الأربعاء، 20 يناير 2021

السعودية وتصدير السلفية المخابراتية..

 السعودية وتصدير السلفية المخابراتية..


وقفت حركة السلفية المدخلية كرقم مؤثر في المعادلة السياسية للتغيير في العالم العربي والإسلامي بشكل سلبي قائم على كبح عملية التغيير، سواء عن طريق أليات الديمقراطية أو الثورة، فأصلت لحرمة المشاركات السياسية سواء عن طريق المجالس النيابية، والعمل العام، أو عن طريق المظاهرات، وانتهاءاً بالتغيير الثوري العنيف.



ففي أحضان أجهزة مخابرات آل سعود نشأت السلفية المدخلية إبان حرب الخليج أوائل التسعينيات، للتصدي لصعود تيار الصحوة المعارض لتوجهات الحكومة السعودية في الاستعانة بقوات الحلفاء لرد الغزو العراقي الكويتي، ونسب هذا التيار السلفي الدخيل في بدايته إلى الشيخ محمد أمان الله الجامي، ثم خلفه في قيادة هذا الاتجاه الشيخ ربيع بن هادي المدخلي.


ويتميز هذا التيار عن غيره من التيارات السلفية بعدة خصائص أهمها:

– غلوه في طاعة الحكام والحكومات العلمانية، وتنزيل أحكام الولاية الشرعية من الفقه الإسلامي عليهم، والدعوة لسحق وقتل المعارضين لهذه الأنظمة بصفتهم خوارج.

– غلوه في جرح المخالفين، وإخراجهم من دائرة أهل السنة وتطرفهم في تطبيق أحكام المبتدع عند السلف على كل من خالفهم.

– قولهم بحرمة (العمل الجماعي) بمعني أن اجتماعهم وانتظامهم هم أو غيرهم في عمل جماعي حرام شرعاً، فكونوا جماعة واحدة فيما بينهم تجتمع على ألا تجتمع.

– قصر العمل الاجتماعي على إصلاح العقائد الدينية والدعوة الإسلامية، والتصدي للعمل السياسي بمهاجمة كل من يتعرض للنظام السياسي عامة، وشخص رئيس النظام بشكل خاص.

– التخصص في مهاجمة الجماعات الإسلامية التي تسعى لإحداث التغيير السياسي بداية من الجماعات الجهادية، وانتهاءاً بالجماعات السلمية المعارضة، وحتى الدعاة المستقلون الذين قد يعارضون أفعال النظام بين الحين والآخر كأبي إسحاق الحويني ومحمد حسين يعقوب، وأحيانا المعارضون السياسيون العلمانيون كفتوى قتل د. البرادعي.


من مبادئ الجامية نقد الجماعات الإسلامية الأخرى، بما في ذلك الحركات السلمية كالإخوان المسلمين أو التبليغ، ويتوجهون بالنقد الشديد للصحويين والسروريين، ويبدعون ويتهمون سيد قطب وعقيدته
تم تصدير هذه الأفكار للبيئة المصرية، ويعتبر أهم رموزه في مصر محمد سعيد رسلان، وهشام البيلي، وطلعت زهران ومحمود لطفي عامر.


ونفصل بعضا من خصائص هذا التيار فيما يلي:

أولاً: الغلو في طاعة الحكام والحكومات العلمانية: من مبادئ المداخلة تأكيد الطاعة التامة لولى الأمر خاصة إذا كان علمانياً، يؤكد على ذلك الشيخ محمود لطفي عامر، حيث يذكر في مقاله بعنوان "هذا بيان لمدعى السلفية": "هؤلاء المذكورون بأعيانهم وأفرادهم إن كانوا يزعمون بأنهم سلفيون عليهم أن يبينوا لنا ولعموم الشباب ولولاة أمر مصر من أجهزة معنية خاصة ما يلي: هل يعترف هؤلاء المذكورون بوجود جماعة المسلمين في مصر وإمامها أم لا؟ وأطالبهم بتحديد موقفهم من نجل الرئيس مبارك ”جمال مبارك” في حالة إسناد الرئاسة إليه.


ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي يثير فيها "عامر" الجدال حول توجهاته، وربما بدأ مسلسل جدلياته حينما بادر خلال الانتخابات الرئاسية 2005، بنشر لافتات بميادين عامة تدعو إلى البيعة لمبارك كأمير المؤمنين في مصر، ولما كان تصرفه هذا مثير إلى حد الخشية من سوء عواقبه في الشارع المصري، استدعته أجهزة أمن الدولة واستنكرت صنيعه، وطلبوا منه نزع هذه العبارات من أماكن وجودها. وله كذلك فتوى شهيرة بقتل "البرادعي" لأنه معارض سياسي لنظام مبارك.


ويقول الشيخ طلعت زهران بعد ثورة يناير 2011 ما نصه "نحن حسب التمكين، فالمتغلب هو الإمام سواء كان مسلماً أو كافراً، ولو شنودة تمكن الآن فهو الإمام"، وبالرغم من هذا تصدى التيار كله لحكم د. محمد مرسي، الرئيس الإسلامي المنتخب.


يوضح سلوك عامر السابق والمخالف لسلوك الجماعة الوطنية بشكل عام، والمخالف بشكل خاص لسلوك التيار الإسلامي الذي يتنازعه أفكار الحاكمية، مدى غلو التيار المدخلي في الحكام والحكومات العلمانية بشكل ربما يكون مثاراً للضحك أو ربما ظن البعض منه الاستهزاء في ظل الدولة المدنية الحديثة، والتي لا تعترف أصلاً بهذه التنظيرات، في الوقت نفسه يقر زهران، السلفي الأصولي!، بأن المتغلب عندهم هو ولى الأمر سواء كان مسلم أو كافر!


ويتابعه الشيخ محمد سعيد رسلان بأن أصحاب منهج النبوة يلزمون الجماعة، ويحفظون حقوق ولاة الأمر، وأهمها وأخطرها: السمع والطاعة، ما لم يؤمروا بمعصية.


ويقول نقلاً عن الشيخ صالح الفوزان في منع المعارضة حتى عن الكلام عن عيوب النظام السياسي أو التظاهر "الخروج على الأئمة يكون بالسيف، ويكون بالكلام، بسبهم وشتمهم، والكلام فيهم في المجالس، وعلى المنابر، وهذا يهيج الناس ويحثهم على الخروج على ولى الأمر، وينقص قدر الولاة عندهم، فالكلام خروج"، ويقول "والذين يهيجون الناس على حكامهم، ويزرعون الأحقاد في قلوبهم على ولاة أمورهم، ويصدرون الفتاوى باستحلال ما حرم الله من ذلك باسم تغيير المنكر، هم الخوارج القعدة، وهم أخبث فرق الخوارج".


ويقول "قبل فتنة 25 يناير قمتُ بفضل الله وتوفيقه بالكتابة في شأن ما يسمى بالعصيان المدني وذكرتُ أن ذلك من الخروج على ولي الأمر المسلم الممكّن والمتغلب".


مهمة هذا التيار العمل ضد اتجاه الثورة أو الإصلاح للنظام السياسي العلماني، وإنما يعمل على تثبيت دعائم النظام، والحفاظ عليه بإحداث التوازنات داخل الدولة للحد من انتشار الحركات السلفية المعارضة للحاكم والحكومات العلمانية
ثانياً: الغلو في جرح الجماعات الإسلامية: من مبادئ الجامية نقد الجماعات الإسلامية الأخرى، بما في ذلك الحركات السلمية كالإخوان المسلمين أو التبليغ، ويتوجهون بالنقد الشديد للصحويين والسروريين، ويبدعون ويتهمون سيد قطب وعقيدته.


يقول رسلان "والاجتماعات السرية، والسمع والطاعة، والإمارة والبيعة، والجماعات والفرق، كلها مبنية على أصل واحد، وهو التكفير بلا موجب، وهؤلاء الضلال يرتبون على ذلك التكفير شغور الزمان من الإمام شغوراً معنوياً، وتنتقل السلطة تبعاً لذلك الشغور إلى هؤلاء الخارجين، ومن بايعوهم في المدن والقرى والحواري، وهؤلاء صناع الفتن، ومثيرو الفوضى والفساد في البلاد".


ثالثاً: المداخلة جماعة الـ (لا) جماعة: ويؤكد رسلان على وجهة نظر التيار في كل الجماعات الإصلاحية المعارضة قائلاً "هذه الجماعات وهذه التنظيمات وهذه الفرق، هذه جميعها بدعة ما أنزل الله رب العالمين بها من سلطان، هذه التجمعات الحركية التنظيمية، هذا العمل الجماعي التنظيمي بدعة في دين الإسلام العظيم، بدعة منتنة، ومن تربى على هذه البدعة فإنه لا يفلح أبدا، إلا أن يشاء ربى شيئاً، فهذه الجماعات مزقت الأمة، وأذهبت قوتها.


ولكن مع هذه الحالة من نقد التنظيمات الإسلامية، فإن المتتبع لشأن التيار المدخلي يجدهم في حقيقة الأمر يكونون شكل تنظيمي، أو جماعة، فالتيار المدخلي يسيطر على أغلب مؤسسات جمعية أنصار السنة، بما لها من مؤسسات مختلفة، وهيكل تنظيمي مؤسسي يشبه إلى حد التطابق لهيكل الجماعات الإسلامية، بما له من هيكل مالي و إداري، وينسق التيار فيما بينه عن طريق المحاضرات والدروس العلمية والأسابيع الثقافية والمعاهد العلمية، وانتقال طلبة العلم بين المحاضرين أو مشايخ التيار، مع ما للتيار من فكر موحد لا يكاد يظهر بينهم أوجه للخلاف إلا في مسائل بسيطة، ولذلك فمشايخ التيار المدخلي في رأيي يكونون جماعة اجتمعت على أن لا تجتمع ولا تنتظم بعضها مع بعض!


ومهمة هذا التيار العمل ضد اتجاه الثورة أو الإصلاح للنظام السياسي العلماني، وإنما يعمل على تثبيت دعائم النظام، والحفاظ عليه بإحداث التوازنات داخل الدولة للحد من انتشار الحركات السلفية المعارضة للحاكم والحكومات العلمانية، ولا أدل على ذلك من قول طلعت زهران السابق، فمن تغلب هو إمام شرعي لا يجوز معارضته.


رابعا: حاكمية الشريعة بلا حكم: يشترط المداخلة لإقرار حق الشعوب في الثورة على الحاكم أن يترك حاكمية الشريعة الإسلامية!، وبما أنهم صمموا للدفاع عن حكومات عسكرية علمانية بالأساس فقد وضعوا شروطاً مستحيلة للحاكمية، كاشتراطهم تصريح الحاكم بأن حكمه مماثل لحكم الله، أو تصريحه بأنه مستحل لترك حاكمية الشريعة، وعليه فلا يجوز للشعوب أن تثور على من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه.


وللشيخ رسلان فلسفة طريفة في رسالته (مواطن النزاع في التكفير والحاكمية)، حيث يقول: "ولا ينكر الحاكمية ولا يجحدها إلا كافر، شديد العداوة لله، بل من جحد حاكمية الله في جزئية من الجزئيات الفروعية فضلا عن الأصول فإنه يكون كافراً بالله خارجاً عن الملة"، ويبين أن هذا يصدق على الحاكم والمحكوم، لكنه يري أن هذه الحالة مستحيلة بقوله: "ولا نعرف مسلماً يصدق عليه وصف الإسلام ينكر وجوب الحكم بما أنزل الله، هل يعرف أحد في الدنيا كلها، ولا الغول ولا العنقاء يعرفان أحداً يعبد من يحاد ما أنزل الله"، وبذلك فالمنكر هذا شخصية أسطورية لا توجد أصلاً، ولا تعرفها حتى الكائنات الأسطورية.

فهذه التيارات السلفية المخابراتية في الحقيقة تأصل وتنشر هذه الأوهام الشرعية والسياسية، لكبح عملية التغيير أو الإصلاح، سواء عن طريق آليات الديمقراطية والعمل السياسي أو الثورة الشعبية، بما يخدم الأنظمة العسكرية العلمانية الظالمة والقائمين عليها.

أحمد فتحي هنداوي
باحث دكتوراه معهد دراسات الشرق الأوسط جامعة سكاريا، تركيا، - حاصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية. - حاصل على الماجستير في الدراسات الإسلامية

الاثنين، 18 يناير 2021

من هم الحدادية ؟!

 



يُنسب الحداديون إلى المدعو : محمود بن محمد الحداد ، وهو من المحسوبين على السلفيين ، وله موقف متعنت في تبديع الإمامين النووي وابن حجر -رحمهما الله- وكان بين المدخلي ومحمود الحداد علاقة حميمة ، لكن سرعان ما نشب الخلاف بينهما، وصار كل منهما يرد على الآخر ويشهِّر به ، ويطلق عليه أنواع التهم ، وحقيقة الخلاف بينهما أن الحداد كان مطرداً في تبديع من تلبس بالبدعة وإجراء أحكام المبتدعة عليه، وكان يطالب الشيخ المدخلي بتبديع النووي وابن حجر -رحمهما الله- لأنهما من علماء الأشاعرة في نظره، ويُلزِمُه بتبديعهما بما بدَّعَ به سيد قطب ، أما المدخلي فقد كان له منهج انتقائي في التبديع .

ومما قاله الشيخ المدخلي في محمود الحداد :
(منهج الحداد : هو منبثقة من منهج سيد قطب ، الدليل أنهم يرمونا بالإرجاء...) اهـ .

كذا قال ، وهو يعلم أن الحداد ضد منهج سيد قطب ، والأعجب أنه استدل لذلك بأنه رماه بالإرجاء !

وقال أيضاً:
(الحداديين أظنهم فرع من فروع القطبيين، متسترين، هم من فروع القطبية الغلاة، ولكنهم متسترون، أنا أعتقد أن الحداد قطبي نجس متستر يتظاهر بالسنة وهو كذاب) اهـ

قلت : قد كان الأولى بالشيخ أن يرد على الحداد بتوضيح منهج السلف والتأكيد على القاعدة المعروفة عندهم التي تقول: (ليس كل من وقع في البدعة فهو مبتدع)، دون التعرض للنوايا ، والإسفاف في القول . (ربـيـع الـمـدخـلـي فـي مـيـزان الـنـقـد الـعـلـمـي مـن خـلا ل أشـرطـتـه وأقـوالـه) 

- تلاعب ربيع المدخلي بالمطلق والمقيد لإسقاط سيد قطب


- تلاعب ربيع المدخلي بالمطلق والمقيد لإسقاط سيد قطب
____________________________________________



يرى ربيع المدخلي أن حمل المطلق على المقيد، والمجمل على المفسر، والمتشابه على المحكم، لم يوضع إلا لكلام الله تعالى وكلام رسول الله ، وأنه لم يوضع لكلام البشر، فقد سئل مرة:
هل من أصول أهل السنة أن لا يحمل المطلق على المقيد ولا المجمل على المفسر ولا المتشابه على المحكم إلا في كلام الله تعالى؟ فأجاب الشيخ قائلا:
(والله، نحن ما نعرف ما وضعت هذه الأصول إلا لكتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم توضع لكلام البشر، فالرجل إذا كان له قولان قالوا: له قولان، القول الأول كذا، والقول الثاني بخلافه، ما قالوا يحمل المطلق على المقيد، في المذهب الواحد خمسة أقوال، يختار منها الذي يريد الحق ما يوافق الكتاب والسنة، والبقية يقول: أقوال، ما يقول: يحمل المطلق على المقيد) اهـ ([172]).
قلت: لعل سبب نفيه هذه الدلالات عن الألفاظ في كلام الناس أنه تمسك في ردوده على سيد قطب بكلام مجمل أو مطلق أو مشتبه في عدد من المسائل التي أخذها عليه في مواضع من كتبه، فلما واجهه بعض طلبة العلم بكلام آخر لسيد قطب في مواضع أخرى، يُبَيِّنُ ما أُجمل، أو يُقيد ما أُطلق، أو يوضح المشتبه، أو ينسخ ما قبله، زعم ما زعمه من أن هذه الدلالات خاصة بالكتاب والسنة ولم توضع لكلام البشر ليُثَبِّتَ مآخذه على سيد قطب! ويسد الباب في وجه المدافعين عنه، فنعوذ بالله تعالى من اتباع الهوى!
أما إذا كان الشيخ لا يعرف إلا هذا الذي ذهب إليه في الأصول فهذه مصيبة! لأنه يدل على جهله بلسان العرب والفقه والإجماع وأصول أهل السنة! وهذه المسألة من البدهيات عند العقلاء! لأنها مقتضى اللسان العربي، وقد نص أهل العلم على أن لسان العرب يقتضي حمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص، والمجمل على المفسر... الخ، وأنّ عُرْفَ الشارع حُمِلَ على مقتضى لسانهم ([173]).
حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نص على أن (تنوع دلالة اللفظ بالإطلاق والتقييد في كلام الله ورسوله وكلامِ كلِّ أحدٍ بيِّنٌ ظاهرٌ لا يمكن دفعه)اهـ([174]).
وقال أيضاً في جواب مسألة تتعلق بأوقاف الناس ووصاياهم: (لا يجوز اعتبار الكلام المقيد دون مطلقه، وهذا مما اضطر الله العقلاء إلى معرفته! إلا أن يحول بين البصيرة وبين الإدراك مانع! فيفعل الله ما يشاء)! اهـ([175]).
وكنت أظن أن الشيخ ربيعا لم يسبق إلى هذا الذي ذهب إليه حتى وجدت كلاما لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يدل على أن له سلفا في هذا الباب، وأن قولهم هذا محدث، قال شيخ الإسلام: (ومما يقضي منه العجب ظن بعض الناس أن دلالة المفهوم حجة في كلام الشارع دون كلام الناس، بمنزلة القياس، وهذا خلاف إجماع الناس، فإن الناس إما قائل بأن المفهوم من جملة دلالات الألفاظ، أو قائل أنه ليس من جملتها، أما هذا التفصيل فمحدث)اهـ ([176]).
وقد أعمل الفقهاء والقضاة هذه الأصول في شروط الناس وعقودهم، والنكاح والطلاق والبيوع والوصايا والأوقاف وغيرها([177])، وفي الأسماء والمعاني والألفاظ([178])، بحمل المطلق منها على المقيد، والعام منها على الخاص، على التفصيل المذكور في كتب الأصول، لأن لسان العرب يقتضيه.
ويقول النحاة: الصفات في المعارف للتوضيح لا للتخصيص، أي المعارف التي لا تحتاج إلى تخصيص، وفي النكرات للتخصيص، وتكون الصفات في النكرات للتوضيح أيضاً إذا تميزت ([179])... إلى آخر ما ذكروا في هذا الباب.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: (فإنما خاطب الله بكتابه العربَ بلسانها، على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها، وأن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عاما ظاهرا يراد به العام الظاهر، ويستغنى بأول هذا منه عن آخره، وعاما ظاهرا يراد به العام ويدخله الخاص، فيُستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه، وعاما ظاهرا يراد به الخاص، وظاهرا يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره، فكل هذا موجود علمه في أول الكلام أو وسطه أو آخره، وتبتدئُ الشيء من كلامها يبين أولُ لفظها فيه عن آخره، وتبتدئُ الشيء يبين آخر لفظها منه عن أوله، وتَكلَّمُ بالشيء تُعَرِّفُهُ بالمعنى دون الإيضاح باللفظ، كما تُعَرِّفُ الإشارة، ثم يكون هذا عندها من أعلا كلامها لانفراد أهل علمها به دون أهل جهالتها، وتسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وتسمي بالاسم الواحد المعاني الكثيرة...) اهـ ([180])، ثم ذكر جملة نفيسة من الأمثلة من الكتاب والسنة وبين وجه فهمها على مقتضى لسان العرب في الدلالة على العام أو الخاص ليستدل بها على نظائرها([181])، ولذا قال الشافعي رحمه الله: (فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهدُهُ... وما ازداد من العلم باللسان الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته وأنزل به آخر كتبه كان خيرا له) اهـ ([182]).
وقال الشيخ ربيع:
(... فالرجل إذا كان له قولان قالوا: له قولان، القول الأول كذا، والقول الثاني بخلافه، ما قالوا يحمل المطلق على المقيد، في المذهب الواحد خمسة أقوال...) اهـ.
قلت: هذا يدل على جهله بمذاهب أئمة أهل السنة والأدلة الشرعية ([183])، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والذي تدل عليه الأدلة الشرعية أن نحمل المطلق من كلام العلماء على المقيد)اهـ ([184]).
وقد تقدم نقل كلام شيخ الإسلام في مسألة رؤية الله تعالى القلبية، حيث نص على أن ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما والإمام أحمد من الروايات الواردة فيها، منها ما هو مطلق، ومنها ما هو مقيد، ثم رجح حمل المطلق منها على المقيد ([185])، ونص على ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله فقال: (جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة وأخرى مقيدة، فيجب حمل مطلقها على مقيدها)([186]).
وقال شمس الدين ابن مفلح المقدسي الحنبلي في مقدمته النفيسة للفروع في مذهب الإمام أحمد: (وإذا نقل عن الإمام في مسألة قولان، فإن أمكن الجمع -وفي الأصح - ولو بحمل عام على خاص، ومطلق على مقيد، فهما مذهبه، وإن تعذر وعلم التاريخ، فقيل: الثاني مذهبه، وقيل: الأول، وقيل: ولو رجع عنه، وإن جهل فمذهبه أقربهما إلى الأدلة أو قواعده، ويخص عام كلامه بخاصه في مسألة واحدة في الأصح...) الخ([187]).
وقال شيخ الإسلام: (إن الناس في نقل مذاهب الأئمة قد يكونون بمنزلتهم في نقل الشريعة... ولهذا قد تختلف الرواية في النقل عن الأئمة، كما يختلف بعض أهل الحديث في النقل عن النبي ، ولكن النبي معصوم... وأما غير النبي فليس بمعصوم)اهـ ([188]).

__________________________________________

([172]) شريط: (وقفات في المنهج).
([173]) انظر زاد المعاد 5/341
([174]) مجموع الفتاوى 7/87
([175]) مجموع الفتاوى 31/136
([176]) مجموع الفتاوى 31/114
([177]) انظر إعلام الموقعين 2/30، 3/64 و 237 و 369، وأحكام أهل الذمة 2/756، والجواب الكافي 1/174، والتحفة العراقية 1/64، مجموع الفتاوى 29/155، و31/112.
([178]) انظر إعلام الموقعين 3/ 369، والجواب الكافي 1/174، والتحفة العراقية 1/64، وبغية المرتاد 1/417و434، ودرء التعارض 5/92 و170 و 178، وبيان تلبيس الجهمية 2/356، والنبوات 1/88، والصفدية 1/307، والفتاوى الكبرى 5/232
([179]) انظر مجموع الفتاوى 7/61
([180]) الرسالة ص 51-52.
([181]) انظر الرسالة ص 53-73.
([182]) الرسالة ص 48-49.
([183]) انظر الفصل الآتي بعد هذا: فصل 21.
([184]) مجموع الفتاوى 27/381
([185]) الفصل 15
([186]) فتح الباري 8/474
([187]) الفروع 1/64-65
([188]) مجموع الفتاوى 4/168

الجامع في الرد على المدخلي من خلال أشرطته لأبي عبد الله النجدي وفقه الله 

دراويش الجدد ( أدعياء السلفية ) مخالفة ربيع المدخلي من الطعن بالسلفية والإسلام !!!

 مخالفة ربيع المدخلي من الطعن بالسلفية والإسلام



فإن  ربيع بن هادي المدخلي - يرى نفسه من أشد الناس تمسكا بمباهج أهل السنة وسيرا على منهج السلف الصالح في الدقيق والجليل ؛ حتى أصبح الكلام عليه فيها طعنا بالمنهج السلفي ، ومحاولة لإسقاطه !


فقال ربيع المدخلي في " مجموع الكتب والرسائل " ( 1 / 482 ) : " ووالله ما يسعى في الكلام فِيَّ –ولاالطعن في ما نحن فيه- إلا لتكون النتيجة إسقاط المنهج ؛ فالذي يكره هذا المنهج يتكلم في علمائه ، الذي يبغض هذا المنهج ويريد إسقاطه يسير في هذاالطريق!! " .


ثم إن الناس اختلفوا - كما شاهدنا في الواقع - في استحقاق ربيع للعصمة في المنهج وحده (!) فمنهم من اعتقدها فيه وحجته تتخرج على تمثيل ربيع للمنهج السلفي (!) بينما خالفهم جماعة ؛ وحسم السجال الدكتور ربيع بتصريحه الذي يقول فيه : ( أقول : لست معصوماً، لست معصوماً، ولكن –اسمع- : لا أعرف لي خطأ في المنهج ..) !

فليس الربيع بمعصوم من الخطأ والزلل في المنهج وغيره إلا أنه لا يعرف لنفسه خطأ في المنهج ؛ فاستحق أن يكون ممثلا عنه ، فالكلام عليه كالكلام على المنهج السلفي .. وهكذا !


ومن محاسن الأوصاف - وانظرها مأمورا مشكورا - :

1 - قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في " منهاج السنة " ( 5 / 181 - 182 ) : " وهذا من جنس الرفض والتشيع لكنه تشيع في تفضيل بعض الطوائف والعلماء .. فلا ينتصر لشخص انتصارا مطلقا عاما إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لطائفة انتصارا مطلقا عاما إلا للصحابة رضي الله عنهم أجمعين فإن الهدى يدور مع الرسول حيث دار ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط بخلاف أصحاب عالم من العلماء قد فإنهم قد يجمعون على خطأ بل كل قول قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مسلما إلى عالم واحد وأصحابه ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم " .

2 - قال المعلمي اليماني - رحمه الله - في " التنكيل " ( 1 / 6 ) : " من أوسع أودية الباطل الغلو في الأفاضل ومن أمضى أسلحته أن يرمي الغالي كل من يحاول رده إلى الحق ببغض أولئك الأفاضل ومعاداتهم، يرى بعض أهل العلم أن النصارى أول ما غلوا في عيسى عليه السلام كان الغلاة يرمون كل من أنكر عليهم بأنه يبغض عيسى ويحقره ونحو ذلك فكان هذا من أعظم ما ساعد على أن انتشار الغلو لأن بقايا أهل الحق كانوا يرون أنهم إذا أنكروا على الغلاة نسبوا إلى ما هم أشد الناس كراهية له من بغض عيسى وتحقيره، ومقتهم الجمهور، وأوذوا فثبطهم هذا عن الإنكار، وخلا الجو للشيطان، وقريب من هذا حال الغلاة الروافض وحال القبوريين، وحال غلاة المقلدين " .


واعلم - يرعاك الله - : أن الروافض مع تباين مفاهيم العصمة عندهم للأئمة إنما خاضوا فيها :

1 - لأثبات الأفضلية واستحقاق الأئمة عندهم للإمامة هذا أولا !!

2 - ولإلزام أتباعهم بكلام الأئمة ثانيا !!

وإن وقع من التفاوت والتباين والمناكدات بين النظرية والتطبيق عندهم في مباحث العصمة مما لا يسع بيانه ، بينما بيت القصيد : ( استحقاق الإمامة والإلزام ) ، وهذا لا يتأتى دون القول بالعصمة في الأئمة ، ونظرية احتمال الخطـأ تدفع الفكرة ، وتدحض هذه العقيدة ، ولشذوذهم لم يكن عندهم ممانعة من التصريح بالعصمة لتتم المؤامرة على أتباعهم !

لكن ؛ يتسأل الواحد منا : إذا كان ربيع المدخلي يمثل ( المنهج السلفي ) و ( لا يعلم لنفسه خطأ في المنهج ! ) مع كونه ( غير معصوم ) ؛ فهل المنهج السلفي معصوم أو لا الذي يمثله فضيلته (؟!) فتأمل .. وتدبر !


وحينما قام ناصر بن عبد المحسن القحطاني بكتابة رسالته " المعيار لمعرفة ربيع المدخلي لعلوم الحديث " والتي تتبع فيها تحقيق ربيع في أطروحة الدكتوراه على كتاب ( النكت على ابن الصلاح ) اتهمه ربيع المدخلي بأنه يريد محاربة المنهج السلفي في تتبعاته لأوهامه وغلطاته في تحقيقه (!) مع أن الكتاب في بيان الأغلاط والأوهام في التحقيق لا غير ؛ فكيف بمن يحاول الكلام على مسائل منهجية عند ربيع المدخلي ؟!

يقول ناصر القحطاني في " المعيار " ( 2 - 4 ) : " فإنني كنت قد علقت قبل فترة على مواضع متفرقة من كتاب (( النكت على ابن الصلاح )) للحافظ ابن حجر العسقلاني بتحقيق د. ربيع بن هادي المدخلي أصلحت فيها بعض ما وقع من المحقق من أوهام وأغلاط. ثم إنني شرعت في تتبع عمل المحقق وتعليقاته لها التي وقع من المحقق من أوهام وأغلاط فيها والتي لا يتصور وقوعها من طالب في السنة النهائية بقسم الحديث، فكيف بمن لُقب بـ (أستاذ كرسي علم الحديث في الجامعة الإسلامية) ؟

ومما شجعني على المضي قدما في هذا التتبع ما لمسته في مريديه من الغلو في مدحه وتعظيم منزلته، فلم يكتفوا بوصف ربيع بـ ( العلامة المحدث الدكتور أستاذ كرسي علم الحديث) بل جعلوه (إمام أهل السنة والجماعة) في هذا العصر متغافلين عن العالم الرباني الحقيقي بهذا اللقب وهو سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز أمتع الله به ونفعنا بعلومه .

وليت الأمر وقف عند حدود المدح والتعظيم بل تجاوزه حتى كاد أن يصل إلى ادعاء العصمة فيه! فكثير من مريديه يغضب ويثور حين يقال له إن شيخك قد جانب الصواب في المسألة الفلانية ، بينما يسهل على الكثيرين منهم تخطئة الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيميه وعلماء الدعوة النجدية ممن يشهد لهم ببلوغ مرتبة الإمامة في الدين.

وكان من آثار هذا التعصب الذميم أن أصبح الشيخ محل عقد الولاء والبراء عندهم. فمن وافقه فيما يقول فهو ـ على حد قولهم ـ من إخواننا على المنهج الصحيح. ومن خالفه فهو مبتدع ضال يستوجب الهجر والتأديب. وقد كنا - معشر السلفيين - ننعى على أهل المذاهب جمودهم وتعصبهم حتى نبتت بيننا نابتة جعلتنا نترحم على متعصبة المذاهب، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .. وقد رأيت نصحا للأمـة ونصحا للشيخ ربيع نفسه أن أنشر ما وقفت عليه من أوهام وأغلاط في تحقيقه للنكت ليعرف بذلك قدر علمه وينشغل بتصويب أطروحته في الدكتوراه بدلا من انشغاله بعيب الدعاة والمصلحين، كما أن في هذا (المعيار) إعلام لمريدي ربيع والغالين فيه بحقيقة المستوى العلمي للدكتور ربيع في مادة تخصصه (علم الحديث) وذلك من خلال نقد أرقى أعماله العلمية وهي (أطروحة الدكتوراه) فلعل ذلك أن يسهم في إطفاء أوار الفتنة التي أشعلوها وأشغلوا الناس بها، وليس أعظم على (المتبوع) من افتتان الأتباع بتقليده ومحاكاته. الإمام.. الدكتور!! " .


ومع أن هذه المسائل المتكلم فيها لا تتجاوز المباحث الحديثية ؛ فقد حكم على محاولة تطاوله في الرد على الشيخ ربيع بن هادي المدخلي بأنه يحارب المنهج السلفي !

فقال ربيع المدخلي - سدده الله - في " مجموع الكتب والرسائل " ( 9 / 541 ) : " كتاب (المعيار) الذي يتضمّن الحرب على المنهج السلفي " .


بل ؛ انتقل ربيع المدخلي - متطورا - من تمثيل المنهج السلفي إلى تمثيل الإسلام (!) واعتبر خصومه من أتباع الشيخ علي بن حسن الحلبي أشد خطرا من الماسونية لردودهم عليه ، فقال ربيع في مقالته " الحلبي من أشد الناس شهادة بالزور " الحلقة الثانية : ( ولا أجد فرقا بينكم وبين الماسون المحاربين للإسلام باسم الإسلام ؛ بل لقد فقتموهم بالتأصيل الهدام ولقد ركزتم ايها الحزب الظالم على ربيع .. " !



د. ربيع المدخلي .. وفرية موافقة العلماء



ثم إن ربيعا المدخلي استدل على تصحيح مسالكه : بموافقة العلماء الكبار لمقالاته ونحوها من تصرفاته في مواجهة المخالفين له .

فقال في " مجموع الكتب والرسائل (9 \ 499 ) : " ونحن - ولله الحمد- يشهد لنا العلماء السلفيون في كل مكان، يشهدون لنا بالثبات على الحق، وأن إنتاجنا حق وعلى منهج السلف ، ومن ثمارهم تعرفونهم " .

ويصرح بأسمائهم : فيقول في " مجموع الكتب والرسائل " ( 9 / 490 ) : " نحن معروفون ـ والحمد لله ـ أننا أقوى من وقف في وجه الفتن والشغب ودعاة الهدم لهذه البلاد .

وكتبنا وأشرطتنا واضحة ومليئة بالذب عن دعوة هذه البلاد ومنهجها وعلمائها وولاة أمرها، يعرف ذلك ويعترف به العقلاء المنصفون، وقد أيدوها في كتبهم وأشرطتهم ومشافهاتهم.

ومن هؤلاء : سماحة الشيخ : عبد العزيز بن باز، والشيخ : صالح الفوزان، والشيخ : محمد بن صالح العثيمين، والشيخ : صالح اللحيدان، والشيخ : محمد بن سبيل، والشيخ : عبد الله الزاحم -رئيس محاكم المدينة- والشيخ : الألباني ، والسلفيون في كل صُقع، يقرأون كتبنا وينشرونها ويترجمون منها ما يستطيعون، وهؤلاء هم شهداء الله في أرضه ،ولم يقاومها ويحترق قلبه كمداً منها إلا أهل البدع " .

بل يصرح أن بعض الأئمة القدماء كالإمام المعلمي اليماني - رحمه الله - لو وقف على تواليفه في الردود لأيدها متابعا فريق العلماء في هذه النصرة لجهوده !

فيقول الدكتور ربيع المدخلي في " مجموع الكتب والرسائل " ( 9 / 196 ) : " لو وقف المعلمي على مؤلفاتي في نصر السنة لأيدها ؛ كما أيدها إخوانه من أئمة السنة ولا سيما صديقه الألباني " .


وحينما يستخرج أهل الحق من أرباب المعارف العلمية مخالفته العلمية وتنكباته المنهجية الخارجة عن سبيل الحق ، يسارع بقياس متهالك ، واستدلال بارد بأن هذا من لوزام القدح فيمن شهد لتواليفه ومن الطعن في تزكياتهم له (!) وفاته أن التزكيات - بمجموعها مهما بلغت في سلم الرقي - لا تجعل من صاحبها معصوما ، ولا تعطيه الحصانة من النقد (!) وهذا من البديهيات العلمية لمن طالع سير الأوائل !!

فيقول - سدده الله تعالى - في " مجموع الكتب والرسائل " ( 13 / 428 ) : " وهل تأييد كبار علماء السنة لأصول ربيع وكتاباته كان خيانة وتبييت حملة ضد الإسلام ؟ " .

لكن هل من زكى ربيعا المدخلي - من الأئمة السابقين - يوافقونه في كل شيء (؟!) وإن كانت عبارتنهم واسعة في الموافقة ؟!

لا يمكن لأحد مهما بلغ في المعارف ونال قسطا من المعقولات الحكم على كل هذه التزكيات على الدكتور ربيع بن هادي المدخلي بكونها موافقة تفصيلية - لا عامة فحسب ! - لكل آرائه ، وإلا تكاثرت النسخ البشرية التقليدية !


والحق يقال : أن الناظر الصادي في مقالات الكبار يجد البون الشاسع والفرق الواسع في تقريراتهم المنهجية مقابل آراء الدكتور ربيع بن هادي المدخلي ، فبينهم مهام تنقطع فيها الرقاب ، وما أحجمه ذلك إلا بالاستدلال بتزكياتهم له - على عمومها من جهة - لقبول اختياراته في ردوده على مخالفيه ؛ فمن نظر في تراث الإمام المجدد محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله - يعرف قدر المفارقة وكم المزايلة ، وقد صنف بعض الأفاضل رسالة سماها بــ " الأجوبة الألبانية على التوجهات المدخلية " ، فكانت شاهدة على هذه المباينة .

ومن اللطيف : ما قام به بعض عقلائهم من عرض بعض مخالفات الإمام الألباني لأصولهم المدخلية في شبكة من شبكاتهم ، فقال في مقالة سماها بــ " هل نشري لأقوال الألباني يحدث فتنة ؟ " وهو يتحدث عن أوضاع السلفيين بمنطقته : " فتنة عظيمة فرقت شملهم وجعلت بعضهم يبدع بعضا ‘ وحدثت بينهم معاداة شديدة ظهرت في صور وأشكال خرجت من دائرة الشرع والعقل والمروءة ؛ حصل الهجر والبراء والسباب والخديعة والوشاية ومحاولة إيصال الأذي بأنواع الوسائل والحيل من غير أن يرقب في مؤمن إل ولا ذمة ‘ الأمر الذي جعل السلفيين أحاديث مجالس أهل البدع والحزبيين ومواضيع ساخنة في الجرائد والمجلات المحلية وجعلهم مطعن كل طاعن وغرض كل هداف .

ولقد حاول أناس أن يصلحوا بين - يأسفني أن أقول - الفرقتين ‘ ولكن أبت الفتنة والفرقة إلا أن تزداد يوما بعد يوم ‘كأن الأمر - والعياذ بالله - أمر أصحاب ديانتين مختلفتين ‘ مع أن كلتيهما - أعني الفرقتين- تقول بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين ‘ وتوقر علماء الأمة السلفيين ؛ أمثال الشيخ الألباني وابن باز وربيع وابن العثيمين - أن من الواجب علي أن أبذل قصاري جهدي لأصلاح ذات البين .

وللوصول إلي هذه الغاية الشريفة استمعت إلي أقوال كل من الفرقتين ‘ فعلمت أن خلافاتهم الكثيرة المتشعبة المتشابكة يرجع جميعها إلي مسائل معينة هي أصل الخلاف بينهم . ولما كان علامة الشام ‘ المحدث الألمعي الجهبذ الهمام ‘ قرة عيون السلفيين ‘وحامل راية سنة سيد المرسلين ‘ تكلم في المسائل تلك ‘ وبينها بيانا كافيا شافيا ‘ وأصلها وفصلها وأتحفها بأدلة وبراهين قوية من الكتاب والسنة ‘ قررت أن أجمع أقواله من طيات أشرطة سلسلة الهدي والنور ذالك الكنز العظيم وأترجمها إلي لغة الفرقتين وأنشرها في المنطقة عسي أن ينتفع بها إخواني من الفرقتين ومن تأثر بهما ويرجع إلي الصواب من أخطأ .

ولقد لازمت داري مدة ولا زلت ملازما لها وأنا أستمع وأصغي إلي أشرطة الشيخ بدقة ‘ وأدون كل كلام له يتعلق بالمسائل تلك فجمعت حتي هذه اللحظة أقوالا له كثيرة من أشرطة كثيرة .

وإنني عندما أنظر إلي أقوال الشيخ وأقرنها بين أقوال بعض من العلماء السلفيين أجد بينهما ما أجد لهذا خشيت أن يكون عملي هذا فتنة ,فقلت قبل أن أنشر كتابي لابد أن أستشير من هو أعلم مني وأدرى " .


فقام أحد غلاتهم فعلق على مقالته الذكية ، بقوله : ( لم أنتبه لهذا الموضوع إلا بعد ما رأيت أن بعضكم تعلق به كما يتعلق الغريق بحبال الهواء ... بغض النظر إن كان العضو كتب ما كتب عن قصد طيب يريد معرفة الحق أو بقصد التشويش وبث الشبهات .

أقول: الشيخ العلامة الألباني إمام جهبذ، وله أقوال متقدمة ومتأخرة ، فما وافق من أقواله الكتاب والسنة وماكان عليه سلف الأمة فهو الحق الذي لامرية فيه وما خالف الكتاب والسنة وماكان عليه سلف الأمة فهو خطأ مردود ومكانة الشيخ وكرامته محفوظة ) !!



بين ربيع المدخلي والشيخ صالح الفوزان



واليوم : سأعرض عليكم بعض مخالفات فضيلة شيخنا العلامة صالح بن فوزان الفوزان - حفظه الله تعالى - لمجموعة من آراء الدكتور ربيع بن هادي المدخلي - دون أدنى تعليق إلا نادرا - ، ولا يلزم من سياقتها الموافقة أو المخالفة لأحدهما فيها ؛ فقد يكون الحق لأحدهما دون الآخر ، أو أن كليهما أصاب الحق من جهة وذلك بالجمع بينهما توجيها لا ترجيحا - تخريجا على الأصول العلمية لا مغالطات غلاة التجريح التي يقيمونها في حق خصومهم ويتركونها في كلام أقطابهم ! - ؛ فاقتضى ذلك التنبيه .

فلا يستثير غلاة التجريح أقلامهم العاثرة للرد على مقالي - حتى ينسى المطالع غاية هذه المقالة ! - دون التعرض لحال هذه المخالفات - أو قل : الموافقات ! - من جهة ، وحال المعارض - كالفوزان - من جهة (!) أو ينشغل أحدهم برصف تزكيات شيخنا صالح الفوزان له دون تحقيق ما لابد منه مما يتعلق بمقاصد هذه المقالة !!


مقاصد تحرير المقالة :

وغايتها - أعني : ذكر هذه المخالفات - لا ذاتها ( مجددا ) ؛ بل :

أولا : هذه التزكيات من هؤلاء - كالشيخ المذكور - لا توجب الموافقة الكاملة ولا المطالعة التامة لكل مقالات ربيع المدخلي !

ثانيا : نقض زعم الدكتور ربيع بن هادي المدخلي - سدده الله - بشهادات هؤلاء الأعلام والشيوخ الكرام في توزيع طروحاته بين صفوف الشباب وكأنها لا باطل فيها أبدا ، ولا خلل يعتيرها فيكدر صفوها .

ثالثا : إلزام غلاة التجريح بتعميم الأحكام - لا التطفيف ! - على مخالفيهم في آراء قطبهم الأكبر ومسلكهم الأبتر (!) فلا يحكمون على بعض الأفراد بالابتداع ، وغيرهم بالاتباع مع اشتراك المجموع في المصفوفة (!) فقد انبرى بعض غلاة التجريح للدفاع عن الدكتور ربيع المدخلي فيما يتعلق بالآتي بيانه فجرت مقالاتهم على مسالك ينهى عنها قطبهم الأكبر في حق مخالفيه كحمل المجمل على المفصل ونحوها .


تلخيص بعض هذه المخالفات :

1 - حمل المجمل على المفصل .

2 - علم الجرح والتعديل - وتخصيصه بالرواة - وعلاقته بالتبديع .

3 - حديث الهرولة من المتشابهات .

4 - الخوارج عقيدتهم سلفية .

5 - حديث : ( خلق آدم على صورته ) والخوض فيه .

6 - الإيمان أصل والعمل كمال .



المسألة الأولى





حمل المجمل على المفصل



الموضع الأول : كلام الدكتور ربيع المدخلي .

1 - قال الدكتور ربيع في " ملحق بإبطال مزاعم أبي الحسن في المجمل والمفصل " : " أصلٌ نبت في هذا العصر سُمِّي بالمجمل والمفصَّل لا يعرفه السَّلف ولا يعرفه الأصوليُّون؛ لأنه أُسَّس لحماية البدع وأهلها، وكان أهله يردِّدونه ويحاربون به " .

2 - وقال في " مجموع الكتب والرسائل " ( 13 / 33 و 37 ) أن هذه قاعدة قطبية : " وأن تتجنَّب الشُّبُهات والمتشابِهات من كلام بعض النَّاس وأن تبتعد عن قاعدة القُطبيَّة: يُحمَل المجمل على المفصَّل .. ولو أخذنا بهذا المنهج حمل المجمل على المفصل .. لضاع دينُ الله وضاعت حقوق العباد، ودين الله قائم على رعاية المصالح ودرء المفاسد " .


قلت : مع أن ربيعا المدخلي - سدده الله - استعمل حمل المجمل على المفصل صراحة في عدد من مقالاته - لا محل لذكرها - ؛ ثم في حال الرد على مخالفيه وقطع العذر عليهم ينسب العمل بها إلى أهل الأهواء والبدع !

ثم - في أطوار متعددة - يقول بها تارة تحت اسم القرائن المتصلة في نقض اعتراضات مخالفيه ، ويمنعها في القرائن المنفصلة - نظريا ! - ويطبقها عمليا أحيانا !!

بينما :

الموضع الثاني : كلام الشيخ صالح الفوزان.

1 - قال السائل : هل يحمل المجمل على المفصل في كلام الناس؟أم هو خاصٌ بالكتاب والسنة؟ نرجو التوضيح ـ حفظكم الله ـ؟

فأجاب الشيخ : " الأصل إن حمل المجمل على المفصل ,الأصل في نصوص الشرع من الكتاب والسنة، لكن مع هذا؛نحمل كلام العلماء، مجمله على مفصله، ولا يُقَوَّل العلماء قولا مجملاً، حتى يُرْجَع إلى التفصيل من كلامهم، حتى يرجع إلى التفصيل من كلامهم، إذا كان لهم قول مجمل، وقول مفصّل، نرجع إلى المفصل, ولا نأخذ المجمل " .

2 -وقال الشيخ صالح الفوزان - أيضاً - في كتابه" التعليقات المختصرة،على متن العقيدة الطحاوية" ( 88 ) عند قول الإمام الطحاوي : ( وتعالى عن الحدود والغايات،والأركان والأعضاء،والأدوات ) : " الحاصل أن هذه الألفاظ التي ساقها المصنف فيها إجمال،ولكن يحمل كلامه على الحق؛لانه رحمه الله ـ من أهل السنة والجماعة،ولأنه من أئمة المحدثين، فلا يمكن أن يقصد المعاني السيئة،ولكنه يقصد المعاني الصحيحة،وليته فصّل ذلك وبيّنه،ولم يجمل هذا الإجمال " .


لطيفة - مضحكة - : هذا القول قال فيه العلماء في القديم والحديث ؛ ومن المعاصرين جماعة : محمد أمان الجامي ، وعبد المحسن العباد ، وصالح آل الشيخ ، وعبد العزيزالراجحي ، ومحمد بن صالح العثيمين ، وأحمد النجمي ، ومقبل الوادعي ، وعبد الرحمن السعدي ، وناصر الدين الألباني ، وزيد المدخلي ، وحماد الأنصاري ، وغيرهم .

ولم يسع غلاة التجريح سوى ما قاله رائدهم الكعبي في تعليق - يبين ضيق نظره ! - ، فقال : " وأما الاستدلال بكلام بعض أهل العلم المعاصرين ممن ليس قوله حجة على قول غيره من العلماء الآخرين .. وكلام بعض العلماء - إنْ كان صريحاً في القول بهذه القاعدة الباطلة وتأييدها - فهو مردود ولا حجة فيه مقابل النص الصريح " !



المسألة الثانية





قاعدة: { الإلزام } و { لا يلزمني }



الموضع الأول : كلام الدكتور ربيع بن هادي المدخلي .

1 - قال الدكتور ربيع بن هادي المدخلي في " مجموع الكتب والرسائل " ( 9 / 40 ) : " لا يقف المسلم المتَّبِع موقفَ أهل الأهواء فيقول: قد اختلف العلماءُ فلا يلزمني قول فلان وفلان! ويذهب يتلاعب بعقول الناس! فإن مثلَ هذا القول يُجرِّئ الناس على ردِّ الحق وإسقاط أهله وصاحب الحُجة " .

2 - وقال في مقاله " مكيدة خطيرة ومكر كبار " : " ومثل أصل لا يلزمني و لا يقنعني لرد الحق، وهو من أخبث أصولهم .. ذلك الأصل الخطير الذي استخدم لرد كل حق يلزمهم قبوله والأخذ به، ولرد كل حكم يصدره علماء المنهج السلفي على أهل الأهواء والبدع من مثل الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ " .


قلت : تخرج هذا الكلام على رآي الدكتور ربيع في تقرير وجوب قبول أحكامه على الرجال (!) باعتبارها دراسة موسعة لا اجتهادية - تحار فلا تنطق .. ولا تاكد أن تصدق ! - ؛ فيقول بكل صراحة في " نصيحته لأهل العراق " ( 25 ) ناقضا قول أحدهم حينما قال ( تسوغ مخالفة الشيخ ربيع في أحكامه في الرجال لأن مبنى الحكم على الرجال مرده الى الاجتهاد .. ) !

فقال الدكتور ربيع - متعقبا - : " إن أحكام الشيخ ربيع على الرجال ليست مبنية على الاجتهاد , وإنما هي قائمة على دراسة واسعة .. " !

لا علينا ؛ فقد استعمل فضيلته هذه القاعدة في غير ما موضع من تواليفه ومقالاته في حال رده على بعض خصومه الملزمين له بأقوالهم (!) ، وحارب القول بالإلزام في مواضع (!) ، واعتبره سلما لأبواب التقليد (!) وكل هذا في مقام الذب عن ذاته - لا في حق من ينتقدهم !! - ؛ فسبحان مقلب القلوب والأبصار !

بينما :

الموضع الثاني : كلام الشيخ صالح الفوزان في مسألة الإلزام .

1 - قال السائل : ما حكم الذين يلزمون الناس بتبديع بعض الدعاة وبناء الولاء والبراء على ذلك وهجر من لم يبدع ؟

قال الشيخ صالح الفوزان : " لا تلتزم بهذا ولا تطيعهم في هذا ، قل أنا بريء من هذا ومعافيني الله من هذا ولا أدخل فيه ولا أعرف عنه شيء " .

2 - قال السائل : يا شيخ! ما رأي سماحتكم .. في امتحان الناس بالأشخاص -ولاء وبراء-، وهم في كلِّ هذا يزعمون أنهم المستحقون لاسم السلفيَّة دون غيرهم، ويشيعون بأنكم -يا سماحة الشيخ- مؤيد لهم فيما يذهبون إليه ؟

ومما قال الشيخ صالح الفوزان : " أو هو لم يوافقك على ما تُريد؛ فتتخذ من هذا هجرًا له، تتخذ من هذا قطيعة، فرقة، خلاف، كل هذا لا يجوزُ " .

3 - قال السائل : هم يقولون هم يقولون أن فضيلة الشيخ ربيع قال عن الشيخ فالح أنه حدادي ياشيخ ؟

قال الشيخ صالح الفوزان " : يا أخي أتركوهم خلوهم يقولون اللي هم يقولون وأنتم أطلبوا العافية من الله وأتركوهم " .

4 - قال السائل : بعض الإخوان هداهم الله في المجالس يتكلمون على الشيخ فالح الحربي مارأيكم ويطعنون فيه؟؟

الشيخ الفوزان: " أتركهم لاتشاركهم أتركهم أنصحهم أن قبلوا وإلا أتركهم " .

5 - قال السائل : أحسن الله إليكم: بعض الإخوة يصفون عالمًا من العلماء بأنه حامل راية الجرح والتعديل، فمن جرحه فهو المجروح بحجَّة أنه لن يجرح إلا بدليل، فيَلزَم اتباعُه في ذلك؟

قال الشيخ صالح الفوزان : " الجرح والتعديل في الإسناد وفي علم الحديث، وهذا أهله ماتوا ما بقي منهم أحد ؛ ما فيه أحد فيما نعلم من علماء الجرح والتعديل.

لكن قد يكون من علماء الغيبة والنميمة، هذا موجود ممن يجرِّح الناس ويغتاب الناس، هذا ما هو بالجرح والتعديل(!) الجرح والتعديل من علم الإسناد، وهذا له رجاله وانتهوا، ماتوا.. الله أعلم ما أعلم أحدًا " .



المسألة الثالثة





علم الجرح والتعديل - وتخصيصه بالرواة - وعلاقته بالتبديع



الموضع الأول : كلام الدكتور ربيع بن هادي المدخلي .

1 - قال السائل : هل علم الجرح والتعديل خاص بالرواة فقط ؟

ومما قال الدكتور ربيع المدخلي : " فالذي يقول علم الجرح والتعديل خاص بالرواة ، هذا من أجهل خلق الله بمذهب أهل الحديث الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة " !

2 - قال السائل : : لقد ذكر بعض العلماء أن علم الجرح والتعديل كان خاصا بزمن الرواة ... ؟

ومما قال الدكتور ربيع المدخلي : " هذا والله من المهازل والمضحكات المبكيات:أن يقال مثل هذا الكلام ... هذا من الضياع وعدم الفقه في دين الله عزوجل فالسلف ألفوا كتبا في العقائد ينتقدون فيها أهل البدع والضلال وسمّوا أفرادا وجماعات فهل هذا يعني انتهى أيضا ؟!

هذا ضلال ، الجرح والتعديل باقٍ إلى يوم القيامة ,الناس يريدون أن يستفيدوا من هذا العالم ,فتقول لهم هذا عالم فاضل وعلى السنة تزكيه بارك الله فيك ,وهذا العالم رافضي ,هذا صوفي يقول بوحدة الوجود ,هذا علماني ,هذا شيوعي يتستر بالإسلام ..هذا كذا ..هذا كذا ... واجب عليك أن تبيّن ,هذا واجب وهو من الجهاد ولا ينقطع وليس خاصا بالرواة " .


قلت : تقدم بيان الدكتور ربيع المدخلي في شمول علم الجرح والتعديل لهذا كله - خاصة أنه حامل اللواء ! - وحصره في الرواة يدل على جهالة لا نظير لها (!) بينما يرى الشيخ صالح الفوزان أن هذا العلم لا يتناول إلا الرواة والأسانيد ولا يكون في الكلام على غيرهم ؛ بحيث أن التحذير ممن وقع في خطأ عقدي ونحوه من أبواب النصيحة لا من الجرح والتعديل .

بينما :

الموضع الثاني : كلام الشيخ صالح الفوزان في وجود علم الجرح والتعديل وعلاقته بالتبديع .

1 - قال السائل : كيف نجمع بين كلامك في عدم الاشتغال بالجرح والتعديل وبين التحذير من بعض الأشخاص لكون عنده بعض المخالفات في العقيدة ؟

قال الشيخ صالح الفوزان : " هذا نصيحة يا أخي ، هذا من باب النصيحة لا من باب الجرح والتعديل ، الجرح والتعديل خاص في علم الإسناد في رجال السند ، هذا الجرح والتعديل يعرف من هو الحافظ المتقن من الذي عنده نسيان أو عنده تساهل لأجل حفظ الحديث .

أما أنك تبين أنه فلان عنده خطأ هذا أول شيء يجب عليك أن تناصحه إن قبل فإن لم يقبل واشتهر تحذر منه وليس هذا من الجرح والتعديل ، هذا من النصيحة " .

2 - قال السائل : قلتم أن الجرح لا يوجد في هذا الزمان، ففهم منه بعض الناس أنكم لا ترون الرد على أهل البدع والمخالفين .. و ….؟

قال الشيخ صالح الفوزان: " الجرح والتعديل ما هو بالغيبة والنميمة المتفشية الآن ، خصوصاً بين بعض طلبة العلم ، فالجرح والتعديل- يا أخي - من علم الإسناد في الحديث ، وهذا من اختصاص الأئمة والمحدثين .

ولا نعلم الآن من أهل الجرح والتعديل، فيعني معرفة الأسانيد وتصحيحها وتضعيفها ، ما نعلم أحد الآن ، هذا المقصود ، نعم ! "

3 - قال السائل : مَن هم علماء الجرح والتعديل في عصرنا الحاضر؟

قال الشيخ صالح الفوزان : " والله ما نعلم أحد من علماء الجرح والتعديل في عصرنا الحاضر، علماء الجرح والتعديل في المقابر الآن! ولكن كلامهم موجود في الكتب -كتب الجرح والتعديل-

الجرح والتعديل في علم الإسناد، في رواية الحديث، ما هو بالجرح والتعديل في س في سب الناس وتنقصهم، وفلان فيه كذا وفلان فيه كذا، ومدح في بعض الناس، وسب بعض الناس، هذا من الغيبة، ومن النميمة، ليس من الجرح والتعديل! " .

4 - قال السائل : فضيلة الشيخ ، هل الجرح والتعديل في الأشخاص يمكن أن يطبق الآن وذلك لأجل مصلحة الدعوة؟

قال الشيخ صالح : " الجرح والتعديل هذا في علم الرواية وعلم الاسناد وهذا له رجاله وعلمائه ولا في أحد الآن فيما نعلم , ما في أحد الآن فيما نعلم عنده أهلية في هذا الأمر ,هذا من الحفاظ والعلماء الذين أعطاهم الله ملكة الرواية ومعرفة الأحاديث ,أما الأن فلا في أحد متأهل لهذا .

أما الكلام هذا يدخل في المبتدع , اذا كان هناك انسان مبتدع (كلام غير مفهوم ) يذكر هذا ماهو من باب الجرح والتعديل بل من باب النصيحة , باب النصيحة للناس " .

5 - قال السائل : هل من الغيبة من يقوم بغيبة المشائخ والعلماء ويعتبر ذلك من الجرح والتعديل ؟

ومما قال الشيخ صالح : " هذا أشد الغيبة ,غيبة العلماء وولاة الأمور هذا أشد لأن مفسدته أكبر لأنه يرخصهم على الناس ويزهد العلماء وولاة الأمور عند الناس ويسبب الشر , هذه أشد أنواع الغيبة ولا حول ولا قوة الا بالله وليس هذا من الجرح والتعديل هذا من الغيبة والنميمة , الجرح والتعديل في علم الحديث في علم الاسناد ما هو الكلام بالمجالس هذا من الغيبة والنميمة ما هو من الجرح والتعديل ... وهل هذا المبتدئين والمتعالمين هل هم من علماء الجرح والتعديل ؟ هؤلاء ليسوا من علماء الجرح والتعديل ولا يعرفون الجرح والتعديل ولا يعرفون مواضع الجرح والتعديل فهذا كذب وافتراء على هذه المسألة , نعم " .

6 - قال السائل : بعض الإخوة يصفون عالمًا من العلماء بأنه حامل راية الجرح والتعديل، فمن جرحه فهو المجروح بحجَّة أنه لن يجرح إلا بدليل، فيَلزَم اتباعُه في ذلك؟

قال الشيخ صالح : " الجرح والتعديل في الإسناد وفي علم الحديث، وهذا أهله ماتوا، ما بقي منهم أحد ، ما فيه أحد فيما نعلم من علماء الجرح والتعديل ، لكن قد يكون من علماء الغيبة والنميمة، هذا موجود ممن يجرِّح الناس ويغتاب الناس، هذا ما هو بالجرح والتعديل!

الجرح والتعديل من علم الإسناد، وهذا له رجاله وانتهوا، ماتوا.. الله أعلم ما أعلم أحدًا..

لكن قد يكون فيمن يقرأ كتب الجرح و التعديل ويستفيد منها، نعم.

أما أن يقال هذا من علماء الجرح والتعديل؛ هذه كلمة كبيرة ما تنطبق على من يقتصر على المطالعة وعلى قراءة الكتب، هذا ما يكون من علماء الجرح والتعديل؛ لكن يقال: مطلع، فلان مطلع على كتب الجرح والتعديل فقط. نعم " .

وهناك المزيد من فتاوي شيخنا صالح الفوزان في هذا الباب ؛ لا حاجة لإيرادها .


ومن الموافقات :

1 - قول فضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الغديان .. عضو هيئة كبار العلماء :

السائل : يا شيخ هل هذا صحيح هناك من يقول أنه يوجد علماء الجرح و التعديل في هذا الزمان فهل هذا صحيح ؟

الشيخ الغديان : " والله يا أخي علم الجرح و التعديل موجود في الكتب .

السائل : في وقتنا هذا هل يوجد ؟

الشيخ : لا ، علم الجرح و التعديل عن علماء الحديث الذين نقلوا لنا الأحاديث بالأسانيد موجود في كتب الجرح و التعديل فما نحتاج إلى أحد الحين .

السائل : يا شيخ هناك من يقول أن الدكتور ربيع بن هادي المدخلي حامل لواء الجرح و التعديل ؟

الشيخ :لا ، أنا لو يصادفني في الطريق ما عرفته يمكن ، ما علي من أحد " .

2 - قول فضيلة الشيخ عبد العزيز الراجحي :

قال السائل : هل يوجد في هذا الزمان علماء جرح وتعديل ، وهل يوجد تفريق بينهم ؟ .

قال الراجحي : " علم الجرح والتعديل انتهى ، لأنه دوّنت الآن الكتب والأحاديث في الصِحاح والسنن والمسانيد والمعاجم .... فلا يوجد جرح وتعديل ، والجرح والتعديل للمحدثين " .



المسألة الرابعة





حديث الهرولة من المتشابهات



الموضع الأول : جواب ربيع المدخلي - وكان في سنة 1426 ه ! - .

قال السائل : يقول الله في الحديث القدسي ( أنا عند ظن عبدي بي فإذا تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا و إذا تقرب إليّ ذراعا تقربت إليه ذراعا و إذا أتاني يمشي أتيته هرولة) فهل نثبت صفة الهرولة لله ؟

قال الدكتور ربيع المدخلي - وجوابه لطلاب دار الحديث بمكة ! - : ( أنا أنصح الطلاب بعدم الدخول في هذه الأشياء المصلي إذا صلى هل يمشي أو يحرم عليه المشي أليست هذه من أعظم القربات وأقرب ما يكون العبد إلى ربه و هو ساجد، فبعض الأحاديث فيها إشكالات ابتعدوا عنها بارك الله فيكم مثل حديث { عبدي مرضت فلم تزرني عطشت ولم تسقني } يعني فهل الله يمرض ويعطش؟؟؟ ! وأشياء مثل هذه الأشياء هذه من المتشابهات اتركوها بارك الله فيكم لا تدخلوا فيها الآن ) .


قلت : تعددت توجيهات غلاة التجريح لهذا الكلام من تقويم كلام ربيع المدخلي إلى الأصول الكلية مع التماس العذيرة له في مراد المتشابهات - عملا بقاعدة حمل المجمل على المفصل - ، بينما ذهب بعضهم إلى اعتباره على ظاهره في نفي صفة الهرولة لله تعالى وعدم عدها من الصفات مستدلين على ذلك بكلام بعض أهل السنة - فيما فهموه ! - ، ونفي المتكلمين لها - فالغاية تبرر الوسيلة - !

تعالوا : نرى موقف الشيخ صالح فوزان الفوزان - حفظه الله تعالى - من هذا الكلام ؛ دون ترجيح أحد القولين ولا التوفيق بينهما - مع القدرة على ذلك - ، تاركين الباب لهؤلاء حتى يظهر تطفيفهم في استعمال قواعدهم !

الموضع الثاني : جواب الشيخ صالح الفوزان بعد إيراد هذا الكلام عليه .

قال السائل : شيخنا البعض يقول عن الحديث القدسي : ( عبدي مرضت فلم تزرني ) أنه من المتشابهات ويجب تركها ، فما نصيحتكم ؟

قال الشيخ صالح الفوزان : " تركها ؛ أعوذ بالله ! يعني نترك الآيات والأحاديث المتشابه ؟ لا ما نتركها لكن نفسرها بالأحاديث والآيات الآخرى ، نردها إلى المحكم ، ما هوب نتركها نردها إلى المحكم نفسرها به حتى يتبين المقصود ؛ لكن هذا جاهل مركب ما يدري !

نعم الحديث يفسر بعضه بعضا : ( كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال : قد مرض عبدي فلان فلم تعده ، فلو عدته لوجدتني عنده ) الحديث يفسر بعضه البعض .

لكن هذا ما يدري مسكين ،والمصيبة الان من المتعالمين يا إخوان إلي يتصورا العلم بدون أصول وبدون قواعد ، وإنما تصوروا العلم تصورا قصرا ، هؤلاء هم الآفة على الإسلام والمسلمين ، العلم يا إخوان ما هو يؤخذ إلا عن طريق التعلم على العلماء ومعرفة القواعد الضابطة للإستنباط ومعرفة الأحكام ، وقد حررها العلماء ودققوا فيها ودرسوها حتى نضجت ، ولكن هذا لا يحسن أو لا يصلح إلا بأخذها عن العلماء ، العلم إنما هو يتلقي ما بيؤخذ من الكتب وحدها ، وإنما يؤخذ من العلماء بالتلقي ، والكتب إنما هي آلات والذي يدرب عليها هم العلماء فإذا أخذتها ولم تتدرب عليها قتلتك وقتلت غيرك فلابد من الأصول فمن ضيع الأصول حرم الوصول " .



المسألة الخامسة





الخوارج عقديتهم سلفية



الموضع الأول : جواب ربيع المدخلي .

1 - قال الدكتور ربيع المدخلي في شريط ( لقاء مفتوح في جدة ) : " الذين قاتلهم عليّ- أي: الخوارج- كانوا والله عقائدهم سلفية، يا إخوتاه، ما كان عندهم عبادة قبور، ولا كان عندهم تعطيل جهمية، كان عندهم انحراف سياسي في الحاكمية " .

2 - وقال في شريط ( ندوة عن الجهاد ) : " وهم والله خير من هذه الأحزاب التي تألبت على السلفية فسحقتها، والله، أصح عقيدة، وأصدق ديناً من هؤلاء، ما كان عندهم شرك في الربوبية، ولا كان عندهم شرك في الإلهية، ولا عندهم شرك في الأسماء والصفات، عندهم انحراف في الحاكمية " .


قلت : وهذه العبارة كانت في مقام المفاضلة بين الأحزاب كالإخوان المسلمين - كما سبق - وبين الخوارج ، بحيث أن انحراف الخوارج عن مفهوم الحاكمية الحق كان ناقضا للسنة وملحقا لهم بأهل البدع مع أن عقيدتهم سلفية وأصح من هؤلاء ؛ فأثبت لهم صحة المعتقد من هذه الجهة ، وهذه واحدة !

وقام أحد غلاتهم بكتابة مقالة يوجه فيها كلام ربيع ؛ فقال : (قد كان السؤال عمن يقول عن أهل البدع كالإخوان المسلمين، عقيدتهم سلفية ومنهجهم أخواني ، فكان جواب الشيخ - عفا الله عنه وحفظه - في إبطال هذه المقولة .. ) !

ومن العجائب أن هذه المقولة الباطلة { عقيدتهم سلفية ومنهجهم إخواني} قررها الدكتور ربيع المدخلي - بنفسه - في " مجموع الكتب والرسائل " ( 10 / 333 ) فقال : " نعم كنت (مع الإخوان المسلمين) هذه المدة [ثلاثة عشر عاماً] أو دونها؛ أتدري لماذا؟!

إنه لأجل إصلاحهم وتربيتهم على المنهج السلفي .. فقد دخلت معهم بشرطين .. ؛ وثانيهما : أن لايبقى في صفوفهم مبتدع (لاسيما ذا البدعة الغليظة)، فقبلوا ما اشترطت، وكان الذين عرضوا عليّ الدخول وقبلوا شرطي (ممن أعتقد فيهم أنهم سلفيون) " !

الموضع الثاني : جواب الشيخ صالح الفوزان بعد إيراد هذا الكلام السابق عليه .

قال السائل : هناك من يقول أن الخوارج الأوائل كانوا على عقيدة السلف ولم يكن عندهم انحراف في باب الأسماء والصفات ولا عبادة قبور ، بل انحراف سياسي فقط ، فما صحة هذا القول ؟

قال صالح الفوزان : " الخوارج خوارج .. كما سمو في العقائد أنهم خوارج انهم خرجوا عن طاعة ولي الأمر ، ولأنهم اعتزلوا علماء المسلمين وخرجوا عن علماء المسلمين ، وأخذوا بآرائهم وآراء أمثالهم ؛ فهم خوارج في كل المقاييس ، فلماذا نقول أنهم من السلف ؟! ما هم من السلف ! هم مخالفون للسلف ، والسلف منهم برآء ولذلك قاتلوهم بأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكن هذا الظاهر أنه يريد أن يقول أن قتال الصحابة لهم من باب السياسة !

لأن في طائفة الآن تقول : قتل السحراء وقتل المرتدين أنه يفعل ولاة الأمور من باب السياسة لا من باب الدين ، قتل الزنادقة ! في طائفة الآن تقول بهذا القول ، وإلا ما يجوز قتل الزنديق ولا قتل المرتد ولا قتل الساحر ، وإنما من قتلوهم من الولاة إنما قتلوهم خوفا على ملكهم ، كذا يقولون وحسبنا الله ونعم الوكيل " .


فائدة : فالدكتور ربيع لم يتوقف به الحال على هذه ؛ بل قال في كتابه " أهل الحديث الطائفة المنصورة " ( 50 ) في معرض المفاضلة : " فهناك أتباع المذهب الزيدي وعوامهم ، وأتباع المذهب الإباضي وعامتهم ، فإن كثير منهم أقرب إلى الفطرة والتوحيد من كثير من أتباع المذاهب الأربعة وعوامهم ، وأبعد عن الشرك والخرافات القبورية والصوفية من عامة أصحاب المذاهب الأربعة " .

بينما يستعمل الدكتور ربيع في خصومه من أهل السنة أفج العبارات وأقذع الكلمات وأقبح الإطلاقات ، وكلها مصدرة بأفعل التفضيل : ( أحط أهل البدع ) و( أخطر من الفرق ) و( لا فرق بينهم وبين الماسونية بل يأصلون لهدم الإسلام ) ولا يستبعد وجود ( الزنادقة والباطنية فيهم ) و( أخبث من الروافض ) !



المسألة السادسة





حديث ( خلق آدم على صورته ) والخوض فيه .



الموضع الأول : جواب ربيع المدخلي .

يقول السائل : ما معنى خلق آدم على صورته ؟

يقول ربيع المدخلي : " لا تسألوا عن هذا ، يا أهل الفتن أتركوا هذه الأشياء أنصحكم بالبعد عليها عن هذه الأشياء ، هذه فيها شيء من الخلاف بعض العلماء أتركوها أتركوها " .

قلت : وهذا مما قد يقبل التوجيه في ترك مباحث الخلاف الموجبة للفرقة عند المنتصرين لربيع ؛ بينما يؤيد الدكتور ربيع المدخلي - سدده الله - في نقضه علىى فصل - مما يتعلق بدعوتهم ! - من كتاب " الفتح الرباني في الرد على أخطاء دعوة الألباني " للحدادي عبد اللطيف باشميل ، رد الشيخ عبد الله الدرويش - رحمه الله - على الألباني في حديث الصورة ، فيقول في " إزهاق أباطيل عبد اللطيف باشميل " ( 13 - 14 ) : " نحن أهل المدينة نؤيد كل هؤلاء في كل ما أصابوا فيه من ردودهم على الشيخ الألباني .. بل نحن رددنا أكبر أخطاء الألباني كالاستعانة والبيعة وغيرها " .

الموضع الثاني : جواب الشيخ صالح الفوزان بعد إيراد هذا الكلام السابق عليه بكونه من الجزائر .

قال السائل : عندنا مدرس لما سأل عن حديث ( خلق آدم على صورة الرحمن ) قال : لا تسألوا عن هذا يا أهل الفتن ، أتركوا هذه الأشياء فإن فيها خلاف بين العلماء ؛ هل جوابه صحيح ؟

قال الشيخ صالح الفوزان : " لا ما هو بصحيح و الحديث على ظاهره ، حق على حقيقته نثبته كما جاء ولا نتدخل في الشكوك و الأوهام و أما كونه خالف فيه بعض العلماء و بعض الأئمة فهو مخالفة غير صحيحة قد رد عليها العلماء ومن أحدث من رد عليها أو بينها الشيخ حمود التويجري - رحمه الله - ( جواب أهل العلم و الإيمان عن حديث خلق آدم على صورة الرحمن ) وهو مطبوع و موجود نعم " .



المسألة السابعة





الإيمان أصل والعمل كمال



الموضع الأول : كلام الدكتور ربيع بن هادي المدخلي .

قال الدكتور ربيع المدخلي في مقالته " هل يجوز أن يرمى بالإرجاء من يقول : إن الإيمان أصل والعمل كمال فرع ؟! " : " واليوم نحن مع أصل من أصولهم الهدامة ألا وهو أن من يقول إن الإيمان أصل والعمل كمال فرع فهو مرجىء ! ، وبهذا الأصل الهدام يهدمون أهل السنة وعلمائهم ، وسوف أسوق مقالات لعدد من فحول أئمة السنة وعظمائهم يقولون فيها إن الإيمان أصل والعمل كمال أو تمام أو فرع أو فروع " .


قلت : سبق بيان إيراد هذا النوع من النماذج لا لموافقة ولا لمخالفة ما فيه ؛ وإنما سياقته من باب النظر في نوع توجيه غلاة التجريح من المداخلة لهذا الكلام حتى يظهر تطفيفهم في استعمال قواعدهم على موافقيهم أو مخالفيهم ؛ فاقتضى تكرار هذا - وذاك - التنبيه مجددا !

الموضع الثاني : كلام الشيخ صالح بن فوزان الفوزان .

قال السائل : : إنتشر عبر الأنترنت مقال يقول فيه صاحبه أن " كثير من العلماء يقول الإيمان أصل والعمل كمال" ؟

قال الشيخ صالح الفوزان : " هذا ما يدري إلي يقول الكلام هذا ما يدري ، هذا إمَّعَة يسمع من يقول هذا القول و يردده ، الإيمان قول و إعتقاد وعمل لا بد من الثلاثة قول باللسان و إعتقاد بالقلب و عمل بالجوارح لا بد من الثلاثة هذا ما درج عليه السلف الصالح و أئمة الهدى قديما و حديثا ، و اللي يبي يشغب و يجيب مسائل شاذة أو مسائل خلافية و يشوش بها على الناس هذا ما يلتفت إليه ".


والله الموفق لا رب سواه .


__________________

قال ابن الجوزي _ رحمه الله _ في " صيد الخاطر " ( 43 ) : " ورأيت أقواماً من المنتسبين إلى العلم أهملوا نظر الحق عز وجل إليهم في الخلوات فمحا محاسن ذكرهم في الجلوات فكانوا موجودين كالمعدومين ، لا حلاوة لرؤيتهم، ولا قلب يحن إلى لقائهم " .



وقال _ أيضا _ في " صيد الخاطر " ( 55 _ 56 ) : " إن للخلوة تأثيرات تبين في الجلوة، كم من مؤمن بالله عز وجل يحترمه عند الخلوات فيترك ما يشتهي حذراً من عقابه، أو رجاء لثوابه، أو إجلالاً له، فيكون بذلك الفعل كأنه طرح عوداً هندياً على مجمر فيفوح طيبه فيستنشقه الخلائق ولا يدرون أين هو،وعلى قدر المجاهدة في ترك ما يهوى تقوى محبته، أو على مقدار زيادة دفع ذلك المحبوب المتروك يزيد الطيب، ويتفاوت تفاوت العود ، فترى عيون الخلق تعظم هذا الشخص وألسنتهم تمدحه ولا يعرفون لم ،ولا يقدرون على وصفه لبعدهم عن حقيقة معرفته ،وقد تمتد هذه الأرابيح بعد الموت على قدرها، فمنهم من يذكر بالخير مدة مديدة ثم ينسى ،ومنهم من يذكر مائة سنة ثم يخفي ذكره وقبره ،ومنهم أعلام يبقى ذكرهم أبداً ، وعلى عكس هذا من هاب الخلق، ولم يحترم خلوته بالحق ،فإنه على قدر مبارزته بالذنوب وعلى مقادير تلك الذنوب، يفوح منه ريح الكراهة فتمقته القلوب ، فإن قل مقدار ما جنى قل ذكر الألسن له بالخير، وبقي مجرد تعظيمه ،وإن كثر كان قصارى الأمر سكوت الناس عنه لا يمدحونه ولا يذمونه " .