندا في ابتداع ذاتها إلى دلائل الشرع كان له اجرها ومن أنشأ سنة سيئة مستندا في ابتداع ذاتها إلى ما تنكره الشريعة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها([36]).
أخرجه البخاري (2550) وفي خلق أفعال العبد (43) ومسلم (1718) وأحمد (6/73) في المسند، وابن ماجه (14) وأبو داود (4606) والداقطني (4/224 - 225) وابن حبان في صحيحه (26 - 27) وابن أبي عاصم في السنة (52) والبغوي (103) وأبو عوانه (4/18) والقضاعي في مسند الشهاب (359) والطيالسي (1422) وأبو يعلى (4594).([20]) أخرجه البخاري (5537) ومسلم (1945) وأبو داود (3794) وابن ماجه (3251) ومالك (2/968) والطبراني في ال كبير (3816) والشافعي (2/174) والنسائي (4327).
[21]) أخرجه البخاري (1225) ومسلم(572) والدارقطني (1/375) وأبو داود (1020) والنسائي (1240) ومختصرا وابن ماجه (1211) وابن حبان (2662) وابن أبي شيبة (2/25) وأبو عوانة (2/202) وأحمد (1/379).([22]) سورة الحج الآية (77).([23]) أخرجه مسلم (1333) والنسائي (2903) وابن حبان (3818) وأحمد (6/179 - 180) وأبو يعلى (4628).([24]) سورة الإسراء الآية (32)([25]) سورة البقرة الآية (188).[26]) أخرجه مسلم (102) والترمذي (1315) وابن ماجه (2224) والحاكم (2/9) والبيهقي (5/320) وابن منده في الإيمان (552) والبغوي (2120) وأحمد (2/242) وأبو داود (3452) وأبو عوانه (1/57) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (2/134) وابن حبان (4905).([27])سورة الحشر الآية (7).
([28]) أخرجه البخاري (7288) ومسلم (6068) وأحمد (2/258) والبغوي (1/199) وابن حبان (18).
([29]) من كتاب إتقان الصنعة للشيخ عبدالله بن الصديق الغماري.([30]) أخرجه البخاري (1177).([31]) أخرجه أبو داود (1784) والحاكم (1762) وصححه ووافقه الذهبي.([32]) سورة مريم الآية (64).
([33]) أخرجه الدارقطني (2/137) والبزار (2231) والحاكم (3419) وصححه ووافقه الذهبي وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (11160) وقال ورجاله ثقات.([34]) تقدم تخريجه .[35]) أخرجه مسلم (2348) والنسائي (2553) وأحمد (4/357) مختصرا والترمذي (2675) وابن ماجه (203).([36]) من كتاب إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة للشيخ عبدالله بن الصديق الغماري الحسيني.

الأحد، 2 ديسمبر 2018

المسح على الجوربين.. ؟!

السؤال: شيخنا جزاك الله خيرا ،أسأل الله تعالى أن يبارك لك في علمك، وعملك، أرجو تفصيل الحكم في مسألة المسح على الجورب، لقد سمعت خطيب الجمعة يقول: لا يجوز المسح على الجورب ومن مسح على الجورب صلاته باطلة.


الجواب: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:
فقد ذهب جمهور العلماء – رحمهم الله تعالى- إلى جواز المسح على الجوربين،في السفر والحضر، والجورب: هو ما يلبسه الإنسان في قدميه، سواء كان مصنوعًا من الصوف أو القطن أو الكتان أو القماش أو النايلون أو نحو ذلك. والمسح عليه شُرّع للتخفيف والتيسير، ولا يشترط لجواز المسح وجود مشقة.
قال الإمام ابن المنذر في الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف :(روي إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وأبي مسعود البدري، وأنس بن مالك، وابن عمر، والبراء بن عازب، وبلال، وأبي أمامة، وسهل بن سعد (رضي الله عنهم ).. وبه قال :عطاء بن أبي رباح، والحسن، وسعيد بن المسيب، وبه قال النخعي، وسعيد بن جبير، والأعمش، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وزفر، وأحمد، وإسحاق، وقال أحمد: "قد فعله سبعة أو ثمانية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم"، وقال إسحاق: "مضت السنة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بعدهم من التابعين في المسح على الجوربين، لا اختلاف بينهم في ذلك").
قال الإمام ابن قدامة المقدسي في المغني: (الصحابة -رضي الله عنهم- مسحوا على الجوارب ،ولم يظهر لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعاً ).ولحديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ (رضي الله عنه)) : (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ )) رواه أبو داود ، وابن ماجه، والترمذي وقال : (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) ، والإمام أحمد في المسند.وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
واختلف العلماء في شروط الجوربين اللذين يجوز المسح عليهما على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه لا يجوز المسح عليهما إلا أن يكون عليهما نعل جلد يمكن تتابع المشي عليهما، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة (ثم رجع عنه)، وقول الإمام الشافعي ،والقول الثاني للإمام مالك .
الثاني : يجوز المسح عليهما بشرط: أن يكونا صفيقين(ثخينين) ساترين محل الفرض من الغسل، ولا يشترط أن يكونا منعلين بجلد، ويمكن تتابع المشي عليهما، وهو القول الصحيح عند الشافعية ومذهب الإمام أحمد بن حنبل والصاحبين أبي يوسف ومحمد وأكثر الحنفية، ومذهب الحسن وابن المسيب ،وهو ترجيح الشيخ ابن باز. لان الخف لا يكون إلا صفيقاً (ثخينا)، لأن العمدة في الجواز : القياس على الخفين ، والجورب الشفاف الرقيق ليس مثل الخف ، فلا يقاس عليه. ولحديث المغيرة بن شعبة (رضي الله تعالى عنه)، والجوارب التي كان يمسح عليها الصحابة (رضي الله تعالى عنهم ) كانت ثخينة .
قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في المجموع:( والصحيح بل الصواب ما ذكره القاضي أبو الطيب والقفال وجماعات من المحققين: أنه إن أمكن متابعة المشي عليه جاز كيف كان وإلا فلا ،وهكذا نقله الفوراني في الإبانة عن الأصحاب أجمعين فقال قال: أصحابنا إن أمكن متابعة المشي على الجوربين جاز المسح عليهما).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى- في فتاويه : (من شرط المسح على الجوارب : أن يكون صفيقا ساتراً ، فإن كان شفافاً لم يجز المسح عليه ؛ لأن القدم والحال ما ذكر في حكم المكشوفة).
الثالث : يجوز المسح على الجَوربين مطلقًا ولو كانا رقيقين مادام يسميان جوربين: وهو ظاهر مذهب ابن حزم الظاهري، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجَّحه الشيخ محمد صالح ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-.
الراجح والمفتى به: هو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم من أصحاب القول الثاني، وهو جواز المسح على الجوربين الثخينين الساترين لمحل الفرض من غسل القدمين وفوق الكعبين، إذا لبسهما على طهارة.
ولا يشترط إمكان تتابع المشي عليهما لان معظم الجوارب في عصرنا يجوز المسح عليها ، لقوتها وجودة صناعتها، وليس من الضروري إمكان متابعة المشي عليها، فإن الناس لا يمشون على الجوارب عادة، لأنهم يلبسونها مع الأحذية.
فأما إذا كانا رقيقين جداً بحيث يكون وجودهما كعدمها فليس للمسلم أن يمسح عليهما. وعليه أن يحتاط لعبادته فيراعي عندئذ الشروط المعتبرة التي ذكرها العلماء. .والله تعالى اعلم
د. ضياء الدين الصالح

السبت، 1 ديسمبر 2018

فتوى للشيخ الألباني " يجوز للمرأة أن تضرب بالدف وأن تغني الغناء المباح في المناسبات المباحة كالأعياد والأفراح وما أشبه ذلك .

الغناء وآلالات الموسيقة ليست كلها  حرام كما يدعي البعض .. إقرأ هذه فتوى للشيخ الالباني 


أما الموسيقى وحكمها فقد سبق بيان ذلك في السؤال السابق  وقد بينا هناك أن آلات الطرب والمعازف يحرم اتخاذها ، وهنا نبين بعض الذي يجوز للنساء دون غيرهن .



ثانياً :

يجوز للمرأة أن تضرب بالدف وأن تغني الغناء المباح في المناسبات المباحة كالأعياد والأفراح وما أشبه ذلك .

قال الشيخ الألباني – رحمه الله تعالى - :

ويجوز له – أي للعريس – أن يسمح للنساء بإعلان النكاح بالضرب على الدف فقط ، وبالغناء المباح الذي ليس فيه وصف الجمال وذكر الفجور . . . - ثم ذكر الشيخ الأدلة على ذلك - .

" آداب الزفاف " ( ص 93 ) .

والأدلة التي ذكرها الشيخ هي :

عن الربيع بنت معوذ قالت : " دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم غداة بني علي فجلس على فراشي كمجلسك مني وجويريات يضربن بالدف يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر حتى قالت جارية وفينا نبي يعلم ما في غد فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تقولي هكذا وقولي ما كنت تقولين " .

رواه البخاري ( 3700 ) .

عن عائشة : أنها زفت امرأةً إلى رجل من الأنصار فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة ما كان معكم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو " .

رواه البخاري ( 4765 ) .

عن أبي إسحاق قال : سمعت عامر بن سعد البجلي يقول : " شهدت ثابت بن وديعة وقرظة بن كعب الأنصاري في عرس وإذا غناء فقلت لهما في ذلك فقالا إنه قد رخص في الغناء في العرس والبكاء على الميت في غير نياحة ".

رواه البيهقي (14469 ) .

عن محمد بن حاطب الجمحي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فصل ما بين الحرام والحلال الدف والصوت " . رواه الترمذي ( 1008 ) والنسائي ( 3316 ) وابن ماجه ( 1886 ) .

والحديث : حسنه الألباني في " آداب الزفاف " ( ص 96 ) .

هذا ما يباح للنساء فعله في الأعراس من الغناء والمباح لهن من المعازف هو فقط الدف دون غيره ، كالطبل، والفرق بينهما : أن الطبل مختوم من الوجهين ، بخلاف الدف وهو ما كان مفتوحاً من جهة مختوماً من الأخرى .

قالت اللجنة الدائمة :

أما الطبل ونحوه من آلات الطرب : فلا يجوز استعماله مع هذه الأناشيد ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يفعلوا ذلك .

" فتوى رقم 3259 " تاريخ 13 / 10 / 1400 هـ

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله :

أما الطبل فلا يجوز ضربه في العرس بل يكتفى بالدف خاصة .

" فتاوى إسلامية " ( 3 / 185 ) .

وقال الشيخ ابن عثيمين :

المختوم من الوجهين يسمى ( الطبل ) وهو غير جائز ؛ لأنه من آلات العزف ، والمعازف كلها حرام إلا ما دلَّ الدليل على حلِّه وهو الدف حال أيام العرس .

" فتاوى إسلامية " ( 3 / 186 ) .

ثالثاً :

وأما الرقص : فلا يجوز أمام الرجال الأجانب ولا المحارم ولا أمام النساء لما في ذلك من الفتنة المحرمة التي قد تُطغي القلوب من خلال التكسر والتمايل والتثني في البدن ، ومن المعروف أن النساء قد تقع شهوة بعضهن لبعض ، وإن لم يكن ذلك فلا مأمن من إحداهن أن ترجع إلى رجال بيتها فتصف لهم ما رأت من حسن الراقصة ورقتها وجمالها فتوقع ذلك في قلوب الرجال وتكون سبباً لمفسدة عظيمة لا يؤمن شرها ، وقد نهى الرسول صلى الله عليه و سلم عن مثل هذا .

عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها " . رواه البخاري ( 4839 ) .

وقد أباح الرسول صلى الله عليه وسلم أول الأمر للخنثى أن يدخل على النساء فلما رأى منه أنه يصف النساء وينشر أسرارهن منعه من ذلك .

عن أم سلمة رضي الله عنها : دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وعندي مخنث فسمعته يقول لعبد الله بن أبي أمية : يا عبد الله أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف غداً فعليك بابنة غيلان ثم ذكر وصفها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يدخلن هؤلاء عليكن " . رواه البخاري ( 3980 ) ومسلم ( 4048 ) .

ثم إن تكسر المرأة وتمايلها من العورة التي لا يجوز لها أن تظهرها إلا لزوجها .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

الرقص مكروه في الأصل ، ولكن إذا كان على الطريقة الغربية ، أو كان تقليداً للكافرات : صار حراماً ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من تشبه بقوم فهو منهم " ، مع أنه أحياناً تحصل به الفتنة ، قد تكون الراقصة امرأة رشيقة جميلة شابة فتفتن النساء ، فحتى إن كان في وسط النساء حصل من النساء أفعال تدل على أنهن افتتنَّ بها ، وما كان سبباً للفتنة فإنه يُنهى عنه .

" لقاء الباب المفتوح " ( س 1085 ) .

وقال رحمه الله :

وأما الرقص من النساء فهو قبيح لا نفتي بجوازه لما بلغنا من الأحداث التي تقع بين النساء بسببه ، وأما إن كان من الرجال فهو أقبح ، وهو من تشبه الرجال بالنساء ، ولا يخفى ما فيه ، وأما إن كان بين الرجال والنساء مختلطين كما يفعله بعض السفهاء : فهو أعظم وأقبح لما فيه من الاختلاط والفتنة العظيمة لا سيما وأن المناسبة مناسبة نكاح ونشوة عرس .

" فتاوى إسلامية " ( 3 / 187 ) .

رابعاً :

وأما الكلمات المباحة في الغناء فهي ما لا يشتمل على وصف محرم ، أو تهييج شهوة ، أو كلمات نهى عنها الشرع ، أو بعض الأذكار البدعية ، وما شابه ذلك من المحرمات .

وفي المباح ما يغني كالحث على الأخلاق ، أو على طلب العلم ، أو ترك المنكرات ، وما شابه ذلك .

قالت اللجنة الدائمة :

صدقت في حكمك بالتحريم على الأغاني بشكلها الحالي من أجل اشتمالها على كلام بذيء ساقط ، واشتمالها على ما لا خير فيه ، بل على ما فيه لهو ، وإثارة للغريزة الجنسية ، وعلى مجون ، وتكسُّر يُغري سامعه بالشر وفقنا الله وإياك لما فيه رضاه .

ويجوز لك أن تستعيض عن هذه الأغاني بأناشيد إسلامية فيها من الحِكَم ، والمواعظ ، والعبَر ، بما يثير الحماس والغَيرة على الدين ، ويهز العواطف الإسلامية وينفِّر من الشرور ودواعيه .. ..

" فتوى رقم 3259 " تاريخ 13 / 10 / 1400 هـ

والله أعلم .


المصدر: الإسلام سؤال وجواب

حكم المسح على الجوربين..؟!




  


المسح على الجوربين

 السؤال
سمعت في أحد الدروس أن العلماء أباحوا المسح على الجوارب التي لا يظهر أو يرى البشرة من خلالها ، لكن قرأت أنه يجوز المسح على الجوارب حتى الشفافة منها ، فأي الرأيين أصح ؟
نص الجواب
الحمد لله
أولا :
ثبتت السنة النبوية بالمسح على الخفين .
وقد ألحق بهما جمهور العلماء : الجوربين.
والجَورب كما قال الخليل الفراهيدي : هو لِفافةُ الرَّجلِ . ينظر : "العين" (6/113).
وفي "مواهب الجليل" (1/318) : " الْجَوْرَبُ مَا كَانَ عَلَى شَكْلِ الْخُفِّ مِنْ كَتَّانٍ ، أَوْ قُطْنٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ " انتهى .
والفرق بين الجورب وبين الخف : أن الخف يكون مصنوعاً من الجلد ، أما الجورب فلا يكون من الجلد ، بل من الصوف أو الكتان ، أو القطن ، ونحو ذلك .
وفي وقتنا الحاضر يصنع الجورب أيضاً من النايلون .

ثانياً :
لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في المسح على الجوربين .
وأما الحديث الذي رواه الترمذي (99) من طريق أبي قيس عن هُزَيل بن شُرَحبيل عن المُغيرِة بن شُعبة قال: " تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ " .
فهو حديث شاذ ضعيف.
قال أبو داود في "السنن" (159) : " كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ لَا يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنْ الْمُغِيرَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ". انتهى
وقال علي بن المديني : "حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي الْمَسْحِ ، رَوَاهُ عَنِ الْمُغِيرَةَ : أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ ، وَرَوَاهُ هُزَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ عَنِ الْمُغِيرَةِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ ، وَخَالَفَ النَّاسَ " انتهى من "السنن الكبرى" للبيهقي (1/284).
وَقَالَ الْمُفَضَّلُ بْنُ غَسَّانَ: سَأَلْت يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيث؟.
فَقَالَ : "النَّاس كُلّهمْ يَرْوُونَهُ على الخفين ، غير أبي قيس".
انتهى من "السنن الكبرى" للبيهقي (1/284).
وممن ضعفه أيضاً: سفيان الثوري ، والإمام أحمد ، وابن معين ، ومسلم ، والنسائي ، والعُقيلي ، والدارقطني ، والبيهقي .
قال النووي : " وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَعْلَامُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ، وَإِنْ كَانَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ ، فهؤلاء مقدمون عليه ، بل كل واحد من هؤلاء لَوْ انْفَرَدَ قُدِّمَ عَلَى التِّرْمِذِيِّ ، بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ ".
انتهى من "المجموع شرح المهذب" (1/500).
ولكن صح المسح على الجوربين عن الصحابة .
قال ابن المنذر : " رُوِيَ إِبَاحَةُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، وَأَبِي مَسْعُودِ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، وَبِلَالٍ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ".
انتهى من "الأوسط " (1/462) .
قال ابن القيم : " وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ : أبو أمامه ، وعمرو بن حريث ، وعمر ، وابن عَبَّاسٍ ، فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة عَشَر صَحَابِيًّا .
وَالْعُمْدَة فِي الْجَوَاز عَلَى هَؤُلَاءِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ، لَا عَلَى حَدِيث أَبِي قَيْسٍ .
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ ، وَعَلَّلَ رِوَايَة أَبِي قَيْسٍ .
وَهَذَا مِنْ إِنْصَافه وَعَدْله رَحِمَهُ اللَّه ، وَإِنَّمَا عُمْدَته هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة ، وَصَرِيح الْقِيَاس ، فَإِنَّهُ لَا يَظْهَر بَيْن الْجَوْرَبَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ فَرْق مُؤَثِّر يَصِحّ أَنْ يُحَال الْحُكْم عَلَيْهِ ".
انتهى من "تهذيب السنن" (1/187).
وقال ابن قدامة : " الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، مَسَحُوا عَلَى الْجَوَارِبِ ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا " انتهى من "المغني" (1/215) .
وكذلك لا فرق بين الخف والجورب من حيث النظر .
قال شيخ الإسلام : " فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ : إنَّمَا هُوَ كَوْنُ هَذَا مِنْ صُوفٍ ، وَهَذَا مِنْ جُلُودٍ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفَرْقِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي الشَّرِيعَةِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جُلُودًا ، أَوْ قُطْنًا ، أَوْ كَتَّانًا ، أَوْ صُوفًا .
كَمَا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ سَوَادِ اللِّبَاسِ فِي الْإِحْرَامِ وَبَيَاضِهِ ... وَغَايَتُهُ أَنَّ الْجِلْدَ أَبْقَى مِنْ الصُّوفِ: فَهَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ ، كَمَا لَا تَأْثِيرَ لِكَوْنِ الْجِلْدِ قَوِيًّا ...
وَأَيْضًا : فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا ، كَالْحَاجَةِ إلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا سَوَاءٌ ، وَمَعَ التَّسَاوِي فِي الْحِكْمَةِ وَالْحَاجَةِ ، يَكُونُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ ، وَهَذَا خِلَافُ الْعَدْلِ وَالِاعْتِبَارِ الصَّحِيحِ ، الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ كُتُبَهُ وَأَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ .
، وَمَنْ فَرَّقَ بِكَوْنِ هَذَا يَنْفُذُ الْمَاءُ مِنْهُ ، وَهَذَا لَا يَنْفُذُ مِنْهُ : فَقَدْ ذَكَرَ فَرْقًا طَرْدِيًّا عَدِيمَ التَّأْثِيرِ". انتهى من "مجموع الفتاوى" (21/214).
ثالثاً :
عامة من أجاز المسح على الجوربين من العلماء : اشترط للمسح عليهما أن يكونا ثخينين ، يمكن متابعة المشي فيهما ، ينظر: "المبسوط" (1/102) ، "المجموع" (1/483) ، "الإنصاف" (1/170) .
لأن حكم الجورب حكم الخف ، والخف لا يكون إلا صفيقاً ، ولا يمكن للجورب أن يُنَزَّل منزلة الخف ، إلاَّ إذا كان مثله .
قال الكاساني : " فَإِنْ كَانَا رَقِيقَيْنِ يَشِفَّانِ الْمَاءَ ، فلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا بِالْإِجْمَاعِ ".
انتهى من "بدائع الصنائع" (1/10).
وقال ابن القطان الفاسي : " وأجمع الجميع أن الجوربين إذا لم يكونا كثيفين : لم يجز المسح عليهم " انتهى من "الإقناع في مسائل الإجماع" ( المسألة : 351) .
وسئل شيخ الإسلام : هَلْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ كَالْخُفِّ أَمْ لَا ؟
فقال : " نَعَمْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إذَا كَانَ يَمْشِي فِيهِمَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُجَلَّدَةً ، أَوْ لَمْ تَكُنْ" انتهى من "مجموع الفتاوى" (21/213).
وقال : " وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا ... لَمْ يُمْسَحْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ فِي مِثْلِهِ لَا يُمْشَى فِيهِ عَادَةً ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى الْمَسْحِ عَلَيْهِ " انتهى من "شرح عمدة الفقه" (1/251).
وفي "فتاوى اللجنة الدائمة" (5/267) : " يجب أن يكون الجورب صفيقاً ، لا يَشِفُّ عما تحته". انتهى
وقالوا : " يجوز المسح على كل ما يستر الرجلين مما يلبس عليهما من الخفاف والجوارب الصفيقة " انتهى من " فتاوى اللجنة الدائمة " (4/101).
وكذا قال الشيخ محمد بن إبراهيم : " يجوز المسح على الشُرَّاب ونحوها سواء كانت من صوف أَو من وبر أَو من شعر أَو من قطن أَو غيرها - وتسمى الجوربين - ، إِذا كانت صفيقة ساترة لمحل الفرض واستكملت الشروط المطلوبة ".
انتهى من "فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم" (2/66).
وقال : " أَما إِذا كان الشرَّاب رقيقاً حيث يصف البشرة ... فإِنه لا يمسح عليه ".
انتهى من "فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم" (2/ 68).
وقال الشيخ ابن باز : " من شرط المسح على الجوارب : أن يكون صفيقا ساتراً ، فإن كان شفافاً لم يجز المسح عليه ؛ لأن القدم والحال ما ذكر في حكم المكشوفة ".
انتهى من " فتاوى الشيخ ابن باز" (10/110).
ومن العلماء من أجاز المسح على الجوربين مطلقاً .
قال النووي : " وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبِ وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا ، وحكوه عن أبي يوسف ومحمد واسحق وَدَاوُد " .
انتهى من "المجموع شرح المهذب" (1/500) .
وهو ما يرجحه الشيخ الألباني ، والشيخ ابن عثيمين ، رحمهما الله تعالى .
ولكن ما سبق هو قول عامة العلماء ، وهو الأرجح ؛ لأن العمدة في الجواز : القياس على الخفين ، والجورب الشفاف الرقيق ليس مثل الخف ، فلا يقاس عليه.
والجوارب التي كان يمسح عليها الصحابة كانت ثخينة ؛ لأن الجوارب الشفافة لم تُعرف إلا متأخراً.
وقد قال الإمام أحمد : " لَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ حَتَّى يَكُونَ جَوْرَبًا صَفِيقًا... إنَّمَا مَسَحَ الْقَوْمُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْخُفِّ ، يَقُومُ مَقَامَ الْخُفِّ فِي رِجْلِ الرَّجُلِ ، يَذْهَبُ فِيهِ الرَّجُلُ وَيَجِيءُ " انتهى من "المغني" لابن قدامة (1/216).
فإن قيل : لماذا اشترط العلماء في الجورب هذه الشروط ؟
قال المباركفوري : " الأصل هُوَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ ، وَالْعُدُولُ عَنْهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ اتَّفَقَ عَلَى صِحَّتِهَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ ، كَأَحَادِيثِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَجَازَ الْعُدُولُ عَنْ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ إِلَى الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، بِلَا خِلَافٍ .
وَأَمَّا أَحَادِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ ، فَفِي صِحَّتِهَا كَلَامٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْفَنِّ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ إِلَى الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ مُطْلَقًا ؟. .
فَلِأَجْلِ ذَلِكَ اشْتَرَطُوا جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ بِتِلْكَ الْقُيُودِ ، لِيَكُونَا فِي مَعْنَى الْخُفَّيْنِ ، وَيَدْخُلَا تَحْتَ أَحَادِيثِ الْخُفَّيْنِ ....
والْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ صَفِيقَيْنِ بِحَيْثُ يُسْتَمْسَكَانِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ بِلَا شَدٍّ ، وَيُمْكِنُ تَتَابُعُ الْمَشْيِ فِيهِمَا ، فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْجَوْرَبَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ فَرْقٌ مُؤَثِّرٌ ؛ لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَى الْخُفَّيْنِ.
وأمَّا إِذَا كانا رقيقين بحيث لا يستمسكان على القدمين بِلَا شَدٍّ ، وَلَا يُمْكِنُ تَتَابُعُ الْمَشْيِ فِيهِمَا ، فَهُمَا لَيْسَا فِي مَعْنَى الْخُفَّيْنِ ، فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْخُفَّيْنِ فَرْقًا مُؤَثِّرًا .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْخُفَّيْنِ بِمَنْزِلَةِ النَّعْلَيْنِ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدَانِهِمَا يَذْهَبُ الرَّجُلُ فِيهِمَا وَيَجِيءُ ، وَيَمْشِي أَيْنَمَا شَاءَ ، فَلَابِسُ الْخُفَّيْنِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نَزْعِهِمَا عِنْدَ الْمَشْيِ ، فَلَا يَنْزِعُهُمَا يَوْمًا وَلَيْلَةً ، بل أياما وليالي ، فهذا يشق عليه نزعمها عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ .
بِخِلَافِ لَابِسِ الْجَوْرَبَيْنِ الرَّقِيقَيْنِ ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَمْشِيَ يَحْتَاجُ إِلَى النَّزْعِ فَيَنْزِعُهُمَا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً ، وَهَذَا لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ نَزْعُهُمَا عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ ، وَهَذَا الْفَرْقُ يَقْتَضِي أَنْ يُرَخِّصَ لِلَابِسِ الْخُفَّيْنِ دُونَ لَابِسِ الْجَوْرَبَيْنِ الرَّقِيقَيْنِ ، فَقِيَاسُ هَذَا عَلَى ذَلِكَ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ ".
انتهى من "تحفة الأحوذي" (1/ 285)
والحاصل :
أن الذي عليه عامة العلماء المنع من المسح على الجوارب الشفافة ، وأن الجواز مقيد بالجوارب الصفيقة.
والله أعلم .
الشيخ محمد صالح المنجد


فليتق الله أناس في تساهلهم العظيم في أمر الصلاة ، والتي هي أعظم ركن الإسلام بعد الشهادتين .
وليعدّوا جواباً ليوم القيامة عن هذا التساهل ، جواباً يقنع أنفسهم !
وقد قال الله تعالى : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُون ) .
فلا يجوز تقليد الأميين وأشباههم في الإسلام ، بل هو حرام !
فالذي يفتي الناس ، ويدّعي تحمّل أخطاء الآخرين يوم القيامة ، وهو ليس بمجتهد ، ولا عالم ، فليخش على نفسه أن يشمله حكم هذه الآية الكريمة :
 (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) .
فهذا التساهل المفرط – ولاسيما في أمر الصلاة – يدل دلالة واضحة على خواء القلب من التقوى وخشية الله تعالى . 
وقد قال الله تعالى : (  ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) .