هل تحرّم سورة لقمان الموسيقى؟
مقدمة: تحرير محل النزاع في النص القرآني
يستند القائلون بتحريم الغناء والموسيقى في المقام الأول إلى قوله تعالى في سورة لقمان: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين). وحيث إنهم يفسرون "لهو الحديث" بالمرادف الحتمي للغناء والمعازف، فإن المحاكمة العلمية (اللغوية والأصولية) لسياق الآية وبنيتها التركيبية تثبت تهافت هذا الاستدلال وعدم صموده أمام النقد المعرفي، وذلك عبر أربعة أوجه رئيسية:
أولاً: الدلالة اللغوية الواسعة لـ "اللهو" إن "اللهو" في وضع اللسان العربي هو: (كلّ شيء شغلك عن شيء فقد ألهاك). وبناءً على هذا التعريف اللغوي العام، فإن اللفظ يتسع ليدخل تحته الحق والباطل، والحلال والحرام، والفرائض والمباحات، فلا يصح قصر لفظة عامة في أصل وضعها على فرد واحد دون قرينة موجبة.
ثانياً: فقه الإضافة والتقييد (لهو الحديث)
لم يأتِ لفظ "اللهو" في الآية الكريمة مطلقاً، بل جاء مقيداً بالإضافة إلى الحديث: (لهو الحديث). والقاعدة البيانية تقضي بأن الإضافة تخصص المعنى؛ فخرج بهذا القيد كلّ لهو لا يوصف بكونه "حديثاً" أو كلاماً. وعلى ذلك، يبطل زعم من يقول إن المعنى ينصرف بالاطلاق إلى المعازف والآلات الموسيقية، بل الصحيح أن اللفظ عام في كلّ "كلامٍ يُتلهّى به"، ويشمل ذلك الأساطير، والقصص، والأشعار الساقطة، والحديث الخرافي، وكل ما يُشغل به المرء من منطق لغوي.
ثالثاً: مناط الحكم وعلة الوعيد إن الآية الكريمة لم تعلِّق حكم الذم والعذاب المهين على مجرد "شراء" لهو الحديث أو حيازته، وإنما علقته بشرط مقيد وعلة واضحة وهي: (ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً). واللام هنا تعليلية سببية؛ فالمناط هو قصد الصد عن دين الله، والتهكم بشريعته، واستبدال القرآن بالأباطيل لإفساد عقائد الناس. فأين هذا السياق مِمَّن يشتري كتاباً، أو قصة، أو ديوان شعر، أو يسمع لحناً ونغماً بقصد التسلية، والترويح عن النفس، والاستجمام الفطري المباح؟!
رابعاً: المحاكمة بنصوص السنّة الصحيحة من أمحل المحال يميناً وعقلاً، أن يكون "لهو الحديث" المذموم في القرآن والذي توعد الله صاحبه بالعذاب المهين هو ذاته "اللهو" الذي ندب إليه النبي ﷺ ورغّب فيه؛ وذلك في قوله لأم المؤمنين عائشة في عرس الأنصار: (أما كان معكم من لهو؛ فإن الأنصار يعجبهم اللهو). فالجمع بين النصين يقتضي حتماً تفكيك مغالطة المحرمين، والتفريق بين لهو منكر غايته الإضلال، ولهو مباح غايته البهجة والسرور.
خاتمة وخلاصة إن دلالة الآية من سورة لقمان واضحة مستقيمة: فالقرآن لم يذم مجرد اشتراء اللهو أو سماع الطيب من النغم والكلام، وإنما صبّ جام غضبه ووعيده على من يتخذ من وسائل الكلام والحديث ذريعة مبيتة لـ "يُضِلَّ" الناس عن الشريعة ويسخر بآيات الله. فإذا رُفعت علة الإضلال والصد، عاد السماع إلى أصله من التيسير والإباحة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق