فقه البهجة: الدلالات التشريعية لحديث الجاريتين في بيت النبوة
مقدمة: السنّة التقريرية ومواجهة نزعة التضييق يظل الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حين دخل عليها رسول الله ﷺ في أيام مِنى وعندها جاريتان تغنيان وتضربان بدفين، العمدةَ في إثبات مشروعية السماع والبهجة. فرسول الله ﷺ كان مسجّى بثوبه، لم يأمرهن ولم ينههن، حتى دخل أبو بكر الصديق فانتهرهما، فكشف النبي ﷺ عن وجهه وقال: (دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد). إن هذا الحديث يمثل برهاناً ساطعاً على إباحة الغناء والموسيقى في أصل الفطرة، ويكشف عبر فوائده المستنبطة تهافت مسلك الذين يصرون على تحريم ما أحل الله.
ويمكن تصنيف الفوائد التشريعية والعقدية المستخلصة من هذا الحديث المتفق عليه إلى أربعة محاور رئيسية:
أولاً: فقه السماع وضوابط العلاقة بين الجنسين
مشروعية غناء النساء وسماعه: يثبت الحديث جواز غناء البنات والنساء وسماع المرأة لغيرها من النساء، كما فعلت السيدة عائشة رضي الله عنها بجلبهن وإقرار السماع في حجرتها.
سماع الرجل لغناء المرأة عند أمن الفتنة: وجود النبي صلى الله عليه وسلم في البيت، واستماع الصديق أبي بكر للجاريتين بعد توجيه النبي ﷺ بـ "تركهما"، يوضح جواز سماع الرجل للمرأة وهي تغني ما دام الغناء حسناً وخالياً من الفواحش والمنكرات، مع غض البصر ورعاية الخصوصية.
إدخال البهجة على الأهل: يدل الحديث على استحباب إشاعة السرور وجلب المغنيات أو وسائل الترفيه المباحة إلى البيوت في المناسبات السعيدة ترويحاً عن الأهل، وهو مسلك سنّي يعرض عنه غلاة المنع والتنطع.
ثانياً: التأصيل الفقهي للآلة الموسيقية
جواز استخدام الآلة في البيوت: الدف آلة موسيقية إيقاعية معتبرة، وعزف الجاريتين به بحضور النبي ﷺ وزوجته وأبي بكر دليل صريح على جواز استخدام الآلات الإيقاعية لإعلان الفرح والبهجة.
جواز تعدد الآلات في المجلس الواحد: نص الحديث على ضربهما بـ "دفين"، مما يعني استخدام أكثر من آلة موسيقية في آن واحد، وهو ما ينقض دعاوى المنع المتكلفة.
مفهوم "المزمار" في لغة السنّة: استنكار الصديق رضي الله عنه بقوله: "مزمار الشيطان" يُظهر أن الدف عُومل معاملة الآلات الموسيقية، وكلمة "المزمار" هنا اسم جنس يُقصد به مطلق الآلة الموسيقية، بما يشمل الآلات النفخية المعاصرة (كالناي، والكلارينيت، والساكسفون)، فالإقرار النبوي للفعل شرعنةٌ لأصل المعزوفة الإيقاعية.
ثالثاً: الخلل الأصولي والعقدي في خطاب التحريم
حجية الإقرار النبوي وتقديم السنّة: من أشد الانحرافات المنهجية في الخطاب الوعظي المعاصر، الاستدلال بعبارة أبي بكر رضي الله عنه ("مزمار الشيطان") وترك رد النبي ﷺ وعدم إقراره له. فالسنّة في تعريفها الأصولي هي ما جاء عن المعصوم من قول أو فعل أو إقرار، والنبي ﷺ لم يقر أبا بكر بل صوّب فعل الجاريتين وأم المؤمنين، وكلام الشارع مقدّم على كل أحد دون استثناء.
تفنيد دعوى الخصوصية: الادعاء بأن هذا الفعل رخصة خاصة بأم المؤمنين عائشة لصغر سنها هو طعن مبطن؛ فالسيدة عائشة هي أعلم نساء الأرض إطلاقاً بحكم ترجمة الحافظ ابن حجر العسقلاني لها، والفعل تم بمشهد وإقرار من صاحب الشريعة ﷺ، والأصل في الأحكام العموم والتشريع للأمة مالم يرد دليل التخصيص.
رابعاً: رد الانحرافات الوعظية في مفهوم العيد
مشروعية الاحتفال والتعبير عن الفرح: العبارة النبوية صريحة: (فإنها أيام عيد)، وهي تأصيل شرعي لربط الغناء والعزف بإظهار البهجة في المناسبات السعيدة والأعياد.
نقض الخطاب التنفيري: درج بعض الخطباء على ترديد جمل غير سويّة تخالف روح السنّة، مثل: "ليس العيد لمن لبس الجديد، وإنما العيد لمن خاف يوم الوعيد". فالسنّة المطهرة حثت على التجمل ولبس الجديد والاحتفال، أما الخوف من يوم القيامة فهو شعور إيماني ملازم للمسلم في حياته العامة، ولا ينبغي توظيفه لقمع مظاهر الفرح المباحة التي شرعها الله لعباده في أعيادهم.
خاتمة: كفاية الدليل إن هذا الحديث وحده، بنصوصه ورواياته الصحيحة، كافٍ لمن ألقى السمع وهو شهيد لإثبات أن الغناء والعزف بالدف وسماعهما لا يخرج عن دائرة الجواز والإباحة الشرعية، وأنه مظهر من مظاهر يسر هذا الدين الحنيف وسعته التي تراعي الفطرة الإنسانية السوية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق