الاثنين، 9 سبتمبر 2024

الرد على طعن الشيخ ابن عثيمين في الامام البوصيري ووصف أبيات البردة بالشرك وأن من اعتقدها فهو كافر!

 الرد على طعن الشيخ ابن عثيمين في الامام البوصيري ووصف أبيات البردة بالشرك وأن من اعتقدها فهو كافر

=====





الرد على طعن الشيخ ابن عثيمين في الامام البوصيري ووصف أبيات البردة بالشرك وأن من اعتقدها فهو كافر

الإمام الشمس السفاريني، والشيخ ابن عثيمين، وأنا:
________
للإمام العلامة المتفنن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي، صاحب المنظومة العقدية الأثرية: (الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية)، وشرحها شرحا مطولا محررا، ملأه بالنقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، حتى كان النقل عنهما أكثر من نصف نقولات الكتاب!
وقد قرر فيها عقيدة السلف وعلى رأسهم الإمام أحمد، وصارت من أهم المراجع في الباب حتى عند النابتة، وشرحوها وكتبوا عليها.
وذكر في شرحه هذا: قسمة التوحيد إلى الألوهية والربوبية والأسماء والصفات.
= رواية للبردة، بسنده.
ومعلوم أن بردة البوصيري من أعظم ما يذمه النابتة ويكفرون به!
كما له كلام شديد جدا عن النابتة إبان ظهورهم، وطعن بالغ فيهم وفي رأسهم.
سبق نشره مرارا.
ويعرف من ذلك وغيره: حقيقة موقف الحنابلة من الأشاعرة والنابتة، وأي الفريقين أقرب إلى الحنابلة، وأهدى سبيلا وأقوم قيلا.
هذا: وللسفاريني أيضا استغاثات عديدة بالنبي ﷺ.
فمن ذلك:
ما في غذاء الألباب:
قال رحمه الله:
[إلَيْك أَشْكُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْ وَجَلِي] *** نَأَى شَبَابِي سُدًى وَاحْتَاطَ بِي أَجَلِي
نَأَى الشَّبَابُ وَجَاءَ الشَّيْبُ يُنْذِرُنِي *** بِأَنَّنِي رَاحِلٌ لِلْقَبْرِ وَاخَجَلِي
واخجلتي مِنْ مَقَامٍ لَسْت أنكره *** إذَا بَدَا لِي عَلَى رُوسِ الْمَلا زَلَلِي
[يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ خُذْ بِيَدِي] *** إنِّي أَتَيْتُ بِلا عِلْمٍ وَلا عَمَلِ
وكررها مع زيادات في كتابه البحور الزاخرة مصرحا بأنه [يستغيث] بالنبي ﷺ.
فقال:
ولقد كنت قلت في هذا المعنى [مستغيثا بالنبي ﷺ من هول ذلك وأشكو له]:
وساق الأبيات وفيها زيادات عما في غذاء الألباب منها:
حسبي افتقاري وذلي ثم مسكنتي *** وطول حزني وحبي سيد الرسل
محمد المصطفى المبعوث من مضر *** المرتضى سيد الآتين والأول
فهذا تكرار للاستغاثة مع سبق الإصرار والترصد،
وفي كتابه (البحور الزاخرة) مواضع فيها قصص من الاستغاثة بالنبي ﷺ نقلها السفاريني ولم ينكرها، فراجعها هناك.
هذا ما قاله الإمام السفاريني.
- - - - -
وأما ما قاله الشيخ ابن عثيمين: فقد سئل عن أبيات السفاريني، فاستنكر ذلك جدا واستغربه واستبعد صدوره منه!
وهذا يدلك على مدى الفجوة بينهم وبين التراث، ومعرفة ما عليه العلماء الذين يشرحون كتبهم، فضلا عن غيرهم!
فلما أكد له السائل أنه للسفاريني، قال الشيخ ابن عثيمين:
"هذا شرك في الربوبية والألوهية".
- - - - -
وأما ما قلته أنا:
لقد هزلت حتى بدا من هزالها *** كلاها وحتى سامها كل مفلس

=====
الدرس في أول تعليق
الشيخ محمد عبد الواحد الحنبلي 

الأحد، 8 سبتمبر 2024

*أدلة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف* من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة

 *أدلة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف*


أولا : من القرآن الكريم
[إن الفرح به صلى الله عليه وسلم مطلوب بأمر القرآن من قوله : { قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } [ يونس : 58 ]
فالله تعالى أمرنا أن نفرح بالرحمة ، والنبي صلى الله عليه وسلم أعظم رحمة ، قال تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }[الأنبياء (107)]ويؤيد هذا تفسير حبر الأمة وترجمان القرآن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الآية قال :
(فضل الله العلم ، ورحمته محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) اهـ فالفرح به صلى الله عليه وسلم مطلوب في كل وقت وفي كل نعمة ، وعند كل فضل ، ولكنه يتأكد في كل يوم اثنين وفي كل عام في شهر ربيع الأول لقوة المناسبة وملاحظة الوقت ، ومعلوم أنه لا يغفل عن المناسبة ويعرض عنها في وقتها إلا من لا بصيرة له .]
ثانيا : من السنة
1- [ إن أول الناس احتفالا بمولد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام هو الرسول الكريم نفسه صلى الله عليه وسلم . ويدل على هذا ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه في باب الصيام عن رواية سيدنا أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الاثنين فقال : ( ذلك يوم ولدت فيه وأنزل عليّ فيه ) فهذا الحديث يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين لأنه ولد فيه ونبئ فيه ويدل فعله صلى الله عليه وسلم على أنه ينبغي أن يُهتم بمثل هذا اليوم بفعل عبادة شكرا لله من صيام أو ما يستطيعه الفرد من أي عبادة وفعل لا يمنعه الشارع .] (9)
2- [الاحتفال بالمولد الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى صلى الله عليه وسلم وقد انتفع به الكافر . فقد روى الإمام البخاري تعليقا ونقله الحافظ ابن حجر في (الفتح) ورواه عبد الرزاق الصنعاني في (المصنف 7 / 478) والحافظ البيهقي في (الدلائل ) وابن كثير في (البداية والنهاية 1 / 224 ) وابن الديبع الشيباني في (حدائق الأنوار 1 / 134 ) والحافظ البغوي في شرح السنة (9 / 76 ) وابن هشام والسهيلي في (الروض الأنف 5 / 192 ) والعامري في ( بهجة المحافل 1 / 41) وغيرهم وهذه الرواية وإن كانت مرسلة إلا أنها مقبولة لأجل نقل البخاري لها واعتماد العلماء من الحفاظ ولكونها في المناقب والخصائص لا في الحلال والحرام .
وطلاب العلم يعرفون الفرق في الاستدلال بالحديث بين المناقب والأحكام .
روى الإمام البخاري تعليق أن سيدنا العباس رأى أخاه أبا لهب بعد موته في النوم فقال له ما حالك فقال في النار إلا أنه خفف عني كل ليلة اثنين وأسقى من بين إصبعي هاتين ماء فأشار إلى رأس إصبعيه وإن ذلك بإعتاق ثويبة عندما بشرتني بولادة النبي وبإرضاعها له .

وقد قال العلامة الحافظ شمس الدين بن الجزري في عرف التعريف بالمولد الشريف بعد ذكره قصة أبي لهب مع ثويبة :
فإذا كان هذا أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم فما حال المسلم الموحد من أمته عليه السلام ، يسر ويفرح بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم ؟ لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله العميم جنات النعيم . وعلق الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي على هذا الحديث حيث قال :
إذا كان هذا كافرا جاء ذمه وتبت يداه في الجحيم مخلدا
أتى أنه في يوم الاثنين دائما يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي طول عمره بأحمد مسرورا ومات موحدا
وحديث سيدنا العباس رؤيا حق وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل لرؤيا الحق اعتبارا خاصا في التشريع حيث شرع الآذان موافقة لرؤيا رآها أحد الصحابة في منامه .
وهذه الرؤيا كانت في زمن كله صحابة ، فلم نسمع بأحد منهم قال : إنها أضغاث أحلام بل يعتبر هذا إجماعا سكوتيا على كل ما فيها ، ولم ينكرها أحد منهم بعد وفاته وقد تداولها التابعون بالقبول والاستحسان ولم نسمع بأحد منهم اعترض عليها إلى يومنا هذا .
وأما من قال : إن الرائي والمخبر هو العباس في حال الكفر ، والكفار لا تسمع شهادتهم ولا تقبل أخبارهم ، فإن هذا قول مردود ، لا رائحة للعلم فيه ، وهو باطل ، ذلك لأنه لم يقل أحد إن الرؤيا من باب الشهادة مطلقا ، وإنما هي بشارة لا غير فلا يشترط فيها دين ولا إيمان ، بل ذكر الله تعالى في القرآن معجزة يوسف عليه السلام عن رؤيا ملك مصر وهو وثني لا يعرف دينا سماويا مطلقا ، ومع ذلك جعل الله تعالى رؤيته المنامية من دلائل نبوة يوسف عليه السلام وفضله وقرنها بقصته ولو كان ذلك لا يدل على شيء لما ذكرها الله تعالى لأنها رؤيا مشرك وثني لا فائدة فيها لا في التأييد ولا في الإنكار .
ولهذا ذكر العلماء أن الكافر يرى الله تعالى في المنام ويرى في ذلك ما فيه إنذار له وتوبيخ وتقريع .
والعجب كل العجب من قول قائل : إن العباس رأى ذلك في حال كفره والكفار لا تسمع شهادتهم ولا تقبل أخبارهم ، فإن هذا القول يدل على عدم المعرفة بعلم الحديث إذا المقرر في المصطلح أن الصحابي أو غيره إذا تحمل الحديث في حال كفره ثم روى ذلك بعد إسلامه ، أخذ ذلك عنه ، وعمل به ، وانظر أمثلة ذلك في كتب المصطلح لتعرف بعد صاحب هذا القول عن العلم ، وإنما الهوى هو الذي حمل المعترض على الدخول فيما لا يتقنه .] (10)
3 - روى الإمام مسلم في صحيحه ( 5 / 198 ) عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء] اهـ
وفي هذا الحديث الشريف نرى أن النبي r قد سمى بدعة الهدى سنة ووعد فاعلها أجرا ، ويظهر لنا أنه يسن للمسلم أن يأتي بسنة حسنة وإن لم يفعلها الرسول r من أجل زيادة الخير والأجر ومعنى سنّ سنة أي أنشأها باجتهاد واستنباط من قواعد الشرع أو عموم نصوصه ، وأي سنة أعظم من الاحتفال ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم.

ثالثا : من القياس
قال الإمام الحا فظ العلامة جلال الدين السيوطي : (11)
[وقد سئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل أحمد بن حجر-العسقلاني- عن عمل المولد فأجاب بما نصه :
أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة وإلا فلا .
قال : وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا هو يوم أغرق الله فيه فرعون نجى موسى فنحن نصومه شكرا لله تعالى فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم وعلى هذا فينبغي أن يتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر بل توسع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه ما فيه : فهذا ما يتعلق بأصل عمله.
وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال ما كان من ذلك مباحا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به وما كان حراما أو مكروها فيمنع وكذا ما كان خلاف الأولى انتهى.
قلت :
وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر وهو : ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته والعقيقة لا تعاد مرة ثانية فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريع لأمته كما كان يصلي على نفسه لذلك فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات .] انتهى كلام الإمام السيوطي .
أسماء بعض الأئمة الذين أفتوا بجواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
- الإمام الحافظ شيخ الإسلام "أحمد بن حجر العسقلاني" كما أورد ذلك الإمام السيوطي في "فتوى حسن المقصد" مذكورة في كتاب "الحاوي للفتاوى" )[1 / 181 :189 ].
- الإمام الحافظ "جلال الدين السيوطي" كما ورد في الفتوى المشار إليها سابقا .
- الإمام "عبد الله ابن الحاج" كما ذكر الإمام السيوطي في فتواه المشار إليها .
- الحافظ السخاوي نقل عنه الإمام "ملا علي القاري"في كتابه"المورد الروي "صـ307 أنه قال(بل خرج شيخ مشايخ الإسلام العلامة أبو الفضل ابن حجر-العسقلاني-الأستاذ المعتبر تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته فعل المولد على أصل ثابت يميل إلى الاستناد إليه كل همام........ الخ ) اهـ وقد سبق ذكر هذا الأصل .
- الإمام الحافظ "القسطلاني"في كتابه"المواهب اللدنية"ج1/ صـ148
- الإمام خاتمة المحدثين "الزرقاني" في شرحه على "المواهب اللدنية"
- الإمام الحافظ ابن شامة في كتابه [الباعث على إنكار البدع (1 / 23 ، 24 ) ] .
- الإمام شيخ الإسلام "ابن حجر الهيتمي المكي" في كتابه "الفتاوى الحديثية"صـ 202 حيث أجاز الاحتفال بالموالد التي تشتمل على خير كصدقة وذكر وصلاة وسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدحه وأن تخلو من الشرور ، آي أنه يقول بمشروعية الاحتفال وجوازه.

أسماء بعض الأئمة الذين لم يكتفوا بإجازتهم الاحتفال ولكن ألفوا موالد – أي نظما من الشعر أو النثر يروي هذه الذكرى العطرة
- الإمام الحافظ "ابن دحية " كما أورد الإمام السيوطي في فتوى حسن المقصد في عمل المولد .
- الإمام شيخ القراء "الحافظ شمس الدين الجزري"له مولد اسمه"عرف التعريف بالمولد الشريف" وذكره الإمام السيوطي في فتواه .
- الإمام الحافظ "ابن ناصر الدمشقي" له مولد اسمه"مورد الصادي في مولد الهادي"وقد ذكره الإمام السيوطي في الفتوى وانظر أيضا كتاب"كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون"صـ319 .
- العلامة المحدث الفقيه"ملا على القاري" له مولد اسمه "المولد الروي في المولد النبوي" طبع في مصر بمطبعة السعادة عام 1980مـ .
- الإمام الحافظ"أبى الفرج بن الجوزي"له مولد مشهور يسمى العروس طبع عدة مرات .
- الإمام الحافظ "العراقي"له مولد أسماه (المورد الهني في المولد السني) وقد ذكره ضمن مؤلفاته الحافظ ابن فهد في ذيله على "التذكرة" .
- الإمام الحافظ "السخاوي"صنف مولدا نبويا سماه"الفخر العلوي في المولد النبوي"ذكره في كتابه الضوء اللامع "ج8 صـ18 " .
- الإمام الحافظ "عبد الرءوف المناوي"له مؤلف في المولد مشهور مطبوع متداول "بمولد المناوي" انظر كتاب "البراهين الجلية"صـ36 .
أول من احتفل بالمولد النبوي الشريف احتفالا رسميا
[وأول من أحدث فعل ذلك صاحب أربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد وكان له آثار حسنة وهو الذي عمر الجامع المظفري بسفح قاسيون .
قال ابن كثير في تاريخه :
كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا وكان شهما شجاعا بطلا عاقلا عالما عادلا رحمه الله وأكرم مثواه، قال وقد صنف له الشيخ أبو الخطاب بن دحية مجلدا في المولد النبوي سماه (التنوير في مولد البشير النذير) فأجازه على ذلك بألف دينار، وقد طالت مدته في الملك إلى أن مات وهو محاصر للفرنج بمدينة عكا سنة ثلاثين وستمائة محمود السيرة والسريرة .
وقال سبط بن الجوزي في مرآة الزمان:
حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد أنه عد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس غنم شوي وعشرة آلاف دجاجة ومائة فرس ومائة ألف زبدية وثلاثين ألف صحن حلوى، قال وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم ويطلق لهم ويعمل للصوفية سماعا من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاث مائة ألف دينار وكانت له دار ضيافة للوافدين من أي جهة على أي صفة فكان يصرف على هذه الدار في كل سنة مائة ألف دينار وكان يستفك من الفرنج في كل سنة أسارى بمائتي ألف دينار وكان يصرف على الحرمين والمياه بدرب الحجاز في كل سنة ثلاثين ألف دينار هذا كله سوى صدقات السر، وحكت زوجته ربيعة خاتون بنت أيوب أخت الملك الناصر صلاح الدين أن قميصه كان من كرباس غليظ لا يساوي خمسة دراهم قالت : فعاتبته في ذلك فقال لبسي ثوبا بخمسة وأتصدق بالباقي خير من أن ألبس ثوبا مثمنا وأدع الفقير والمسكين .
وقال ابن خلكان في ترجمة الحافظ أبي الخطاب بن دحية :
كان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء قدم من المغرب فدخل الشام والعراق واجتاز بأربل سنة أربع وستمائة فوجد ملكها المعظم مظفر الدين بن زين الدين يعتني بالمولد النبوي فعمل له كتاب التنوير في مولد البشير النذير وقرأه عليه بنفسه فأجازه بألف دينار قال وقد سمعناه على السلطان في ستة مجالس في سنة خمس وعشرين وستمائة انتهى.] (12)
- وقال الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء) (22/صـ335، 336 ) عن الملك المظفر أبي سعيد كوكبري :
[ثم اتصل بخدمة السلطان صلاح الدين، وغزا معه، وتمكن منه، وأحبه، وزاده الرها، وزوجه بأخته ربيعة واقفة الصاحبية، وأبان مظفر الدين عن شجاعة يوم حطين، وبين، فوفد أخوه صاحب إربل على صلاح الدين نجدة فتمرض ومات على عكا فأعطى السلطان مظفر الدين إربل وشهرزور، واسترد منه حران والرها.
وكان محبا للصدقة، له كل يوم قناطير خبز يفرقها، ويكسو في العام خلقا ويعطيهم دينارا ودينارين، وبنى أربع خوانك للزمنى، والأضراء، وكان يأتيهم كل اثنين وخميس ويسأل كل واحد عن حاله ويتفقده ويباسطه ويمزح معه.
وبنى دارا للنساء، ودارا للأيتام، ودارا للقطاء، ورتب بها المراضع.
وكان يدور على مرضى البيمارستان، وله دار مضيف ينزلها كل وارد، ويعطى كل ما ينبغي له.
وبنى مدرسة للشافعية والحنفية وكان يمد بها السماط، ويحضر السماع كثيرا، لم يكن له لذة في شئ غيره.وكان يمنع من دخول منكر بلده، وبنى للصوفية رباطين، وكان ينزل إليهم لأجل السماعات.
وكان في السنة يفتك أسرى بجملة ويخرج سبيلا للحج، ويبعث للمجاورين بخمسة آلاف دينار، وأجرى الماء إلى عرفات.
وأما احتفاله بالمولد فيقصر التعبير عنه، كان الخلق يقصدونه من العراق والجزيرة وتنصب قباب خشب له ولأمرائه وتزين، وفيها جوق المغاني واللعب، وينزل كل يوم العصر فيقف على كل قبة ويتفرج، ويعمل ذلك أياما، ويخرج من البقر والإبل والغنم شيئا كثيرا فتنحر وتطبخ الألوان، ويعمل عدة خلع للصوفية، ويتكلم الوعاظ في الميدان، فينفق أمولا جزيلة.
وقد جمع له ابن دحية " كتاب المولد " فأعطاه ألف دينار. وكان متواضعا، خيرا، سنيا، يحب الفقهاء والمحدثين] اهـ
- وقال الإمام الحافظ أبو شامة في كتابه [الباعث على إنكار البدع (1 / 23 ،24 ) :
[ومن أحسن ما ابتدع في زماننا من هذا القبيل ما كان يفعل بمدينة أربل جبرها الله تعالى كل عام في اليوم الموافق ليوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء مشعر بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وجلالته في قلب فاعله وشكرا لله تعالى على ما منّ به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم وعلى جميع المرسلين ، وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين وبه اقتدى في ذلك صاحب أربل وغيره رحمهم الله تعالى ]اهـ (13)
شبهات مردودة
فإن قال قا ئل :
بأن هذا الاحتفال بهذه الطريقة بدعة ، لم يرد فعله بهذه الكيفية عن النبي صلى الله عليه وسلم أو صحا بته أو عن أحد من السلف .
قلنا له :
إنك بقولك هذا قد بدعت أئمة أعلاما وعلماءا أجلاء قد سبق النقل عنهم بجواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ، كالإمام الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني والإمام الحافظ جلال الدين السيوطي والإمام السخاوي والإمام ابن دحية والإمام ابن الجزري والإمام ابن حجر الهيتمي وغيرهم كثير قد سبق النقل عنهم .
فهل أنت يا هذا أعلم من هؤلاء بعلوم القرآن والسنة ؟!
وهل أنت يا هذا أقدر من هؤلاء على الاستنباط والأخذ من علوم الشريعة الغراء ؟!
وهل أنت يا هذا تعرف حدود البدعة والسنة ويجهلها أمثال هؤلاء الأئمة الأعلام ؟!
فلا والله يا مدعي العلم ما تبلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه ، وليس لك ولأمثالك ممن يقول بقولك هذا من الحق نصيب .
فاكفف لسانك يا مسكين عن أمثال هؤلاء ، فما بينك وبينهم إلا كما بين الثرى والثريا ، فاعرف قدر نفسك تسلم .
فإن تماديت في غيك وسولت لك أمارتك بالسوء أن تردد بلا حياء أو إدراك مقولة : [كل يؤخذ منه ويرد ] ، فما لك عندنا بعد الحوقلة والاسترجاع إلا قولنا لك :
وهل تنتظر من جماهير الأمة أن تأخذ بقولك أنت وأمثالك وترد أقوال هؤلاء الأعلام ؟!
وإذا لم يجز في زعمكم متابعة الأئمة الأثبات الأعلام كالسيوطي والعسقلاني والهيتمي وغيرهم فمن إذا يتابع من بعدهم وهم أئمة الدين وعلماء المسلمين والأنجم الساطعة للمذاهب الأربعة التي ارتضتها الأمة على مدى تاريخها الطويل ؟!
فإن لم تشتفي يا مدعي العلم من هذه الكلمات ، وتعاميت عما سبق سوقه من أدلة من القرآن والسنة وقياس الأئمة الأعلام وما استخرجوه من أصول لجواز الاحتفال ، قلنا لك تنزلا :
قولك ببدعية الاحتفال [كلام غير مسلم لأن البدعة لم تنحصر في الحرام والمكروه بل قد تكون أيضا مباحة ومندوبة وواجبة .
قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات :
البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة .
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في القواعد :
البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة قال والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإذا دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة أو في قواعد التحريم فهي محرمة أو الندب فمندوبة أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة، وذكر لكل قسم من هذه الخمسة أمثلة إلى أن قال وللبدع المندوبة أمثلة:
منها إحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول ومنها التراويح والكلام في دقائق التصوف وفي الجدل، ومنها جمع المحافل للاستدلال في المسائل إن قصد بذلك وجه الله تعالى .
وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشا فعي عن الشا فعي قال :
المحدثات من الأمور ضربان :
أحدهما : ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة .
والثاني : ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان (( نعمت البدعة هذه )) يعني أنها محدثة لم تكن وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى : هذا آخر كلام الشافعي .
فبطل بذلك قول القائل ببدعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف لأن هذا القسم مما أحدث وليس فيه مخالفة لكتاب ولا سنة ولا أثر ولا إجماع فهي غير مذمومة كما في عبارة الشافعي وهو من الإحسان الذي لم يعهد في العصر الأول فان إطعام الطعام الخالي عن اقتراف الآثام إحسان فهو من البدع المندوبة كما في عبارة ابن عبد السلام .]اهـ (14)
ولا يفوتنا في نهاية الرد على هذه الشبهة أن نذكر بأنه بفرض عدم ورود الاحتفال بالمولد النبوي الشريف عن أحد من السلف بهذه الكيفية فإن هذا الترك لا يدل على التحريم كما هو مقرر في علم الأصول .
[فقد روي في الصحيحين عن خالد بن الوليد أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ فأهوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فقيل هو ضب يا رسول الله فرفع يده فقلت : أحرام هو يا رسول الله ؟ فقال لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه قال خالد فاجتررته فأكلته والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر "
ففي الحديث دليل للقاعدة الأصولية " أن ترك الشيء لا يقتضي تحريمه " قد يقال : سؤال خالد يدل على خلاف القاعدة وهو أن الترك يقتضي التحريم وقد استدل به بعضهم لذلك قال في جوابه "لما رأى خالد إعراض النبي صلى الله عليه وسلم عن الضب بعدما أهوى ليأكل منه حصل عنده شبهة في تحريمه فلذلك سأل وكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم له مؤيدا للقاعدة ومؤكدا لعمومها في أن ترك الشيء ولو بعد الإقبال عليه لا يفيد تحريمه ]اهـ (15)
- فإن قال قائل :
قد يحدث في بعض التجمعات للاحتفال بالمولد بعض المخالفات الشرعية من اختلاط أو رفع النساء لأصواتهن بالذكر والإنشاد أو ما شا به ، فيترتب على ذلك مفاسد توجب التحريم لمثل هذه الاحتفالات
قلنا له :
[ما سبق هو كلام صحيح في نفسه غير أن التحريم فيه إنما جاء من قبل هذه الأشياء المحرمة التي ضمت إليه لا من حيث الاجتماع لا ظهار شعار المولد بل لو وقع مثل هذه الأمور في الاجتماع لصلاة الجمعة مثلا لكانت قبيحة شنيعة و لا يلزم من ذلك ذم أصل الاجتماع لصلاة الجمعة كما هو واضح وقد رأينا بعض هذه الأمور يقع في ليالي من رمضان عند اجتماع الناس لصلاة التراويح فهل يتصور ذم الاجتماع لأجل هذه الأمور التي قرنت بها كلا بل نقول أصل الاجتماع لصلاة التراويح سنة وقربة وما ضم إليها من هذه الأمور قبيح شنيع وكذلك نقول أصل الاجتماع لإظهار شعار المولد مندوب وقربة وما ضم إليه من هذه الأمور مذموم وممنوع .] اهـ (16)
- فإن قال قائل :
أن الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر الذي توفي فيه فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه.
نقول له :
[ أولا : أن ولادته صلى الله عليه وسلم أعظم النعم علينا ووفاته أعظم المصائب لنا والشريعة حثت على إظهار شكر النعم والصبر والسلوان والكتم عند المصائب , وقد أمر الشرع بالعقيقة عند الولادة وهي إظهار شكر وفرح بالمولود , و لم يأمر عند الموت بذبح ولا غيره بل نهى عن النياحة وإظهار الجزع , فدلت قواعد الشريعة على أنه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته صلى الله عليه وسلم دون إظهار الحزن فيه بوفاته .
وقد قال ابن رجب في كتاب [اللطائف] في ذم الرافضة حيث اتخذوا يوم عاشوراء مأتما لأجل قتل الحسين : لم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما فكيف ممن هو دونهم ؟ ] اهـ (17)
من عجائب الوهابية (18)
- العجيبة الأولى
الوهابية والإمام الفاكهاني .
المطالع لما يتوكأ عليه المعترضون والمنكرون لجواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يجد أنهم لايستندون في فريتهم هذه على أي نقل لعالم معتبر اللهم فتوى الشيخ "الفاكهاني"التي شذ بها عن السواد الأعظم من علماء الأمة وهذا هو دأب الباطل دائما يتصيد زلات العلماء . وتدعيما لأكاذيبهم وتزيينا لباطلهم استدلوا بفتوى للإمام الفاكهاني من متأخري المالكية قال فيها بعدم جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ,وذلك حتى يخففوا من حدة باطلهم وليوهموا أتباعهم أن لهم سندا وتأصيلا علميا مستمدا من التراث الفقهي للأمة .
ولكن الإمام السيوطي في فتوى [حسن المقصد في عمل المولد] - والتي سبق الإشارة إليها كثيرا بين ثنايا هذه الرسالة - قد عرض للحكم الشرعي للاحتفال بالمولد النبوي الشريف وقرر أن هذا أمر جائز شرعا وقد رد فيها رحمه الله بثاقب علمه وغزير فضله علي فتوى الإمام الفاكهاني .
فماذا فعل الوهابية ؟
بالطبع لم يضيعوا الفرصة فها هي زلة لإمام كبير تنادي عليهم لينتشلوها ويعضدوا بها باطلهم , فقاموا بجمع أجزاء فتوى الإمام الفاكهاني من بين ثنايا فتوى " حسن المقصد " وطبعوها مستقلة بدون رد الإمام السيوطي عليها , وبالطبع لم ينسوا أن يقدموا رأيهم الشاذ معها , ثم بعد ذلك أتبعوا المجموع – الزلة ورأيهم الشاذ الباطل – بالجمل الرنانة الطنانة – مثل : هذا لم يجري عليه عمل السلف , باطل ... الخ – وقدموا كعادتهم هذا الهراء على أنه هو الحكم الشرعي الوحيد والصحيح لهذه المسألة .
فياترى من هو الإمام الفاكهاني ؟ وهل هو وفق أبجديات الفكر الوهابي ممن يؤخذ عنه ويعتمد عليه في الإفتاء ويعتد بأقواله ؟.
ولمن لا يعرف الإمام الفاكهاني وللإجابة عن هذه الأسئلة نقول : اقرأ معنا بعض ما ذكره عنه الإمام ابن فرحون المالكي في كتابه [ الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب ] والمعروف أيضا باسم طبقات المالكية .
يقول الإمام إبن فرحون الما لكي عن الإمام الفا كها ني في هذا الكتاب [ صـ 184 ] :
[ وله شرح العمدة في الحديث لم يسبق إلى مثله لكثرة فائدته وشرح الأربعين للنووي وسماه المنهج المبين في شرح الأربعين وله الإشارات في العربية وشرحها و"التحفة المختارة في الرد على منكر الزيارة "وكتاب الفجر المنير في الصلاة على البشير النذير.
وفال في ذات الصفحة عن "الشيخ الفاكهاني"( وأخبرني جمال الدين: عبد الله بن محمد بن علي بن أحمد بن حديدة الأنصاري المحدث أحد الصوفية بخانقاه سعيد السعداء في سنة ثمان وسبعين وسبعمائة قال: رحلنا مع شيخنا تاج الدين الفاكهاني إلى دمشق فقصد زيارة نعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بدار الحديث الأشرفية بدمشق وكنت معه فلما رأى النعل المكرمة حسر عن رأسه وجعل يقبله ويمرغ وجهه عليه ودموعه تسيل وأنشد:
فلو قيل للمجنون: ليلى ووصلها تريد أم الدنيا وما في طواياها ؟
لقال: غبار من تراب نعالـهـا أحب إلى نفسي وأشفى لبلواها. ] اهـ
يتضح لنا من الأسطر القليلة السابقة ما يلي:
1-أن الشيخ الفاكهاني يجيز زيارة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشد الرحال لها وله كتاب في الرد على المنكرين لها – ابن تيمية ومن لف لفه - .
2- أن له كتابا في الصلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
3- أنه كان صوفيا وكان شيخا للمتصوفة بخانقاه (سعيد السعداء) .
4- كان يقصد زيارة نعل النبي صلى الله عليه وسلم ويتبرك به .
هذا هو الإمام الفاكهاني الذي يحتج به المعترضون , وبعدها من حقنا أن نسأل المتكثرين بزلة الإمام الفاكهاني عن الآتي :
- هل تستشهدون بمن يجيز زيارة النبي صلى الله عليه وسلم وشد الرحال لها ويرد على منكريها وبمن يتبرك بآثار الأنبياء والصالحين وبمن هو من الصوفية ومن شيوخ الخنقاوات والتكايا الصوفية , وبمن يؤلفون كتبا في الصلاة على النبيr " كدلائل الخيرات" .
سيقولون بالطبع : " كل يؤخذ منه ويرد" نقول لهم صدقتم ولكن من يفعل ما سبق ذكره عن الشيخ الفاكهاني هو عندكم مبتدع كافر زنديق قبوري فهل تأخذون منه ؟!!!!
بالطبع هم سيأخذون منه زلته فقط , أما باقي ما اتفق وسار فيه مع الأمة فلا .
أنظر أخي القارئ وتمعن في المكيافلية(19) في أنقى صورها , فها هي الغاية لدى الوهابية تبرر الوسيلة .
- يأخذون زلة إمام ويتركون أقوال أكثر من عشرين آخرين .
- وياليتهم قالوا أن المسألة فيها قولين , ولكنهم يعرضون شذوذهم وزلة العالم على أن هذا هو الحق , - بالقطع لن يجرؤا على عرض المسألة والقول بوجود رأيين بها فكيف يستقيم أن تأخذ بزلة عالم مردود عليها وتدع أقوال عشرين من أئمة المسلمين - والمصيبة أنهم يتمادون في الضلال ويبدعون الناس بزلة عالم .
- يكفرون الصوفية والمتوسلين والمتبركين وزائري المصطفى المعصوم عليه الصلاة والسلام , ثم يتكثرون بهم بعدها .
ولم لا طالما أن هذا سيخدم باطلهم .
حقا إنها الوقاحة والاستخفاف بالعقول في أبشع صورة .
- العجيبة الثانية
حكومة الدولة الراعية لهذه الحركة والتي يتولى أئمتها كبر الإنكار والتبديع للمحتفلين بمولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد احتفلوا بعيد ميلاد" كوندوليزا رايس" وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة !!!!!!!
فقد نقلت صحيفة [البيان الإماراتية] في العدد الصادر بتاريخ14-11-2005 هذا النبأ :الفيصل يفاجئ رايس بكعكة عيد ميلادها الـ 51
[في ختام مداولات الحوار الاستراتيجي الأميركي ـ السعودي في جدة أمس فاجأ وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل نظيرته الأميركية كوندوليزا رايس بكعكة عيد ميلادها الـ 51 الذي يصادف اليوم الاثنين فبعدما تطرَّق الفيصل ورايس إلى التعاون المشترك بين بلديهما في ما يخص قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب والمواضيع الاقتصادية والسياسية الثنائية، وقبل اختتام المؤتمر الصحافي المشترك قال الوزير السعودي إنه لا يزال هناك موضوع آخر للمناقشة وعلى الفور تم إدخال كعكة كُتب عليها "عيد ميلاد سعيد لكوندي" في إشارة إلى كوندوليزا رايس. وزُيِّنت الكعكة بالعلمين السعودي والأميركي. وأعرب الفيصل عن تمنياته لرايس بـ "عيد ميلاد سعيد جداً" وهو ما شكرته عليه.] انتهى
فما هو موقف السادة الأفاضل مدعى العلم في هذه الدولة من يفتون المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بأن الاحتفال بمولد الحبيب المصطفى صلوات ربى وسلامه عليه بدعة فما موقفهم من هذا التصرف؟
وهل قالوا لحكامهم بأن هذا بدعة ؟
وماذا فعلوا تجاه هذا الموقف !!!!!!
وما هو موقف أذنابهم في مشارق الأرض ومغاربها من يرددون كالببغاوات ما يلقى لهم من هؤلاء الأدعياء بلا أدنى وعي أو روية ؟!
من يعرف الإجابة يتفضل بإعلانها ولا نملك إلا أن نقول : حسبنا الله ونعم الوكيل.
انتبه يا أخي
انتبه يا أخي :
المولد سنة حسنة ولا يقال عنه لو كان خيرا لدل الرسول أمته عليه : فجمع المُصحف ونقطه وتشكيله عمل خير مع أنه صلى الله عليه وسلم ما نص عليه ولا عَمِلَهُ. فهُؤلاء الذين يمنعون عمل المولد بدعوى أنه لو كان خيرا لدَلَّنا الرسول عليه وهم أنفسهم يشتغلون في تشكيل المصحف وتنقيطه يقعون في أحد أمرين: فإما أن يقولوا إن نقط المصحف وتشكيله ليس عمل خير لأن الرسول ما فعله ولم يدل الأمة عليه ومع ذلك فنحن نعمله ، وإما أن يقولوا إن نقط المصحف وتشكيله عمل خير لم يفعله الرسول ولم يدل الأمة عليه لذلك نحن نعمله . وفي كلا الحالين ناقضوا أنفسهم .
انتبه يا أخي :
المولد سنة حسنة وليس داخلا تحت نهي منه صلى الله عليه وسلم بقوله " مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هَذَا ما لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌ " لأنه صلى الله عليه وسلم أَفْهَمَ بقوله " ما لَيْسَ مِنْهُ " أن الْمُحْدَثَ إنما يكون ردًّا أيْ مَرْدُودًا إذا كان على خلاف الشريعة ، وأن الْمُحْدَثَ الموافق للشريعة ليس مردودا .
فالرسول لم يقل مَنْ أَحْدَثَ في أمْرِنا هَذا فَهُوَ رَدٌّ بل قيدها بقوله : "ما لَيْسَ مِنْهُ" ليبين لنا أن المحدث إن كان منه ( أي موافقا للشرع ) فهو مشروع ، وإن لم يكن منه ( أي لم يكن موافقا للشرع ) فهو ممنوع .ولما كان عمل المولد أمرا مشروعا بالدليل النقلي من قرآن وسنة ثبت أنه ليس بمردود .
انتبه يا أخي :
المولد سنة حسنة وليس فيه قدح لصحابته صلى الله عليه وسلم بزعم أن فيه إشارة إلى أننا نحبه أكثر منهم: فالرسول صلى الله عليه وسلم ما جمع القرآن في كتاب واحد بل سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه هو الذي جمعه وسماه المصحف، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة رضي الله عنهم بحجة أن فعله هذا يشير إلى أنه يحب القرآن أكثر من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم أليس العلماء قالوا [المزية لا تقتضي التفضيل ]، فإن كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه جمع القرآن والرسول لم يجمعه في كتاب واحد على هيئته اليوم فهذا لا يعني أنه أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه جمع الناس في صلاة التراويح على إمام واحد وسيدنا أبو بكر لم يفعله فهذا لا يعني أنه أفضل من سيدنا أبي بكر رضي الله عنهما .
كذلك عمل المولد إن نحن عملناه لكن الصحابة رضي الله عنهم ما عملوه فمجرد هذا لا يعني أننا أفضل منهم ولا أننا نحبه r أكثر منهم .
وصل اللهم وسلم على سيدنا ومولانا محمد خير من صام وقام وركع وسجد .والله ولي التوفيق وعليه فليتوكل المؤمنون ،والحمد لله رب العالمين .
الهوامش
(1)- الجمعة : 3.
(2) - أخرجه البخاري في صحيحه، ج1 ص14، ومسلم في صحيحه ، ج1 ص 76.
(3) - أخرجه البخاري في صحيحه، ج1 ص14.
(4) - التوبة:24.
(5) - أخرجه البخاري في صحيحه، ج6 ص 2445.
(6) - البيان لما يشغل الأذهان لفضيلة الإمام العلامة الأستاذ الدكتور عليّ جمعة مفتي الديار المصرية ( 1 / 164 ، 165 ) .
(7) - لتعلم يا أخي رزقني الله وإياك التوفيق أن الأدلة على جواز الاحتفال متوافرة من الكتاب والسنة والقياس عليهما ، ولكن اكتفينا بإيراد ما يفي بالغرض منها دون استقصائها كاملة طلبا للإيجاز والاختصار إذ هو المقصود من هذه الرسالة .
(😎 - انظر النجوم الزاهرة في جواز الاحتفال بمولد سيد الدنيا والآخرة لفضيلة الشيخ أحمد عبد الباقي ( 48 ، 49 ) .
(9) - المرجع السابق ( 40 ، 41 ) .
(10) - المرجع السابق ( 43 – 47 ) .
(11) - كتاب الحاوي للفتاوي ، فتوى حسن المقصد في عمل المولد ( 1 / 188 ) .
(12) - المرجع السابق ( 1 / 181 ، 182 ) .
(13)- نقلا عن كتاب ليلة النصف من شعبان لفضيلة العلامة السيد الشريف الأستاذ الدكتور محمود السيد صبيح ( صـ 109 ) .
(14) -انظر الحاوي للفتاوي ، فتوى حسن المقصد في عمل المولد ( 1 / 184 ، 185 ).
(15)- من كتاب " إتقان الصنعة " للحافظ أبى الفضل عبد الله الصديق الغماري ( صـ 9) .
(16) - انظر الحاوي للفتاوي ، فتوى حسن المقصد في عمل المولد ( 1 / 185 ) .
(17) - المرجع السابق ( 1 / 185 ) .
(18) - الوهابية فرقة ضالة تنسب لمحمد بن عبد الوهاب النجدي الذي ظهر في القرن الثاني عشر الهجري بأرض نجد ، وقد قامت دعوته على تكفير المسلمين واستباحة دمائهم وأعراضهم وأموالهم ، وكانت الدعامة الأساسية لدعوته هو زعمه بردة الأمة وكفرها وعبادتها للأولياء والصالحين ، وقد قام عليه أئمة المسلمين في عصره وحذروا منه وأظهروا بدعته ، وكان على رأسهم الشيخ سليمان بن عبد الوهاب شقيق محمد بن عبد الوهاب المذكور ، إذ أنه كان من أكبر المحذرين من ضلالات أخيه وكان له عليه الرد الذي اشتهر باسم : الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية .
ولما انتشر شرر هذه الدعوة الضالة وطال أرض الحرمين الشريفين وفعل أتباعها بالمسلمين في تلك البلاد الأفاعيل من قتل ونهب وسلب واستباحة للأعراض توالت الوقائع بين أتباع محمد بن عبد الوهاب من بعده وبين قوات الخلافة العثمانية إلى أن نجح محمد علي باشا والي مصر من قبل الخلافة العثمانية في القضاء عليهم وتدمير عاصمتهم الدرعية .
ثم وجد هذا الفكر الضال من أحياه مجددا في بدايات القرن الماضي وكان من أهم عوامل سقوط الخلافة العثمانية وهزيمتها في الشام في الحرب العالمية الأولى ومن ثم سقوط القدس في أيدي الإنجليز .
ومع توالي الفتن والمحن التي تعصف بالأمة ، ومع رفع العلم بقبض العلماء ، ومع الطفرة البترولية وما نتج عنها من توفير موارد مادية هائلة لأبناء هذه الحركة ، أخذ هذا الفكر الضال يبلور نفسه ويظهر للأمة في ثوب جديد ناصع براق تحت ستار الدعوة إلى مذهب السلف ، وتسمى أتباعه بالسلفيين إمعانا في الكذب وتضليل المسلمين ، ونفقت هذه السلعة الجديدة في سوق الجهل والتخبط ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وهذا الفكر على التحقيق ما هو إلا مذهب الخوارج ، والسلف منه ومن القائمين على نشره براء .
ولله در الإمام العلامة إبن عابدين الحنفي حيث قال عنهم في كتابه [رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار] ( 4 / 262 ) : [مطلب في أتباع محمد بن عبد الوهاب الخوارج في زماننا : كما وقع في زماننا في أتباع ابن عبد الوهاب الذين خرجوا من نجد وتغلبوا على الحرمين وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة لكنهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون وأن من خالف اعتقادهم مشركون واستباحوا بذلك قتل أهل السنة وقتل علمائهم حتى كسر الله شوكتهم وخرب بلادهم وظفر بهم عساكر المسلمين عام ثلاث وثلاثين ومائتين وألف .] اهـ
وحسبك أنك تجد أئمة هذا الفكر الضال هم من يتولون كبر الإنكار على المحتفلين بمولد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهم القائمين بتبديعهم ورميهم بالضلال ، لذا قد توجب الإشارة إليهم والتحذير منهم على إيجاز يكون تفصيله إن شاء الله في أحد أعداد سلسلة [حقائق ] ، نخصصه في بيان حقيقة هذه الفرقة الضالة .
ولمزيد من المعلومات عن هذه الفرقة الضالة أنظر :
[الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية] للشيخ سليمان بن عبد الوهاب.
[الدرر السنية في الرد على الوهابية] للإمام العلامة أحمد بن زيني دحلان مفتي الشافعية بمكة المكرمة.
[النقول الشرعية في الرد على الوهابية] للشيخ مصطفى بن أحمد بن حسن الشطي الحنبلي .
[سعادة الدارين في الرد على الفرقتين الوهابية ومقلدة الظاهرية] للإمام إبراهيم المنصوري السمنودي .
[صدق الخبر في خوارج القرن الثاني عشر] للسيد الشريف عبد الله حسن فضل الحسيني .
[الفجر الصادق] للعلامة جميل صدقي الزهاوي .
(19) - هي نسبة لميكيافللي صاحب مقولة الغاية تبرر الوسيلة .
المراجع
- البيان لما يشغل الأذهان - فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية
المقطم للنشر والتوزيع – القاهرة – 1426 هـ - 2005 م
- الحاوي للفتاوي – للإمام العلامة جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي
دار الكتب العلمية – بيروت – الطبعة الأولى- 1421هـ - 2000م
- المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج – للإمام الحافظ يحيى بن شرف النووي
دار البيان العربي – القاهرة – 2006 م
- النجوم الزاهرة في جواز الاحتفال بمولد سيد الدنيا والآخرة - الشيخ أحمد عبد الباقي
دار جوامع الكلم – القاهرة – الطبعة الأولى – 1425 هـ - 2004 م
- البدعة الحسنة أصل من أصول التشريع – دكتور عيسى بن عبد الله بن محمد بن مانع
دار قرطبة – بيروت – الطبعة الأولى – 1422 هـ - 2001 م
- ليلة النصف من شعبان – السيد الشريف الأستاذ الدكتور محمود السيد صبيح .
دار الركن والمقام – القاهرة – الطبعة الأول – 1430هـ - 2009م
- إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة – للحافظ أبي الفضل عبد الله الصديق الغماري
مكتبة القاهرة – القاهرة – 1997 م
- الفتاوى الحديثية – للإمام الحافظ أحمد بن حجر الهيتمي
دار إحياء التراث العربي – بيروت

السبت، 7 سبتمبر 2024

المؤيدون من العلماء القدامى والمتأخرين بالاحتفال النبوي الشريف

 


المؤيدون من العلماء القدامى والمتأخرين بالاحتفال النبوي الشريف

من البدع الحسنة الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا العمل لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا فيما يليه، إنما أحدث في أوائل القرن السابع للهجرة، وأول من أحدثه ملك إربل وكان عالمًا تقيًّا شجاعًا يقال له المظفر.

فاستحسن ذلك العمل العلماء في مشارق الأرض ومغاربها، منهم الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني، وتلميذه الحافظ السخاوي، وكذلك الحافظ السيوطي وغيرهم.

الدَّليلُ مِنَ السُّنةِ الْمُطَهَّرَةِ على البِدْعَةِ الْحَسَنَةِ: قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم "مَنْ سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِها بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنقُصَ مِنْ أُجورِهِم شىْءٌ، وَمَنْ سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً سَيِّئةً كانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِن بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِم شىْءٌ"، رواهُ مُسْلِمٌ في صَحيحِهِ مِنْ حَديثِ جَريرِ بنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ رَضيَ اللهُ عَنْهُ. فأفْهَمَ هَذا الْحَديثُ أنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم هُوَ الَّذي عَلَّمَ أُمَّتَهُ أنَّ البِدْعَةَ على ضَرْبَيْنِ: بدعَةُ ضَلالةٍ: وَهِيَ الْمُحْدَثَةُ الْمُخَالِفَةُ لِلْقُرءانِ والسُّنَّةِ. وَبِدْعَةُ هُدًى: وَهِيَ الْمُحْدَثَةُ الْمُوافِقَةُ لِلْقُرءانِ والسُّنَّةِ. فإنْ قيلَ: هَذا مَعْناهُ مَنْ سَنَّ في حياةِ رَسُولِ اللهِ أمَّا بَعْدَ وَفاتِهِ فلا، فالْجوابُ أنْ يُقالَ "لا تَثْبُتُ الْخُصُوصِيَّةُ إلا بِدَلِيلٍ" وَهُنا الدَّليلُ يُعْطِي خِلافَ ما يَدَّعونَ حَيْثُ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال "مَنْ سَنَّ في الإسلام" وَلَمْ يَقُلْ مَنْ سَنَّ في حياتِي ولا قالَ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أنا عَمِلْتُهُ فأحْياهُ، وَلَمْ يَكُنْ الإسلامُ مَقْصورًا على الزَّمَنِ الَّذي كانَ فيهِ رسولُ الله، فَبَطَلَ زَعْمُهُم. فإِنْ قالُوا: الْحَديثُ سَبَبُهُ أنَّ أُناسًا فُقَراءَ شديدي الفَقْرِ يَلْبَسُونَ النِّمارَ_نوع من الثّياب_ جاؤوا فَتَمَعَّرَ_أى تغيّر_ وَجْهُ رسولِ اللهِ لِما رأى مِنْ بُؤسِهِم فَتَصَدَّق النَّاسُ حَتَّى جَمَعُوا لَهُم شيئًا كثيرًا فَتَهَلَّلَ وَجْهُ رسولِ اللهِ فقالَ "مَنْ سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِها"، فالْجَوَابُ أَنْ يُقالَ: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَمَا ذَكَرَ عُلَمَاءُ الأُصُولِ.

القدامى من العلماء :
السيوطي، حيث قال: "عندي أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف".

ابن الجوزي، حيث قال عن المولد النبوي: "من خواصه أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام".

ابن حجر العسقلاني، حيث قال الحافظ السيوطي: "وقد سئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل ابن حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصه: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كانت بدعة حسنة، وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين ، فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة.. إلى أن قال : وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي.. نبي الرحمة في ذلك اليوم، فهذا ما يتعلق بأصل عمله، وأما ما يعمل فيه: فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة".



السخاوي، حيث قال عن المولد النبوي: "لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة, وإنما حدث بعدُ, ثم لا زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم".

ابن الحاج المالكي، حيث قال: "فكان يجب أن نزداد يوم الثاني عشر في ربيع الأول من العبادات والخير شكرا للمولى على ما أولانا من هذه النعم العظيمة وأعظمها ميلاد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم". وقال أيضا: "ومن تعظيمه صلى الله عليه وآله وسلم الفرح بليلة ولادته وقراءة المولد".

ابن عابدين، حيث قال: "اعلم أن من البدع المحمودة عمل المولد الشريف من الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وآله وسلم". وقال أيضا: "فالاجتماع لسماع قصة صاحب المعجزات عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات من اعظم القربات لما يشتمل عليه من المعجزات وكثرة الصلوات".

الحافظ عبد الرحيم العراقي، حيث قال: "إن اتخاذ الوليمة وإطعام الطعام مستحب في كل وقت فكيف إذا انضم إلى ذلك الفرح والسرور بظهورنور رسول الله في هذا الشهر الشريف ولا يلزم من كونه بدعة كونه مكروها فكم من بدعة مستحبة قد تكون واجبة".

الحافظ شمس الدين ابن الجزري، حيث قال الحافظ السيوطي: "ثم رأيت إمام القراء الحافظ شمس الدين ابن الجزري قال في كتابه المسمى (عرف التعريف بالمولد الشريف) ما نصه: قد رؤي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له: ما حالك؟ فقال: في النار إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين، وأمص من بين أصبعي ماء بقدر هذا- وأشار لرأس أصبعه -، وأن ذلك بإعتاقي لثويبة عندما بشرتني بولادة النبي وبإرضاعها له. فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى اله عليه وسلم به فما حال المسلم الموحد من أمة النبي يسر بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيمة".


أبو شامة (شيخ النووي)، حيث قال: "ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل كل عام في اليوم الموافق لمولده صلى الله عليه وآله وسلم من الصدقات، والمعروف، وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مشعرٌ بمحبته صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك وشكراً لله تعالى على ما منّ به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين".

الشهاب أحمد القسطلاني (شارح البخاري)، حيث قال: "فرحم الله امرءا اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادا، ليكون أشد علة على من في قلبه مرض وإعياء داء".

الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي، حيث قال في كتابه المسمى (مورد الصادي في مولد الهادي): "قد صح أن أبا لهب يخفف عنه عذاب النار في مثل يوم الاثنين لإعتاقه ثويبة سرورًا بميلاد النبي "، ثم أنشد:
إذا كان هـذا كافرًا جـاء ذمـه وتبت يـداه في الجحـيم مخـلدًا
أتى أنـه في يـوم الاثنين دائـمًا يخفف عنه للسـرور بأحــمدا
فما الظن بالعبد الذي طول عمره بأحمد مسرورٌ ومات موحـــدًا


من المتأخرىن:
محمد الطاهر بن عاشور شيخ جامع الزيتونة ومن أبرز علماء المالكية، أيّد الاعتناء بيوم المولد النبوي في قوله: ""فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِلْمَوَاقِيتِ الْمَحْدُودَةِ اعْتِبَارًا يُشْبِهُ اعْتِبَارَ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ الْمُتَجَدِّدِ، وَإِنَّمَا هَذَا اعْتِبَارٌ لِلتَّذْكِيرِ بِالْأَيَّامِ الْعَظِيمَةِ الْمِقْدَارِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إِبْرَاهِيم: 5] ، فَخَلَعَ اللَّهُ عَلَى الْمَوَاقِيتِ الَّتِي قَارَنَهَا شَيْءٌ عَظِيمٌ فِي الْفَضْلِ أَنْ جَعَلَ لِتِلْكَ الْمَوَاقِيتِ فَضْلًا مُسْتَمِرًّا تَنْوِيهًا بِكَوْنِهَا تَذْكِرَةً لِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لِأَجْلِهِ سُنَّةَ الْهَدْيِ فِي الْحَجِّ، لِأَنَّ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ ابْتَلَى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ وَأَظْهَرَ عَزْمَ إِبْرَاهِيمَ وَطَاعَتَهُ رَبَّهُ وَمِنْهُ أَخَذَ الْعُلَمَاءُ تَعْظِيمَ الْيَوْمِ الْمُوَافِقِ لِيَوْمِ وِلَادَةِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَجِيءُ مِنْ هَذَا إِكْرَامُ ذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبْنَاءِ الصَّالِحِينَ وَتَعْظِيمِ وُلَاةِ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَائِمِينَ مَقَامَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَعْمَالِهِمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالْأَئِمَّةِ" .

حسنين محمد مخلوف شيخ الأزهر، حيث قال: "إن إحياء ليلة المولد الشريف وليالي هذا الشهر الكريم الذي أشرق فيه النور المحمدي إنما يكون بذكر الله وشكره لما أنعم به على هذه الأمة من ظهور خير الخلق إلى عالم الوجود، ولا يكون ذلك إلا في أدب وخشوع وبعد عن المحرمات والبدع والمنكرات. ومن مظاهر الشكر على حبه مواساة المحتاجين بما يخفف ضائقتهم، وصلة الأرحام، والإحياء بهذه الطريقة وإن لم يكن مأثورا في عهده صلى الله عليه وآله وسلم ولا في عهد السلف الصالح إلا أنه لا بأس به وسنة حسنة".



محمد الفاضل بن عاشور من علماء تونس البارزين، في قوله: "إن ما يملأ قلوب المسلمين في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول كل عام من ناموسِ المحبة العُلوي، وما يهزّ نفوسهم من الفيض النوراني المتدفق جمالا وجلالا، ليأتي إليهم محمّلا من ذكريات القرون الخالية بأريج طيب ينمّ عما كان لأسلافهم الكرام من العناية بذلك اليوم التاريخي الأعظم، وما ابتكروا لإظهار التعلّق به وإعلان تمجيده من مظاهر الاحتفالات، فتتطلع النفوسُ إلى استقصاء خبر تلك الأيام الزهراء والليالي الغراء؛ إذ المسلمون ملوكاً وسوقةً (أي عامتهم) يتسابقون إلى الوفاء بالمستطاع من حقوق ذلك اليوم السعيد".

محمد الشاذلي النيفر، شيخ الجامع الأعظم في تونس، في قوله: "وَأَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ مَا يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ «ابْنِ حَجَرٍ» وَ«السّيُوطِيِّ» أَنَّ اللَّـهَ أَوْجَبَ عَلَيْنَا مَحَبَّةَ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَعْدَ مَحَبَّتِهِ جَلَّ وَعَلَا، وَذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْنَا تَعْظِيمَ كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمِنْ ذَلِكَ تَعْظِيمُ يَوْمِ مَوْلِدِهِ بِالاحْتِفَالِ بِهِ بِمَا يُجِيزُهُ الشَّرْعُ الكَرِيمُ" .

محمد متولي الشعراوي من علماء مصر، حيث قال: "وإكرامًا لهذا المولد الكريم فإنه يحق لنا أن نظهر معالم الفرح والابتهاج بهذه الذكرى الحبيبة لقلوبنا كل عام وذلك بالاحتفال بها من وقتها".

المبشر الطرازي، شيخ علماء تركستان: حيث قال: "إن الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف أصبح واجبًا أساسيًا لمواجهة ما استجد من الاحتفالات الضارة في هذه الأيام".

محمد علوي المالكي، حيث قال: "إننا نقول بجواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والاجتماع لسماع سيرته والصلاة والسلام عليه وسماع المدائح التي تُقال في حقه، وإطعام الطعام وإدخال السرور على قلوب الأمة".

 الفقيد محمد سعيد رمضان البوطي، ابرز علماء السنة في سوريا حيث قال: "الاحتفال بذكرى مولد رسول الله نشاط اجتماعي يبتغي منه خير دينيّ، فهو كالمؤتمرات والندوات الدينية التي تعقد في هذا العصر، ولم تكن معروفة من قبل. ومن ثم لا ينطبق تعريف البدعة على الاحتفال بالمولد، كما لاينطبق على الندوات والمؤتمرات الدينية. ولكن ينبغي أن تكون هذه الاحتفالات خالية من المنكرات".

عبد الله بن بيه، أحد أكبر العلماء السنة المعاصرين والنائب السابق لرئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين،  حيث قال: "فحاصل الأمر أن من احتفل به فسرد سيرته والتذكير بمناقبه العطرة احتفالاً غير ملتبس بأي فعل مكروه من النّاحية الشرعية وليس ملتبساً بنيّة السنّة ولا بنيّة الوجوب فإذا فعله بهذه الشروط التي ذكرت؛ ولم يلبسه بشيء مناف للشرع، حباً للنبي ففعله لا بأس به إن شاء اللهُ وهو مأجور".

نوح القضاة مفتي الأردن سابقاً، حيث قال: "ولا شك أن مولد المصطفى من أعظم ما تفضل الله به علينا، ومن أوفر النعم التي تجلى بها على هذه الأمة؛ فحق لنا أن نفرح بمولده ".

علي جمعة مفتي مصر سابقا، حيث قال: "الاحتفال بذكرى مولده من أفضل الأعمال وأعظم القربات؛ لأنه تعبير عن الفرح والحب له، ومحبة النبي أصل من أصول الإيمان".

وهبة الزحيلي، حيث قال: "إذا كان المولد النبوي مقتصرًا على قراءة القرآن الكريم، والتذكير بأخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، وترغيب الناس في الالتزام بتعاليم الإسلام وحضّهم على الفرائض وعلى الآداب الشرعية، ولايكون فيها مبالغة في المديح ولا إطراءٌ كما قال النبي (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ولكن قولوا عبد الله ورسوله) وهذا إذا كان هذا الاتجاه في واقع الأمر لا يُعد من البدع".

محمد بن عبد الغفار الشريف، الأمين العام للأوقاف في الكويت، حيث قال: "الاحتفال بمولد سيد الخلق عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم أمر مستحب، وبدعة حسنة في رأي جماهير العلماء".

محمد راتب النابلسي، حيث قال: "الاحتفال بعيد المولد ليس عبادة ولكنه يندرج تحت الدعوة إلى الله، ولك أن تحتفل بذكرى المولد على مدى العام في ربيع الأول وفي أي شهر آخر، في المساجد وفي البيوت".

عمر بن حفيظ، حيث قال: "مجالس الموالد كغيرها من جميع المجالس؛ إن كان ما يجري فيها من الأعمال صالح وخير، كقراءة القران، والذكر للرحمن، والصلاة على النبي، وإطعام الطعام للإكرام ومن أجل الله، وحمد الله، والثناء على رسوله، ودعاء الحق سبحانه، والتذكير والتعليم، وأمثال ذلك مما دعت إليه الشريعة ورغبت فيه؛ فهي مطلوبة ومندوبة شرعاً".





فتوى الامامين ابن باديس والابراهيمي حول مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

 فتوى الامامين ابن باديس والابراهيمي حول مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف



قال الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في "مجالس التّذكير من حديث البشير النّذير" ، من مطبوعات وزارة الشؤون الدينية ، صفحة 287 :
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، وعلى اسم الجزائر الرّاسخة في إسلامها، المتمسّكة بأمجاد قوميتها وتاريخها ـ أفتتح الذّكرى الأولى بعد الأربعمائة والألف من ذكريات مولد نبي الإنسانيّة ورسول الرّحمة سيّدنا ومولانا محمّد بن عبد اللّه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ـ في هذا النّادي العظيم الّذي هو وديعة الأمّة الجزائريّة عند فضلاء هذه العاصمة ووجهائها.لسنا وحدنا في هذا الموقف الشّريف لإحياء هذه الذّكرى العظيمة، بل يشاركنا فيها نحو خمسمائة مليون من البشر في أقطار المعمورة كلّهم تخفق أفئدتهم فرحا وسرورا وتخضع أرواحهم إجلالا وتعظيما لمولد سيّد العالمين.اهــــ

وقال أيضا [ نفس المصدر ، صفحة 289 ] :

ما الدّاعي إلى إحياء هذه الذّكرى ؟

المحبّة في صاحبها.

إنّ الشّيء يحبّ لحسنه أو لإحسانه وصاحب هذه الذّكرى قد جمع ـ على أكمل وجه ـ بينهما.اهــــ

وقال في المصدر ذاته ، صفحة 289-290:

فمن الحقّ والواجب أن يكون هذا النّبيّ الكريم أحبّ إلينا من أنفسنا وأموالنا ومن النّاس أجمعين ولو لم يقل لنا في حديثه الشّريف : "لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين" وكم فينا من يحبّه هذه المحبّة ولم يسمع بهذا الحديث ؟ فهذه المحبّة تدعونا إلى تجديد ذكرى مولده في كلّ عام.

ما الغاية من تجديد هذه الذّكرى ؟

استثمار هذه المحبّة.

ان محبتنا فيه تجعلنا نحب كل خلق من أخلاقه وكل عمل من أعماله ففي ذكريات مولده نذكر من أخلاقه ومن أعماله ما يزيدنا فيه محبة ويحملنا على الاقتداء به فنستثمر تلك المحبة بالهداية في أنفسنا ،ونشرها في غيرنا....

وقال أيضا في قصيدته المشهورة والمنشورة في المصدر ذاته ، صفحة 307-309:

تحية المولد الكريم

حـيـيـت يـا جـمعَ الأدب ****** ورقـيـت سـامـيـةَ الرتبْ

وَوُقِـيـتَ شـرَّ الكـائـديـ ****** ن ذوى الدسـائـس والشغبْ

ومُـنِـحْـت في العليـاء مـا ****** تسـمـو إلـيـه مـن أربْ

أحـيـيـت مـولـد من بـه ****** حـييَ الأنـام على الحِـقَـبْ

أحـيـيـت مـولـوده بـما ****** يُبرى النـفـوسَ مـن الوصبْ

بالـعـلـم والآداب و الـ ****** أخـلاق في نـشءٍ عـجـبْ

الى آخر القصيدة التي ألقاها.

وقال الشيخ البشير الإبراهيمي أيضاً كما جاء في : " آثار الإمام محمّد البشير الإبرهيمي " المجلد الثاني الصفحة 343 :

إحياء ذكرى المولد النبوي إحياء لمعاني النبوة ، و تذكير بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من هدى ، وما كان عليه من كمالات نفسية ، فعلى المتكلمين في هذه الذكرى أن يذكّروا المسلمين بما كان عليه نبيهم من خلق عظيم ، وبما كان لديهم من استعلاء بتلك الأخلاق.

لهذه الناحية الحية نجيز إقامَ هذه الاحتفالات، ونعدّها مواسم تربية ، ودروس هداية ، والقائلون ببدعيتها إنما تمثلوها في الناحية الميتة من قصص المولد الشائعة.اهـــــ.

علماء الجزائر والمولد النبوي الشريف
ليلة مولده خير من ليلة القدر

لا يزال أهل العلم والصلاح في الجزائر يحتفلون بمولده صلى الله عليه وسلم ويؤلفون في ذلك المؤلفات والتصانيف، وقد ألف الإمام ابن مرزوقكتابا سماه ''جنا الجنتين في شرف الليلتين'' ذهب فيه إلى تفضيل ليلة مولده صلى الله عليه وسلم على ليلة القدر.
احتج لما ذهب إليه بإحدى وعشرين وجها من جملة الأدلة قوله:
ـ إن ليلة المولد ليلة ظهوره صلى الله عليه وسلموليلة القدر معطاة له، وما شرف بظهوره ذات المشرف أشرف مما شرف بسبب ما أعطيه، وليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها وليلة المولد شرفت بظهور النبي صلى الله عليه وسلم فيها ـ ومن شرفت به ليلة المولد أفضل ممن شرفت بهم ليلة القدر على الأصح ـ ثم قال ـ اعلم أن الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلمبعينها لا ينبغي أن يختلف في تفضيلها على كل ليلة من الليالي على الإطلاق، باعتبار الواقع فيها، وإنما الكلام في تفضيل ما وافقها من ليالي السنة وهذا هو الذي ينظر فيه مع ليلة القدر. ولمن يرغب في التفاصيل مراجعة كتاب ـ المعيار المعرب ـ للإمام الونشريسي الجزائري ج 11 ص 280 ـ .289
أما الإمام الونشريسي نفسه فيصف المولد النبوي الشريف في معياره ج 8 ص 255 ''هو موسم عظيم عند أهل ملة الإسلام يعتنون به في الحواضر تعظيما لنبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم''. اهـ
أما شيخ الإسلام الإمام المحدث العربي التبانيالعالم الجزائري الذي ظل خمسين سنة وهو ينشر العلم الصحيح بالحرم المكي الشريف فيقول في كتابه ـ التوسل بالنبي وبالصالحين ـ ص 113 ''عمل المولد وإن حدث بعد السلف الصالح ليس فيه مخالفة لكتاب الله ولا لسنة رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا لإجماع المسلمين، فلا يقول من له مسكة من عقل ودين بأنه مذموم فضلا عن كونه منكرا عظيما، وكون السلف الصالح لم يفعلوه صحيحا، ولكنه ليس بدليل وإنما هو عدم دليل، ويستقيم الدليل على كونه ممنوعا أو منكرا لو نهى الله تعالى عنه في كتابه العزيز أو نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته الصحيحة، ولم ينه عنه فيهما..'' اهـ
ـ راجع أيضا كتابه براءة الأشعريين من عقائد المخالفين، الذي طبعه باسم ابن مرزوق ـ خوفا على نفسه من بطش ''الحشوية''.
أما الإمام المصلح المجدد ابن باديس مفسر القرآن، فكان يغتنم ذكرى المولد النبوي الشريف ليذكر الناس بشمائل المصطفى وسننه التي اندرست يقول في خطبة ألقاها بمناسبة المولد ''...لسنا وحدنا في هذا الموقف الشريف لإحياء هذه الذكرى العظيمة، بل يشاركنا فيها البشر في أقطار المعمورة كلهم تخفق أفئدتهم فرحا وسرورا وتخضع أرواحهم إجلالا وتعظيما لمولد سيد العالمين. بل تشاركنا في موقفنا هذا الإنسانية كلها، وإذا لم يكن بلسان مقالها فبلسان حالها. ما الداعي إلى إحياء هذه الذكرى؟ المحبة لصاحبها، فالشيء يحب لحسنه أو لإحسانه، وصاحب هذه الذكرى قد جمع على أكمل وجه بينهما ـ ثم يضيف هذا الإمام الجليل فيقول ـ هذه المحبة تدعونا إلى تجديد ذكرى مولده في كل عام/. ما الغاية من تجديد هذه الذكرى؟ استثمار هذه المحبة.. إن محبتنا فيه تجعلنا نحب كل خلق من أخلاقه وكل عمل من أعماله..
ففي ذكريات مولده نذكر من أخلاقه لا من أعماله ما يزيدنا فيه محبة ويحملنا على الاقتداء به، فنستثمر تلك المحبة بالهداية في أنفسنا ونشرها في غيرنا.. تلك الهداية التي لا يجد العالم سعادة حقة إلا إذا تمسك بها.. اهـ
جمعية العلماء المسلمين تحتج على حكومة مراكش
لم تكتف جمعية العلماء المسلمين بقيادة الإمام ابن باديس بإحياء المولد النبوي الشريف، بل أعلنت عن غضبها واحتجاجها لما أقدمت الحكومة الفرنسية الاستعمارية على منع المسلمين بمدينة مراكش المغربية من إقامة الاحتفال. جاء في نص برقية الاحتجاج ما يلي:
وزير الخارجية بباريس والمقيم العام بالرباط،
إن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تحتج بكل شدة وبالنيابة عن كافة المسلمين ضد منع الاحتفالات التي نوى إقامتها مسلمو مراكش بمناسبة موسم المولد النبوي الشريف وتعتبر هذا المنع اعتداء فادحا على الحرية الدينية وعلى شرف مسلمي المغرب الأقصى والعالم بأسره، وتعلمكم بأن تكرار حادث من هذا القبيل يقضي على عواطف المسلمين بلا استثناء نحو دولة فرنسا.
إمضاء: عبد الحميد بن باديس
هذا هو ابن باديس في صورته الحقيقية الناصعة لا يحتفل بالمولد فقط، بل يندد بالاستعمار الذي يمنعه ويهدد الحكومة الفرنسية إن كررت المنع يعتبر منع الاحتفال بالمولد اعتداء فادحا على شرف مسلمي العالم بأسره!!
أما الشيخ العلامة طاهر آيت علجات فيقول ''نحن في أشد الحاجة اليوم كما في الأمس إلى نشر سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وعمارة المساجد بتلاوة سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وبيان أخلاقه وسلوكه ونشر سيرته العطرة والتمسك بأخلاقه والاقتداء بسيرته في أفراحنا واجتماعاتنا وفي مدارسنا ليكون ذلك عونا في هذا الوقت العصيب''. اهـ
فإذا ذهبنا إلى الإمام الشيخ شارف مفتي المالكية بالعاصمة، نجده يقول ''الاحتفال بالمولد النبوي الشريف جائز إذا انتفت المحرمات التي تصاحب هذاالاحتفال، ثم احتج بفتوى لسعيد حوى مقرا لها جاء فيها ''والذي نقوله: أن يعتمد شهر المولد كمناسبة يذكر بها المسلمون بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشمائله، فذلك لا حرج وأن يعتمد شهر المولد كشهر تهيج فيه عواطف المحبة نحو رسول الله صلى الله عليه وسلمفذلك لا حرج فيه، وأن يعتمد شهر المولد كشهر يكثر فيه الحديث عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك لا حرج فيه... اهـ
أما فضيلة الشيخ العلامة المبتسم محمد شريف قاهر فيقول ''حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم جعلنا نستبشر ونفرح بهذا الشهر المبارك، والعائلات الجزائرية المسلمة تحتفل وخاصة في ليلة المولد النبوي الشريف، فتوقد الشموع وتشتري ''الوزيعة'' والناس كلهم يفرحون بهذا اليوم، فالإنسان ينبغي أن يشكر نعمة الله تبارك وتعالى عليه وما أكثر نعم الله، ولعل أعظم نعمة بالنسبة إلينا أن جعلنا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولعل من نعم الله تبارك وتعالى أن جعلنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلمونتمسك بسنته وبشريعته، ودائما نحترم من كان يتسمى بمحمد كما ذكر القاضي عياض في كتابه ''الشفا'' ونحتفل بهذا اليوم السعيد، ونذكر أبناءنا وبناتنا بحياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكيف نشأ وكيف تربى ونجعل الأولاد يفرحون ويسألون الأمهات والجدات والآباء والإخوان عن اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتدون بسيرته العطرة. انتهى.
هذه عينة من رأي علمائنا الفطاحل الجزائريين الذين ملأوا الدنيا علما وصلاحا. ولو رحنا نجمع كل ما قاله علماؤنا لملأنا المجلدات الطوال.
هذا رأي الإمام، ابن مرزوق التلمساني والإمام الونشريسي وشيخ الإسلام العربي التباني ومفتي المالكية الشيخ شارف والإمام محمد شريف قاهر وغيرهم كثير كلهم مجمعون على تعظيم ليلة مولده صلى الله عليه وسلم، منكرين للمخالفات الشرعية التي أحدثها الجهال في هذه الليلة

يفرقون بين الليلة وما يقع فيها، ولنا أن نعجب كيف نترك فتاوى علمائنا الأجلاء لصالح فتاوى البدعة والغلو والتشدد التي لم تجن منها الأمة الجزائرية إلا مزيدا من التعصب والتشرذم.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا حشوي المجامع
منقول للامانة