هل كل ما استُحدث بعد النبي ﷺ هو بدعة مذمومة؟
من أكثر الأخطاء شيوعًا أن تُستعمل كلمة "البدعة" استعمالًا واحدًا، دون التفريق بين معانيها عند العلماء.
فكثير من الناس إذا سمع كلمة "بدعة" ظن أنها تعني دائمًا الضلالة المحرمة.
بينما الواقع أن العلماء تكلموا عن البدعة من جهتين مختلفتين:
- البدعة بالمعنى اللغوي.
- والبدعة بالمعنى الشرعي.
وهذا التفريق هو مفتاح فهم كثير من النصوص.
البدعة في اللغة
البدعة في أصل اللغة هي:
إحداث شيء لم يكن موجودًا من قبل.
قال تعالى:
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
أي: مُنشئهما على غير مثال سابق.
وعلى هذا المعنى اللغوي قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح:
«نعمت البدعة هذه.»
ولو كانت كلمة "البدعة" لا تُستعمل إلا في الضلالة، لما مدحها عمر، وهو الخليفة الراشد الذي أمرنا النبي ﷺ بالاقتداء بسنته.
ولهذا قال العلماء: أراد عمر البدعة اللغوية؛ أي الشيء الجديد بالنسبة إلى صورته الاجتماعية، لا أنه أحدث عبادة تخالف الشريعة.
أما البدعة الشرعية...
فهي ما أُحدث في الدين مما يخالف القرآن، أو السنة، أو الإجماع، أو أصول الشريعة.
ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله:
"المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سنةً أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلالة. والثاني ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذمومة."
وهذا النقل من أشهر ما روي عن الإمام الشافعي، وقد استشهد به عدد من الأئمة بعده.
إذن...
ليس كل جديدٍ مذمومًا.
وإنما المذموم هو ما خالف أصول الدين.
الواقع يؤكد ذلك
لو أخذنا بظاهر عبارة:
"كل جديد في الدين بدعة."
لوجب علينا أن نحكم على أشياء كثيرة بالتحريم، مع أن المسلمين جميعًا يعملون بها.
فالمصاحف المطبوعة...
والمآذن...
ومكبرات الصوت...
وطباعة كتب الحديث...
وتدوين علوم النحو...
وعلم أصول الفقه...
وعلم مصطلح الحديث...
كلها أمور لم تكن في زمن النبي ﷺ بهذه الصورة.
ومع ذلك لم يقل أحد إنها ضلالة؛ لأنها وسائل تخدم الدين، ولا تناقض نصًا شرعيًا.
فالجِدة وحدها ليست سببًا للتحريم.
لماذا قال النبي ﷺ: «كل بدعة ضلالة»؟
لأن المقصود البدعة التي تُنشأ في أصل الدين، أو التي تعارض نصوصه ومقاصده.
أما ما كان من الوسائل والاجتهادات والمصالح المعتبرة، فله باب آخر تكلم فيه الأصوليون تحت أسماء مثل:
- المصالح المرسلة.
- سد الذرائع.
- فتح الذرائع.
- العرف.
- تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان.
ولهذا نجد أن كبار العلماء الذين شرحوا حديث:
«كل بدعة ضلالة»
لم يفهموه على أنه إلغاء لكل جديد، وإنما حملوه على ما خالف الشريعة.
أين يقع الاحتفال بالمولد؟
هنا موضع الخلاف الحقيقي.
فالمانعون يرونه عبادة مستقلة لم تثبت.
أما المجيزون فيرونه وسيلة مشروعة لا تخرج عن أعمال ثبتت مشروعيتها أصلًا، مثل:
- قراءة القرآن.
- الصلاة على النبي ﷺ.
- تعليم السيرة.
- إطعام الطعام.
- الصدقة.
- التذكير بأيام الله.
ولهذا كان الخلاف بين العلماء في التكييف الفقهي لهذا الاجتماع، لا في مشروعية هذه الأعمال نفسها.
ومن هنا لا يصح أن يُختزل الخلاف في عبارة:
"كل بدعة ضلالة."
دون بيان معنى البدعة عند أهل العلم، ودون التفريق بين البدعة الشرعية والبدعة اللغوية، وبين المقاصد والوسائل.
الميزان الصحيح
ليس السؤال:
هل هذا الأمر جديد؟
بل السؤال:
- هل يخالف نصًا قطعيًا؟
- هل يناقض أصلًا من أصول الشريعة؟
- هل يشتمل على محرم؟
- أم أنه وسيلة لتحقيق مقصد مشروع؟
فإذا وافق أصول الشريعة، وخدم مقاصدها، ولم يعارض نصًا، كان محل اجتهاد بين العلماء، لا محل تبديع وتضليل.
ولهذا كان الأئمة يختلفون في بعض المستحدثات، لكنهم لم يجعلوا كل خلاف سببًا للطعن في الدين أو في نيات المسلمين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق